登入في صباح اليوم التالي، استيقظت ليان قبل ياسين.
ظلت للحظات تنظر إليه وهو نائم بهدوء، وكأنها تحاول أن تحفظ ملامحه في ذاكرتها. ابتسمت لنفسها. منذ سنوات، كانت تخاف من أن تخسره. أما الآن، فلم يعد خوفها يشبه الماضي. لم تعد تخاف من فقدانه بقدر ما أصبحت تخاف من أن تعود الأسرار بينهما. مدّت يدها وأخذت الدفتر من فوق الطاولة. نظرت إلى الصفحة الأخيرة. كانت الجملة لا تزال أمامها: “الشخص الذي اختاره قلبها… كان اختياري أنا أيضًا.” سمعت صوتًا خلفها. — بتقريه تاني؟ التفتت. كان ياسين مستيقظًا. — أيوه. جلس على السرير. — ومصدقة الكلام؟ — مش عارفة. — ليه؟ — عشان ساعات بحس إن بابا كان عارف حياتي أكتر مني. ابتسم ياسين. — يمكن كان أب. — ويمكن كان بيخبي عني حاجات كتير. — ده أكيد. نظرت إليه. — مش زعلان؟ — من إيه؟ — إنني لسه بدور وراه. اقترب منها. — ليان، أنا مش عايزك توقفي بحثك عشان خاطري. — بس أنت تعبت من الأسرار. — تعبت من إني كنت شايلها لوحدي. ثم أمسك يدها. — إنما دلوقتي، إحنا الاتنين بنشيلها. ابتسمت. — فرق كبير. — جدًا. ساد الصمت قليلًا. ثم قالت: — ياسين؟ — نعم؟ — لو في يوم عرفت حاجة عن بابا، حاجة ممكن توجعني… هتقول لي؟ نظر في عينيها. — حتى لو كنت عارف إنها هتوجعك. — وعد؟ — وعد. ابتسمت. — وأنا كمان. ⸻ بعد الإفطار، قررا أن يخرجا في نزهة قصيرة. كان اليوم هادئًا، والهواء لطيفًا. سارا جنبًا إلى جنب. قالت ليان: — فاكر أول مرة خرجنا فيها بعد جوازنا؟ — للأسف. ضحكت. — ليه للأسف؟ — كنتِ متضايقة مني طول اليوم. — كنت مستفز. — كنت بحاول أرضيكي. — بطريقة مستفزة. ضحك. — ومع ذلك كملنا. — لأنني كنت بحبك. توقف ياسين للحظة. نظرت إليه. — إيه؟ — ولا حاجة. — ليه بتبصلي كده؟ — كل مرة بتقولي إنك بتحبيني، بحس إني لسه بسمعها لأول مرة. خفضت عينيها بخجل. — بطل. — مش هبطل. تابعا المشي. وبعد دقائق، قال ياسين: — عايزة تعرفي حاجة؟ — إيه؟ — أنا زمان كنت فاكر إن الحب معناه إني أحمي الشخص اللي بحبه من كل حاجة. — وبعدين؟ — اكتشفت إن الحب أحيانًا معناه إني أثق فيه لدرجة إني أسيبه يواجه الحقيقة بنفسه. نظرت إليه بإعجاب. — اتغيرت. — بسببك. — وأنا كمان اتغيرت بسببك. — للأفضل؟ — أكيد. — كويس. ثم مد يده. — تعالي. أمسكت يده. ومشيا دون كلام. ⸻ في المساء، عادت ليان إلى والدتها. كانت الأم تجلس وحدها، وأمامها صندوق خشبي صغير. توقفت ليان عند الباب. — ماما؟ رفعت الأم رأسها. — تعالي. اقتربت ليان. وضعت الأم يدها على الصندوق. — ده كان مع أبوكي. جلست ليان أمامها. — ليه بتديهولي دلوقتي؟ — لأنني شايفة إنك بقيتي مستعدة. فتحت ليان الصندوق. في داخله صورة قديمة، ومفتاح صغير، وورقة مطوية. فتحت الورقة. كان الخط نفسه. خط والدها. قرأت: “لم أختر ياسين لأنه الأقوى، ولا لأنه يعرف كل شيء. اخترته لأنه في اليوم الذي أخبرته فيه أن ليان قد تكرهني يومًا بسبب قراراتي… لم يسألني كيف أجعلها تسامحني. سألني فقط: كيف أضمن أنها ستظل حرة في اختيار حياتها؟” توقفت ليان. امتلأت عيناها بالدموع. همست: — هو قال كده؟ أومأت الأم. — قالها لأبوك؟ — نعم. ابتسمت ليان رغم دموعها. — عشان كده اختاره. قالت الأم بهدوء: — أبوك كان يخاف عليكِ من أن يتحول حبك إلى قيد. نظرت ليان إلى الورقة. ثم قالت: — وياسين عمره ما قيدني. ابتسمت الأم. — عشان كده أنا مطمئنة عليكِ. وضعت ليان الورقة على قلبها. ثم سألت: — والمفتاح؟ نظرت الأم إليه. سكتت للحظات. — ده… مش مفتاح بيت. — أمال مفتاح إيه؟ قالت الأم: — مفتاح صندوق. — صندوق إيه؟ ابتسمت الأم ابتسامة غامضة. — صندوق كان أبوك مخبيه من سنين. نظرت ليان إليها. — وفين الصندوق؟ وقبل أن تجيب، سمع الاثنان صوت ياسين من خلف الباب: — لو الصندوق ده هيبدأ قصة جديدة… أنا جاهز. التفتت ليان إليه. ابتسمت. ثم قالت: — واضح إننا مش هنعيش يومًا عاديًا. اقترب ياسين. — عادي. — إزاي عادي؟ أمسك يدها. — طول ما أنا وإنتِ سوا، حتى الأسرار بقت أقل خوفًا. نظرت ليان إلى المفتاح. ثم إلى ياسين. ولأول مرة، لم تشعر بأنها تطارد الماضي. شعرت أن الماضي هو الذي بدأ يقترب منها… لكن هذه المرة، كانت مستعدة. وكانت يد ياسين في يدها.لم تفهم ليان جملة فؤاد.— مش أبي بالطريقة اللي أظنها؟قالت وهي تنظر إليه:— يعني إيه؟لم يجب فورًا.كان الجميع ينتظر.وأخيرًا قال:— أنا والدكِ بالدم.توقفت ليان.— لكن؟— لكن محمود هو الرجل اللي ربّاكِ.قال مالك:— يعني فؤاد أبونا الحقيقي؟— أيوه.قالت سارة:— وليه اتقال لنا إن محمود أبونا؟أجاب فؤاد:— لأن الحقيقة كانت هتقتلكم.ضحكت ليان بمرارة.— كل واحد بيقول نفس الجملة.اقتربت نادين منها.— المرة دي لازم تسمعي للنهاية.قالت ليان:— اتفضلي.أخذت نادين الصورة القديمة.— والدتك وفؤاد كانوا متزوجين قبل محمود.تجمدت ليان.— متزوجين؟أومأت.— نعم.— وإزاي؟— انفصلوا بعد ولادة مالك.نظر مالك إلى فؤاد.— ليه؟قال فؤاد:— لأنني كنت أعمل مع والدكِ في المشروع.سألت ليان:— أي مشروع؟— مشروع حماية الأطفال الذين كانت الشبكة تطاردهم.قال آدم:— ومالك كان واحدًا منهم؟— نعم.قالت سارة:— وأنا؟— أنتِ كنتِ الأصغر.ثم نظر إلى ليان.— وأنتِ كنتِ آخر طفلة.قالت ليان:— ورامي؟— رامي لم يكن من أطفال المشروع.تغير وجه رامي.— إيه؟قال فؤاد:— رامي ابني من زواج آخر.توقفت ليان.— يعني مش أخونا؟أجاب:
تجمدت ليان.لم تتحرك.الرجل الواقف عند الباب كان يحمل صورة والدها القديمة.لكن وجهه لم يكن وجه والدها.كان أكبر سنًا، وشعره رمادي، وملامحه مختلفة.قال ياسين:— مين إنت؟أجاب الرجل:— اسمي فؤاد.نظرت إليه ليان.— وبتقول إنك أبونا؟— أيوه.ضحك مالك بمرارة.— مستحيل.قال فؤاد:— عارف إنكم مش هتصدقوا.ثم وضع الصورة على الطاولة.— عشان كده جبت الدليل.اقتربت ليان.كانت الصورة قديمة جدًا.والدتها تقف في المنتصف.بجانبها رجل أصغر سنًا.وفي ذراعيه طفل.قالت ليان:— ده مين؟أجاب:— أنا.ثم أشار إلى الطفل.— وده مالك.تقدم مالك.— أنا؟— أيوه.قالت سارة:— لكن والدي كان اسمه محمود.تغير وجه فؤاد.— محمود كان زوج أمكم.سألته ليان:— مش أبويا؟صمت.ثم قال:— لا.ساد الصمت.شعرت ليان بأن كل شيء داخلها انهار.— يعني بابا اللي عشت وأنا فاكرة إنه أبويا… مش أبي؟أجاب فؤاد:— كان يحبكم.— أنا ما سألتش إذا كان يحبنا.نظرت إليه بعينين دامعتين.— أنا بسألك: هل هو أبي؟هز رأسه.— لا.قال مالك:— وإنت اختفيت ليه؟— لأن محمود عرف بوجودي.سألت ليان:— وماما؟خفض عينيه.— كانت تحاول تحميكم جميعًا.قالت سارة:—
لم تستطع ليان أن تتحرك.كانت كلمة نادين ما تزال معلقة في الهواء:«أنتم أربعة.»قال مالك:— مين الرابع؟لم تجب نادين.نظرت إلى سارة.ثم إلى آدم.وأخيرًا إلى ليان.قالت ليان:— قولي.أخرجت نادين ملفًا قديمًا.— الطفل الرابع اتولد قبل سارة ومالك وليان بسنوات.سأل ياسين:— من أمه؟— نفس الأم.تجمدت ليان.— أمي؟أومأت نادين.— أيوه.قالت سارة:— أنا كنت أعرف.نظر إليها مالك.— كنتِ تعرفي إن لينا أخ رابع؟— كنت أعرف إن عندنا أخًا.— فين؟خفضت سارة عينيها.— ما أعرفش.قالت نادين:— أنا أعرف.اقتربت ليان.— مين هو؟فتحت نادين الملف.كانت الصفحة الأولى تحمل صورة لطفل صغير.لم يكن وجهه واضحًا.لكن على كتفه ظهرت العلامة نفسها.قالت نادين:— اسمه عند الولادة كان نور.تجمدت ليان.— نور؟قالت سارة:— الاسم ده مش اسم ولد.أجابت نادين:— لأنه لم يكن اسمه الحقيقي.قلبت الصفحة.ظهر اسم آخر:«آدم.»نظر الجميع إلى آدم.لم يتحرك.قال ياسين:— تاني؟أجاب آدم بصوت منخفض:— أنا قلت لكم إني كنت الطفل ٣٠٩.قالت نادين:— لكن الطفل ٣٠٩ لم يكن آدم.تجمد آدم.— إيه؟قالت نادين:— أنت كنت الطفل الذي تم نقله بعده.ن
توقفت ليان أمام المرأة.لم تستطع الكلام.كانت ملامحها تشبه أمها بطريقة غريبة.لكن عينيها…كانتا تحملان شيئًا شعرت ليان أنها تعرفه منذ زمن.قالت المرأة:— ليان؟همست ليان:— سارة؟أومأت.— أيوه.تقدمت ليان خطوة.لكن ياسين أمسك بذراعها.— استني.نظرت إليه.— دي ممكن تكون خدعة.قالت المرأة:— معاه حق.ثم أضافت:— بعد كل اللي حصل، أنا نفسي ما كنتش هصدقني.أخرجت شيئًا من جيبها.كانت قلادة صغيرة.نفس الرمز الموجود على قلادة ليان.قالت:— دي كانت معايا يوم اختفائي.اقتربت ليان.— منين جبتيها؟— أمي أعطتهالي.تجمدت.— أمي؟— والدتك.نظرت ليان إلى مالك.— يعني هي قابلت أمي؟أجابته سارة:— أكتر من مرة.قال مالك:— وإنتِ كنتِ عارفة إننا إخوات؟هزت رأسها.— عرفت من زمان.— ليه ما رجعتيش؟خفضت عينيها.— لأنني كنت أعتقد إن رجوعي هيعرّضكم للخطر.قال ياسين:— مين كان بيهددك؟— كريم.تدخل آدم:— كريم كان يعرف مكانها؟— أيوه.ثم نظرت إلى ليان.— لكنه ما كانش يعرف كل شيء.قالت ليان:— إيه اللي ما كانش يعرفه؟أجابت سارة:— إن والدتك أخفت الدليل الأخير.— فين؟ابتسمت سارة بحزن.— معك.وضعت ليان يدها على ك
ظلت ليان تحدق في الصورة.طفلة صغيرة بين ذراعي هالة.والتاريخ:٢٨ أبريل ٢٠٠٠.قالت ليان:— أنا كنت مع أمي في المستشفى.قال آدم:— أيوه.— إذن مين الطفلة دي؟لم يجب.اقتربت مريم وأخذت الصورة.قلبتها.كان خلفها رقم:٣٠٩.تغير وجهها.— لا…سألها مالك:— إيه؟قالت مريم:— الطفل ٣٠٩ ما كانش طفلًا مجهولًا.نظرت إليها ليان.— أمال؟— كان اسمًا مستعارًا.قال ياسين:— لمين؟رفعت مريم عينيها.— لليان.ساد الصمت.قالت ليان:— يعني أنا كنت المريضة ٣٠٩؟أومأت.— أيوه.قال آدم:— وده يفسر ليه السجلات كانت متناقضة.قالت ليان:— بس الصورة…— هالة كانت تحملك بعد ما خرجتِ من المستشفى.— خرجت؟— مؤقتًا.قال مالك:— والدتك كانت بتحاول تخفيك عن كريم.سألت ليان:— وسارة؟قالت مريم:— سارة كانت في نفس المبنى.— يعني أنا وسارة كنا مع بعض؟— لفترة قصيرة.بدأت ذكريات مبهمة تعود إلى ليان.ممر أبيض.صوت طفلة تضحك.امرأة تقول:— خدي بالك منها.ثم صوت آخر:— لازم نفصلهم.وضعت ليان يدها على رأسها.قال ياسين:— ليان؟— أنا فاكرة حاجة.اقترب منها.— إيه؟— كان فيه سريرين.نظر الجميع إليها.— وأنا كنت في واحد.توقفت.—
لم تستطع ليان أن تبعد عينيها عن الصورة.امرأة شابة تحملها بين ذراعيها.وخلفها ممر المستشفى.وفي زاوية الصورة، ظهر تاريخ:٢٧ أبريل ٢٠٠٠.قالت ليان:— دي كانت موجودة يوم ولادتي؟أومأ آدم.— أيوه.سأل ياسين:— اسمها إيه؟قال آدم:— نادية.تدخلت مريم:— اسمها الحقيقي مش نادية.نظرت إليها ليان.— أمال؟— هالة.تجمدت.قال مالك:— هالة زوجة كريم؟— أيوه.سألت ليان:— إيه علاقتها بأمي؟أجابت مريم:— كانوا يعرفوا بعض قبل سنوات من ولادتك.— منين؟— من والدك.صمتت ليان.— بابا كان يعرفها؟— كان يعرف زوجها، ويعرف إنها كانت بتساعده في بعض الأمور.قال ياسين:— أي أمور؟نظرت مريم إلى آدم.— نقل الأطفال.تغير وجه ليان.— الأطفال؟— أيوه.قال آدم:— هالة كانت واحدة من الأشخاص اللي بينقلوا الأطفال بين المستشفيات.قالت ليان:— ليه؟— عشان يختفوا من السجلات.سألت:— ومين كان بيطلب منها ده؟صمت آدم.ثم قال:— كريم.شعرت ليان بالاختناق.— يعني كريم كان يعرفني من يوم ولادتي؟— أيوه.— وكان عايزني أختفي؟— في البداية.— ليه؟أجاب آدم:— لأنك كنتِ تحملين العلامة.وضعت ليان يدها على كتفها.— العلامة اللي عندي؟







