INICIAR SESIÓNعندما وصلت ليان إلى منزل والدتها برفقة ياسين، كانت تشعر أن قلبها يسبق خطواتها.
فتحت الأم الباب. وبمجرد أن رأت وجه ابنتها، فهمت أن مريم تواصلت معها. قالت بهدوء: — بعتتلك رسالة؟ أومأت ليان. — قالت لي أسألك عن اليوم اللي اختفت فيه ذاكرتي. ساد الصمت. ثم نظرت ليان إلى يدي أمها. كانت تحمل صورة قديمة. — إيه دي؟ نظرت الأم إلى الصورة، ثم جلست ببطء. — صورة من نفس اليوم. اقتربت ليان. أخذت الصورة. كانت قديمة ومهزوزة قليلًا. فيها ليان وهي طفلة، تجلس على الأرض بجانب نافذة، وبجوارها فتاة صغيرة. نونو. لكن خلفهما كانت مريم واقفة. كانت تبتسم، بينما تبدو عيناها وكأنهما تراقبان شيئًا خارج الصورة. قالت ليان: — مريم كانت موجودة يومها؟ — أيوه. — ونونو؟ — كانت موجودة. رفعت ليان عينيها إلى والدتها. — وأنا؟ ابتسمت الأم بحزن. — كنتِ موجودة أنتِ كمان. تدخل ياسين: — طيب إيه اللي حصل في اليوم ده؟ تنهدت الأم. — في البداية… ما كانش فيه حاجة غريبة. جلست ليان بجانبها. — احكيلي. بدأت الأم تتحدث ببطء. — كان يوم عادي. أنتِ ونونو كنتوا بتلعَبوا في البيت القديم. مريم كانت معاكم. والدك كان موجود، وفارس كان بيتابع المكان من بعيد. توقفت لحظة. — وبعدين؟ — حصلت مكالمة. — من مين؟ — مش عارفة. قالت ليان باستغراب: — إزاي مش عارفة؟ — لأن والدك خرج بعدها من البيت، وقال لي ما أتحركش من مكاني. ثم نظرت إلى ياسين. — وبعدها حصل شيء لم نكن نتوقعه. — إيه؟ وضعت الأم الصورة على الطاولة. — ليان اختفت من قدام عيني. شهقت ليان. — إيه؟ — كنتِ هنا. أشارت إلى الصورة. — وبعد دقائق… لم تكوني هنا. شعرت ليان بقشعريرة. — مين أخدني؟ — ما عرفناش. — وبعدين؟ — بعد وقت قصير رجعتي. — لوحدي؟ صمتت الأم. ثم قالت: — لا. نظرت ليان إليها بسرعة. — مع مين؟ لكن الأم لم تجب فورًا. كانت عيناها ممتلئتين بالدموع. قال ياسين بهدوء: — خدي وقتك. نظرت إليه الأم وقالت: — رجعتِ مع مريم. تجمدت ليان. — مريم؟ — أيوه. — طيب ليه قالت إنها كانت مضطرة تسيبني؟ خفضت الأم عينيها. — لأنها لم تكن هي التي أخذتك. ساد الصمت. — لكنها كانت تعرف أين كنتِ. قالت ليان: — وماذا حدث لذاكرتي؟ رفعت الأم رأسها. — أنتِ لم تنسي كل شيء. — يعني؟ — بقيتِ تتذكرين الأشخاص… لكنكِ نسيتِ اليوم نفسه. تذكرت ليان فجأة صورة قديمة. مريم. نونو. والقلادتان. ثم وضعت يدها على رأسها. — أنا حاسة بحاجة… اقترب ياسين منها فورًا. — إيه؟ أغمضت عينيها. لثوانٍ قصيرة، مرّ في ذهنها مشهد سريع. غرفة صغيرة. نافذة. صوت فتاة تضحك. ثم صوت مريم: «ليان، لازم تثقي فيّ.» فتحت عينيها فجأة. — مريم قالتلي الجملة دي. سألتها أمها: — متأكدة؟ — أيوه. ثم نظرت إلى ياسين. — أنا سمعتها قبل كده. أمسك ياسين يدها. — يمكن دي أول ذكرى رجعت. ابتلعت ليان خوفها. — بس ليه مريم كانت بتطلب مني أثق فيها؟ لم تجب أمها. بل مدت يدها إلى درج صغير وأخرجت ورقة مطوية. قالت: — لأن والدك كتب لي شيئًا في نفس اليوم. فتحت الورقة. كانت الكتابة باهتة. لكن الجملة الأولى كانت واضحة: «إذا عادت ليان وهي لا تتذكر ما حدث، فلا تحاولي إجبارها على التذكر.» رفعت ليان عينيها. — وباقي الرسالة؟ أجابت الأم: — الجزء الثاني كان موجهًا لمريم. فتحت الورقة أكثر. لكن الجزء السفلي كان ممزقًا. قالت ليان: — مين مزقها؟ صمتت الأم. ثم قالت: — مريم. تبادل ياسين وليان النظرات. وفجأة اهتز هاتف ليان. رسالة جديدة. من مريم. «الآن تذكرتِ أول شيء.» ثم: «لكن لا تتذكري كل شيء وحدك.» وبعد لحظات وصلت رسالة أخرى: «قولي لياسين أن يفتح الدرج الذي تركه والدك له.» نظرت ليان إلى ياسين. — عندك درج؟ ظهرت على وجهه علامات الدهشة. — مش فاهم. قالت وهي تريه الهاتف: — مريم قالت إن بابا ترك لك درجًا. ظل ياسين صامتًا. ثم تذكر شيئًا. قال ببطء: — في مكتبي… — إيه؟ — فيه درج صغير ما فتحتهوش من سنين. رفعت ليان حاجبيها. — وليه؟ نظر إليها. — لأن والدك قال لي يومًا… توقف. — قال إيه؟ أجاب بصوت منخفض: — «افتحه فقط عندما تتذكر ليان اليوم الذي نسيته.» ساد الصمت. هذه المرة، لم يكن الماضي يطرق الباب. كان ينتظر خلفه. وليان، لأول مرة، أصبحت تملك المفتاح.لم تفهم ليان جملة فؤاد.— مش أبي بالطريقة اللي أظنها؟قالت وهي تنظر إليه:— يعني إيه؟لم يجب فورًا.كان الجميع ينتظر.وأخيرًا قال:— أنا والدكِ بالدم.توقفت ليان.— لكن؟— لكن محمود هو الرجل اللي ربّاكِ.قال مالك:— يعني فؤاد أبونا الحقيقي؟— أيوه.قالت سارة:— وليه اتقال لنا إن محمود أبونا؟أجاب فؤاد:— لأن الحقيقة كانت هتقتلكم.ضحكت ليان بمرارة.— كل واحد بيقول نفس الجملة.اقتربت نادين منها.— المرة دي لازم تسمعي للنهاية.قالت ليان:— اتفضلي.أخذت نادين الصورة القديمة.— والدتك وفؤاد كانوا متزوجين قبل محمود.تجمدت ليان.— متزوجين؟أومأت.— نعم.— وإزاي؟— انفصلوا بعد ولادة مالك.نظر مالك إلى فؤاد.— ليه؟قال فؤاد:— لأنني كنت أعمل مع والدكِ في المشروع.سألت ليان:— أي مشروع؟— مشروع حماية الأطفال الذين كانت الشبكة تطاردهم.قال آدم:— ومالك كان واحدًا منهم؟— نعم.قالت سارة:— وأنا؟— أنتِ كنتِ الأصغر.ثم نظر إلى ليان.— وأنتِ كنتِ آخر طفلة.قالت ليان:— ورامي؟— رامي لم يكن من أطفال المشروع.تغير وجه رامي.— إيه؟قال فؤاد:— رامي ابني من زواج آخر.توقفت ليان.— يعني مش أخونا؟أجاب:
تجمدت ليان.لم تتحرك.الرجل الواقف عند الباب كان يحمل صورة والدها القديمة.لكن وجهه لم يكن وجه والدها.كان أكبر سنًا، وشعره رمادي، وملامحه مختلفة.قال ياسين:— مين إنت؟أجاب الرجل:— اسمي فؤاد.نظرت إليه ليان.— وبتقول إنك أبونا؟— أيوه.ضحك مالك بمرارة.— مستحيل.قال فؤاد:— عارف إنكم مش هتصدقوا.ثم وضع الصورة على الطاولة.— عشان كده جبت الدليل.اقتربت ليان.كانت الصورة قديمة جدًا.والدتها تقف في المنتصف.بجانبها رجل أصغر سنًا.وفي ذراعيه طفل.قالت ليان:— ده مين؟أجاب:— أنا.ثم أشار إلى الطفل.— وده مالك.تقدم مالك.— أنا؟— أيوه.قالت سارة:— لكن والدي كان اسمه محمود.تغير وجه فؤاد.— محمود كان زوج أمكم.سألته ليان:— مش أبويا؟صمت.ثم قال:— لا.ساد الصمت.شعرت ليان بأن كل شيء داخلها انهار.— يعني بابا اللي عشت وأنا فاكرة إنه أبويا… مش أبي؟أجاب فؤاد:— كان يحبكم.— أنا ما سألتش إذا كان يحبنا.نظرت إليه بعينين دامعتين.— أنا بسألك: هل هو أبي؟هز رأسه.— لا.قال مالك:— وإنت اختفيت ليه؟— لأن محمود عرف بوجودي.سألت ليان:— وماما؟خفض عينيه.— كانت تحاول تحميكم جميعًا.قالت سارة:—
لم تستطع ليان أن تتحرك.كانت كلمة نادين ما تزال معلقة في الهواء:«أنتم أربعة.»قال مالك:— مين الرابع؟لم تجب نادين.نظرت إلى سارة.ثم إلى آدم.وأخيرًا إلى ليان.قالت ليان:— قولي.أخرجت نادين ملفًا قديمًا.— الطفل الرابع اتولد قبل سارة ومالك وليان بسنوات.سأل ياسين:— من أمه؟— نفس الأم.تجمدت ليان.— أمي؟أومأت نادين.— أيوه.قالت سارة:— أنا كنت أعرف.نظر إليها مالك.— كنتِ تعرفي إن لينا أخ رابع؟— كنت أعرف إن عندنا أخًا.— فين؟خفضت سارة عينيها.— ما أعرفش.قالت نادين:— أنا أعرف.اقتربت ليان.— مين هو؟فتحت نادين الملف.كانت الصفحة الأولى تحمل صورة لطفل صغير.لم يكن وجهه واضحًا.لكن على كتفه ظهرت العلامة نفسها.قالت نادين:— اسمه عند الولادة كان نور.تجمدت ليان.— نور؟قالت سارة:— الاسم ده مش اسم ولد.أجابت نادين:— لأنه لم يكن اسمه الحقيقي.قلبت الصفحة.ظهر اسم آخر:«آدم.»نظر الجميع إلى آدم.لم يتحرك.قال ياسين:— تاني؟أجاب آدم بصوت منخفض:— أنا قلت لكم إني كنت الطفل ٣٠٩.قالت نادين:— لكن الطفل ٣٠٩ لم يكن آدم.تجمد آدم.— إيه؟قالت نادين:— أنت كنت الطفل الذي تم نقله بعده.ن
توقفت ليان أمام المرأة.لم تستطع الكلام.كانت ملامحها تشبه أمها بطريقة غريبة.لكن عينيها…كانتا تحملان شيئًا شعرت ليان أنها تعرفه منذ زمن.قالت المرأة:— ليان؟همست ليان:— سارة؟أومأت.— أيوه.تقدمت ليان خطوة.لكن ياسين أمسك بذراعها.— استني.نظرت إليه.— دي ممكن تكون خدعة.قالت المرأة:— معاه حق.ثم أضافت:— بعد كل اللي حصل، أنا نفسي ما كنتش هصدقني.أخرجت شيئًا من جيبها.كانت قلادة صغيرة.نفس الرمز الموجود على قلادة ليان.قالت:— دي كانت معايا يوم اختفائي.اقتربت ليان.— منين جبتيها؟— أمي أعطتهالي.تجمدت.— أمي؟— والدتك.نظرت ليان إلى مالك.— يعني هي قابلت أمي؟أجابته سارة:— أكتر من مرة.قال مالك:— وإنتِ كنتِ عارفة إننا إخوات؟هزت رأسها.— عرفت من زمان.— ليه ما رجعتيش؟خفضت عينيها.— لأنني كنت أعتقد إن رجوعي هيعرّضكم للخطر.قال ياسين:— مين كان بيهددك؟— كريم.تدخل آدم:— كريم كان يعرف مكانها؟— أيوه.ثم نظرت إلى ليان.— لكنه ما كانش يعرف كل شيء.قالت ليان:— إيه اللي ما كانش يعرفه؟أجابت سارة:— إن والدتك أخفت الدليل الأخير.— فين؟ابتسمت سارة بحزن.— معك.وضعت ليان يدها على ك
ظلت ليان تحدق في الصورة.طفلة صغيرة بين ذراعي هالة.والتاريخ:٢٨ أبريل ٢٠٠٠.قالت ليان:— أنا كنت مع أمي في المستشفى.قال آدم:— أيوه.— إذن مين الطفلة دي؟لم يجب.اقتربت مريم وأخذت الصورة.قلبتها.كان خلفها رقم:٣٠٩.تغير وجهها.— لا…سألها مالك:— إيه؟قالت مريم:— الطفل ٣٠٩ ما كانش طفلًا مجهولًا.نظرت إليها ليان.— أمال؟— كان اسمًا مستعارًا.قال ياسين:— لمين؟رفعت مريم عينيها.— لليان.ساد الصمت.قالت ليان:— يعني أنا كنت المريضة ٣٠٩؟أومأت.— أيوه.قال آدم:— وده يفسر ليه السجلات كانت متناقضة.قالت ليان:— بس الصورة…— هالة كانت تحملك بعد ما خرجتِ من المستشفى.— خرجت؟— مؤقتًا.قال مالك:— والدتك كانت بتحاول تخفيك عن كريم.سألت ليان:— وسارة؟قالت مريم:— سارة كانت في نفس المبنى.— يعني أنا وسارة كنا مع بعض؟— لفترة قصيرة.بدأت ذكريات مبهمة تعود إلى ليان.ممر أبيض.صوت طفلة تضحك.امرأة تقول:— خدي بالك منها.ثم صوت آخر:— لازم نفصلهم.وضعت ليان يدها على رأسها.قال ياسين:— ليان؟— أنا فاكرة حاجة.اقترب منها.— إيه؟— كان فيه سريرين.نظر الجميع إليها.— وأنا كنت في واحد.توقفت.—
لم تستطع ليان أن تبعد عينيها عن الصورة.امرأة شابة تحملها بين ذراعيها.وخلفها ممر المستشفى.وفي زاوية الصورة، ظهر تاريخ:٢٧ أبريل ٢٠٠٠.قالت ليان:— دي كانت موجودة يوم ولادتي؟أومأ آدم.— أيوه.سأل ياسين:— اسمها إيه؟قال آدم:— نادية.تدخلت مريم:— اسمها الحقيقي مش نادية.نظرت إليها ليان.— أمال؟— هالة.تجمدت.قال مالك:— هالة زوجة كريم؟— أيوه.سألت ليان:— إيه علاقتها بأمي؟أجابت مريم:— كانوا يعرفوا بعض قبل سنوات من ولادتك.— منين؟— من والدك.صمتت ليان.— بابا كان يعرفها؟— كان يعرف زوجها، ويعرف إنها كانت بتساعده في بعض الأمور.قال ياسين:— أي أمور؟نظرت مريم إلى آدم.— نقل الأطفال.تغير وجه ليان.— الأطفال؟— أيوه.قال آدم:— هالة كانت واحدة من الأشخاص اللي بينقلوا الأطفال بين المستشفيات.قالت ليان:— ليه؟— عشان يختفوا من السجلات.سألت:— ومين كان بيطلب منها ده؟صمت آدم.ثم قال:— كريم.شعرت ليان بالاختناق.— يعني كريم كان يعرفني من يوم ولادتي؟— أيوه.— وكان عايزني أختفي؟— في البداية.— ليه؟أجاب آدم:— لأنك كنتِ تحملين العلامة.وضعت ليان يدها على كتفها.— العلامة اللي عندي؟







