Masukالفصل الثاني
الرجل الذي عاد بعد فوات الأوان لم أكن مستعدة لسماع المزيد. ولا كنت مستعدة لرؤية كيان مرة أخرى. لكن جاد قالها بثقة جعلتني أشعر أن الأمر لم يكن مجرد توقع. كان يعرف. كان يعرف شيئًا عن كيان. شيئًا عن زواجي. شيئًا عني. وقبل أن أستطيع طرح أي سؤال، اهتز هاتف والدي فوق المكتب. نظر إليه. ثم تغير وجهه. «إنه هو.» لم أسأله من يقصد. كنت أعرف. كيان. بعد دقائق فقط من دخولي إلى المكان الذي قيل لي إنه منزلي الحقيقي، كان الرجل الذي خرجت من حياته منذ ساعات يقترب مني من جديد. وقفت. «لن أقابله.» قال والدي: «سيرين، عليك أن تسمعي ما سيقوله.» «سمعته ثلاث سنوات.» صمت. تابعت: «ثلاث سنوات كنت زوجته، ومع ذلك لم يخبرني بشيء. واليوم، بعدما انتهى الزواج، أصبح لديه ما يقوله؟» نظر إليّ جاد. «لأن الأمور تغيرت.» التفت إليه. «أنت تعرف الكثير.» «أكثر مما تتخيلين.» «إذن تكلم.» ابتسم ابتسامة صغيرة. «ليس الآن.» اشتعل الغضب بداخلي. «الجميع يعرف شيئًا إلا أنا!» ضربت يدي على الطاولة. «أريد الحقيقة!» ساد الصمت. كان والدي ينظر إليّ بعينين مليئتين بالندم. اقترب مني وقال: «الحقيقة أنني أخطأت عندما أبعدتك عني كل هذه السنوات.» «لماذا؟» «لأنني ظننت أن إخفاء هويتك سيحميك.» «لكنه لم يحمِني.» خفض رأسه. «أعرف.» «بل جعلني أعيش حياة لا أعرف حتى إن كانت حياتي.» اقترب أكثر. «كنت أراقبك من بعيد.» نظرت إليه بدهشة. «ماذا؟» «كنت أعرف أين تدرسين، وأين تعملين، ومن حولك.» ضحكت بمرارة. «إذن كنت تعرف أنني تزوجت؟» «نعم.» «وكنت تعرف كيان؟» تردد. ثم قال: «كنت أعرف عائلته.» تجمدت. «متى؟» «قبل زواجكما بوقت طويل.» بدأت قطع كثيرة من الماضي تتجمع في رأسي. لم يكن زواجي من كيان عشوائيًا. كنت أعتقد أن عائلتينا التقتا صدفة. كنت أعتقد أن والدي بالتبني وافق لأن كيان كان رجلًا ثريًا ومحترمًا. لكن الآن… لم أعد متأكدة من أي شيء. سألت: «هل اخترتَ كيان لي؟» لم يجب. وكان صمته كافيًا. تراجعت خطوة. «أنت فعلت.» «سيرين…» «أنت جعلتني أتزوجه.» «كنت أحاول حمايتك.» «منه؟» «من أشخاص أخطر منه.» وقبل أن أتمكن من السؤال، جاء صوت سيارات من الخارج. نظر يوسف من النافذة. «لقد وصل.» لم أتحرك. لم أكن أعرف هل أريد أن أهرب أم أواجهه. لكن الباب فتح. ودخل كيان. كان يرتدي القميص الأسود نفسه الذي رأيته قبل ساعات. لم يتغير شيء في ملامحه. إلا عينيه. كانتا مختلفتين. لم يكن فيهما ذلك البرود المعتاد. كان هناك قلق. وخوف. وربما شيء آخر لم أستطع تحديده. توقفت عيناه عندي. ولم ينظر إلى أي شخص آخر. «سيرين.» كان سماع اسمي بصوته كافيًا لإعادة ثلاث سنوات كاملة إلى ذاكرتي. ليالٍ انتظرته فيها. صباحات غادر فيها دون أن يودعني. مناسبات عائلية وقف فيها بجانب الجميع إلا أنا. وكلمته الأخيرة: «وقّعي.» رفعت رأسي. «ماذا تريد؟» اقترب خطوة. «أن نتحدث.» ضحكت. «تحدثنا قبل ساعات.» «كنت مخطئًا.» «في ماذا؟» صمت. ثم قال: «في الطلاق.» لم أشعر بأي شيء. كنت أظن أن هذه الجملة ستجعل قلبي يخفق. لكنها لم تفعل. قلت: «أنت طلبت الطلاق.» «أعرف.» «ووقعت.» «أعرف.» «إذن انتهى الأمر.» تقدم خطوة أخرى. «لا.» رفعت حاجبي. «لا؟» «لم ينتهِ.» أخرج ورقة من جيبه ووضعها أمام والدي. نظر والدي إليها. ثم تغير وجهه. «من أين حصلت عليها؟» قال كيان: «من الشخص نفسه الذي أعطاك المعلومات عن سيرين.» تدخل جاد لأول مرة. «يبدو أنني كنت أكثر سرعة منك.» التفت إليه كيان. ساد بينهما صمت ثقيل. لم أفهمه. لكنني شعرت أن الرجلين يعرفان بعضهما منذ وقت طويل. قلت: «هل تعرفان بعضكما؟» لم يجب أحد. وهنا فقدت صبري. «أريد إجابة!» نظر كيان إليّ. «نعم.» «منذ متى؟» «منذ قبل أن نتزوج.» شعرت بصدمة. «إذن الجميع كان يعرفني قبل أن أعرف نفسي.» لم يرد. قلت: «هل كنت تعرف أنني ابنة الكيلاني؟» هذه المرة لم يتهرب. قال: «نعم.» ساد الصمت. كأن الكلمة سقطت فوق رأسي. لم أسمع بعدها شيئًا لثوانٍ. ثم قلت: «منذ متى؟» «قبل زواجنا بعام.» ضحكت. لكنها لم تكن ضحكة سعيدة. «عام كامل؟» «نعم.» «وأنت تزوجتني رغم أنك كنت تعرف؟» «كنت أحاول حمايتك.» تذكرت كلمات والدي. نفس الجملة. نفس العذر. الجميع يحاول حمايتي. ولا أحد يسألني ماذا أريد. اقتربت من كيان. «من ماذا؟» قال: «من عائلتك.» التفت إلى والدي. ثم إلى جاد. ثم عدت إليه. «عائلتي؟» قال: «ليس كل أفراد عائلة الكيلاني يريدون عودتك.» تجمد والدي. «كيان.» «لقد حان الوقت.» قالها كيان بحزم. ثم نظر إليّ. «هناك شخص داخل عائلتك يريد قتلك.» لم أشعر بالخوف. الغريب أنني شعرت بالراحة. لأنني للمرة الأولى حصلت على إجابة حقيقية. لكنني سألت: «من؟» أجاب: «لا أعرف.» حدقت فيه. «تكذب.» «لا.» «أنت تعرف.» «أعرف أنه موجود، لكنني لا أعرف اسمه.» تدخل جاد: «بل تعرف أكثر مما تقول.» التفت كيان إليه. «وأنت تعرف أكثر مما ينبغي.» ابتسم جاد. «لهذا أنا ما زلت حيًا.» لم أفهم شيئًا. لكن شيئًا واحدًا أصبح واضحًا. كيان لم يأتِ ليستعيد زواجنا. لقد جاء لأن هناك خطرًا. وهذا الخطر مرتبط بي. سألت: «لماذا الآن؟» نظر إليّ. «لأنهم عرفوا أنك عادتِ.» «ومن هم؟» «الذين يبحثون عنك منذ سبعة عشر عامًا.» «ولماذا يريدونني؟» لم يجب. اقترب مني حتى أصبح بيننا أقل من خطوة. قال بصوت منخفض: «لأنك لستِ مجرد وريثة.» تسارعت دقات قلبي. «ماذا يعني ذلك؟» نظر إلى والدي. كان ريان يغمض عينيه وكأنه يعرف أن اللحظة التي حاول تأجيلها سنوات قد وصلت. قال كيان: «أنتِ مفتاح شيء أخفاه والدك منذ سبعة عشر عامًا.» رفعت عيني إلى والدي. «مفتاح ماذا؟» لكن والدي لم يجب. اقترب جاد من الطاولة، وأخذ الورقة التي أحضرها كيان. قرأها بصمت. ثم قال: «لقد بدأوا.» سألته: «ماذا بدأوا؟» رفع عيني إليّ. «الحرب.» --- في تلك الليلة لم أنم. أعطوني غرفة كبيرة في القصر. قالوا إنها كانت غرفتي عندما كنت طفلة. لكنني لم أتذكرها. جلست أمام المرآة، أحدق في وجهي. من أنا؟ سيرين التي عاشت طوال عمرها في منزل متواضع؟ أم سيرين الكيلاني، الوريثة التي يقال إنها تملك إمبراطورية؟ أم الفتاة التي اختفت منذ سبعة عشر عامًا؟ كل الإجابات كانت صحيحة. وكلها كانت تخيفني. وضعت يدي على معصمي. السوار الفضي ما زال هناك. نزعته لأول مرة. وجدت على ظهره شيئًا لم ألاحظه من قبل. حروف صغيرة محفورة. R.K قلبت السوار. ثم تذكرت الصورة. الطفلة في الصورة كانت ترتديه. نادين كانت تضع يدها عليه. دخلت نادين الغرفة. تجمدت عندما رأت السوار في يدي. كانت امرأة جميلة رغم التعب الذي تركته السنوات على وجهها. توقفت عند الباب. «أنتِ وجدته.» رفعت عيني إليها. «كان معي طوال الوقت.» اقتربت. جلست أمامي. ولمست السوار. بدأت دموعها تسقط. «أعطيتك إياه ليلة اختفائك.» «أنتِ أمي؟» أومأت. لم أستطع قول الكلمة. كانت غريبة على لساني. «لماذا لم تبحثي عني بنفسك؟» بكت. «بحثت.» «سبعة عشر عامًا؟» «كل يوم.» «إذن لماذا لم تجديني؟» نظرت إليّ. ثم قالت: «لأن الشخص الذي أخذكِ كان قريبًا جدًا منا.» «من؟» صمتت. «أمي.» رفعت عيني إليها. «من فعلها؟» أمسكت يدي. «لا أستطيع أن أخبركِ الآن.» سحبت يدي. «الجميع يقول ذلك.» وقفت. «أريد الحقيقة.» «ستعرفينها.» «متى؟» «عندما تكونين مستعدة.» ضحكت. «أنا مستعدة منذ سبعة عشر عامًا.» قبل أن تغادر، توقفت عند الباب. قالت دون أن تلتفت: «سيرين… لا تثقي بأحد.» توقفت. «حتى كيان؟» صمتت. ثم قالت: «خصوصًا كيان.» وأغلقت الباب. بقيت وحدي. لكن جملتها لم تتركني. خصوصًا كيان. --- في الجهة الأخرى من القصر، كان كيان يقف مع والدي وجاد. قال ريان: «لم يكن يجب أن تأتي بها إلى هنا.» رد كيان: «لم يكن أمامي خيار.» «كان بإمكانك تركها.» «لو تركتها، كانوا سيصلون إليها.» تدخل جاد: «وصلوا بالفعل.» التفت الاثنان إليه. أخرج هاتفه ووضعه فوق الطاولة. ظهر تسجيل لكاميرا مراقبة. سيارة سوداء تقف أمام القصر. رجل ينزل منها. ثم يرفع رأسه نحو الكاميرا. تجمد ريان. قال: «مستحيل.» سأله كيان: «من هو؟» لم يجب. قال جاد: «الرجل الذي ظننتم أنه مات منذ سبعة عشر عامًا.» اقترب كيان من الشاشة. «من؟» قال ريان بصوت منخفض: «شقيق نادين.» ثم أضاف: «وهو آخر شخص رأى سيرين ليلة اختفائها.» --- لم أعرف شيئًا عن ذلك. كنت ما زلت في غرفتي عندما سمعت طرقًا على الباب. ظننت أنها نادين. لكن عندما فتحت… كان كيان. نظرت إليه بصمت. قال: «أحتاج إلى خمس دقائق.» «ليس لدي ما أقوله لك.» «أنا لدي الكثير.» «قل.» دخل، ثم أغلق الباب. وقف أمامي. ولأول مرة رأيت شيئًا يشبه الندم على وجهه. قال: «سيرين… أنا لم أتزوجك لأنني لم أحبك.» ضحكت. «بل لأنك كنت تحميني.» «نعم.» «والآن ستخبرني أنك كنت تحبني طوال الوقت؟» صمت. ثم قال: «نعم.» لم أتوقعها. لم أجد ردًا. تابع: «لكنني كنت أعرف أن الاقتراب منك سيضعك في خطر.» «فقررت أن تتزوجني؟» «كان أسوأ قرار اتخذته.» «وأنت طلقتني.» «لأنني اكتشفت أن الخطر وصل إليك.» «فقررت أن تتركني؟» «كنت أظن أن الطلاق سيبعدهم عنك.» «لكنه لم يفعل.» «أعرف.» اقترب. «ولهذا عدت.» حدقت في عينيه. «وماذا تريد الآن؟» قال: «أن تعودي معي.» تراجعت. «إلى أين؟» «إلى منزلي.» «لم يعد منزلي.» «أعرف.» «أنا مطلقتك.» «أعرف.» «إذن ماذا تريد مني؟» صمت طويلًا. ثم قال: «أريد فرصة واحدة.» «لأي شيء؟» نظر إليّ. «لأخبرك الحقيقة كاملة قبل أن يقتلنا الكذب جميعًا.» وقبل أن أجيبه… انطفأت أنوار القصر. صرخت الخادمات في الخارج. سمعنا صوت ارتطام قوي. ثم صوت حارس يصرخ: «إنهم داخل القصر!» نظر كيان إليّ. وفي لحظة تغير كل شيء في وجهه. أمسك يدي. «لا تبتعدي عني.» «ماذا يحدث؟» أخرج هاتفه واتصل بوالدك. لكن لم يجب أحد. ثم سمعنا صوت طلقة في الطابق السفلي. تجمدت. نظر كيان إلى الباب. ثم قال: «ابقَي هنا.» «لا.» «سيرين.» «لن أختبئ بعد الآن.» فتح الباب. وفي اللحظة نفسها ظهر جاد في الممر. كان يحمل مسدسًا. قال: «وجدونا.» نظر إليه كيان. «كم عددهم؟» «لا أعرف.» ثم نظر جاد إليّ. «لكنهم لم يأتوا من أجل والدك.» صمت. ثم قال: «جاؤوا من أجلك أنتِ.» سمعت صوت خطوات تقترب. وضعت يدي في يد كيان دون تفكير. نظر إليّ. وللحظة قصيرة جدًا، نسينا كل شيء. الطلاق. الخيانة. الأسرار. والسنوات الثلاث. ثم انفتح باب القصر بعنف. ظهر رجل مسلح عند نهايته. لكنه لم يرفع سلاحه نحو كيان. ولم يوجهه إلى جاد. بل نظر إليّ مباشرة. وقال: «أخيرًا وجدناكِ… يا ابنة ريان الكيلاني.» ثم رفع سلاحه. وفي اللحظة التي انطلقت فيها الرصاصة… اندفع كيان أمامي.الفصل الخامس والأربعونالحقيقة التي بدأت قبل الزواجلم أعد أعرف أيهما أخطر...أن أعرف الحقيقة، أم أن أكتشف أن كل حقيقة عرفتها حتى الآن كانت مجرد جزء صغير من كذبة أكبر.وقفت أمام النافذة، أراقب المطر وهو ينساب فوق زجاج القصر.منذ عودتي إلى عائلة الكيلاني، لم يمر يوم واحد دون أن أشعر أن حياتي القديمة تُنتزع مني قطعة بعد أخرى.كنت أظن أن أكبر خسارة في حياتي كانت طلاقي من كيان.ثم اكتشفت أنني الابنة المفقودة لريان الكيلاني.واكتشفت أن نادين، المرأة التي وقفت أمامي باكية، هي أمي الحقيقية.ثم اكتشفت أن زواجي من كيان لم يكن مصادفة.ثم جاء الرجل الذي هاجم القصر.ثم المفتاح.ثم الصورة القديمة.ثم الجملة التي ما زالت تطاردني:كيان لم يكن منقذي... كان هو الذي فتح الباب.لكن أكثر ما كان يخيفني لم يكن ما فعله كيان.بل السؤال الذي لم أجد له إجابة:لماذا؟لماذا كان فتى في الثامنة عشرة من عمره موجودًا في المكان الذي اختُطفت منه طفلة؟ولماذا كان يحمل مفتاحًا؟ولماذا أخفى الحقيقة عني طوال سنوات زواجنا؟والأهم...لماذا كانت عائلتي كلها تعرف شيئًا عن ذلك؟أغمضت عيني.ثم سمعت طرقًا على الباب.لم أجب.جاء
الفصل الرابع والأربعونالاسم الذي مُحي من السجلاتلم أفكر.لم أسمع صرخات جاد.لم أسمع كيان وهو يناديني.ولم أشعر حتى بالظلام الذي ابتلع الغرفة.كل ما رأيته كان جسد آدم وهو يسقط أمامي.اندفعت نحوه.«آدم!»أمسكني كيان قبل أن أصل إليه.«سيرين، انتظري!»دفعت يده.«اتركني! إنه أخي!»«قد يكون هناك مطلق النار هنا.»«لا يهمني!»«بل يهمني أنا.»ثم أمسك يدي بقوة.«لن أسمح لكِ أن تقتلي نفسك من أجل الوصول إليه.»صرخت:«لقد أطلقوا النار عليه!»قال جاد:«أشعلوا الهواتف!»ظهرت عدة أضواء صغيرة في الظلام.رائد كان عند المدخل.ميرا تبكي وهي تحاول التنفس.أما آدم فكان ملقى على الأرض.ركعت بجانبه.«آدم.»لم يجب.وضعت يدي على صدره.كان يتنفس.ببطء.لكنّه يتنفس.صرخت:«إنه حي!»اندفع كيان نحونا.«أين أصيب؟»قال جاد:«في كتفه على الأغلب.»مزق كيان جزءًا من قميصه وضغط به على الجرح.قال:«الرصاصة لم تدخل بعمق.»نظرت إليه.«أنت متأكد؟»«لا.»ثم نظر إلى جاد.«نحتاج طبيبًا.»قال جاد:«لا يمكننا إخراجه من هنا قبل أن نعرف أين ذهب ذلك الرجل.»رفع كيان عينيه.«الرجل لم يهرب.»ساد الصمت.«ماذا؟»أشار إلى الباب.«البا
الفصل الثالث والأربعونالمفتاح الثانيلم أستطع أن أتنفس.كان الرجل يقف أمامنا بثبات غريب، وكأنه لم يدخل غرفة سرية تحت الأرض بعد سنوات من اختفائه، بل عاد إلى مكتبه في صباح عادي.كان شعره قد شاب.وجهه حمل آثار السنوات.لكن عينيه...كانتا كما ظهرتا في ذكريات كيان.باردتين.ثابتتين.وخطرهما لم يكن بحاجة إلى سلاح.كان كيان يقف أمامي.لم يتحرك.لم يتكلم.فقط ظل ينظر إلى الرجل الذي ظن طوال حياته أنه مات.والد كيان.فارس الكيلاني.قال فارس:«ألا تريد أن تقول شيئًا يا بني؟»ظل كيان صامتًا.ثم قال أخيرًا:«أنت ميت.»ابتسم فارس.«هذه كانت الفكرة.»قال كيان:«أنا رأيت السيارة.»«رأيت سيارة محترقة.»«قيل لي إنك كنت بداخلها.»«ولم تتحقق.»تغير وجه كيان.تقدم خطوة.«أين كنت طوال هذه السنوات؟»«أراقب.»«ماذا؟»«كل شيء.»ثم نظر إليّ.«خصوصًا هي.»شعرت بقشعريرة.تقدمت خطوة إلى الخلف.لكن كيان مد ذراعه أمامي.لم أطلب منه ذلك.ولم أرفض.قال:«ابتعد عنها.»ضحك فارس.«ما زلت تفعل الشيء نفسه.»«ماذا؟»«تحميها.»«هذه المرة لن أسمح لك بالاقتراب منها.»رفع فارس حاجبه.«أنت لا تفهم.»«ماذا؟»«أنا لم آتِ لأقتلها
الفصل الثاني والأربعونالباب الثانيلم أستطع أن أتكلم.بقيت واقفة وسط الطريق، والمفتاح في يدي، بينما كانت الجملة الأخيرة التي سمعتها من ذاكرتي القديمة تتردد في رأسي.لا تدعيهم يفتحون الباب الثاني.كان صوت طفلة.صوتي.لكنني لم أتذكر متى قلتها.ولا لمن.ولا ماذا كان خلف ذلك الباب.اقترب كيان مني.«سيرين؟»رفعت عيني إليه.«هناك باب آخر.»نظر إلى عادل.تغير وجهه.قال عادل:«ماذا تذكرتِ؟»«كنت هنا.»«أين؟»«في بيتك.»سكت.«كان هناك بابان.»لم يجب.صرخت:«قل لي الحقيقة!»خفض عينيه.«نعم.»تجمدت.«كان هناك بابان.»«وأنا أغلقت الثاني؟»«نعم.»«لماذا؟»قال:«لأن أمك طلبت منك ذلك.»«ماذا كان خلفه؟»صمت طويل.ثم قال:«شيء لم يكن يجب أن تريه.»اقتربت منه.«ما هو؟»«الحقيقة.»ضحكت بمرارة.«أي حقيقة؟»«حقيقة اختفاءك.»«أنا أعرف أنني اختُطفت.»هز رأسه.«لا.»«ماذا تقصد؟»قال عادل:«أنت لم تُختطفي بالطريقة التي تتخيلينها.»شعرت بقشعريرة.«إذن ماذا حدث؟»قبل أن يجيب، قال كيان:«سنذهب إلى بيت عادل.»نظر إليه عادل.«لا.»«لماذا؟»«لأنهم ينتظروننا هناك.»قال جاد:«هذا يعني أن نادين موجودة بالفعل هناك.»أ
الفصل الحادي والأربعونالاسم الذي مات منذ سبعة عشر عامًالم أستطع أن أتنفس.ظللت أحدق في الرجل الواقف أمامي، وكأن عينيّ ترفضان تصديق ما تراه.ريان.الرجل الذي قيل لي إنه والدي.الرجل الذي عانقني عند باب القصر.الرجل الذي أخبرني أنني ابنته.الرجل الذي قضيت الساعات الماضية أبحث عن الحقيقة من خلاله...لم يكن ريان.كان شخصًا آخر.شقيقه.أما ريان الحقيقي...فقد مات منذ سبعة عشر عامًا.لكن شيئًا واحدًا لم أستطع فهمه.إذا كان هذا الرجل ليس والدي، فمن كان؟ومن الذي كان يراقب حياتي؟ومن الذي أرسل الرسائل باسمه؟ومن الذي بنى كل هذه الأكاذيب حولي؟قلت بصوت خرج بصعوبة:«أنت تكذب.»لم يجب.كررت:«أنت تكذب!»هذه المرة ارتفع صوتي.«أنت قلت إنك والدي.»ظل واقفًا في مكانه.قال:«كنت مضطرًا.»ضحكت.لكن عيني امتلأتا بالدموع.«مضطرًا؟»أشرت إلى نفسي.«كل هؤلاء الناس كانوا مضطرين للكذب عليّ؟»لم يجب أحد.نظرت إلى عادل.«وأنت كنت تعرف؟»خفض عينيه.«نعم.»«وكيان؟»التفت إليه.كان واقفًا خلفي، وملامحه جامدة.قلت:«هل كنت تعرف؟»هز رأسه ببطء.«كنت أعرف أن الرجل الذي ظهر أمامك ليس ريان.»شعرت بأن شيئًا انكسر د
الفصل الأربعونالرجل الذي ربّانيلم أستطع أن أتحرك.كان الصوت وحده كافيًا ليعيد سنوات كاملة إلى ذاكرتي.سنوات لم تكن مجرد ذكريات.كانت حياتي.عادل.الرجل الذي كنت أناديه أبي.الرجل الذي علمني القراءة.الرجل الذي كان يمسك يدي عندما أخاف.الرجل الذي كنت أعود إليه بعد المدرسة.الرجل الذي ظننته عائلتي الوحيدة.والآن كان يقف خلف باب مظلم، بينما الرجل الذي قال إنه والدي الحقيقي يقف أمامي.شعرت أنني بين عالمين.عالم قديم كذّب عليّ.وعالم جديد لم أتعلم بعد كيف أصدقه.قال الصوت مرة أخرى:«سيرين.»هذه المرة خرجت الكلمة من فمي قبل أن أفكر.«أبي؟»ساد الصمت.ثم ظهر عادل في الممر.لم يتغير كثيرًا.ربما كانت السنوات قد أضافت بعض الشعر الأبيض إلى رأسه، وبعض التجاعيد إلى وجهه، لكنه ظل الرجل نفسه.الوجه الذي حفظته منذ طفولتي.العينان اللتان كنت أبحث عنهما كلما عدت إلى المنزل.الابتسامة التي كانت تجعلني أشعر بالأمان.لكن تلك الابتسامة لم تكن موجودة الآن.كان وجهه حزينًا.ومرهقًا.وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل.رفع عينيه نحوي.وقال:«كنت أعرف أن هذا اليوم سيأتي.»لم أستطع منع دموعي.«أنت؟»لم







