LOGINجلس ياسين على طرف السرير، والورقة القديمة بين يديه.
كانت ليان أمامه، تراقب عينيه وهما تتحركان بين الكلمات. قرأها مرة أخرى: “هناك شيء واحد لم أخبر ياسين به…” ثم قلب الورقة. لم يكن هناك شيء آخر. قال: — الورقة ناقصة. جلست ليان بجانبه. — زي كل حاجة في حياتنا. ابتسم. — تقريبًا. ثم نظر إليها. — بس المرة دي مش هنهرب. — متفقين. وضع الورقة على الطاولة. — تعبانة؟ — شوية. — من كل ده؟ — من التفكير. نظر إليها. — طيب تعالي. اقتربت منه، وأسندت رأسها على كتفه. قال: — مش لازم نعرف كل حاجة الليلة. — عارفة. — ممكن ننام ونصحى بكرة ونكمل. — موافقة. سكتا قليلًا. ثم قالت ليان: — تعرف إيه أكتر حاجة بتطمني فيك؟ — إيه؟ — إنك لما بتقول “بكرة”، فعلًا بتكون موجود. ابتسم. — وهفضل موجود. — مهما حصل؟ — مهما حصل. رفعت رأسها. — حتى لو اختلفنا؟ — حتى لو اختلفنا. — حتى لو زعلت منك؟ — هفضل موجود. — حتى لو قلتلك ابعد؟ ابتسم. — هديكي مساحة… بس مش هختفي. ابتسمت. — دي الإجابة اللي كنت محتاجة أسمعها. أمسك يدها. — وإنتِ؟ — أنا إيه؟ — هتفضلي؟ نظرت إليه. — أيوه. ثم أضافت: — بس بشرط. — إيه؟ — ما تخليش الخوف يخليك تخبي عني. — وعد. وضعت رأسها على كتفه مرة أخرى. وفي الصباح، استيقظت ليان على صوت ياسين في المطبخ. خرجت وهي تبتسم. — تاني؟ التفت إليها. — إيه؟ — الإفطار. — اتعودي. — بقيت محترف؟ — تقريبًا. اقتربت من الطاولة. كان هناك فطور بسيط، وكوب قهوة بالطريقة التي تحبها. نظرت إليه. — عملت القهوة كمان؟ — طبعًا. — من غير ما أسألك؟ — أنا عارفك. ابتسمت. — بدأت تخوفني من كتر ما أنت عارفني. — بعد كل السنين دي، طبيعي. جلسا معًا. قالت ليان: — عندي فكرة. — قولي. — النهارده ما نتكلمش عن الماضي. رفع حاجبه. — يوم كامل؟ — أيوه. — موافق. — وما نفتحش أي ورقة. — موافق. — وما نسألش عن أي شخص. — موافق. — وما نجيبش سيرة البيت رقم 3. ضحك. — ده أصعب شرط. ضحكت. — بس هتلتزم. — حاضر. خرج الاثنان لقضاء اليوم معًا. تجولا في الشوارع، دخلا متجرًا صغيرًا، واختلفا على هدية بسيطة لوالدتها. ثم جلسا في مقهى هادئ. قال ياسين: — مبسوطة؟ — جدًا. — ليه؟ — عشان اليوم عادي. — إنتِ بتحبي الأيام العادية أوي. — لأنها زمان كانت أكتر حاجة ناقصاني. نظر إليها بحنان. — من النهارده هنعمل منها كتير. بعد عودتهما، كانت ليان تحمل أكياسًا صغيرة. فتحت الباب. وجدت والدتها في غرفة الجلوس. قالت الأم: — يومكم كان حلو؟ ابتسمت ليان. — جدًا. ثم جلست بجانبها. — ماما؟ — نعم؟ — أنا مش هضغط عليكي عشان تقوليلي أي حاجة. نظرت الأم إليها بدهشة. — ليه؟ — لأنني عارفة إنك هتقولي لما تكوني مستعدة. أمسكت الأم يدها. — شكرًا. ثم نظرت إلى ياسين. — وجوده غيرك. ابتسمت ليان. — أيوه. قالت الأم: — وأنتِ غيرتيه. ضحك ياسين. — دي حقيقة. نظرت ليان إليه. — كنت محتاج حد يغيرك. — وأنتِ عملتيها. ابتسمت. في المساء، صعدت ليان إلى غرفتها. فتحت درجها لتضع الصورة القديمة في مكانها. لكنها توقفت. الورقة التي كانت ناقصة بالأمس كانت قد وُضعت فوق الدفتر. نظرت إليها بدهشة. — ياسين؟ دخل الغرفة. — نعم؟ — إنت حطيت الورقة هنا؟ نظر إليها. — لا. اقترب. أخذ الورقة. وفي أسفلها، كانت هناك جملة لم تكن موجودة من قبل. قرأها بصوت منخفض: “إذا قرأت ليان هذه الجملة، فقد حان الوقت لأقول لها إن الشخص الذي اختاره قلبها… كان اختياري أنا أيضًا.” نظرت ليان إلى ياسين. لم تقل شيئًا. فقط ابتسمت. ثم أمسكت يده. — بابا كان يعرف. — يعرف إيه؟ — إنني في النهاية هختارك. نظر إليها ياسين. — يمكن. ثم قال: — وأنا كنت هختارك حتى لو هو ما اختارنيش. اقتربت منه. — وأنا كنت هختارك حتى لو ما كانش في أي خطة. ابتسم. — يبقى إحنا اتفقنا من غير ما نعرف. ضحكت. ثم أسندت رأسها على كتفه. وخلفهما، بقي الدفتر مفتوحًا على الصفحة الأخيرة… بينما كانت ليان للمرة الأولى تشعر أن بعض الأسرار القديمة لم تعد تخيفها. لأنها اكتشفت أن أجمل شيء في قصتها لم يكن ما خططه والدها… بل ما اختارته هي بنفسها.لم تفهم ليان جملة فؤاد.— مش أبي بالطريقة اللي أظنها؟قالت وهي تنظر إليه:— يعني إيه؟لم يجب فورًا.كان الجميع ينتظر.وأخيرًا قال:— أنا والدكِ بالدم.توقفت ليان.— لكن؟— لكن محمود هو الرجل اللي ربّاكِ.قال مالك:— يعني فؤاد أبونا الحقيقي؟— أيوه.قالت سارة:— وليه اتقال لنا إن محمود أبونا؟أجاب فؤاد:— لأن الحقيقة كانت هتقتلكم.ضحكت ليان بمرارة.— كل واحد بيقول نفس الجملة.اقتربت نادين منها.— المرة دي لازم تسمعي للنهاية.قالت ليان:— اتفضلي.أخذت نادين الصورة القديمة.— والدتك وفؤاد كانوا متزوجين قبل محمود.تجمدت ليان.— متزوجين؟أومأت.— نعم.— وإزاي؟— انفصلوا بعد ولادة مالك.نظر مالك إلى فؤاد.— ليه؟قال فؤاد:— لأنني كنت أعمل مع والدكِ في المشروع.سألت ليان:— أي مشروع؟— مشروع حماية الأطفال الذين كانت الشبكة تطاردهم.قال آدم:— ومالك كان واحدًا منهم؟— نعم.قالت سارة:— وأنا؟— أنتِ كنتِ الأصغر.ثم نظر إلى ليان.— وأنتِ كنتِ آخر طفلة.قالت ليان:— ورامي؟— رامي لم يكن من أطفال المشروع.تغير وجه رامي.— إيه؟قال فؤاد:— رامي ابني من زواج آخر.توقفت ليان.— يعني مش أخونا؟أجاب:
تجمدت ليان.لم تتحرك.الرجل الواقف عند الباب كان يحمل صورة والدها القديمة.لكن وجهه لم يكن وجه والدها.كان أكبر سنًا، وشعره رمادي، وملامحه مختلفة.قال ياسين:— مين إنت؟أجاب الرجل:— اسمي فؤاد.نظرت إليه ليان.— وبتقول إنك أبونا؟— أيوه.ضحك مالك بمرارة.— مستحيل.قال فؤاد:— عارف إنكم مش هتصدقوا.ثم وضع الصورة على الطاولة.— عشان كده جبت الدليل.اقتربت ليان.كانت الصورة قديمة جدًا.والدتها تقف في المنتصف.بجانبها رجل أصغر سنًا.وفي ذراعيه طفل.قالت ليان:— ده مين؟أجاب:— أنا.ثم أشار إلى الطفل.— وده مالك.تقدم مالك.— أنا؟— أيوه.قالت سارة:— لكن والدي كان اسمه محمود.تغير وجه فؤاد.— محمود كان زوج أمكم.سألته ليان:— مش أبويا؟صمت.ثم قال:— لا.ساد الصمت.شعرت ليان بأن كل شيء داخلها انهار.— يعني بابا اللي عشت وأنا فاكرة إنه أبويا… مش أبي؟أجاب فؤاد:— كان يحبكم.— أنا ما سألتش إذا كان يحبنا.نظرت إليه بعينين دامعتين.— أنا بسألك: هل هو أبي؟هز رأسه.— لا.قال مالك:— وإنت اختفيت ليه؟— لأن محمود عرف بوجودي.سألت ليان:— وماما؟خفض عينيه.— كانت تحاول تحميكم جميعًا.قالت سارة:—
لم تستطع ليان أن تتحرك.كانت كلمة نادين ما تزال معلقة في الهواء:«أنتم أربعة.»قال مالك:— مين الرابع؟لم تجب نادين.نظرت إلى سارة.ثم إلى آدم.وأخيرًا إلى ليان.قالت ليان:— قولي.أخرجت نادين ملفًا قديمًا.— الطفل الرابع اتولد قبل سارة ومالك وليان بسنوات.سأل ياسين:— من أمه؟— نفس الأم.تجمدت ليان.— أمي؟أومأت نادين.— أيوه.قالت سارة:— أنا كنت أعرف.نظر إليها مالك.— كنتِ تعرفي إن لينا أخ رابع؟— كنت أعرف إن عندنا أخًا.— فين؟خفضت سارة عينيها.— ما أعرفش.قالت نادين:— أنا أعرف.اقتربت ليان.— مين هو؟فتحت نادين الملف.كانت الصفحة الأولى تحمل صورة لطفل صغير.لم يكن وجهه واضحًا.لكن على كتفه ظهرت العلامة نفسها.قالت نادين:— اسمه عند الولادة كان نور.تجمدت ليان.— نور؟قالت سارة:— الاسم ده مش اسم ولد.أجابت نادين:— لأنه لم يكن اسمه الحقيقي.قلبت الصفحة.ظهر اسم آخر:«آدم.»نظر الجميع إلى آدم.لم يتحرك.قال ياسين:— تاني؟أجاب آدم بصوت منخفض:— أنا قلت لكم إني كنت الطفل ٣٠٩.قالت نادين:— لكن الطفل ٣٠٩ لم يكن آدم.تجمد آدم.— إيه؟قالت نادين:— أنت كنت الطفل الذي تم نقله بعده.ن
توقفت ليان أمام المرأة.لم تستطع الكلام.كانت ملامحها تشبه أمها بطريقة غريبة.لكن عينيها…كانتا تحملان شيئًا شعرت ليان أنها تعرفه منذ زمن.قالت المرأة:— ليان؟همست ليان:— سارة؟أومأت.— أيوه.تقدمت ليان خطوة.لكن ياسين أمسك بذراعها.— استني.نظرت إليه.— دي ممكن تكون خدعة.قالت المرأة:— معاه حق.ثم أضافت:— بعد كل اللي حصل، أنا نفسي ما كنتش هصدقني.أخرجت شيئًا من جيبها.كانت قلادة صغيرة.نفس الرمز الموجود على قلادة ليان.قالت:— دي كانت معايا يوم اختفائي.اقتربت ليان.— منين جبتيها؟— أمي أعطتهالي.تجمدت.— أمي؟— والدتك.نظرت ليان إلى مالك.— يعني هي قابلت أمي؟أجابته سارة:— أكتر من مرة.قال مالك:— وإنتِ كنتِ عارفة إننا إخوات؟هزت رأسها.— عرفت من زمان.— ليه ما رجعتيش؟خفضت عينيها.— لأنني كنت أعتقد إن رجوعي هيعرّضكم للخطر.قال ياسين:— مين كان بيهددك؟— كريم.تدخل آدم:— كريم كان يعرف مكانها؟— أيوه.ثم نظرت إلى ليان.— لكنه ما كانش يعرف كل شيء.قالت ليان:— إيه اللي ما كانش يعرفه؟أجابت سارة:— إن والدتك أخفت الدليل الأخير.— فين؟ابتسمت سارة بحزن.— معك.وضعت ليان يدها على ك
ظلت ليان تحدق في الصورة.طفلة صغيرة بين ذراعي هالة.والتاريخ:٢٨ أبريل ٢٠٠٠.قالت ليان:— أنا كنت مع أمي في المستشفى.قال آدم:— أيوه.— إذن مين الطفلة دي؟لم يجب.اقتربت مريم وأخذت الصورة.قلبتها.كان خلفها رقم:٣٠٩.تغير وجهها.— لا…سألها مالك:— إيه؟قالت مريم:— الطفل ٣٠٩ ما كانش طفلًا مجهولًا.نظرت إليها ليان.— أمال؟— كان اسمًا مستعارًا.قال ياسين:— لمين؟رفعت مريم عينيها.— لليان.ساد الصمت.قالت ليان:— يعني أنا كنت المريضة ٣٠٩؟أومأت.— أيوه.قال آدم:— وده يفسر ليه السجلات كانت متناقضة.قالت ليان:— بس الصورة…— هالة كانت تحملك بعد ما خرجتِ من المستشفى.— خرجت؟— مؤقتًا.قال مالك:— والدتك كانت بتحاول تخفيك عن كريم.سألت ليان:— وسارة؟قالت مريم:— سارة كانت في نفس المبنى.— يعني أنا وسارة كنا مع بعض؟— لفترة قصيرة.بدأت ذكريات مبهمة تعود إلى ليان.ممر أبيض.صوت طفلة تضحك.امرأة تقول:— خدي بالك منها.ثم صوت آخر:— لازم نفصلهم.وضعت ليان يدها على رأسها.قال ياسين:— ليان؟— أنا فاكرة حاجة.اقترب منها.— إيه؟— كان فيه سريرين.نظر الجميع إليها.— وأنا كنت في واحد.توقفت.—
لم تستطع ليان أن تبعد عينيها عن الصورة.امرأة شابة تحملها بين ذراعيها.وخلفها ممر المستشفى.وفي زاوية الصورة، ظهر تاريخ:٢٧ أبريل ٢٠٠٠.قالت ليان:— دي كانت موجودة يوم ولادتي؟أومأ آدم.— أيوه.سأل ياسين:— اسمها إيه؟قال آدم:— نادية.تدخلت مريم:— اسمها الحقيقي مش نادية.نظرت إليها ليان.— أمال؟— هالة.تجمدت.قال مالك:— هالة زوجة كريم؟— أيوه.سألت ليان:— إيه علاقتها بأمي؟أجابت مريم:— كانوا يعرفوا بعض قبل سنوات من ولادتك.— منين؟— من والدك.صمتت ليان.— بابا كان يعرفها؟— كان يعرف زوجها، ويعرف إنها كانت بتساعده في بعض الأمور.قال ياسين:— أي أمور؟نظرت مريم إلى آدم.— نقل الأطفال.تغير وجه ليان.— الأطفال؟— أيوه.قال آدم:— هالة كانت واحدة من الأشخاص اللي بينقلوا الأطفال بين المستشفيات.قالت ليان:— ليه؟— عشان يختفوا من السجلات.سألت:— ومين كان بيطلب منها ده؟صمت آدم.ثم قال:— كريم.شعرت ليان بالاختناق.— يعني كريم كان يعرفني من يوم ولادتي؟— أيوه.— وكان عايزني أختفي؟— في البداية.— ليه؟أجاب آدم:— لأنك كنتِ تحملين العلامة.وضعت ليان يدها على كتفها.— العلامة اللي عندي؟







