ログインمات هاشم الهاشم فجر الخميس، قبل أن يعرف أن القراءات المزوّرة انكشفت وأن ما قاله على السرير أصبح سندًا.جاءها الخبر من كريم، بصوت مبحوح لا يشبه أي صوت سمعته منه من قبل: أبي انتهى. ماتت ضربات قلبه نصف الليل. لم أستطع أن أتصل بيوسف. ظلّ جالسًا جنبه في الغرفة ولا يرفع رأسه.ذهبت إلى المستشفى في السادسة، ورأته حيث قال كريم: جالسًا على الكرسي المعدني، ويده ممدودة تلمس يد الجسد الممدّد، وعيناه مفتوحتان على الجدار. لم تتكلم. وقفت خلفه لحظة، ثم وضعت كفّها على كتفه برفق، فلم يتحرك.ظلّا هكذا دقائق طويلة. ثم همس بصوت ملؤه الرمل:كنتُ أريده أن يموت وأنا غاضب منه. وها هو يموت، ولا أعرف أين أضع هذا الغضب.ضعه بجانب الحزن، قالت. هما يتعايشان.جاءت الممرضة بملف الوفاة وسألت عن اسم الأقرب لتوقيع الاستلام. نهض يوسف كمن يُستدعى من قاع بئر ووقّع بخط ثابت، ثم التفت إلى سارة:أبي طلب مني أن أسألك شيئًا قبل أن يموت. لم أجرؤ حتى الآن.اسأل.طلب ألّا تغفري له بسرعة. قال إن المغفرة السريعة تشبه الإهمال، وإنه يريدك أن تنتظري الحقيقة كلها.جرت الجنازة بعد ظهر ذلك اليوم في مسجد صغير بالمنتزه. امتلأ الصحن برجال في
وصلت لوسي كارتر إلى الإسكندرية في صباح عاصف، بحقيبة سوداء وسترة رمادية ونظرة لا تعرف المجاملة. كانت مدقّقة من لندن، في الخمسين من عمرها، تتحدث العربية بلكنة ثقيلة لكنها دقيقة، وقد قالت لريم الجندي في المطار إنها لا تريد فنجان قهوة، بل تريد الأرقام.استقبلتها سارة عند بوابة الفنار بخوذة بيضاء وابتسامة منضبطة.أهلًا بك في الموقع.دعينا نبدأ من الأساسات، قالت لوسي.لكن قبل أن تنزل إلى الحفر طلبت أن ترى سجلّ الرواتب. جلست في الكرفان تقلّب الكشوف، ثم نادت العم حسن وسألته بعربية متعثرة عن أجره اليومي ومتى يقبضه وهل تتأخر الدفعات. أجاب العجوز بصراحة أن الرواتب تُدفع في موعدها منذ أن جاءت الآنسة سارة، وأن هذا لم يحدث في مشاريع أكبر. دوّنت لوسي الجواب بلا تعليق، ثم رفعت رأسها وقالت: والآن، الأساسات.مشوا في البهو الطويل، وعرض يوسف قراءات الحسّاسات الخاصة بالتحرك الأرضي، متتبعًا بمؤشر الليزر خطوطًا على الشاشة. هزّت لوسي رأسها بتفحّص.الهبوط في الركن الشمالي سبعة ملّيمترات شهريًا. فما الذي حدث هنا؟بعد بدء التدعيم ثبت عند مليمتر واحد.أرني السجل.أخرج يوسف الجهاز اللوحي، ثم تجمّد. كانت القراءات
عاد الأسبوع بما يمليه عادل المنصور على الدنيا: رسالة من البنك مختومة بالأحمر.وصلتْ إلى المرسم صباح الاثنين، وتسلّمها تامر وهو يقلّبها بيدين مرتجفتين. فتحتها سارة بهدوء، وقرأت الفقرة الأولى مرتين قبل أن تتأكد أنها لم تخطئ.«استنادًا إلى البند الثاني عشر من عقد التمويل العقاري، والمتعلق بتغيّر ظروف الضمان، يُطلب سداد كامل الرصيد المستحق خلال عشرة أيام».ثمانمئة وخمسون ألف جنيه، قالت لمريم. في عشرة أيام.لماذا الآن؟ كنتِ تسدّدين الأقساط بانتظام.لأنهم أرادوا أن يخنقوني. ولأن أحدًا من هناك يعرف أنني لن أستطيع.نظرت مريم إلى الحسابات بعين محاسبة تعلم أن الأرقام لا تكذب.لدينا مئتان وثلاثون ألفًا في حساب المرسم، والباقي مجمّد في مواد الفنار. وإن سحبنا ما بيدنا فسنتوقف عن دفع الرواتب.قال تامر من الباب: أستطيع أن أبيع سيارتي. هي قديمة، لكنها تدرّ خمسين ألفًا.التفتت إليه سارة بعينين فيهما امتنان وحنق في آن واحد: لن تبيع شيئًا يا تامر. ولو لمحتُ إعلانًا عن سيارتك لخصمتُ ثمنها من راتبك مضاعفًا.وماذا أفعل؟لا أعرف.مرّ اليوم الأول في صمت. في الثاني جاء يوسف إلى المكتب في المساء، وكان قد علم ب
لم يكن للأوراق وحدها قوة كافية، فقد تعلّمت سارة هذا الدرس في المحاكم الصغيرة التي دخلتها بسبب مشاريعها. قال لها محامي المرسم، الأستاذ حمدي، صراحةً: الوثائق تثبت أن الشهادة مزوّرة، لكنها لا تثبت من زوّرها. نحتاج إلى شاهد حيّ.أجابها يوسف حين عرضت عليه الأمر: هناك رجل. المقاول الصغير الذي كان يشرف على صبّ الأعمدة في الشاطبي. اسمه إبراهيم عطية، لكن الجميع يسمّونه أبو إبراهيم. وجدتُ عنوانه في ملف أبي.سافرا معًا صباح الجمعة في سيارة يوسف المستأجرة إلى قرية صغيرة قرب دمنهور. سارت العجلات فوق طريق ترابي بين حقول القمح الشاحبة، وجلست سارة بجانب النافذة تعضّ على إصبعها، بينما قاد يوسف بصمت. بعد نصف ساعة سأل:هل أنتِ خائفة؟من ماذا؟من أن يرفض الكلام.بل من أن يتكلّم.كان بيت أبو إبراهيم من الطين والطوب الأحمر، له حوش صغير تنقر فيه دجاجات، وعلى عتبته كرسي بلا مسند. فتحت لهما امرأة ضئيلة بوشاح أسود، وقالت إن زوجها في الغرفة الداخلية. دخلا فوجدا رجلًا في السبعين، له ساق خشبية بيضاء مستندة إلى الجدار، يجلس أمام مذياع صغير.نظر إليهما بعينين ضبابيتين، ثم إلى سارة تحديدًا.أنتِ بنت المهندس محمود. ل
لم تردّ سارة على المكالمة. تركت الهاتف يرنّ حتى انقطع، ثم أعادته إلى جيبها وهي تنظر إلى الصندوق المعدني المفتوح.كان فيه ثلاثة أشياء. لفافة كبيرة من الورق الشفاف الأزرق، ومغلف بنيّ ثخين، ومظروف أبيض صغير كتب عليه بخطّ تعرفه كما تعرف انحناءة يدها: «إلى سارة».أمسكت المظروف بين أصابعها كمن يمسك فراشة مبللة. أرادت أن تفتحه فورًا، لكنها كبحت نفسها.أولًا الورق الأزرق، قالت لمريم ويوسف.فرشوا اللفافة على طاولة الغرفة الصغيرة. كانت مخطّطات إنشائية أصلية لعمارة الشاطبي بخط محمود المنصور، وفي كل صفحة ملاحظات بالحبر الأحمر عن سُمك الأعمدة ونسبة الإسمنت، وعلى الهامش تعديلات بخط مختلف مائل، فوقها شطب غاضب وعبارة: «لا. غير مقبول. هاشم، فكّر في الناس».هذه هي المواصفات الحقيقية، همس يوسف. وهذه التعديلات من أبي. وفرق الإسمنت وحده يكفي لانهيار طابقين.مرّت سارة بإصبعها على عمود مرسوم وسألت: ولماذا لم يقدّم أبي هذه الرسومات إلى النيابة يوم الحادث؟لأنه لو فعل لأدان أخاه، أجاب يوسف. ولأن أبي كان سيجرّه معه. كان الاثنان يدوران حول بعضهما، وكل منهما يخشى أن يسحب خيطًا فيسقط البناء كله.رفعت مريم عينيها
صباح الأربعاء كانت مريم تقف أمام طاولة سارة بملف أصفر وعينين متوهجتين.وجدتُ القفل، قالت.ماذا وجدتِ؟المفتاح النحاسي رقم ثلاثة وثلاثين. أرسلتُ صورته إلى صديق في البنك الأهلي القديم بشارع فؤاد. قال إنه من النوع الذي يُستعمل في خزائن الأمانات قبل عام ألفين. وقد حدّد لنا الفرع: بنك الإسكندرية، فرع المنشية.وماذا يلزم لفتحها؟لذلك أنا قلقة. الخزنة مسجّلة باسمين: محمود المنصور وهاشم الهاشم. ولا تُفتح إلا بتوقيع الاثنين أو من ينوب عنهما قانونًا. وأبوكِ توفّي، وبقي الورثة، ولكن هاشم...لا يستطيع التوقيع في حالته.ولا يحقّ للبنك تجاوز ذلك.وقفت سارة ونظرت إلى النافذة. كانت أفكارها تدور مثل سنبلة في ريح، ثم هدأت عند خيط واحد: الشخص الوحيد القادر على تمثيل هاشم قانونيًا هو ابنه يوسف، ولا يملك ذلك إلا بتوكيل رسمي.ذهبت إلى المستشفى في الثانية ظهرًا، وفي يدها هذه المرة ورقة من محامي المرسم. وجدت يوسف في الممر يتحدث إلى كريم بصوت خفيض. حين لمحها انتفض الاثنان.نحتاج إلى توكيل، قالت دون تحية. توكيل من والدكما لأحدكما، يتيح فتح خزنة في بنك المنشية.وما فيها؟ سأل كريم.لا نعرف. لكن أبي أخفى مفتاحها







