LOGINوصلت ليان وياسين إلى مكتبه في وقت متأخر من الليل.
كان المكان هادئًا. لكن ليان لم تستطع أن تتخلص من ذلك الشعور الغريب الذي يرافقها منذ أن بدأت ذاكرتها تعود. كأن الماضي لم يعد مجرد صور قديمة… بل أصبح قريبًا منها بشكل مخيف. قال ياسين وهو يفتح الباب: — الدرج هنا. أشارت ليان إليه. — ده هو؟ أومأ. كان درجًا صغيرًا أسفل خزانة قديمة، لم تنتبه إليه من قبل. أخرج ياسين مفتاحًا من محفظته. نظرت إليه ليان بدهشة. — كنت محتفظ بالمفتاح طول السنين دي؟ ابتسم. — والدك أعطاني إياه. — ومقالكش اللي جواه؟ — لا. ثم أضاف: — قال لي ما أفتحهش مهما حصل… إلا لما ييجي الوقت. نظرت إليه ليان. — وإنت ما حاولتش؟ — حاولت مرة. ضحكت رغم توترها. — ونجحت؟ — المفتاح كان بيدور، لكن الدرج ما فتحش. — ليه؟ — لأن فيه قفل تاني. رفعت حاجبها. — يعني بابا كان عامل صندوق داخل درج؟ — تقريبًا. ابتسمت. — واضح إن بابا كان بيحب التعقيد. — واضح إنك واخدة منه كتير. ضربته بخفة على ذراعه. — ياسين! ضحك، ثم عاد إلى الدرج. أخرج المفتاح الأول. ثم وضعه في القفل. صدر صوت خفيف. تك. فتح الدرج. في الداخل كان هناك صندوق خشبي صغير. لم يكن عليه اسم. فقط رمز بسيط محفور على الغطاء: ل.م توقفت ليان. نظرت إلى ياسين. — تاني؟ أومأ. — أيوه. مدت يدها نحو الصندوق، لكنها توقفت قبل أن تلمسه. — أنا خايفة. اقترب ياسين منها. — مش لازم نفتحه دلوقتي. نظرت إليه. — بس أنا عايزة. — متأكدة؟ أومأت. — أيوه. أمسك يدها. — يبقى نفتحه سوا. فتحت ليان الصندوق. في داخله كانت هناك ثلاثة أشياء فقط. صورة قديمة. مفتاح صغير. وشريط تسجيل قديم. أخذت ليان الصورة أولًا. كانت صورة لها وهي طفلة. لكن هذه المرة لم تكن نونو بجانبها. كانت مريم. وكانت ليان تمسك يدها. وعلى ظهر الصورة: «٢٧ أبريل ٢٠٠٦ — قبل أن يتغير كل شيء.» شعرت ليان بأنفاسها تضيق. — مريم كانت قريبة مني جدًا. قال ياسين: — واضح. ثم أخذت الشريط. — ده إيه؟ — تسجيل صوتي. نظرت إليه. — نسمعه؟ تردد ياسين. — يمكن يكون مهم. — يبقى نسمعه. وضعه في جهاز قديم كان موجودًا في المكتب. صدر صوت تشويش. ثم صوت طفلة تضحك. تجمدت ليان. — دي أنا. ثم جاء صوت طفلة أخرى. — نونو. ثم صوت امرأة. مريم. كان صوتها هادئًا. «ليان، وعديني إنك لما تكبري مش هتنسيني.» تسارعت أنفاس ليان. ثم جاء صوتها وهي طفلة: «مش هنساكي.» صمت قصير. ثم قالت مريم: «حتى لو قالوا لكِ إني مش كويسة؟» جاء صوت ليان: «هصدقك إنتِ.» انقطع التسجيل. نظرت ليان إلى ياسين. كانت عيناها ممتلئتين بالدموع. — أنا كنت بحبها. قال ياسين: — واضح إنها كانت مهمة جدًا بالنسبة لكِ. مسحت دموعها. — ليه نسيتها؟ لم يجب. لأنه لم يكن يملك الإجابة. أمسكت المفتاح الصغير الموجود في الصندوق. — والمفتاح ده؟ قلبه ياسين بين أصابعه. كان عليه رقم صغير: ٣٠٩ تغير وجه ليان. — الغرفة ٣٠٩. نظر إليها ياسين. — غرفة المستشفى. أومأت. — الغرفة اللي اتولدت فيها واحدة من الطفلتين. ساد الصمت. ثم قالت ليان: — ليه بابا احتفظ بالمفتاح؟ قبل أن يجيب، اهتز هاتف ياسين. رسالة من مريم. «وجدتما المفتاح.» نظر إلى ليان. ثم ظهرت رسالة ثانية: «لكن لا تذهبا إلى المستشفى الآن.» ثم ثالثة: «هناك شخص آخر يملك مفتاح الغرفة ٣٠٩.» شعرت ليان بالتوتر. — مين؟ وصلت الرسالة الأخيرة. «الشخص الذي كان مع والدك يوم نقل الطفلة الثانية.» رفعت ليان عينيها إلى ياسين. — فارس؟ قال فورًا: — مش بالضرورة. — طيب مين؟ لم يصل رد. انتظرا. دقيقة. ثم دقيقتين. وأخيرًا وصلت رسالة واحدة فقط: «اسألي والدتك عن الدكتور سامي.» جلست ليان على الكرسي. وضعت المفتاح أمامها. ثم نظرت إلى ياسين. — كل مرة بنفتكر حاجة… بنلاقي سؤال جديد. ابتسم ياسين بهدوء، وجلس بجانبها. — عارف. — مش تعبت؟ نظر إليها. — من الحقيقة؟ آه. ثم أمسك يدها. — منكِ؟ مستحيل. ابتسمت رغم دموعها. — أنت بتعرف تقول الكلام الصح في الوقت الصح. — عشان بحبك. سكتت لحظة. ثم وضعت رأسها على كتفه. — وأنا بحبك. بقيا هكذا لعدة دقائق دون كلام. لأول مرة منذ بدأت كل الأسرار… لم تكن ليان بحاجة إلى إجابة فورية. كان يكفيها أن تعرف أن ياسين بجانبها. لكن على الطاولة أمامهما، ظل المفتاح الصغير يحمل الرقم ٣٠٩. وكان ينتظر شخصًا آخر… شخصًا يعرف بالضبط لماذا تم نقل الطفلة الثانية. وشخصًا لم يظهر اسمه بعد.لم تفهم ليان جملة فؤاد.— مش أبي بالطريقة اللي أظنها؟قالت وهي تنظر إليه:— يعني إيه؟لم يجب فورًا.كان الجميع ينتظر.وأخيرًا قال:— أنا والدكِ بالدم.توقفت ليان.— لكن؟— لكن محمود هو الرجل اللي ربّاكِ.قال مالك:— يعني فؤاد أبونا الحقيقي؟— أيوه.قالت سارة:— وليه اتقال لنا إن محمود أبونا؟أجاب فؤاد:— لأن الحقيقة كانت هتقتلكم.ضحكت ليان بمرارة.— كل واحد بيقول نفس الجملة.اقتربت نادين منها.— المرة دي لازم تسمعي للنهاية.قالت ليان:— اتفضلي.أخذت نادين الصورة القديمة.— والدتك وفؤاد كانوا متزوجين قبل محمود.تجمدت ليان.— متزوجين؟أومأت.— نعم.— وإزاي؟— انفصلوا بعد ولادة مالك.نظر مالك إلى فؤاد.— ليه؟قال فؤاد:— لأنني كنت أعمل مع والدكِ في المشروع.سألت ليان:— أي مشروع؟— مشروع حماية الأطفال الذين كانت الشبكة تطاردهم.قال آدم:— ومالك كان واحدًا منهم؟— نعم.قالت سارة:— وأنا؟— أنتِ كنتِ الأصغر.ثم نظر إلى ليان.— وأنتِ كنتِ آخر طفلة.قالت ليان:— ورامي؟— رامي لم يكن من أطفال المشروع.تغير وجه رامي.— إيه؟قال فؤاد:— رامي ابني من زواج آخر.توقفت ليان.— يعني مش أخونا؟أجاب:
تجمدت ليان.لم تتحرك.الرجل الواقف عند الباب كان يحمل صورة والدها القديمة.لكن وجهه لم يكن وجه والدها.كان أكبر سنًا، وشعره رمادي، وملامحه مختلفة.قال ياسين:— مين إنت؟أجاب الرجل:— اسمي فؤاد.نظرت إليه ليان.— وبتقول إنك أبونا؟— أيوه.ضحك مالك بمرارة.— مستحيل.قال فؤاد:— عارف إنكم مش هتصدقوا.ثم وضع الصورة على الطاولة.— عشان كده جبت الدليل.اقتربت ليان.كانت الصورة قديمة جدًا.والدتها تقف في المنتصف.بجانبها رجل أصغر سنًا.وفي ذراعيه طفل.قالت ليان:— ده مين؟أجاب:— أنا.ثم أشار إلى الطفل.— وده مالك.تقدم مالك.— أنا؟— أيوه.قالت سارة:— لكن والدي كان اسمه محمود.تغير وجه فؤاد.— محمود كان زوج أمكم.سألته ليان:— مش أبويا؟صمت.ثم قال:— لا.ساد الصمت.شعرت ليان بأن كل شيء داخلها انهار.— يعني بابا اللي عشت وأنا فاكرة إنه أبويا… مش أبي؟أجاب فؤاد:— كان يحبكم.— أنا ما سألتش إذا كان يحبنا.نظرت إليه بعينين دامعتين.— أنا بسألك: هل هو أبي؟هز رأسه.— لا.قال مالك:— وإنت اختفيت ليه؟— لأن محمود عرف بوجودي.سألت ليان:— وماما؟خفض عينيه.— كانت تحاول تحميكم جميعًا.قالت سارة:—
لم تستطع ليان أن تتحرك.كانت كلمة نادين ما تزال معلقة في الهواء:«أنتم أربعة.»قال مالك:— مين الرابع؟لم تجب نادين.نظرت إلى سارة.ثم إلى آدم.وأخيرًا إلى ليان.قالت ليان:— قولي.أخرجت نادين ملفًا قديمًا.— الطفل الرابع اتولد قبل سارة ومالك وليان بسنوات.سأل ياسين:— من أمه؟— نفس الأم.تجمدت ليان.— أمي؟أومأت نادين.— أيوه.قالت سارة:— أنا كنت أعرف.نظر إليها مالك.— كنتِ تعرفي إن لينا أخ رابع؟— كنت أعرف إن عندنا أخًا.— فين؟خفضت سارة عينيها.— ما أعرفش.قالت نادين:— أنا أعرف.اقتربت ليان.— مين هو؟فتحت نادين الملف.كانت الصفحة الأولى تحمل صورة لطفل صغير.لم يكن وجهه واضحًا.لكن على كتفه ظهرت العلامة نفسها.قالت نادين:— اسمه عند الولادة كان نور.تجمدت ليان.— نور؟قالت سارة:— الاسم ده مش اسم ولد.أجابت نادين:— لأنه لم يكن اسمه الحقيقي.قلبت الصفحة.ظهر اسم آخر:«آدم.»نظر الجميع إلى آدم.لم يتحرك.قال ياسين:— تاني؟أجاب آدم بصوت منخفض:— أنا قلت لكم إني كنت الطفل ٣٠٩.قالت نادين:— لكن الطفل ٣٠٩ لم يكن آدم.تجمد آدم.— إيه؟قالت نادين:— أنت كنت الطفل الذي تم نقله بعده.ن
توقفت ليان أمام المرأة.لم تستطع الكلام.كانت ملامحها تشبه أمها بطريقة غريبة.لكن عينيها…كانتا تحملان شيئًا شعرت ليان أنها تعرفه منذ زمن.قالت المرأة:— ليان؟همست ليان:— سارة؟أومأت.— أيوه.تقدمت ليان خطوة.لكن ياسين أمسك بذراعها.— استني.نظرت إليه.— دي ممكن تكون خدعة.قالت المرأة:— معاه حق.ثم أضافت:— بعد كل اللي حصل، أنا نفسي ما كنتش هصدقني.أخرجت شيئًا من جيبها.كانت قلادة صغيرة.نفس الرمز الموجود على قلادة ليان.قالت:— دي كانت معايا يوم اختفائي.اقتربت ليان.— منين جبتيها؟— أمي أعطتهالي.تجمدت.— أمي؟— والدتك.نظرت ليان إلى مالك.— يعني هي قابلت أمي؟أجابته سارة:— أكتر من مرة.قال مالك:— وإنتِ كنتِ عارفة إننا إخوات؟هزت رأسها.— عرفت من زمان.— ليه ما رجعتيش؟خفضت عينيها.— لأنني كنت أعتقد إن رجوعي هيعرّضكم للخطر.قال ياسين:— مين كان بيهددك؟— كريم.تدخل آدم:— كريم كان يعرف مكانها؟— أيوه.ثم نظرت إلى ليان.— لكنه ما كانش يعرف كل شيء.قالت ليان:— إيه اللي ما كانش يعرفه؟أجابت سارة:— إن والدتك أخفت الدليل الأخير.— فين؟ابتسمت سارة بحزن.— معك.وضعت ليان يدها على ك
ظلت ليان تحدق في الصورة.طفلة صغيرة بين ذراعي هالة.والتاريخ:٢٨ أبريل ٢٠٠٠.قالت ليان:— أنا كنت مع أمي في المستشفى.قال آدم:— أيوه.— إذن مين الطفلة دي؟لم يجب.اقتربت مريم وأخذت الصورة.قلبتها.كان خلفها رقم:٣٠٩.تغير وجهها.— لا…سألها مالك:— إيه؟قالت مريم:— الطفل ٣٠٩ ما كانش طفلًا مجهولًا.نظرت إليها ليان.— أمال؟— كان اسمًا مستعارًا.قال ياسين:— لمين؟رفعت مريم عينيها.— لليان.ساد الصمت.قالت ليان:— يعني أنا كنت المريضة ٣٠٩؟أومأت.— أيوه.قال آدم:— وده يفسر ليه السجلات كانت متناقضة.قالت ليان:— بس الصورة…— هالة كانت تحملك بعد ما خرجتِ من المستشفى.— خرجت؟— مؤقتًا.قال مالك:— والدتك كانت بتحاول تخفيك عن كريم.سألت ليان:— وسارة؟قالت مريم:— سارة كانت في نفس المبنى.— يعني أنا وسارة كنا مع بعض؟— لفترة قصيرة.بدأت ذكريات مبهمة تعود إلى ليان.ممر أبيض.صوت طفلة تضحك.امرأة تقول:— خدي بالك منها.ثم صوت آخر:— لازم نفصلهم.وضعت ليان يدها على رأسها.قال ياسين:— ليان؟— أنا فاكرة حاجة.اقترب منها.— إيه؟— كان فيه سريرين.نظر الجميع إليها.— وأنا كنت في واحد.توقفت.—
لم تستطع ليان أن تبعد عينيها عن الصورة.امرأة شابة تحملها بين ذراعيها.وخلفها ممر المستشفى.وفي زاوية الصورة، ظهر تاريخ:٢٧ أبريل ٢٠٠٠.قالت ليان:— دي كانت موجودة يوم ولادتي؟أومأ آدم.— أيوه.سأل ياسين:— اسمها إيه؟قال آدم:— نادية.تدخلت مريم:— اسمها الحقيقي مش نادية.نظرت إليها ليان.— أمال؟— هالة.تجمدت.قال مالك:— هالة زوجة كريم؟— أيوه.سألت ليان:— إيه علاقتها بأمي؟أجابت مريم:— كانوا يعرفوا بعض قبل سنوات من ولادتك.— منين؟— من والدك.صمتت ليان.— بابا كان يعرفها؟— كان يعرف زوجها، ويعرف إنها كانت بتساعده في بعض الأمور.قال ياسين:— أي أمور؟نظرت مريم إلى آدم.— نقل الأطفال.تغير وجه ليان.— الأطفال؟— أيوه.قال آدم:— هالة كانت واحدة من الأشخاص اللي بينقلوا الأطفال بين المستشفيات.قالت ليان:— ليه؟— عشان يختفوا من السجلات.سألت:— ومين كان بيطلب منها ده؟صمت آدم.ثم قال:— كريم.شعرت ليان بالاختناق.— يعني كريم كان يعرفني من يوم ولادتي؟— أيوه.— وكان عايزني أختفي؟— في البداية.— ليه؟أجاب آدم:— لأنك كنتِ تحملين العلامة.وضعت ليان يدها على كتفها.— العلامة اللي عندي؟







