تسجيل الدخول
الفصل الأول
السيارة السوداء لم أتحرك. بقيت واقفة تحت المطر، أحدق في الرجل المسن الذي كان ينتظر مني أن أصدّق كلمات بدت كأنها خرجت من رواية خيالية. والدي ينتظرني. والرجل الذي رباني ليس والدي الحقيقي. أنا الابنة المفقودة لعائلة الكيلاني. والأهم… أن زواجي من كيان لم يكن مصادفة. كل جملة كان ينطق بها كانت تجعل العالم من حولي يبدو أقل واقعية. مسحت المطر عن وجهي، ولم أعرف إن كانت قطراته هي التي بللت خدي أم دموعي. قلت بصوت خافت: «أنا لا أفهم شيئًا.» أجاب الرجل: «ولهذا جئت لأخذك.» نظرت إلى السيارة السوداء خلفه. ثم عدت أنظر إليه. «ومن يضمن لي أنك لا تكذب؟» ظهرت ابتسامة حزينة على وجهه. «لا أحد.» كانت إجابته صادمة ببساطتها. «لكنني أستطيع أن أعطيكِ شيئًا لا يستطيع أي شخص آخر إعطاءكِ إياه.» مد يده داخل سترته وأخرج صورة قديمة. كانت حوافها مهترئة، وكأنها احتفظت بها لسنوات طويلة. مدها نحوي. ترددت قبل أن آخذها. وحين رأيتها… توقفت أنفاسي. كانت الصورة لامرأة شابة تحمل طفلة رضيعة بين ذراعيها. المرأة كانت تبتسم. أما الطفلة… فكانت تضع حول معصمها سوارًا فضيًا صغيرًا. لم أحتج إلى الاقتراب أكثر. كنت أعرف ذلك السوار. كان الشيء الوحيد الذي احتفظت به منذ طفولتي. السوار الذي قالت لي المرأة التي ربتني إنه كان معي عندما وجدتني. لكن شيئًا آخر جعل قلبي يرتجف. المرأة الموجودة في الصورة… كانت تشبهني. بشكل مخيف. «من هذه؟» سألته وأنا أحدق فيها. قال: «نادين الكيلاني.» رفعت عيني إليه. «أمي؟» أومأ. لم أستطع الرد. كنت أكره كلمة "أمي" منذ سنوات. ليس لأنها تعني شيئًا سيئًا بالنسبة لي، بل لأنها كانت دائمًا كلمة ناقصة في حياتي. لم تكن لدي أم أتذكر وجهها. كل ما أعرفه أنني نشأت في منزل صغير، مع رجل اسمه عادل وزوجته التي كانت تعاملني كابنة، لكن شيئًا في داخلي كان دائمًا يشعر بأن هناك جزءًا من قصتي مفقودًا. كنت أظن أن الأمر مجرد فراغ طبيعي في حياة طفلة لا تعرف شيئًا عن أصلها. لكن الآن… ربما لم يكن فراغًا. ربما كان سرًا. قال الرجل: «اسمها نادين، وهي لم تتوقف عن البحث عنكِ.» «أين هي؟» صمت. فهمت من صمته أن الإجابة لن تكون بسيطة. «قلت إن والدي ينتظرني.» «نعم.» «وأين أمي؟» خفض عينيه. «في القصر.» نظرت إليه طويلاً. ثم قلت: «إذن خذني إليها.» فتح باب السيارة. جلست في المقعد الخلفي، بينما جلس الرجل في الأمام. أغلقت الباب. وللمرة الأولى منذ ثلاث سنوات، شعرت أنني أبتعد عن شيء كنت أظنه حياتي كلها. لكنني لم أكن أعرف أن هناك شخصًا آخر في تلك اللحظة كان يقف خلف نافذة القصر ويراقب السيارة وهي تبتعد. كيان. كان لا يزال واقفًا في مكتبه. يده على زجاج النافذة. وجهه جامد. لكن عينيه لم تكونا كذلك. ظل ينظر إلى السيارة حتى اختفت عند نهاية الطريق. دخلت إيفا، والدته، دون أن تطرق الباب. قالت: «لقد غادرت؟» لم يجب. «كيان.» التفت إليها. «نعم.» اقتربت منه. «هل وقّعت؟» «نعم.» تنفست براحة. «جيد.» نظر إليها فجأة. «أنتِ كنتِ تريدين هذا منذ البداية، أليس كذلك؟» ابتسمت إيفا ابتسامة صغيرة. «كان زواجًا لا مستقبل له.» «لم أسألكِ عن رأيك في الزواج.» تغير وجهها. «ماذا تقصد؟» اقترب منها. «لماذا كنتِ تخافين منها؟» سادت لحظة صمت. للمرة الأولى، لم تجد إيفا إجابة سريعة. ثم قالت: «سيرين لم تكن مناسبة لعائلتنا.» «هذا ليس جوابًا.» «كيان، انتهى الأمر. لقد طلقتها، وعليك أن تنسى الموضوع.» حدق فيها. «سأفعل.» ثم أضاف: «لكن لدي سؤال واحد.» «ما هو؟» «لماذا اتصل بكِ جاد قبل توقيعي على أوراق الطلاق؟» تجمدت. لم يفوته ذلك. اقتربت إيفا من المكتب. «من أخبرك؟» «سمعت المكالمة.» «لم تكن مكالمة مهمة.» «قال لكِ: هل خرجت من القصر؟» صمتت. ثم قالت: «كنت أتحدث عن شيء آخر.» «إيفا.» كانت نبرة كيان مختلفة هذه المرة. «من هو جاد؟» قبل أن تجيب، رن هاتفها. نظرت إلى الشاشة. كان الاسم ظاهرًا. جاد. رفع كيان عينيه إلى الهاتف. ثم إلى أمه. لم تجب. رن الهاتف مرة ثانية. وثالثة. ثم توقّف. قال كيان: «أجيبي.» «لا داعي.» «قلت أجيبي.» نظرت إليه للحظات، ثم رفضت المكالمة. بعد ثوانٍ وصلتها رسالة. فتحتها بسرعة. لكن كيان لمح الكلمات قبل أن تغلق الشاشة. لقد وجدناها. تغير لون وجه إيفا. ولم يكن كيان بحاجة إلى سؤالها عن المقصود. كان يعرف. سيرين. --- لم أعرف كم استغرقت الرحلة. كنت أحدق من النافذة طوال الوقت. القاهرة كانت تبتعد خلفنا شيئًا فشيئًا. قلت للرجل: «ما اسمك؟» «يوسف.» «يوسف ماذا؟» ابتسم. «يوسف منصور.» «وما علاقتك بعائلتي؟» «كنت مدير أعمال والدك منذ أكثر من ثلاثين عامًا.» ترددت. ثم سألت: «لماذا لم تبحثوا عني بطريقة قانونية؟» تنهد. «بحثنا.» «ولم تجدوني؟» «وجدناكِ منذ سنوات.» التفت إليه. «ماذا؟» أجاب بهدوء: «لكن والدك لم يسمح لنا بالاقتراب.» شعرت بالغضب. «لماذا؟» «لأن الاقتراب منكِ كان سيعرضك للخطر.» ضحكت بسخرية. «أي خطر؟» نظر إليّ عبر المرآة. «عائلة كيان.» سكت. شعرت بشيء بارد في صدري. «ماذا تريد عائلة كيان مني؟» لم يجب مباشرة. قال: «هناك أشياء يجب أن تسمعيها من والدك.» «وأنت تعرفها؟» «بعضها.» «إذن أخبرني.» هز رأسه. «ليس من حقي.» التفت إلى النافذة. لم أعد أعرف من أثق به. قبل ساعات كنت زوجة لرجل ظننت أن أكبر مشكلاتي هي بروده وإهماله. والآن اكتشفت أن زواجي نفسه ربما كان جزءًا من مؤامرة بدأت قبل أن أولد. أغمضت عيني. تذكرت كيان. تذكرت وجهه عندما وقعت على أوراق الطلاق. لم يبدو سعيدًا كما توقعت. بل بدا مرتبكًا. وكأنه كان ينتظر مني شيئًا آخر. لأول مرة سألت نفسي: هل كان كيان يعرف شيئًا؟ وإذا كان يعرف… فلماذا لم يخبرني؟ --- بعد ساعة تقريبًا، توقفت السيارة أمام بوابة ضخمة. رفعت رأسي. ورأيت قصرًا لم أستطع حتى تخيل أنني قد أعيش فيه يومًا. حدائق واسعة. نافورة ضخمة. حراس عند البوابة. وسيارة فاخرة تقف أمام المدخل. قلت بصوت ضعيف: «هذا هو المكان؟» «نعم.» لم أتحرك. شعرت بالخوف. ليس من القصر. بل مما سأعرفه داخله. فتح يوسف الباب. «آنسة سيرين.» نزلت. مشيت خطوات قليلة. ثم توقفت. كان هناك رجل يقف عند باب القصر. رجل في أواخر الستينيات، يرتدي بدلة داكنة. كان طويلًا رغم عمره، ووجهه يحمل ملامح صارمة. لكن ما إن رآني… انهارت تلك الصرامة. تغير وجهه بالكامل. نظر إليّ وكأنه يرى شبحًا. ثم نزل الدرج ببطء. توقف أمامي. لم يقل شيئًا. فقط ظل ينظر إليّ. ثم رفع يده. لمس وجهي بأطراف أصابعه. وسقطت دمعة من عينيه. قال بصوت مكسور: «أنتِ…» توقف. ثم همس: «ابنتي.» لم أعرف ماذا أفعل. كنت أنتظر منذ سنوات طويلة أن يناديني أحد بهذه الكلمة. لكن عندما سمعتها… لم أشعر بالفرح. شعرت بالغضب. ابتعدت عنه. «أين كنت؟» تجمد. «سيرين…» «أين كنت عندما كنت أحتاج إليك؟» «كنت أحميكِ.» «لم أطلب منك حمايتي.» ارتجف صوته. «لو كنتِ تعرفين الحقيقة…» قاطعته: «أريد الحقيقة.» ساد الصمت. ثم قال: «ستعرفين كل شيء.» «الآن.» نظر إلى يوسف. ثم إلى الحراس. وقال: «لا أحد يدخل غرفة المكتب.» فهم يوسف الإشارة. أمسك الرجل بيدي. هذه المرة لم أبتعد. دخلنا القصر. --- بعد دقائق، كنت أجلس أمام رجل قال إنه والدي. وضعت يدي على الطاولة. قلت: «ابدأ.» جلس قبالتي. «قبل سبعة عشر عامًا، اختفيتِ.» «اختفيت؟» «تم اختطافكِ.» شعرت بقلبي ينقبض. «من؟» أجاب: «لا نعرف.» «لكنكم تعرفون أن عائلة كيان لها علاقة بالأمر.» صمت. وهنا فهمت أنني أصبت في المكان الصحيح. رفع عينيه إليّ. «من أخبركِ؟» «يوسف.» «لا ينبغي أن يقول لكِ ذلك.» «إذن هو صحيح؟» لم يجب. قلت: «أبي…» توقفت. الكلمة خرجت مني دون قصد. رأيت الألم في عينيه. قال: «نعم.» ثم أضاف: «لكن ما سأخبركِ به الآن سيغير نظرتكِ إلى كل شيء.» انتظرت. قال: «زواجك من كيان لم يكن مجرد اتفاق بين عائلتين.» تسارعت دقات قلبي. «ماذا كان؟» نظر إليّ طويلًا. ثم قال: «كان محاولة لحمايتك.» «من ماذا؟» وقبل أن يجيب… انفتح باب المكتب فجأة. دخل رجل لم أره من قبل. كان يرتدي معطفًا أسود، وملامحه هادئة بشكل مخيف. نظر إليّ مباشرة. ثم ابتسم. «مرحبًا بعودتك يا سيرين الكيلاني.» نظر والدي إليه بغضب. «جاد… ماذا تفعل هنا؟» ابتسم. «جئت لأخبرها بالحقيقة التي لم تجرؤ أنت على إخبارها بها.» ثم نظر إليّ. وقال: «زوجك السابق لم يطلقك لأنه لم يعد يحبك.» توقفت أنفاسي. «بل لأنه اكتشف من تكونين.» ثم أضاف: «وهو الآن في طريقه إلى هنا.» ساد الصمت. أما أنا… فلم أستطع سوى التفكير في سؤال واحد: لماذا يريد كيان العودة إليّ بعد أن طلقني؟الفصل ٦٥ — الوارث الثاني— الوارث الثاني؟وقفت سيرين على أول درجة، وعينيها معلقة بالكلمات المنقوشة على الحائط.كيان كان واقف وراها مباشرة.— سيرين...— متقولش حاجة.— بس...— أنا عايزة أفهم.ريان قرب منهم.— وأنا كمان.سليم رفع عينيه للنقش.— ده مش موجود في أي سجل.نديم ابتسم من بعيد.— عشان السجل ده عمره ما كان جزء من الأرشيف اللي كنتوا تعرفوه.كيان بص له.— يعني إيه؟— يعني إنكم كنتوا فاكرين إنكم عرفتوا الحقيقة.— وإحنا ما عرفناش؟— عرفتوا جزء منها.سيرين لفتت له.— إنت عارف معنى كلمة «الوارث الثاني»؟نديم هز رأسه.— أيوه.— قول.— مش بالسرعة دي.كيان اتضايق.— بلاش ألعاب.نديم بص له.— لو كنت عايز ألعب، كنت سبتكم فوق.سليم قال:— يبقى اتكلم.نديم سكت لحظة.— الوارث الأول هو اللي يحمل الحق.سيرين قالت:— وأنا.— أيوه.— والوارث الثاني؟نديم بص لكيان.— هو اللي يحمل القدرة على فتح الطريق للوارث الأول.كيان عقد حواجبه.— يعني أنا مجرد مفتاح؟— لأ.— أمال إيه؟— حارس.كيان ضحك بسخرية.— أنا مش حارسها.سيرين بصت له.— وأنا مش محتاجة حارس.نديم ابتسم.— عشان كده النظام فشل.ريان قال:— ا
الفصل ٦٤ — الباب الأول— نادين!صرخة سيرين خرجت منها وهي واقفة في منتصف الطريق، وعينيها ثابتة على شاشة الهاتف اللي انطفأت من ثواني.كيان قرب منها بسرعة.— سيرين، اهدي.— إزاي أهدى؟! دي أمي!ريان كان واقف مكانه، وشه فقد لونه.سليم بص له.— إنت عارف هي فين.ريان هز رأسه.— لأ.— ما تكذبش.— أنا مش بكذب.سيرين لفت له.— ماما قالت إنها عند أول باب.ريان سكت.— وإنت قلت إن الباب الأول مرتبط باختفائي.— أيوه.— يبقى لازم تعرف مكانه.ريان أخد نفس طويل.— أعرف.سيرين قربت منه.— فين؟— تحت مبنى قديم في أطراف القاهرة.كيان عقد حواجبه.— المبنى اللي اتسجل في ملفات المجموعة؟ريان هز رأسه.— أيوه.سليم قال:— المبنى اللي اتحرق من سبعتاشر سنة؟— هو.سيرين بصت بينهم.— إنتوا بتتكلموا كأن المكان ده مقبرة.سليم رد بهدوء:— لأنه بالنسبة لبعض الناس كان كده.— يعني إيه؟ريان قال:— ناس دخلت المكان ده وما خرجتش.سيرين سألته:— وماما؟— مش عارف.— بس صوتها كان هناك.— أيوه.— يبقى نروح.كيان قال فورًا:— هنروح.ريان بص له.— الطريق مش آمن.كيان رد:— ولا أي حاجة حصلت لسيرين كانت آمنة.— كيان...— مش هطلب
الفصل ٦٣ — البيت الذي انتظر الحقيقة— إنتِ متأكدة إننا لازم ندخل البيت ده؟بصت سيرين ناحية كيان، وبعدين بصت للبيت الكبير اللي واقف قدامهم في آخر الشارع الهادي.— أيوه.— سيرين، الرسالة قالت «منزل ريان الكيلاني». ما قالتش إننا ندخل من غير ما نعرف مين مستنينا جوه.— أبويا هو اللي مستنيني.— وإنتِ واثقة إنه أبوكي؟سكتت سيرين لحظة.— مش عارفة.قرب كيان منها خطوة.— طيب ليه جاية؟— عشان لو فضلت أهرب من كل باب مكتوب عليه اسمه، هفضل طول عمري بخاف من الحقيقة.اتنهد كيان.— أنا مش بخوفك.— عارفة.— بس أنا خايف.بصت له.— من إيه؟— من اللحظة اللي تكتشفي فيها إن كل اللي حصل في حياتك كان ممكن يتغير لو حد قال الحقيقة بدري.ابتسمت ابتسامة حزينة.— حياتي اتغيرت من غير ما حد يستأذنني أصلًا.— عشان كده مش هقرر عنك تاني.— وعد؟— وعد.— حتى لو القرار مش عاجبك؟— حتى لو قتلني.فضلت بصاله ثواني.— كيان...— نعم؟— أنا مش عايزاك تموت عشان تثبتلي إنك بتحبني.ابتسم بحزن.— وأنا مش عايزك تختاريني عشان خايفة أخسرك.— يبقى إحنا متفقين.— متفقين.مدت إيدها ناحية الباب.لكن قبل ما تلمسه، صوت سليم جه من وراهم:—
الفصل ٦٢: الرجل الذي خاف من اختيار سيرينكانت ألسنة النار بدأت تزحف من أسفل الدرج، بينما امتلأ الممر بالدخان.وقفت سيرين أمام الباب الحديدي الذي اختفى خلفه سليم، وعيناها معلقتان بالمقبض.قال كيان:— سيرين، يجب أن نخرج الآن.هزت رأسها.— لن أخرج من دونه.— النار تقترب.— إذن افتح الباب.— الباب مغلق من الداخل.— اكسره.اقترب كيان ووضع يده على المقبض.— سليم!جاء صوته ضعيفًا:— اخرجوا!صرخت سيرين:— لن أتركك!— هذه ليست المرة الأولى التي أطلب منك فيها أن تثقي بي.— وفي كل مرة كنت تخفي عني شيئًا!سكت سليم.ثم قال:— ولهذا أطلب منك الآن ألا تثقي بي وحدي.تراجعت سيرين.— ماذا يعني ذلك؟— ثقي بنفسك.قال كيان:— سليم، أين المفتاح؟— لا يوجد مفتاح.— إذن كيف نفتح الباب؟— بالاختيار.نظر كيان إلى سيرين.— النظام.قالت ليلى:— ربما الباب مرتبط بها.اقتربت سيرين.وجدت لوحة صغيرة بجانب الباب.وضعت يدها عليها.اشتعل ضوء أخضر.ظهر على الشاشة:«الوريثة موجودة.»ثم:«اختر.»قالت سيرين:— ماذا أختار؟ظهر سطر:«الخروج... أو الحقيقة.»تجمد الجميع.قال كيان:— هذه خدعة.قالت سيرين:— أعرف.— إذا اخترتِ ا
كان المطر يهطل بغزارة عندما توقفت سيارة كيان أمام المستشفى القديم.لم ينزل أي منهما فورًا.ظل كيان ممسكًا بالمقود، وعيناه مثبتتان على المبنى المظلم أمامهما.قالت سيرين:— وصلنا.لم يجب.نظرت إليه.— كيان؟— نعم.— لماذا لا تنزل؟تنفس ببطء.— لأنني لا أحب الأماكن التي يطلب مني أحد دخولها وحدي.ابتسمت رغم التوتر.— لكنك لست وحدك.التفت إليها.— أعرف.— إذن انزل.فتح الباب.نزلت سيرين خلفه، وأغلقت باب السيارة.كان المستشفى مهجورًا منذ سنوات، لكن بعض النوافذ في الطابق الثالث كانت مضاءة.رفعت سيرين رأسها.— هناك أحد.قال كيان:— نعم.— ربما سليم.— أو فخ.قالت:— في كل الحالات، علينا الدخول.نظر إليها.— اتفقنا.اقترب منها.— لكن هذه المرة لن تتقدمي وحدك.— وأنا لن أسمح لك بالتقدم وحدك.— إذن نمشي معًا.— معًا.دخلا من الباب الرئيسي.كان المكان باردًا بصورة غير طبيعية.رائحة الرطوبة والدواء القديم ما زالت عالقة في الجدران.قالت سيرين:— أنا وُلدت هنا؟— حسب السجلات.— غريب.— ماذا؟— أشعر أنني أعرف المكان.توقف كيان.— هل تتذكرين شيئًا؟أغمضت عينيها.— ليس تمامًا.— ماذا ترين؟— ضوءًا.— ف
لم يتحرك أحد.بقيت الشاشة أمامهم سوداء إلا من جملة واحدة:«المستخدم صفر لم يكن كيان.»وتحتها:«المستخدم صفر كان الشخص الذي اختار كيان.»ثم ظهر سطر ثالث ببطء:«الهوية: محجوبة.»كانت سيرين أول من تكلم.— من هو؟لم يجب أحد.التفتت إلى يوسف.— أنت تعرف.هز يوسف رأسه.— أعرف جزءًا.— الجميع يقول الجملة نفسها!صرخت سيرين:— "أعرف جزءًا"، "لا أستطيع أن أقول"، "الحقيقة خطيرة"... متى سيتوقف هذا؟قال كيان بهدوء غريب:— عندما نبدأ بطرح الأسئلة الصحيحة.نظرت إليه.— وأنت تعرف السؤال؟— نعم.— ما هو؟حدق في الشاشة.— لماذا اختارني؟قالت ليلى:— بالضبط.وأضاف فؤاد:— وليس من اختارك فقط، بل لماذا كان اختيارك ضروريًا لهذه الدرجة.عاد صوت الرجل عبر السماعات.— لأنك كنت الوحيد القادر على إغلاق الدائرة.رفع كيان رأسه.— من أنت؟— شخص كان يعرف والدك قبل أن تعرفه أنت.— هذا لا يجيب.— وأنا لا أملك رفاهية الإجابة الكاملة.تقدم كيان خطوة.— أنت تخاف.ضحك الرجل بخفة.— الجميع يخاف يا كيان.— لكنك تخاف مني.ساد الصمت.قالت سيرين:— كيان...— دعيه.ثم قال للسماعة:— إذا كنت تعرفني منذ طفولتي، فلماذا لم تظهر طو







