LOGINظلّت ليان واقفة أمام البيت القديم.
كانت جملة واحدة تدور في رأسها: «مينا، ما تسيبيش ليان.» ثم جملة أخرى لم تعرف من أين جاءت: «أنا كمان كنت بحميها.» نظر إليها ياسين بقلق. — ليان، إنتِ كويسة؟ أومأت، لكنها لم تتحرك. — أنا فاكرة حاجة تانية. اقترب منها. — قوليلي. — كنت أنا ومينا لوحدنا في الغرفة. — وإيه اللي حصل؟ أغمضت عينيها. ظهرت صورة صغيرة في ذهنها. مينا تبكي. وليان تمسك يدها. وصوت طفولي يقول: — ما تخافيش. ثم صوت ليان نفسها: — أنا هحميكي. فتحت عينيها. — قلتلها إني هحميها. قال ياسين: — من مين؟ هزت رأسها. — مش عارفة. ثم أضافت: — بس كانت خايفة من شخص. عادا إلى السيارة. جلست ليان بجانب ياسين، لكنها بقيت صامتة. بعد دقائق، قال: — عايزة نرجع البيت؟ — لا. — نروح لماما؟ — لا. ثم نظرت إليه. — عايزة أفهم أنا كنت بحمي مينا من مين. ابتسم ياسين. — نبدأ من المكان اللي بدأ فيه خوفها. — البيت؟ — أيوه. فكرت قليلًا. — الغرفة. عادا إلى البيت القديم مرة أخرى. دخلت ليان الغرفة التي وجدوا فيها الصورة. هذه المرة، لم تبحث عن أوراق. وقفت في منتصف الغرفة وأغلقت عينيها. حاولت أن تتذكر. في البداية لم يحدث شيء. ثم سمعت صوتًا. «ليان، متقوليش لحد.» فتحت عينيها. — مينا قالتلي كده. سألها ياسين: — قالتلك إيه؟ — متقوليش لحد. — عن إيه؟ — مش عارفة. أغمضت عينيها مرة أخرى. ظهرت صورة رجل يقف عند الباب. لم تر وجهه. لكنها تذكرت شيئًا. كان يحمل ملفًا بنيًا. قالت: — نفس الملف. — ملف؟ — الدكتور سامي كان معاه ملف بني. نظر ياسين إليها. — والرجل؟ — كان معاه واحد زيه. ثم فجأة قالت: — كان مكتوب عليه اسم. — إيه؟ — مش كامل. حاولت التركيز. — «محم…» توقفت. — محمود؟ هزت رأسها. — يمكن. ثم جاءتها ذكرى أخرى. مينا تبكي. وليان تقول: — لو سألوك، قولي إنك ما شفتيش حاجة. تجمد ياسين. — إنتِ كنتِ بتحميها من التحقيق؟ — يمكن. — أو من شخص كان بيسأل عنكم. هزت ليان رأسها. ثم لاحظت شيئًا على الأرض. علامة صغيرة محفورة في الخشب. ل.م.م انحنت ولمستها. — كانت هنا من زمان. قال ياسين: — يبقى الرمز مش متعلق بالقلادات بس. — يمكن متعلق بالمكان. ثم أضافت: — أو بالأشخاص. في تلك اللحظة، رن هاتفها. كان الرقم غير محفوظ. ترددت قبل أن تجيب. — ألو؟ لم يرد أحد. ثم جاء صوت رجل. هادئ. — ليان؟ تجمدت. — مين؟ قال: — مش مهم تعرفي اسمي دلوقتي. — إنت مين؟ — شخص كان موجودًا يوم كنتِ تحمين مينا. شعرت بقلبها يخفق. — إنت تعرفني؟ — أعرفك من قبل ما تعرفي نفسك. شد ياسين على يدها. قال الرجل: — ولو عايزة تعرفي الحقيقة، ما تدوريش على مريم. سألت ليان: — ليه؟ — لأنها حاولت تحميك. — من مين؟ صمت الرجل. ثم قال: — مني. انقطع الاتصال. بقيت ليان تنظر إلى الهاتف. قال ياسين: — ما تتحركيش. — هو قال إنه كان موجودًا. — أيوه. — وقال إنه يعرفني. — أيوه. — وقال إن مريم كانت بتحميني منه. أمسك ياسين يدها. — وده معناه إننا قربنا من حاجة مهمة. نظرت إليه. — أنا خايفة. قال بهدوء: — عارفة إيه اللي يفرق؟ — إيه؟ — إنك مش لوحدك. ابتسمت بحزن. — أنت دايمًا بتقول كده. — وهفضل أقولها. ثم أضاف: — مهما كان الشخص ده. نظرت ليان إلى يده. ثم قالت: — ياسين؟ — نعم؟ — لو في يوم من الأيام اكتشفت إني كنت أعرف الحقيقة… ونسيتها؟ — هنرجع نفتكرها. — ولو كانت الحقيقة مؤلمة؟ — هنبكي لو لازم. — ولو فرّقت بين ناس؟ — مش هتفرق بيني وبينك. ابتسمت. — وعد؟ — وعد. وضعت رأسها على كتفه للحظة. لكن في جيبها كان هاتفها لا يزال يعرض رقم المتصل الأخير. وبجانبه اسم لم يكن موجودًا من قبل. «م.م» لم تعرف ليان كيف ظهر الاسم. لكنها كانت متأكدة من شيء واحد: الرجل الذي اتصل بها لم يكن يراقبها من بعيد فقط. كان يعرف كل خطوة تقوم بها. وكان ينتظر اليوم الذي تبدأ فيه ذاكرتها بالعودة.توقفت ليان أمام والد ياسين.— كنت هناك؟أومأ.— أيوه.قال ياسين:— فين؟أجاب والده:— في المكان اللي ماتت فيه أم ليان.ساد الصمت.شعرت ليان أن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميها.— إنت كنت موجود ليلة وفاة أمي؟— أيوه.— وشفت اللي حصل؟— شفت جزء منه.اقتربت ليان.— مين كان هناك؟نظر الرجل إلى عادل، ثم إلى مريم.— ناس كتير.قالت ليان:— أنا مش عايزة أسماء عامة. عايزة الحقيقة.تنفس بعمق.— كان والدك.تجمدت.— وأمك.رفعت ليان رأسها.— ماما؟— أيوه.ثم قال:— وكان فارس.قال ياسين:— وفارس هو الحارس؟أومأ.— كان واحدًا من الأشخاص اللي حاولوا حماية الأطفال.قالت ليان:— لكن مريم قالت إنه مات.— لأن الجميع كان يعتقد ذلك.— وإنت؟— عرفت إنه عاش.سألت ليان:— مين قتل أمي؟أخفض الرجل عينيه.— ما أقدرش أقول إن شخصًا واحدًا قتلها.— ليه؟— لأن موتها كان نتيجة سلسلة قرارات.تدخلت مريم:— قول لها الباقي.نظر إليها.— والدتك اكتشفت إن سارة كانت على قيد الحياة.شهقت ليان.— قبل الحادث؟— أيوه.— وكانت عايزة ترجعها؟— كانت عايزة تجمع كل الأطفال من جديد.قال سليم:— وده اللي خوّفهم.سألت ليان:— مين «هم»؟قا
توقفت ليان أمام الباب.كان صوت مريم يأتي من الخارج بهدوء غريب:— سليم… افتح الباب.نظر سليم إلى ليان.— ما ترديش.اقترب ياسين من الباب، ثم أشار إليهما بالابتعاد.— مريم، إحنا عارفين إنك هنا.ضحكت من الخارج.— عارفين إيه؟قال ياسين:— إنك كنتِ بتشتغلي مع الحارس.ساد الصمت.ثم جاء صوتها:— أنتم فاهمين نص الحقيقة بس.قالت ليان:— إذن قولي النص التاني.— الحقيقة مش دايمًا بتنقذ أصحابها يا ليان.تجمدت ليان.— إنتِ تعرفيني؟— كنت أعرفك قبل ما تعرفي نفسك.نظر سليم إليها.— مريم، كفاية.قالت:— إنت بالذات ما لكش حق تتكلم.فتح سليم عينيه بدهشة.— ليه؟— لأنك عارف الحقيقة عن أمك.ساد الصمت.التفتت ليان إلى سليم.— أمي؟خفض سليم عينيه.— أنا ما كنتش عايز أقولك هنا.— قول.— أمنا كانت تعرف إننا هننفصل.— ليه؟— لأنها كانت عارفة إن الشخص اللي بيطارد الأطفال مش عايزك إنتِ ولا أنا.سألت ليان:— أمال عايز إيه؟أجاب سليم:— عايز الدليل.— أي دليل؟نظر إلى الملف الذي في يدها.— الملف اللي عندك.فتحت ليان الملف بسرعة.كانت الصفحات فارغة تقريبًا.إلا صفحة واحدة.في أسفلها اسم:عادل المصري.قالت:— عادل؟
الفصل ١٢٠: أخيظلت ليان تنظر إلى اسم آدم على الشاشة.«ليان… أنا عرفت مين أخوك الحقيقي.»قال ياسين:— ردي عليه.نظرت إليه.— مش خايف؟— خايف.— ومع ذلك؟— لأن الحقيقة أهم من خوفي.فتحت ليان الاتصال.— آدم؟جاء صوته متوترًا:— أخيرًا رديتي.— مين أخويا؟صمت آدم.— مش هقدر أقولك في التليفون.— آدم، كفاية.— اسمعيني بس.— أنا سمعت منك أكاذيب كفاية.تنهد.— أنا ما كنتش بكذب لما قلت لك إني الطفل الرابع.— كنت بتضللني.— أيوه.— ليه؟— لأن لو قلت لك الحقيقة من البداية، كنتِ هتدوري عليه.— وإيه المشكلة؟— لأنهم كانوا مستنيين إنك تدوري عليه.سألت:— مين «هم»؟صمت.ثم قال:— الحارس.نظرت ليان إلى ياسين.— عرفنا إنه مريم.سكت آدم طويلًا.— مريم مش الحارس.تجمدت ليان.— إيه؟— مريم كانت بتشتغل معاه.قال ياسين:— إذن مين الحارس؟جاء صوت آدم:— الشخص اللي كنتوا فاكرين إنه مات.تذكرت ليان كلام والد ياسين.— والد ياسين؟— لا.ثم قال آدم:— الشخص ده أقرب مما تتخيلي.سألته ليان:— أخويا؟— أيوه.توقفت أنفاسها.— إنت عرفت مين هو؟— عرفت مكانه.— فين؟— في المكان اللي بدأت منه كل الحكاية.قالت:— المستشف
الفصل ١١٩: الأقربظلت ليان تنظر إلى الرسالة.«ما تدوريش على أخوك… لأنه بالفعل وجدك.»رفعت عينيها ببطء.كان ياسين أمامها.وللحظة، لم تستطع منع الفكرة من دخول عقلها.هل يمكن أن يكون هو؟لاحظ ياسين نظرتها.— ليان؟لم تجب.اقترب خطوة.— إنتِ بتفكري في إيه؟قالت بصوت خافت:— الرسالة قالت إنه قريب مني.— أيوه.— وممكن يكون شخص عاش معايا سنين.صمت ياسين.قالت:— صح؟نظر إليها طويلًا.ثم قال:— لو كنتِ بتشكّي فيا، اسأليني مباشرة.ابتلعت ليان دموعها.— هل أنت أخويا؟ساد الصمت.اتسعت عينا ياسين.ثم هز رأسه.— لا.أغمضت ليان عينيها.لم تعرف هل شعرت بالراحة أم بالخوف.قال والد ياسين:— ابني مش أخوكي.نظرت إليه.— إنت متأكد؟— أيوه.ثم أضاف:— والدك كان يعرف إن ياسين مش من نفس دمك.تنفست ليان ببطء.لكنها لم تترك يد ياسين.قال:— كنت عارف إن السؤال ده هييجي يومًا.— ليه؟— لأن أبوكي كان يخاف من إن الحقيقة تفرق بيننا.نظرت إليه.— وأنا خفت.— عارف.— بس أنا مش عايزة أعيش وأنا شاكّة في كل شخص بحبه.قال ياسين:— إذن ما تخليش رسالة مجهولة تقرر مين تثقي فيه.ثم أخرج هاتفه.— خلينا نعرف مين بعتها.فتح ال
الفصل ١١٨: الغرفة ٣٠٩ساد الصمت بعد كلام عادل.قالت ليان:— يعني إيه الحارس مش عايز حد يدخل الغرفة؟أجاب عادل:— لأن فيها الدليل الوحيد اللي يقدر يثبت مين كان مسؤول عن اختفاء سارة.قال ياسين:— وأبويا طلب مني أروح هناك.— عشان يوقعك في فخ.نظر ياسين إليه.— أو عشان يقول لي الحقيقة.قالت ليان:— هنروح.اعترض عادل:— ليان، ده خطر.نظرت إليه بثبات.— أنا قضيت سنين وأنا عايشة وسط أسرار اتعملت بحجة حمايتي. المرة دي أنا اللي هقرر.نظر ياسين إليها، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.— وأنا معاكي.⸻بعد ساعة، وصلوا إلى المستشفى القديمة.كان المبنى مهجورًا، والنوافذ مغطاة بالغبار.دخلت ليان وهي تمسك يد ياسين.كان الممر طويلًا وهادئًا.ثم ظهر الرقم على الباب:٣٠٩.توقفت ليان.شعرت بدوار مفاجئ.— أنا كنت هنا.قال ياسين:— متأكدة؟— أيوه.وضعت يدها على الباب.وعادت الذكريات.سرير صغير.امرأة تبكي.طفلة تحمل دمية.وصوت رجل يقول:— لازم تاخدوها قبل ما يكتشفوا الحقيقة.فتحت ليان عينيها فجأة.— كان فيه رجل هنا.سأل ياسين:— تعرفيه؟— لا.ثم قالت:— لكني أعرف صوته.قبل أن تكمل، سُمع صوت خطوات في آخر الممر.اقترب
الفصل ١١٧: الصورة التي غيّرت كل شيءلم تستطع ليان أن ترفع عينيها عن الصورة.كانت صغيرة.تقف بجانب ياسين، الذي كان يبدو أصغر منها بسنوات قليلة.وبينهما كانت سارة.ثلاثة أطفال في مكان واحد.وفي الخلف شجرة قديمة تعرفها ليان جيدًا.قالت بصوت منخفض:— إنت كنت هناك؟نظر ياسين إلى الصورة.تغير وجهه.— أيوه.— يوم اختفاء سارة؟— أيوه.— وكنت تعرفها؟— كنت أعرفها.ابتعدت ليان خطوة.— ليه ما قلتليش؟— لأنني ما كنتش فاكر كل حاجة.— بس الصورة موجودة!— عارف.قالت ليان بحدة:— إذن إنت كنت بتكدب عليّ.هز ياسين رأسه.— لا.— أمال إيه؟اقترب منها، لكنه لم يلمسها.— أنا كنت طفل وقتها.— بس كنت فاكر!— كنت فاكر جزءًا فقط.صمتت ليان.قال ياسين:— كنت أفتكر إني شفت بنت صغيرة في مكان قديم. ما كنتش أعرف اسمها.— وبعدين؟— بعد سنين، شفت الصورة عند أبوكي.— وعرفت إنها سارة؟— أيوه.— وإنت عملت إيه؟خفض عينيه.— سألت أبوكي.— وقال لك إيه؟— قال لي أنسى الصورة.شهقت ليان.— وتسمع كلامه؟— كنت صغير ومش فاهم.ثم أضاف:— وبعدها اختفت الصورة.قالت ليان:— مين كان معاكم؟نظر ياسين إلى الصورة.— أخويا.تجمدت.— أخوك







