ANMELDENعندما عدنا إلى القصر في المساء...حاولت أن أبدو طبيعية.ضحكت مع جنى.تناولنا العشاء.وتحدثنا عن أشياء عادية جدًا.لكن عقلي...كان في مكان آخر.كنت أعيد قراءة الرسالة في ذهني مرة بعد أخرى.وأبحث بين كلماتها عن شيء لم يره أحد غيري.بعد أن نامت جنى...خرجت مع ريان إلى الحديقة.كان الليل هادئًا.ونسيم الصيف يحرك أوراق الأشجار برفق.جلسنا على المقعد الخشبي.وبقي كل منا صامتًا للحظات.ثم تكلم ريان."أشعر أنك تعرفين عن هذا الشخص أكثر مما تخبرينني."رفعت عيني إليه.تلاقت نظراتنا.ولم أستطع أن أجيبه.ليس لأنني لا أثق به...بل لأن بعض الأسرار كلما عرفها من نحب أصبحوا في خطر أكبر.ابتسم ابتسامة صغيرة."لا أطلب منك كشف أسرارك."ثم أخذ نفسًا عميقًا."لكن إذا شعرتِ يومًا أن الخطر أكبر من قدرتك أخبريني."شعرت بشيء يضغط على قلبي.هذا الرجل لا يفكر بنفسه بل يفكر بي.يمد يده إليّ دون أن يسأل ماذا سأعطيه في المقابل.مددت يدي.وأمسكت يده بين يدي.كانت دافئة.وثابتة.همست:"أعدك."ابتسم بهدوء.لكنني لم أنهِ كلامي.نظرت مباشرة إلى عينيه.وقلت:"وأعدك أيضًا أنني لن أسمح لأحد أن يؤذيك."ابتسم ابتسامة ظننتها
في صباح اليوم التالي...استيقظت على صوت العصافير القادمة من الحديقة، ولفترة قصيرة جدًا... نسيت كل شيء.نسيت الخوادم. ونسيت الهجوم. ونسيت الساعات الطويلة التي قضيتها أمام الشاشات حتى كادت عيناي تتوقفان عن الرؤية.استلقيت أحدق في السقف، أتنفس ببطء.لأول مرة منذ أيام... لم يكن هاتفي يصرخ بالإشعارات.شعرت براحة غريبة... راحة مؤقتة أعرف جيدًا أنها لن تدوم.نهضت من السرير، وارتديت ملابسي بهدوء، ثم نزلت إلى المطبخ.وجدت ريان يسبقني كعادته.كان يحمل كوب قهوته، بينما يتصفح بعض التقارير على جهازه اللوحي.رفع عينيه نحوي.ابتسم."صباح الخير."ابتسمت رغم إرهاقي."صباح الخير."اقتربت منه، وسرقت رشفة صغيرة من قهوته.نظر إلي باستنكار مصطنع."أحضرت لكِ كوبًا خاصًا."ضحكت."قهوة غيري ألذ."هز رأسه مستسلمًا، ثم ناولني الكوب الآخر.جلسنا بصمت لدقائق.كان صمتًا مريحًا...ذلك النوع من الصمت الذي لا يحتاج إلى كلمات.لكنني كنت أعرف ريان.كلما ازداد هدوءه... عرفت أن عقله يعمل بسرعة أكبر.وضعت الكوب على الطاولة."ما الذي يشغل بالك؟"رفع نظره إلي."لا شيء."ضيقت عيني."هذه الكلمة لا تناسبك."ابتسم بخفة."ا
من وجهة نظر ريانمرّ يومان...منذ توقفت الهجمات الإلكترونية.بدأ موظفو مجموعة المنصور يلتقطون أنفاسهم.عادت أغلب الأنظمة إلى العمل.واستعادت الشركة جزءًا كبيرًا من نشاطها.وعادت الاجتماعات.والصفقات.والعمل اليومي.حتى الضحكات...بدأت تُسمع من جديد في بعض المكاتب.لكن...كان هناك شخص واحد في القصر...لم يبدُ مرتاحًا.لارا.كنت أراها تبتسم.لكنني كنت أعرفها بما يكفي لأدرك...أن عقلها ما زال في مكان آخر.لأنها كانت تعرف...كما كنت أعرف...أن خصمنا لم يتراجع.بل ينتظر.في صباح ذلك اليوم...اجتمعت مع مجلس الإدارة في الطابق الأربعين.جلس المستثمرون حول الطاولة.وبدأت مراجعة التقارير.قال أحدهم بابتسامة:"الوضع أصبح مستقرًا."وأضاف آخر بثقة:"أعتقد أن الأزمة انتهت."ظللت صامتًا للحظات.ثم قلت بهدوء:"لا."التفتت جميع الأنظار نحوي.وأكملت:"من بدأ هذه الحرب لن يتوقف في منتصفها."ساد الصمت.وقبل أن يعلق أحد...فُتح باب غرفة الاجتماعات.دخلت السكرتيرة بخطوات سريعة.وكان واضحًا من ملامحها...أن الأمر عاجل.قالت:"سيدي لدينا مشكلة."رفعت حاجبي.وسألت مباشرة:"عادوا؟"هزت رأسها بالنفي."لا. لكن ج
من وجهة نظر لارافي المساء...عدت إلى القصر.تناولت العشاء مع ريان وجنى.تحدثنا عن أشياء بسيطة.وضحت جنى حتى غلبها النعاس.ساعدتها على النوم.ثم انتظرت...حتى عمّ الصمت أرجاء المنزل.دخلت مكتبي.وأغلقت الباب.أخرجت الحاسوب القديم.وشغلته بهدوء.لكن هذه المرة...لم أحاول الدخول إلى أنظمة إيجيس.ولم أبحث عن يوسف.بل أنشأت بيئة افتراضية معزولة.بيئة لا ترتبط بأي شيء يخصني.ولا يمكن أن تقود إليّ.بدأت أكتب شيفرة قصيرة جدًا.لم تكن فيروسًا.ولا أداة اختراق.بل مجرد نبضة...تبدو عشوائية لمن يراها.لكنها تحمل سؤالًا واحدًا.هل ما زلتم تراقبون خوادمكم القديمة؟أرسلتها...إلى أحد الخوادم المهجورة...الذي استخدمه فريق الهجوم قبل أيام.ثم أوقفت كل شيء.ولم أفعل شيئًا آخر.لم يكن هدفي اختراقهم.بل اختبارهم.إذا كانوا ما يزالون يراقبون تلك الخوادم...فسيتحركون.أما إذا لم يتحركوا...فسأعرف أنهم غيّروا أسلوبهم بالكامل.جلست أنتظر.ثوانٍ...ثم دقيقة.في شركة إيجيس...انطلق إنذار خافت داخل غرفة العمليات.التفت أحد المبرمجين نحو الشاشة.وقال:"سيدي..."اقترب يوسف.قرأ التقرير بصمت.ثم ارتسمت على شفتيه
من وجهة نظر ريانفي شركة المنصور...لم أغادر غرفة العمليات.لم أعد أعرف منذ متى لم أرَ ضوء الشمس.كانت الشاشات تملأ الجدران.والتقارير تتغير كل دقيقة.والوجوه حولي...كانت مرهقة أكثر مما كانت خائفة.دخل سامر وهو يحمل جهازًا لوحيًا.اقترب مني وقال:"استعدنا البريد الإلكتروني."رفعت رأسي إليه."والبيانات؟"قلب عدة صفحات."استعدنا معظمها."ثم زفر ببطء."لكن الثقة في السوق بدأت تهتز."لم أجب.مد الجهاز نحوي.فتحت شاشة الأخبار.كانت العناوين تتوالى أمامي بسرعة.هل فقدت مجموعة المنصور سيطرتها على أنظمتها؟خبراء يحذرون من هجمات جديدة.مستثمرون يطالبون بخطة طوارئ لحماية البيانات.أغلقت الشاشة بهدوء.ثم وضعتها على الطاولة.قلت:"فؤاد لا يريد تدمير الشركة."نظر إليّ سامر."إذن ماذا يريد؟"وقفت أمام النافذة.أنظر إلى المدينة الممتدة تحت المبنى.ثم قلت بهدوء:"يريد أن يجعل المستثمرين يدمرونها بأنفسهم."ساد الصمت.أكملت وأنا أفكر بصوت مسموع:"إذا فقد السوق ثقته بنا فلن يحتاج إلى هجوم آخر.""كل قرار انسحاب سيكون ضربة أقوى من أي فيروس."اقترب سامر."وماذا سنفعل؟"التفت إليه."سنعيد الثقة قبل أن نعيد
من وجهة نظر لارا بعد العشاء...دخلت إلى مكتبي بهدوء.أغلقت الباب خلفي.شغّلت الحاسوب القديم.أضاءت الشاشة ببطء.لكن هذه المرة...لم أدخل إلى أي نظام.ولم أحاول تعقب أحد.بل فتحت قاعدة بيانات قديمة جدًا...احتفظت بها منذ سنوات.كانت أشبه بأرشيف شخصي...لا يعرف بوجوده أحد.وضعت أصابعي على لوحة المفاتيح.وكتبت اسمًا واحدًا.Aegis Cyber Defenseضغطت زر الإدخال.وخلال ثوانٍ...ظهرت أمامي عشرات الملفات.تقارير.مؤتمرات.عقود.أسماء موظفين.وبدأت أقرأ بسرعة.لم أكن أبحث عن الشركة...بل عن الشخص الذي يقودها.قلّبت الملفات واحدًا تلو الآخر.ثم توقفت.ثبتت عيناي على سطر واحد.الرئيس التنفيذي: يوسف العابداتسعت عيناي قليلًا.وشعرت بأن شيئًا قد استقر أخيرًا في مكانه.همست بصوت خافت:"إذن أنت من يقودهم."تراجعت في مقعدي.وأغلقت الملف.لكن قبل أن أغلق الجهاز...لفت انتباهي تبويب صغير في أسفل الصفحة.مجلس الإدارة.فتحته.وبدأت أقرأ الأسماء.ثم توقفت مرة أخرى.كان هناك اسم واحد...يكفي ليغيّر كل شيء.لارين الخالدي.أخذت نفسًا بطيئًا.وأعدت قراءة الاسم مرة ثانية.لا لم أكن مخطئة.همست لنفسي:"إذن هذه







