Masukعلى المكتب، رصت مجموعة سميكة من دفاتر الصور.فتحت فادية الصفحة الأولى، فرأت مالك في سن المراهقة.كان شابا حاد الملامح، ملامحه الآن هي ذاتها لم تتغير، ووسامته يومها لم تكن ببرودة اليوم.قلبت فادية الألبوم، وفي كل صورة كان يظهر أحيانا طرف ابتسامة خفيفة على شفتيه.كان في الألبوم، إلى جانب مالك، يوسف في سن الشباب، وفتاة أخرى.تلك الفتاة، رأتها فادية من قبل.هي نفسها التي ظهرت في الصورة المعلقة في المبنى الصغير خلف قصر الهاشمي يوم كانت في مدينة الياقوت.اسمها جوجو!حدقت فادية في ملامح جوجو في الصورة؛ فتاة مفعمة بالحيوية، وابتسامتها مشرقة.كانت تعرف أن الحفيدة التي تبناها الجد، كانت عيناها تشبهان عيني ربى الخالدي.لكن مقارنة بجنى، كانت عينا جوجو تبتسمان فعلا، وابتسامة عينيها تمنح من يراها شعورا بالود والقرب.مالك… لا بد أنه أحب هذه الفتاة يوما.وفي هذه اللحظة تأكدت فادية أن الفتى الذي رأته صورته مطموسة بالسواد في مدينة الياقوت كان هو مالك.وتلك الفتاة… كانت تبادله المشاعر!كانا يبدوان مناسبين لبعضهما جدا.أغيورة؟وكأن صوتا خفيا تردد في رأسها.رفعت فادية حاجبا، وكأنها تخفي شيئا، وضحكت بخفوت ق
كل زاوية هنا تنطق بالانضباط والصرامة.وكأنها تذكر الداخل بأن لا يتجاوز حده."السيد الثالث، الشيخ زيد بانتظارك في مكتبه." قال مساعد زيد الواقف عند الباب الرئيسي.وكأنه لا يريد تنبيه الآخرين في قصر الراسني، فخفض صوته قدر المستطاع.مالك لم يلتفت إليه حتى، أمسك بيد فادية وصعد مباشرة إلى الطابق الثاني.غرفة المكتب لزيد تقع في أقصى الشرق من الطابق، لكن مالك، وهو يمسك بفادية، توقف أمام إحدى الغرف في الجهة الغربية."ادخلي واستريحي في غرفتي." قالها مالك وهو يضع يده على كتفها.التعب الواضح في عينيه جعل فادية تعقد حاجبيها بقلق.هي تعرف أنه على وشك مواجهة والده. ما حدث اليوم… سواء كان زيد أو مالك، فكلاهما يريد سماع الجواب من فم الآخر."حسنا."أطاعته فادية.فتح لها مالك باب الغرفة، وانتظر حتى دخلت، ثم التفت مطمئنا.وقبل أن يخطو خطوتين، نادته فادية."مالك…"توقف مالك والتفت إليها، وتحول ذلك الوجه المتجهم إلى ابتسامة دافئة."نعم؟"كان ينتظر وصيتها.ولوهلة، بدا المشهد وكأن زوجا على وشك الخروج لأمر مهم، وزوجته تودعه بقلق قبل رحيله."سأكون هنا بانتظارك."قالت فادية ذلك ثم أغلقت الباب.أما مالك، فظل ينظر
تجمدت الابتسامة على وجه مالك بشكل واضح.وعندما نزل إلى الأسفل، صادف يوسف مستندا إلى الجدار، وكأنه ينتظر أحدا.مجرد تبادل نظرات كان كافيا ليدرك مالك أن الآخر عرف أن فادية كانت معه على السطح، ومع ذلك… لم يقاطعهما يوسف!قالت فادية لتوضح مسارها: "سأذهب معه إلى قصر الراسني القديم يا أخي."كان مالك يظن أن يوسف سيمنعها.لكن كل ما رآه هو أن يوسف أخذ معطفا نسائيا وقدمه لفادية."الجو يبرد في النصف الثاني من الليل، ارتديه.""شكرا يا أخي."حتى بعد أن صعدا إلى السيارة، ظل مالك يسترجع ما حدث، وكان يشعر بأن شيئا ما تغير بينهما.أخ؟هو يتذكر جيدا أن يوسف كان يحمل لفادية مشاعر رجل تجاه امرأة.لكن عندما نادته قبل قليل بكلمة "أخي"، كانت نظراته حقا نظرات أخ كبير....قصر الراسني القديم.اليوم عيد ميلاد زيد، لكن هذا اليوم لا يحمل أي معنى خاص للحاجة الراسني.حفلة عيد الميلاد كل عام ليست إلا مناسبة لفتح باب التواصل بين عائلة الراسني وبقية عائلات العاصمة.الحاجة الراسني تقدم بها العمر، ولم تعد تهتم بهذه المجاملات، لذلك لم تذهب إلى معرض الرسم.وكانت قد نامت مبكرا.لكن عندما أسرع مالك حاملا سامي إلى سيارة الإسع
كان ينبغي لها أن تدفعه بعيدا.لكن كان في داخلها صوت يقول لها ألا تدفعه بعيدا الآن!ومع نسيم خفيف، لا تدري فادية متى رفعت يدها لتضعها على ظهره وتبادله العناق.إلى أن دوى رنين هاتف مالك.استمر الهاتف يرن طويلا، ومالك لا يتحرك للرد، كأنه لا يريد أن يترك فادية، حتى إنها انتزعت نفسها من حضنه."أجب، ربما الأمر طارئ."نظر إليها مالك بنظرة حارة، ولم يخرج الهاتف إلا بعدما أدارت ظهرها له.كان المتصل ماهر.وبمجرد أن فتح الخط، جاء صوت ماهر: "يا سيدي، الشيخ زيد… يطلب منك العودة إلى قصر الراسني القديم."زيد؟"حسنا!" وافق مالك فورا بلا تردد.لم يستطع ماهر إخفاء اندهاشه.فالعلاقة بين السيد ووالده ليست أفضل حالا، فهما رغم رابطة الدم، أشبه بخصمين لدودين. ومنصب مالك الحالي في مجموعة الراسني كان قد انتزعه من يد والده.وكان ماهر يظن أن سيده سيرفض أمر والده.وكأن أمرا ما خطر له، فاستعجل قبل أن يغلق مالك الخط: "وأيضا… زوجتك.""ماذا؟" ظن مالك أنه لم يسمع جيدا.قال ماهر: "الشيخ زيد قال إنه بما أن السيدة بخير، فلتذهب معك إلى القصر القديم، بما أنها كانت حاضرة فيما جرى اليوم، لذا...""أنا سأذهب كما طلب، لكنها لن
كان صوت مالك يحمل سخرية لاذعة.شعرت فادية بغضبه حينها وبعجزه، ولم تعرف كيف تهدئه، فلم تجد سوى أن تمد يدها وتمسك بيده.دفء راحة يدها اللينة بدا وكأنه خيط رفيع من الدفء يسري في قلبه البارد.التفت مالك نحو فادية، وكأنه بلا وعي شد على يدها، وردد في قلبه ذلك العهد الذي كان قد ثبته منذ زمن.أما تلك الأمور التي مضت…سحب مالك نظره عنها، لكن هذه المرة، حرارة يد فادية جعلت صوته أقل حدة عندما بدأ يذكر تلك الذكريات."بعد أن جرح سامي نفسه بشفرة، اكتشفت أن تلك الشفرة أعطاها له أحد خدم منزل عائلة الراسني، لكن عندما ضغطت عليه لأعرف السبب، رفض أن يتكلم. ظللت أشك أن نوراي هي من وراء الأمر…"نوراي…تذكرت فادية السيدة نوراي التي تبدو لطيفة وهادئة."هي المرأة التي أحبها الشيخ زيد عندما أنجبت أمك سامي؟"قبل قليل، عندما تحدث مالك عن الماضي، لاحظت فادية أنه لا ينادي والده إلا باسمه، فهي تعرف ما بينهما من خلاف، لذلك اكتفت بمناداته بـ"الشيخ زيد".لكن خلافا لما توقعت، أجابها مالك: "لا."ليست نوراي، فمن تكون إذا؟وبينما كانت فادية مستغربة، واصل مالك كلامه: "المرأة التي كانت في ذلك الوقت، جدتي أبعدتها منذ زمن، أعط
لا أحد يعلم كم طال ذلك الزمن، إلى أن جاء يوم رأى فيه شفرة رفيعة وحادة مخبأة في الطعام الذي قدم له.في تلك الليلة، هطل المطر من جديد.كانت الرعود تتتابع، وأصواتها المدوية كأنها تضرب فوق رأسه مباشرة. ارتجف وهو ينكمش في زاويته، لكنه حين رفع عينيه، ظن أنه يرى والدته ملقاة في بركة الدم، تناديه بصوت واهن "سيمو…"اشتاق إلى أمه وأراد أن يذهب إليها.تذكر الشفرة التي خبأها، فشق بها يده خطا من الجرح. لم يشعر بالألم، والدم كان ينساب من جسده بلا توقف.وتدريجيا بدأ وعيه يتلاشى.ظن أنه بات على وشك أن يرى أمه.لكن حين فتح عينيه مجددا، رأى أخاه الكبير أمامه.بعد ذلك، لم يعد أخوه الكبير يقيم في قصر الراسني القديم، بل انتقل إلى المستشفى، ملازما له لا يفارقه لحظة.وسمع من صديقة أخيه التي تدعى جوجو ما حدث يومها.قالت إن أخيه كان من المفترض أن يذهب إلى فرسان العقاب بأمر من والده، وقد اتفق مع والده على خوض تدريب يستمر عشرة أيام، على أن يصمد أمام هجمات عشرة من نخبة فرسان العقاب تباعا.قالت إن أخاه لم يكن ليستطيع البقاء هناك طويلا، لأن عليه أن يزوره كل يوم.وقالت إنه منذ رحيل والدته، كان أخوه الكبير يزوره كل ل







