Masukالفصل الثاني
الرجل الذي عاد بعد فوات الأوان لم أكن مستعدة لسماع المزيد. ولا كنت مستعدة لرؤية كيان مرة أخرى. لكن جاد قالها بثقة جعلتني أشعر أن الأمر لم يكن مجرد توقع. كان يعرف. كان يعرف شيئًا عن كيان. شيئًا عن زواجي. شيئًا عني. وقبل أن أستطيع طرح أي سؤال، اهتز هاتف والدي فوق المكتب. نظر إليه. ثم تغير وجهه. «إنه هو.» لم أسأله من يقصد. كنت أعرف. كيان. بعد دقائق فقط من دخولي إلى المكان الذي قيل لي إنه منزلي الحقيقي، كان الرجل الذي خرجت من حياته منذ ساعات يقترب مني من جديد. وقفت. «لن أقابله.» قال والدي: «سيرين، عليك أن تسمعي ما سيقوله.» «سمعته ثلاث سنوات.» صمت. تابعت: «ثلاث سنوات كنت زوجته، ومع ذلك لم يخبرني بشيء. واليوم، بعدما انتهى الزواج، أصبح لديه ما يقوله؟» نظر إليّ جاد. «لأن الأمور تغيرت.» التفت إليه. «أنت تعرف الكثير.» «أكثر مما تتخيلين.» «إذن تكلم.» ابتسم ابتسامة صغيرة. «ليس الآن.» اشتعل الغضب بداخلي. «الجميع يعرف شيئًا إلا أنا!» ضربت يدي على الطاولة. «أريد الحقيقة!» ساد الصمت. كان والدي ينظر إليّ بعينين مليئتين بالندم. اقترب مني وقال: «الحقيقة أنني أخطأت عندما أبعدتك عني كل هذه السنوات.» «لماذا؟» «لأنني ظننت أن إخفاء هويتك سيحميك.» «لكنه لم يحمِني.» خفض رأسه. «أعرف.» «بل جعلني أعيش حياة لا أعرف حتى إن كانت حياتي.» اقترب أكثر. «كنت أراقبك من بعيد.» نظرت إليه بدهشة. «ماذا؟» «كنت أعرف أين تدرسين، وأين تعملين، ومن حولك.» ضحكت بمرارة. «إذن كنت تعرف أنني تزوجت؟» «نعم.» «وكنت تعرف كيان؟» تردد. ثم قال: «كنت أعرف عائلته.» تجمدت. «متى؟» «قبل زواجكما بوقت طويل.» بدأت قطع كثيرة من الماضي تتجمع في رأسي. لم يكن زواجي من كيان عشوائيًا. كنت أعتقد أن عائلتينا التقتا صدفة. كنت أعتقد أن والدي بالتبني وافق لأن كيان كان رجلًا ثريًا ومحترمًا. لكن الآن… لم أعد متأكدة من أي شيء. سألت: «هل اخترتَ كيان لي؟» لم يجب. وكان صمته كافيًا. تراجعت خطوة. «أنت فعلت.» «سيرين…» «أنت جعلتني أتزوجه.» «كنت أحاول حمايتك.» «منه؟» «من أشخاص أخطر منه.» وقبل أن أتمكن من السؤال، جاء صوت سيارات من الخارج. نظر يوسف من النافذة. «لقد وصل.» لم أتحرك. لم أكن أعرف هل أريد أن أهرب أم أواجهه. لكن الباب فتح. ودخل كيان. كان يرتدي القميص الأسود نفسه الذي رأيته قبل ساعات. لم يتغير شيء في ملامحه. إلا عينيه. كانتا مختلفتين. لم يكن فيهما ذلك البرود المعتاد. كان هناك قلق. وخوف. وربما شيء آخر لم أستطع تحديده. توقفت عيناه عندي. ولم ينظر إلى أي شخص آخر. «سيرين.» كان سماع اسمي بصوته كافيًا لإعادة ثلاث سنوات كاملة إلى ذاكرتي. ليالٍ انتظرته فيها. صباحات غادر فيها دون أن يودعني. مناسبات عائلية وقف فيها بجانب الجميع إلا أنا. وكلمته الأخيرة: «وقّعي.» رفعت رأسي. «ماذا تريد؟» اقترب خطوة. «أن نتحدث.» ضحكت. «تحدثنا قبل ساعات.» «كنت مخطئًا.» «في ماذا؟» صمت. ثم قال: «في الطلاق.» لم أشعر بأي شيء. كنت أظن أن هذه الجملة ستجعل قلبي يخفق. لكنها لم تفعل. قلت: «أنت طلبت الطلاق.» «أعرف.» «ووقعت.» «أعرف.» «إذن انتهى الأمر.» تقدم خطوة أخرى. «لا.» رفعت حاجبي. «لا؟» «لم ينتهِ.» أخرج ورقة من جيبه ووضعها أمام والدي. نظر والدي إليها. ثم تغير وجهه. «من أين حصلت عليها؟» قال كيان: «من الشخص نفسه الذي أعطاك المعلومات عن سيرين.» تدخل جاد لأول مرة. «يبدو أنني كنت أكثر سرعة منك.» التفت إليه كيان. ساد بينهما صمت ثقيل. لم أفهمه. لكنني شعرت أن الرجلين يعرفان بعضهما منذ وقت طويل. قلت: «هل تعرفان بعضكما؟» لم يجب أحد. وهنا فقدت صبري. «أريد إجابة!» نظر كيان إليّ. «نعم.» «منذ متى؟» «منذ قبل أن نتزوج.» شعرت بصدمة. «إذن الجميع كان يعرفني قبل أن أعرف نفسي.» لم يرد. قلت: «هل كنت تعرف أنني ابنة الكيلاني؟» هذه المرة لم يتهرب. قال: «نعم.» ساد الصمت. كأن الكلمة سقطت فوق رأسي. لم أسمع بعدها شيئًا لثوانٍ. ثم قلت: «منذ متى؟» «قبل زواجنا بعام.» ضحكت. لكنها لم تكن ضحكة سعيدة. «عام كامل؟» «نعم.» «وأنت تزوجتني رغم أنك كنت تعرف؟» «كنت أحاول حمايتك.» تذكرت كلمات والدي. نفس الجملة. نفس العذر. الجميع يحاول حمايتي. ولا أحد يسألني ماذا أريد. اقتربت من كيان. «من ماذا؟» قال: «من عائلتك.» التفت إلى والدي. ثم إلى جاد. ثم عدت إليه. «عائلتي؟» قال: «ليس كل أفراد عائلة الكيلاني يريدون عودتك.» تجمد والدي. «كيان.» «لقد حان الوقت.» قالها كيان بحزم. ثم نظر إليّ. «هناك شخص داخل عائلتك يريد قتلك.» لم أشعر بالخوف. الغريب أنني شعرت بالراحة. لأنني للمرة الأولى حصلت على إجابة حقيقية. لكنني سألت: «من؟» أجاب: «لا أعرف.» حدقت فيه. «تكذب.» «لا.» «أنت تعرف.» «أعرف أنه موجود، لكنني لا أعرف اسمه.» تدخل جاد: «بل تعرف أكثر مما تقول.» التفت كيان إليه. «وأنت تعرف أكثر مما ينبغي.» ابتسم جاد. «لهذا أنا ما زلت حيًا.» لم أفهم شيئًا. لكن شيئًا واحدًا أصبح واضحًا. كيان لم يأتِ ليستعيد زواجنا. لقد جاء لأن هناك خطرًا. وهذا الخطر مرتبط بي. سألت: «لماذا الآن؟» نظر إليّ. «لأنهم عرفوا أنك عادتِ.» «ومن هم؟» «الذين يبحثون عنك منذ سبعة عشر عامًا.» «ولماذا يريدونني؟» لم يجب. اقترب مني حتى أصبح بيننا أقل من خطوة. قال بصوت منخفض: «لأنك لستِ مجرد وريثة.» تسارعت دقات قلبي. «ماذا يعني ذلك؟» نظر إلى والدي. كان ريان يغمض عينيه وكأنه يعرف أن اللحظة التي حاول تأجيلها سنوات قد وصلت. قال كيان: «أنتِ مفتاح شيء أخفاه والدك منذ سبعة عشر عامًا.» رفعت عيني إلى والدي. «مفتاح ماذا؟» لكن والدي لم يجب. اقترب جاد من الطاولة، وأخذ الورقة التي أحضرها كيان. قرأها بصمت. ثم قال: «لقد بدأوا.» سألته: «ماذا بدأوا؟» رفع عيني إليّ. «الحرب.» --- في تلك الليلة لم أنم. أعطوني غرفة كبيرة في القصر. قالوا إنها كانت غرفتي عندما كنت طفلة. لكنني لم أتذكرها. جلست أمام المرآة، أحدق في وجهي. من أنا؟ سيرين التي عاشت طوال عمرها في منزل متواضع؟ أم سيرين الكيلاني، الوريثة التي يقال إنها تملك إمبراطورية؟ أم الفتاة التي اختفت منذ سبعة عشر عامًا؟ كل الإجابات كانت صحيحة. وكلها كانت تخيفني. وضعت يدي على معصمي. السوار الفضي ما زال هناك. نزعته لأول مرة. وجدت على ظهره شيئًا لم ألاحظه من قبل. حروف صغيرة محفورة. R.K قلبت السوار. ثم تذكرت الصورة. الطفلة في الصورة كانت ترتديه. نادين كانت تضع يدها عليه. دخلت نادين الغرفة. تجمدت عندما رأت السوار في يدي. كانت امرأة جميلة رغم التعب الذي تركته السنوات على وجهها. توقفت عند الباب. «أنتِ وجدته.» رفعت عيني إليها. «كان معي طوال الوقت.» اقتربت. جلست أمامي. ولمست السوار. بدأت دموعها تسقط. «أعطيتك إياه ليلة اختفائك.» «أنتِ أمي؟» أومأت. لم أستطع قول الكلمة. كانت غريبة على لساني. «لماذا لم تبحثي عني بنفسك؟» بكت. «بحثت.» «سبعة عشر عامًا؟» «كل يوم.» «إذن لماذا لم تجديني؟» نظرت إليّ. ثم قالت: «لأن الشخص الذي أخذكِ كان قريبًا جدًا منا.» «من؟» صمتت. «أمي.» رفعت عيني إليها. «من فعلها؟» أمسكت يدي. «لا أستطيع أن أخبركِ الآن.» سحبت يدي. «الجميع يقول ذلك.» وقفت. «أريد الحقيقة.» «ستعرفينها.» «متى؟» «عندما تكونين مستعدة.» ضحكت. «أنا مستعدة منذ سبعة عشر عامًا.» قبل أن تغادر، توقفت عند الباب. قالت دون أن تلتفت: «سيرين… لا تثقي بأحد.» توقفت. «حتى كيان؟» صمتت. ثم قالت: «خصوصًا كيان.» وأغلقت الباب. بقيت وحدي. لكن جملتها لم تتركني. خصوصًا كيان. --- في الجهة الأخرى من القصر، كان كيان يقف مع والدي وجاد. قال ريان: «لم يكن يجب أن تأتي بها إلى هنا.» رد كيان: «لم يكن أمامي خيار.» «كان بإمكانك تركها.» «لو تركتها، كانوا سيصلون إليها.» تدخل جاد: «وصلوا بالفعل.» التفت الاثنان إليه. أخرج هاتفه ووضعه فوق الطاولة. ظهر تسجيل لكاميرا مراقبة. سيارة سوداء تقف أمام القصر. رجل ينزل منها. ثم يرفع رأسه نحو الكاميرا. تجمد ريان. قال: «مستحيل.» سأله كيان: «من هو؟» لم يجب. قال جاد: «الرجل الذي ظننتم أنه مات منذ سبعة عشر عامًا.» اقترب كيان من الشاشة. «من؟» قال ريان بصوت منخفض: «شقيق نادين.» ثم أضاف: «وهو آخر شخص رأى سيرين ليلة اختفائها.» --- لم أعرف شيئًا عن ذلك. كنت ما زلت في غرفتي عندما سمعت طرقًا على الباب. ظننت أنها نادين. لكن عندما فتحت… كان كيان. نظرت إليه بصمت. قال: «أحتاج إلى خمس دقائق.» «ليس لدي ما أقوله لك.» «أنا لدي الكثير.» «قل.» دخل، ثم أغلق الباب. وقف أمامي. ولأول مرة رأيت شيئًا يشبه الندم على وجهه. قال: «سيرين… أنا لم أتزوجك لأنني لم أحبك.» ضحكت. «بل لأنك كنت تحميني.» «نعم.» «والآن ستخبرني أنك كنت تحبني طوال الوقت؟» صمت. ثم قال: «نعم.» لم أتوقعها. لم أجد ردًا. تابع: «لكنني كنت أعرف أن الاقتراب منك سيضعك في خطر.» «فقررت أن تتزوجني؟» «كان أسوأ قرار اتخذته.» «وأنت طلقتني.» «لأنني اكتشفت أن الخطر وصل إليك.» «فقررت أن تتركني؟» «كنت أظن أن الطلاق سيبعدهم عنك.» «لكنه لم يفعل.» «أعرف.» اقترب. «ولهذا عدت.» حدقت في عينيه. «وماذا تريد الآن؟» قال: «أن تعودي معي.» تراجعت. «إلى أين؟» «إلى منزلي.» «لم يعد منزلي.» «أعرف.» «أنا مطلقتك.» «أعرف.» «إذن ماذا تريد مني؟» صمت طويلًا. ثم قال: «أريد فرصة واحدة.» «لأي شيء؟» نظر إليّ. «لأخبرك الحقيقة كاملة قبل أن يقتلنا الكذب جميعًا.» وقبل أن أجيبه… انطفأت أنوار القصر. صرخت الخادمات في الخارج. سمعنا صوت ارتطام قوي. ثم صوت حارس يصرخ: «إنهم داخل القصر!» نظر كيان إليّ. وفي لحظة تغير كل شيء في وجهه. أمسك يدي. «لا تبتعدي عني.» «ماذا يحدث؟» أخرج هاتفه واتصل بوالدك. لكن لم يجب أحد. ثم سمعنا صوت طلقة في الطابق السفلي. تجمدت. نظر كيان إلى الباب. ثم قال: «ابقَي هنا.» «لا.» «سيرين.» «لن أختبئ بعد الآن.» فتح الباب. وفي اللحظة نفسها ظهر جاد في الممر. كان يحمل مسدسًا. قال: «وجدونا.» نظر إليه كيان. «كم عددهم؟» «لا أعرف.» ثم نظر جاد إليّ. «لكنهم لم يأتوا من أجل والدك.» صمت. ثم قال: «جاؤوا من أجلك أنتِ.» سمعت صوت خطوات تقترب. وضعت يدي في يد كيان دون تفكير. نظر إليّ. وللحظة قصيرة جدًا، نسينا كل شيء. الطلاق. الخيانة. الأسرار. والسنوات الثلاث. ثم انفتح باب القصر بعنف. ظهر رجل مسلح عند نهايته. لكنه لم يرفع سلاحه نحو كيان. ولم يوجهه إلى جاد. بل نظر إليّ مباشرة. وقال: «أخيرًا وجدناكِ… يا ابنة ريان الكيلاني.» ثم رفع سلاحه. وفي اللحظة التي انطلقت فيها الرصاصة… اندفع كيان أمامي.الفصل ٦٥ — الوارث الثاني— الوارث الثاني؟وقفت سيرين على أول درجة، وعينيها معلقة بالكلمات المنقوشة على الحائط.كيان كان واقف وراها مباشرة.— سيرين...— متقولش حاجة.— بس...— أنا عايزة أفهم.ريان قرب منهم.— وأنا كمان.سليم رفع عينيه للنقش.— ده مش موجود في أي سجل.نديم ابتسم من بعيد.— عشان السجل ده عمره ما كان جزء من الأرشيف اللي كنتوا تعرفوه.كيان بص له.— يعني إيه؟— يعني إنكم كنتوا فاكرين إنكم عرفتوا الحقيقة.— وإحنا ما عرفناش؟— عرفتوا جزء منها.سيرين لفتت له.— إنت عارف معنى كلمة «الوارث الثاني»؟نديم هز رأسه.— أيوه.— قول.— مش بالسرعة دي.كيان اتضايق.— بلاش ألعاب.نديم بص له.— لو كنت عايز ألعب، كنت سبتكم فوق.سليم قال:— يبقى اتكلم.نديم سكت لحظة.— الوارث الأول هو اللي يحمل الحق.سيرين قالت:— وأنا.— أيوه.— والوارث الثاني؟نديم بص لكيان.— هو اللي يحمل القدرة على فتح الطريق للوارث الأول.كيان عقد حواجبه.— يعني أنا مجرد مفتاح؟— لأ.— أمال إيه؟— حارس.كيان ضحك بسخرية.— أنا مش حارسها.سيرين بصت له.— وأنا مش محتاجة حارس.نديم ابتسم.— عشان كده النظام فشل.ريان قال:— ا
الفصل ٦٤ — الباب الأول— نادين!صرخة سيرين خرجت منها وهي واقفة في منتصف الطريق، وعينيها ثابتة على شاشة الهاتف اللي انطفأت من ثواني.كيان قرب منها بسرعة.— سيرين، اهدي.— إزاي أهدى؟! دي أمي!ريان كان واقف مكانه، وشه فقد لونه.سليم بص له.— إنت عارف هي فين.ريان هز رأسه.— لأ.— ما تكذبش.— أنا مش بكذب.سيرين لفت له.— ماما قالت إنها عند أول باب.ريان سكت.— وإنت قلت إن الباب الأول مرتبط باختفائي.— أيوه.— يبقى لازم تعرف مكانه.ريان أخد نفس طويل.— أعرف.سيرين قربت منه.— فين؟— تحت مبنى قديم في أطراف القاهرة.كيان عقد حواجبه.— المبنى اللي اتسجل في ملفات المجموعة؟ريان هز رأسه.— أيوه.سليم قال:— المبنى اللي اتحرق من سبعتاشر سنة؟— هو.سيرين بصت بينهم.— إنتوا بتتكلموا كأن المكان ده مقبرة.سليم رد بهدوء:— لأنه بالنسبة لبعض الناس كان كده.— يعني إيه؟ريان قال:— ناس دخلت المكان ده وما خرجتش.سيرين سألته:— وماما؟— مش عارف.— بس صوتها كان هناك.— أيوه.— يبقى نروح.كيان قال فورًا:— هنروح.ريان بص له.— الطريق مش آمن.كيان رد:— ولا أي حاجة حصلت لسيرين كانت آمنة.— كيان...— مش هطلب
الفصل ٦٣ — البيت الذي انتظر الحقيقة— إنتِ متأكدة إننا لازم ندخل البيت ده؟بصت سيرين ناحية كيان، وبعدين بصت للبيت الكبير اللي واقف قدامهم في آخر الشارع الهادي.— أيوه.— سيرين، الرسالة قالت «منزل ريان الكيلاني». ما قالتش إننا ندخل من غير ما نعرف مين مستنينا جوه.— أبويا هو اللي مستنيني.— وإنتِ واثقة إنه أبوكي؟سكتت سيرين لحظة.— مش عارفة.قرب كيان منها خطوة.— طيب ليه جاية؟— عشان لو فضلت أهرب من كل باب مكتوب عليه اسمه، هفضل طول عمري بخاف من الحقيقة.اتنهد كيان.— أنا مش بخوفك.— عارفة.— بس أنا خايف.بصت له.— من إيه؟— من اللحظة اللي تكتشفي فيها إن كل اللي حصل في حياتك كان ممكن يتغير لو حد قال الحقيقة بدري.ابتسمت ابتسامة حزينة.— حياتي اتغيرت من غير ما حد يستأذنني أصلًا.— عشان كده مش هقرر عنك تاني.— وعد؟— وعد.— حتى لو القرار مش عاجبك؟— حتى لو قتلني.فضلت بصاله ثواني.— كيان...— نعم؟— أنا مش عايزاك تموت عشان تثبتلي إنك بتحبني.ابتسم بحزن.— وأنا مش عايزك تختاريني عشان خايفة أخسرك.— يبقى إحنا متفقين.— متفقين.مدت إيدها ناحية الباب.لكن قبل ما تلمسه، صوت سليم جه من وراهم:—
الفصل ٦٢: الرجل الذي خاف من اختيار سيرينكانت ألسنة النار بدأت تزحف من أسفل الدرج، بينما امتلأ الممر بالدخان.وقفت سيرين أمام الباب الحديدي الذي اختفى خلفه سليم، وعيناها معلقتان بالمقبض.قال كيان:— سيرين، يجب أن نخرج الآن.هزت رأسها.— لن أخرج من دونه.— النار تقترب.— إذن افتح الباب.— الباب مغلق من الداخل.— اكسره.اقترب كيان ووضع يده على المقبض.— سليم!جاء صوته ضعيفًا:— اخرجوا!صرخت سيرين:— لن أتركك!— هذه ليست المرة الأولى التي أطلب منك فيها أن تثقي بي.— وفي كل مرة كنت تخفي عني شيئًا!سكت سليم.ثم قال:— ولهذا أطلب منك الآن ألا تثقي بي وحدي.تراجعت سيرين.— ماذا يعني ذلك؟— ثقي بنفسك.قال كيان:— سليم، أين المفتاح؟— لا يوجد مفتاح.— إذن كيف نفتح الباب؟— بالاختيار.نظر كيان إلى سيرين.— النظام.قالت ليلى:— ربما الباب مرتبط بها.اقتربت سيرين.وجدت لوحة صغيرة بجانب الباب.وضعت يدها عليها.اشتعل ضوء أخضر.ظهر على الشاشة:«الوريثة موجودة.»ثم:«اختر.»قالت سيرين:— ماذا أختار؟ظهر سطر:«الخروج... أو الحقيقة.»تجمد الجميع.قال كيان:— هذه خدعة.قالت سيرين:— أعرف.— إذا اخترتِ ا
كان المطر يهطل بغزارة عندما توقفت سيارة كيان أمام المستشفى القديم.لم ينزل أي منهما فورًا.ظل كيان ممسكًا بالمقود، وعيناه مثبتتان على المبنى المظلم أمامهما.قالت سيرين:— وصلنا.لم يجب.نظرت إليه.— كيان؟— نعم.— لماذا لا تنزل؟تنفس ببطء.— لأنني لا أحب الأماكن التي يطلب مني أحد دخولها وحدي.ابتسمت رغم التوتر.— لكنك لست وحدك.التفت إليها.— أعرف.— إذن انزل.فتح الباب.نزلت سيرين خلفه، وأغلقت باب السيارة.كان المستشفى مهجورًا منذ سنوات، لكن بعض النوافذ في الطابق الثالث كانت مضاءة.رفعت سيرين رأسها.— هناك أحد.قال كيان:— نعم.— ربما سليم.— أو فخ.قالت:— في كل الحالات، علينا الدخول.نظر إليها.— اتفقنا.اقترب منها.— لكن هذه المرة لن تتقدمي وحدك.— وأنا لن أسمح لك بالتقدم وحدك.— إذن نمشي معًا.— معًا.دخلا من الباب الرئيسي.كان المكان باردًا بصورة غير طبيعية.رائحة الرطوبة والدواء القديم ما زالت عالقة في الجدران.قالت سيرين:— أنا وُلدت هنا؟— حسب السجلات.— غريب.— ماذا؟— أشعر أنني أعرف المكان.توقف كيان.— هل تتذكرين شيئًا؟أغمضت عينيها.— ليس تمامًا.— ماذا ترين؟— ضوءًا.— ف
لم يتحرك أحد.بقيت الشاشة أمامهم سوداء إلا من جملة واحدة:«المستخدم صفر لم يكن كيان.»وتحتها:«المستخدم صفر كان الشخص الذي اختار كيان.»ثم ظهر سطر ثالث ببطء:«الهوية: محجوبة.»كانت سيرين أول من تكلم.— من هو؟لم يجب أحد.التفتت إلى يوسف.— أنت تعرف.هز يوسف رأسه.— أعرف جزءًا.— الجميع يقول الجملة نفسها!صرخت سيرين:— "أعرف جزءًا"، "لا أستطيع أن أقول"، "الحقيقة خطيرة"... متى سيتوقف هذا؟قال كيان بهدوء غريب:— عندما نبدأ بطرح الأسئلة الصحيحة.نظرت إليه.— وأنت تعرف السؤال؟— نعم.— ما هو؟حدق في الشاشة.— لماذا اختارني؟قالت ليلى:— بالضبط.وأضاف فؤاد:— وليس من اختارك فقط، بل لماذا كان اختيارك ضروريًا لهذه الدرجة.عاد صوت الرجل عبر السماعات.— لأنك كنت الوحيد القادر على إغلاق الدائرة.رفع كيان رأسه.— من أنت؟— شخص كان يعرف والدك قبل أن تعرفه أنت.— هذا لا يجيب.— وأنا لا أملك رفاهية الإجابة الكاملة.تقدم كيان خطوة.— أنت تخاف.ضحك الرجل بخفة.— الجميع يخاف يا كيان.— لكنك تخاف مني.ساد الصمت.قالت سيرين:— كيان...— دعيه.ثم قال للسماعة:— إذا كنت تعرفني منذ طفولتي، فلماذا لم تظهر طو







