LOGINلم تستطع ليان أن تنام تلك الليلة.
كانت الصورة أمامها على الطاولة. ثلاثة أحرف: ل. م. م كلما نظرت إليها، شعرت أن هناك شيئًا تعرفه، لكنها لا تستطيع الوصول إليه. استيقظ ياسين فوجدها جالسة قرب النافذة. — لسه صاحية؟ التفتت إليه. — مش عارفة أنام. جلس بجانبها. — بسبب الرسالة؟ — بسبب كل حاجة. ثم أعطته الصورة. — الشخص الثالث بقى «م». نظر إليها طويلًا. — ممكن يكون حرف من اسم شخص. — أو لقب. — أو رمز. قالت ليان: — بس ليه الشخص ده بيدور عليّ؟ أجاب ياسين: — يمكن لأنه عارف إنك قربتي من الحقيقة. — أو لأنه جزء منها. سكت قليلًا. ثم قال: — نروح البيت القديم. نظرت إليه. — دلوقتي؟ — الصبح. ابتسمت. — كنت عارفة إنك هتقول كده. — عشان أنا عارفك. في الصباح، عادا إلى البيت القديم. كان المكان هادئًا كما تركاه. لكن هذه المرة، لم تدخل ليان وهي تبحث عن ذكريات. دخلت وهي تبحث عن شيء محدد. دليل. قال ياسين: — نفتش بهدوء. بدأا في تفقد الغرف. في غرفة الطفولة، توقفت ليان أمام الحائط. كان الرسم القديم ما يزال موجودًا. أسماء مكتوبة بخط أطفال: ليان — نونو — مينا وتحتها دائرة كبيرة. قالت ليان: — إحنا كنا بنرسم نفسنا هنا. اقترب ياسين. — فيه حاجة تحت الدائرة. مسحت ليان الغبار عن الحائط. ظهر جزء من كتابة قديمة. «الثلاثة…» ثم اختفت بقية الجملة. قالت: — ليه دايمًا ثلاثة؟ فجأة سمعت صوتًا خلفها. تجمدت. التفتت. لم يكن هناك أحد. قال ياسين: — إيه؟ — حسيت إن حد كان هنا. اقترب منها. — ممكن يكون المكان نفسه. لكن ليان لم تقتنع. بدأت تبحث حول الحائط. وجدت صندوقًا صغيرًا خلف قطعة خشب. فتحته. كان بداخله مفتاح. وعليه ورقة صغيرة: «إلى ليان، عندما تعودين.» فتحتها. كانت جملة واحدة: «ابحثي عن الغرفة التي لم يسمح لكِ والدك بدخولها.» نظرت إلى ياسين. — أنا فاكرة إن البيت كله كان مفتوح. — إلا؟ فكرت قليلًا. ثم قالت: — غرفة في آخر الممر. ذهبا إليها. كان الباب مغلقًا. أخرجت ليان المفتاح. وضعته في القفل. تك. فتح الباب. كانت الغرفة فارغة تقريبًا. طاولة قديمة. كرسيان. وخزانة صغيرة. لكن على الجدار كانت هناك صورة كبيرة. اقتربت ليان. وتوقفت. كانت الصورة تجمع: والدها. والدتها. مريم. نورا. فارس. الدكتور سامي. وشخص آخر. رجل لم تره من قبل. لكن بجانبه كانت مكتوبة ثلاثة أحرف: ل. م. م قالت ليان: — هو الشخص الثالث. اقترب ياسين. — غالبًا. رفعت ليان الصورة. في الخلف كان هناك تاريخ: ٢٧ أبريل ٢٠٠٦ ثم اسم واحد. لكن جزءًا منه كان ممزقًا. لم يبقَ إلا: «… محمود» تغير وجه ياسين. — محمود؟ نظرت إليه. — تعرفه؟ — الاسم مألوف. — منين؟ تردد لحظة. — من ملفات والدك القديمة. ثم أضاف: — كان فيه شخص اسمه محمود مرتبط بالعائلة. شعرت ليان بالتوتر. — محمود مين؟ قبل أن يجيب، سمعا صوت باب البيت الخارجي يُغلق. التفتا. — حد دخل. خرج ياسين من الغرفة بسرعة. تبعتْه ليان. لكن البيت كان فارغًا. فقط كانت هناك ورقة على الأرض. التقطتها ليان. لم يكن عليها سوى جملة: «كنتِ هنا من قبل… لكنه لم يسمح لكِ أن تتذكري.» نظرت إلى ياسين. — مين هو؟ قبل أن يجيب، وصل إشعار إلى هاتفها. رسالة من مريم: «لا تثقي في الاسم الذي ظهر لكِ.» ثم رسالة ثانية: «محمود ليس الشخص الذي تبحثين عنه.» ثم ثالثة: «لكن الشخص الذي تبحثين عنه يعرف محمود جيدًا.» رفعت ليان عينيها. — إحنا بندور على شخص واحد، وكل ما نلاقي دليل نلاقي اسم جديد. ابتسم ياسين بهدوء. — يبقى هنمشي ورا الدليل، مش ورا الأسماء. نظرت إليه. — وإنت مش هتزهق؟ أمسك يدها. — أنا زهقت من الأسرار، مش منكِ. ابتسمت. ثم قالت: — وعد؟ — وعد. خرج الاثنان من البيت. لكن قبل أن تغلق ليان الباب، عادت ونظرت إلى الغرفة. للحظة قصيرة جدًا… رأت في خيالها طفلة صغيرة تقف قرب النافذة. وكانت تمسك يد فتاة أخرى. ثم سمعت صوتًا: «مينا، ما تسيبيش ليان.» تجمدت ليان. ثم اختفت الصورة. قال ياسين: — ليان؟ التفتت إليه. كانت عيناها ممتلئتين بالدموع. — افتكرت جملة. — إيه؟ همست: — مينا ما كانتش بتحميني لوحدها… ثم نظرت إلى البيت. — أنا كمان كنت بحميها. ولأول مرة، بدأت ليان تشك في شيء لم تفكر فيه من قبل: ربما لم تكن هي الطفلة التي احتاجت للحماية فقط. ربما كانت تعرف سرًا… كان الجميع يحاولون حمايتها من تذكّره.توقفت ليان أمام والد ياسين.— كنت هناك؟أومأ.— أيوه.قال ياسين:— فين؟أجاب والده:— في المكان اللي ماتت فيه أم ليان.ساد الصمت.شعرت ليان أن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميها.— إنت كنت موجود ليلة وفاة أمي؟— أيوه.— وشفت اللي حصل؟— شفت جزء منه.اقتربت ليان.— مين كان هناك؟نظر الرجل إلى عادل، ثم إلى مريم.— ناس كتير.قالت ليان:— أنا مش عايزة أسماء عامة. عايزة الحقيقة.تنفس بعمق.— كان والدك.تجمدت.— وأمك.رفعت ليان رأسها.— ماما؟— أيوه.ثم قال:— وكان فارس.قال ياسين:— وفارس هو الحارس؟أومأ.— كان واحدًا من الأشخاص اللي حاولوا حماية الأطفال.قالت ليان:— لكن مريم قالت إنه مات.— لأن الجميع كان يعتقد ذلك.— وإنت؟— عرفت إنه عاش.سألت ليان:— مين قتل أمي؟أخفض الرجل عينيه.— ما أقدرش أقول إن شخصًا واحدًا قتلها.— ليه؟— لأن موتها كان نتيجة سلسلة قرارات.تدخلت مريم:— قول لها الباقي.نظر إليها.— والدتك اكتشفت إن سارة كانت على قيد الحياة.شهقت ليان.— قبل الحادث؟— أيوه.— وكانت عايزة ترجعها؟— كانت عايزة تجمع كل الأطفال من جديد.قال سليم:— وده اللي خوّفهم.سألت ليان:— مين «هم»؟قا
توقفت ليان أمام الباب.كان صوت مريم يأتي من الخارج بهدوء غريب:— سليم… افتح الباب.نظر سليم إلى ليان.— ما ترديش.اقترب ياسين من الباب، ثم أشار إليهما بالابتعاد.— مريم، إحنا عارفين إنك هنا.ضحكت من الخارج.— عارفين إيه؟قال ياسين:— إنك كنتِ بتشتغلي مع الحارس.ساد الصمت.ثم جاء صوتها:— أنتم فاهمين نص الحقيقة بس.قالت ليان:— إذن قولي النص التاني.— الحقيقة مش دايمًا بتنقذ أصحابها يا ليان.تجمدت ليان.— إنتِ تعرفيني؟— كنت أعرفك قبل ما تعرفي نفسك.نظر سليم إليها.— مريم، كفاية.قالت:— إنت بالذات ما لكش حق تتكلم.فتح سليم عينيه بدهشة.— ليه؟— لأنك عارف الحقيقة عن أمك.ساد الصمت.التفتت ليان إلى سليم.— أمي؟خفض سليم عينيه.— أنا ما كنتش عايز أقولك هنا.— قول.— أمنا كانت تعرف إننا هننفصل.— ليه؟— لأنها كانت عارفة إن الشخص اللي بيطارد الأطفال مش عايزك إنتِ ولا أنا.سألت ليان:— أمال عايز إيه؟أجاب سليم:— عايز الدليل.— أي دليل؟نظر إلى الملف الذي في يدها.— الملف اللي عندك.فتحت ليان الملف بسرعة.كانت الصفحات فارغة تقريبًا.إلا صفحة واحدة.في أسفلها اسم:عادل المصري.قالت:— عادل؟
الفصل ١٢٠: أخيظلت ليان تنظر إلى اسم آدم على الشاشة.«ليان… أنا عرفت مين أخوك الحقيقي.»قال ياسين:— ردي عليه.نظرت إليه.— مش خايف؟— خايف.— ومع ذلك؟— لأن الحقيقة أهم من خوفي.فتحت ليان الاتصال.— آدم؟جاء صوته متوترًا:— أخيرًا رديتي.— مين أخويا؟صمت آدم.— مش هقدر أقولك في التليفون.— آدم، كفاية.— اسمعيني بس.— أنا سمعت منك أكاذيب كفاية.تنهد.— أنا ما كنتش بكذب لما قلت لك إني الطفل الرابع.— كنت بتضللني.— أيوه.— ليه؟— لأن لو قلت لك الحقيقة من البداية، كنتِ هتدوري عليه.— وإيه المشكلة؟— لأنهم كانوا مستنيين إنك تدوري عليه.سألت:— مين «هم»؟صمت.ثم قال:— الحارس.نظرت ليان إلى ياسين.— عرفنا إنه مريم.سكت آدم طويلًا.— مريم مش الحارس.تجمدت ليان.— إيه؟— مريم كانت بتشتغل معاه.قال ياسين:— إذن مين الحارس؟جاء صوت آدم:— الشخص اللي كنتوا فاكرين إنه مات.تذكرت ليان كلام والد ياسين.— والد ياسين؟— لا.ثم قال آدم:— الشخص ده أقرب مما تتخيلي.سألته ليان:— أخويا؟— أيوه.توقفت أنفاسها.— إنت عرفت مين هو؟— عرفت مكانه.— فين؟— في المكان اللي بدأت منه كل الحكاية.قالت:— المستشف
الفصل ١١٩: الأقربظلت ليان تنظر إلى الرسالة.«ما تدوريش على أخوك… لأنه بالفعل وجدك.»رفعت عينيها ببطء.كان ياسين أمامها.وللحظة، لم تستطع منع الفكرة من دخول عقلها.هل يمكن أن يكون هو؟لاحظ ياسين نظرتها.— ليان؟لم تجب.اقترب خطوة.— إنتِ بتفكري في إيه؟قالت بصوت خافت:— الرسالة قالت إنه قريب مني.— أيوه.— وممكن يكون شخص عاش معايا سنين.صمت ياسين.قالت:— صح؟نظر إليها طويلًا.ثم قال:— لو كنتِ بتشكّي فيا، اسأليني مباشرة.ابتلعت ليان دموعها.— هل أنت أخويا؟ساد الصمت.اتسعت عينا ياسين.ثم هز رأسه.— لا.أغمضت ليان عينيها.لم تعرف هل شعرت بالراحة أم بالخوف.قال والد ياسين:— ابني مش أخوكي.نظرت إليه.— إنت متأكد؟— أيوه.ثم أضاف:— والدك كان يعرف إن ياسين مش من نفس دمك.تنفست ليان ببطء.لكنها لم تترك يد ياسين.قال:— كنت عارف إن السؤال ده هييجي يومًا.— ليه؟— لأن أبوكي كان يخاف من إن الحقيقة تفرق بيننا.نظرت إليه.— وأنا خفت.— عارف.— بس أنا مش عايزة أعيش وأنا شاكّة في كل شخص بحبه.قال ياسين:— إذن ما تخليش رسالة مجهولة تقرر مين تثقي فيه.ثم أخرج هاتفه.— خلينا نعرف مين بعتها.فتح ال
الفصل ١١٨: الغرفة ٣٠٩ساد الصمت بعد كلام عادل.قالت ليان:— يعني إيه الحارس مش عايز حد يدخل الغرفة؟أجاب عادل:— لأن فيها الدليل الوحيد اللي يقدر يثبت مين كان مسؤول عن اختفاء سارة.قال ياسين:— وأبويا طلب مني أروح هناك.— عشان يوقعك في فخ.نظر ياسين إليه.— أو عشان يقول لي الحقيقة.قالت ليان:— هنروح.اعترض عادل:— ليان، ده خطر.نظرت إليه بثبات.— أنا قضيت سنين وأنا عايشة وسط أسرار اتعملت بحجة حمايتي. المرة دي أنا اللي هقرر.نظر ياسين إليها، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.— وأنا معاكي.⸻بعد ساعة، وصلوا إلى المستشفى القديمة.كان المبنى مهجورًا، والنوافذ مغطاة بالغبار.دخلت ليان وهي تمسك يد ياسين.كان الممر طويلًا وهادئًا.ثم ظهر الرقم على الباب:٣٠٩.توقفت ليان.شعرت بدوار مفاجئ.— أنا كنت هنا.قال ياسين:— متأكدة؟— أيوه.وضعت يدها على الباب.وعادت الذكريات.سرير صغير.امرأة تبكي.طفلة تحمل دمية.وصوت رجل يقول:— لازم تاخدوها قبل ما يكتشفوا الحقيقة.فتحت ليان عينيها فجأة.— كان فيه رجل هنا.سأل ياسين:— تعرفيه؟— لا.ثم قالت:— لكني أعرف صوته.قبل أن تكمل، سُمع صوت خطوات في آخر الممر.اقترب
الفصل ١١٧: الصورة التي غيّرت كل شيءلم تستطع ليان أن ترفع عينيها عن الصورة.كانت صغيرة.تقف بجانب ياسين، الذي كان يبدو أصغر منها بسنوات قليلة.وبينهما كانت سارة.ثلاثة أطفال في مكان واحد.وفي الخلف شجرة قديمة تعرفها ليان جيدًا.قالت بصوت منخفض:— إنت كنت هناك؟نظر ياسين إلى الصورة.تغير وجهه.— أيوه.— يوم اختفاء سارة؟— أيوه.— وكنت تعرفها؟— كنت أعرفها.ابتعدت ليان خطوة.— ليه ما قلتليش؟— لأنني ما كنتش فاكر كل حاجة.— بس الصورة موجودة!— عارف.قالت ليان بحدة:— إذن إنت كنت بتكدب عليّ.هز ياسين رأسه.— لا.— أمال إيه؟اقترب منها، لكنه لم يلمسها.— أنا كنت طفل وقتها.— بس كنت فاكر!— كنت فاكر جزءًا فقط.صمتت ليان.قال ياسين:— كنت أفتكر إني شفت بنت صغيرة في مكان قديم. ما كنتش أعرف اسمها.— وبعدين؟— بعد سنين، شفت الصورة عند أبوكي.— وعرفت إنها سارة؟— أيوه.— وإنت عملت إيه؟خفض عينيه.— سألت أبوكي.— وقال لك إيه؟— قال لي أنسى الصورة.شهقت ليان.— وتسمع كلامه؟— كنت صغير ومش فاهم.ثم أضاف:— وبعدها اختفت الصورة.قالت ليان:— مين كان معاكم؟نظر ياسين إلى الصورة.— أخويا.تجمدت.— أخوك







