تسجيل الدخولمن وجهة نظر ريانفي تلك اللحظة...رأيت جنى تركض نحونا وهي تحمل كرة صغيرة بكلتا يديها، وكأنها جاءت لتنقذنا من حديث طال أكثر مما ينبغي."بابا!"التفت إليها مبتسمًا."نعم يا أميرتي؟"رفعت الكرة أمام وجهي بحماس."نريد أن نلعب."ضحكت."ومن الفريق الآخر؟"أشارت إلى رامي."عمو رامي."ثم وضعت يدها على صدرها بكل فخر."وأنا معه."لم أتمكن حتى من الرد، حتى رفع سامر يده بسرعة."وأنا مع ريان."التفتت ليان نحونا وهي تضحك."وماذا عني؟"وضعت جنى إصبعها الصغير فوق ذقنها، وأخذت تفكر بجدية، وكأنها تختار تشكيل أهم مباراة في العالم.ثم أعلنت بحماس:"أنتِ مع ماما."ضحكت لارا وهي تهز رأسها."ولم يسألني أحد إن كنت أريد اللعب."ابتسمت.اقتربت منها، ومددت يدي إليها."اليوم... لا يحق لك الرفض."نظرت إلى يدي للحظة.ثم رفعت عينيها إليّ.كانت تبتسم تلك الابتسامة الهادئة التي أصبحت أحبها أكثر من أي شيء آخر.وضعت يدها في يدي وهي تقول باستسلام جميل:"حسنًا."أغلقت أصابعي حول أصابعها برفق.ولوهلة...نسيت أننا لسنا وحدنا....بدأت المباراة.أو ما ظننته مباراة.لأن جنى كانت تغيّر القوانين كل دقيقة.مرة تكون الحكم.ومرة
مع اقتراب موعد الزفاف...أصبح قصر المنصور أكثر دفئًا من أي وقت مضى.لم يكن السبب الورود التي بدأت تزين الحديقة، ولا بطاقات الدعوة المنتشرة فوق الطاولة الكبيرة في غرفة المعيشة، ولا حتى الهدايا التي راحت تصل تباعًا.بل الضحكات.الضحكات التي عادت لتسكن هذا البيت بعدما غاب عنها الفرح طويلًا.أحيانًا كنت أتوقف في منتصف الممر، فقط لأستمع إلى أصواتهم.صوت جنى وهي تضحك...وصوت ريان وهو يمازحها...وصوت ندى وهي تنادي الجميع لتناول الطعام.كنت أغمض عيني للحظة، وأفكر...هل يمكن أن يصبح ما حلمت به يومًا حقيقة؟...كانت ندى أول من اقترح إقامة عشاء عائلي بسيط.لا صحافة.لا رجال أعمال.ولا اجتماعات رسمية.فقط الأشخاص الذين كانوا معنا عندما كانت الدنيا كلها تبدو ضدنا.وأعجبتني الفكرة منذ اللحظة الأولى.لأنني لم أعد أريد حفلات تُلتقط فيها الصور...بل لحظات تُحفظ في القلب....مع حلول المساء، سمعت صوت سيارة تتوقف أمام بوابة القصر.وقبل أن أنهض...ركضت جنى نحو النافذة.ثم صاحت بحماس:"وصلوا!"ضحكت وأنا أراقبها تركض نحو الباب الرئيسي، غير عابئة بمن يحاول إيقافها.بعد لحظات، سمعت صوتها يملأ المكان:"عمو را
من وجهة نظر ريانفي تلك الأثناء...كنت أبحث عن لارا.اختفت من غرفة المعيشة منذ دقائق، وبعد أن سألت جنى، أشارت بعفوية إلى الحديقة وهي تواصل كتابة أسماء ضيوفها، بعدما أصرت على إضافة لعبة جديدة إلى القائمة.ابتسمت وأنا أخرج من الباب الزجاجي بهدوء.كان النسيم لطيفًا، ورائحة الياسمين تملأ المكان.ألقيت نظرة سريعة حولي، حتى وقعت عيناي عليهما.كانت لارا تجلس إلى جوار أمي على المقعد الخشبي، تتحدثان بهدوء.هممت بالتقدم نحوهما.لكنني توقفت...وصلني صوت أمي قبل أن أخطو خطوة أخرى."لا تسمحي لكبريائك أن يمنعك من إخباره بما يزعجك... ولا تتوقعي منه أن يقرأ أفكارك."ابتسمت دون أن أشعر.لم أعرف لماذا...لكن شيئًا بداخلي أخبرني أن عليّ ألا أقاطع تلك اللحظة.بقيت في مكاني.مختبئًا خلف ظل إحدى الأشجار، لا بقصد التجسس...بل لأنني شعرت أن بينهما حديثًا تحتاجه لارا أكثر من حاجتها إلى وجودي.ثم سمعت صوتها.كان خافتًا...وصادقًا."أحيانًا أخجل من التعبير عن مشاعري."أغمضت عيني للحظة.كم مرة رأيتها تبتسم وهي تخفي ما يؤلمها؟وكم مرة ظننت أن صمتها يعني أن كل شيء بخير؟ضحكت أمي ضحكة قصيرة أعرفها جيدًا، ثم قالت:"
كانت الحديقة تغرق في هدوء الظهيرة.تحرك النسيم بين أغصان الأشجار برفق، وحملت رائحة الياسمين إلى حيث كنا نجلس.لطالما أحببت هذا المكان.فكلما ضاق صدري، وجدت في هذه الحديقة شيئًا يهدئ قلبي، وكأنها تعرف كيف تستمع إلى ما لا أستطيع قوله.جلست ندى على المقعد الخشبي المعتاد.ثم أشارت إليَّ بابتسامة هادئة."اجلسي يا ابنتي."جلست إلى جوارها.ولم نتحدث.لم يكن الصمت بيننا محرجًا.كان يشبه صمت أم وابنتها...الصمت الذي لا يحتاج إلى تفسير.بعد لحظات، سمعتها تقول وهي تنظر إلى الأشجار أمامنا:"أتعلمين أكثر ما كنت أخشاه طوال السنوات الماضية؟"التفتُّ إليها.هزت رأسها ببطء."أن يأتي اليوم الذي تفقدين فيه إيمانك بالحب."شعرت بشيء ينقبض داخل صدري.خفضت بصري إلى يدي.ولم أجب.لأنني كنت أعرف...أنها محقة.أكملت بصوت هادئ:"كنت أراك تبتسمين أمام الجميع..."تنهدت."...لكنني كنت أعرف أن داخلك مليء بالألم."ابتلعت غصة صغيرة.كم مرة ظننت أنني نجحت في إخفاء وجعي؟ويبدو أنني لم أنجح يومًا أمامها.تنفست ببطء."كنت أظن أنني تجاوزت كل شيء."التفتت إليَّ مباشرة."وهل تجاوزتِه فعلًا؟"طال صمتي.بحثت عن إجابة أسهل...
أشرقت شمس يوم جديد على قصر المنصور...ومنذ أن فتحت عيني، شعرت أن هذا البيت لم يعد يشبه ذلك المكان الذي دخلته قبل سنوات.كان الهدوء نفسه...لكن معناه تغيّر.لم تعد الجدران تخفي أسرارًا، ولا الممرات تحمل توترًا، ولا الوجوه تنتظر خبرًا سيئًا.كل شيء أصبح يدور حول الزفاف....في غرفة الطعام، جلست إلى المائدة أرتشف قهوتي بينما كانت جنى تلتهم فطورها بسرعة لم أعهدها منها.كانت عيناها تنتقلان بيني وبين ريان كل بضع ثوانٍ، حتى سألت فجأة:"ماذا سنفعل اليوم؟"رفع ريان فنجان القهوة عن شفتيه، وابتسم لها."سنستقبل ضيفة."اتسعت عيناها بحماس."من؟"وقبل أن يجيب...رن جرس الباب.قفزت جنى من كرسيها حتى كاد الكوب الصغير أمامها يسقط."أنا سأفتح!"ضحكت وأنا أراقبها تركض بكل ما تملك من طاقة نحو الباب.وبعد لحظات، دوى صوتها في أنحاء القصر:"عمة ليان!"ابتسمت تلقائيًا.وبالفعل...دخلت ليان وهي تحمل حقيبة كبيرة وعدة ملفات بين ذراعيها، بينما كانت جنى تتعلق بيدها وكأنها لم ترها منذ أشهر."اشتقت إليك."قالتها ليان وهي تعانقها.فأجابتها جنى بسرعة:"وأنا أيضًا."ثم أمسكت يدها وسحبتها إلى الداخل."تعالي بسرعة."ضحكت
بعد ساعة...توقفت السيارة أمام أول قاعة.ما إن دخلنا حتى رفعت رأسي أتأمل المكان.سقف مرتفع، وثريات كريستالية ضخمة، وجدران تلمع تحت الأضواء.كان كل شيء فخمًا... إلى درجة شعرت معها بأن المكان يحاول أن يبهرنا في كل زاوية.استقبلنا مدير القاعة بابتسامة واسعة، وأخذ يشرح تفاصيل المكان بحماس، بينما كنت أستمع إليه باهتمام وأراقب كل شيء بصمت.لكن جنى...كان لها رأي آخر.لم تهتم بالثريات، ولا بطاولات الضيوف، ولا حتى بقاعة الاحتفال.كانت تنظر من النوافذ وكأنها تبحث عن شيء.ثم التفتت فجأة وسألت:"أين الحديقة؟"ابتسم المدير مجاملًا."ليس لدينا حديقة، لكن لدينا شرفة جميلة."هزت جنى رأسها بحزم."لا."توقف الجميع عن الكلام ونظروا إليها.وضعت يديها الصغيرتين على خصرها بكل جدية وقالت:"العروس تحتاج إلى حديقة."لم أستطع منع نفسي من الضحك.حتى ريان ضحك وهو يسألها:"ومن قال ذلك؟"رفعت ذقنها بثقة لا يمتلكها إلا الأطفال."أنا."غطيت فمي حتى لا أضحك بصوت مرتفع.أما مدير القاعة، فبدا مرتبكًا، لا يعرف إن كان عليه أن يدافع عن المكان أم يقنع مستشارة العروس الصغيرة.ربت ريان على رأسها وقال مبتسمًا:"أعتقد أن مستش







