Masukآدم الكيلاني لم ينم تلك الليلة.
وقف أمام الواجهة الزجاجية لشقته المطلة على المدينة، كأس الويسكي في يده، والخاتم الذي أعادته رهف في اليد الأخرى. الخاتم كان صغيرًا. خفيفًا. لكنه أثقل من كل شيء حمله في حياته. شد قبضته عليه حتى انغرست حوافه في راحته. في الأسفل، كانت المدينة تلمع، سيارات، موسيقى، حياة كاملة تتحرك. أما داخله، فكان هناك شيء واحد فقط يتكرر كطعنة: "احتفظ به. يناسبك أكثر." ألقى الكأس بعنف على الحائط. تناثر الزجاج. دخل مساعده مذعورًا. "سيدي—" "اخرج." خرج فورًا... شعر آدم بموجة من الغضب والإحراج جراء الإهانة العلنية، لكنه في قرارة نفسه ما زال يكنّ الازدراء لرهف عاد آدم ينظر إلى الهاتف أمامه. فتح صور رهف. عشرات الصور التي لم يكن يتذكر أنه التقطها أصلًا. رهف تضحك في مناسبة قديمة. رهف تحمل فنجان قهوة في الحديقة. رهف نائمة على الأريكة وكتاب مفتوح على صدرها. كيف لم يرها؟ كيف كانت في بيته… كأنها جزء من الأثاث؟ لكنه هز رأسه سريعًا. لا، لم يكن ذنبه. بل كان ذلك لأنها كانت هادئة للغاية. لأنها لم تطلب شيئًا قط. أي رجل سيلحظ امرأة صامتة؟ رن هاتفه. " رجاء " رفض الاتصال. عاد يرن. رفضه مرة أخرى. ثم أرسل رسالة واحدة: لا تتصلي بي. ضغط إرسال، ثم رمى الهاتف على الأريكة. لكنه بعد ثوانٍ، التقطه من جديد… وفتح اسمًا واحدًا فقط. رهف كتب: أين أنتِ؟ مسحها. كتب: نحتاج أن نتحدث. مسحها. كتب أخيرًا: هل تناولت الطعام؟" ثم حدق في الرسالة لفترة طويلة. كاد أن يضغط زر الإرسال، لكنه رمى هاتفه على الأريكة بقوة، عابسًا في إحباط. "لماذا عليّ أن أهتم إن كانت قد أكلت أم لا؟ لقد أحرجتني أمام الناس، ومع ذلك ما زال يسألها إن كانت قد أكلت؟" فكرة أنها ستجعله يفقد ماء وجهه أمام كل هؤلاء الناس جعلته يضحك ضحكة باردة لا اراديه.. تسرّبت خيوط الشمس إلى الغرفة كأنها تتلصص… زحفت ببطء فوق الجدار، ثم استقرّت على وجه رهف. ارتجفت رموشها تحت الضوء، كأنها تحاول الهروب منه. تأوهت بخفوت، وأدارت جسدها ببطء، معطية ظهرها للنافذة… لكن الضوء لحق بها، عنيدًا، لا يرحم. فتحت عينيها أخيرًا. سكون. ثانية… ثانيتان… ثم اتّسعت حدقتاها فجأة. هذه ليست غرفتها. رفعت رأسها ببطء، تتفحّص المكان حولها… الستائر، الخزانة، المرآة— كل شيء يهمس باسمٍ واحد: أمها. ابتلعت ريقها، وكأن ذكرى الأم علقت في حلقها. أمس… ما حدث أمس… بدا الآن كأنه حلم قاسٍ، لكنه لم يكن حلمًا. الدليل كان هنا… في هذه الغرفة التي فقدت روحها. لمعت عيناها بالدموع، لكنها قاومت سقوطها. نهضت بصمت، وجلست على طرف السرير، تمرر أصابعها على الغطاء، كأنها تلمس آخر أثرٍ دافئ ليدٍ رحلت. ثم فجأة— تحرّكت. أحضرت حقيبة. بدأت تجمع الأشياء… ببطء في البداية، ثم بسرعة متوترة: وشاح… عطر… صورة… كتاب… كل قطعة كانت تُنتزع من المكان كأنها تُنتزع من قلبها. توقفت. نظرت حولها مرة أخيرة. ثم همست، بصوت مكسور لا يسمعه أحد سواها: "ملكة هذا البيت رحلت… فلماذا أبقى أنا؟" أغلقت الحقيبة. عند الباب، توقفت. نظرت إلى الغرفة… طويلًا هذه المرة. كأنها تحفظها في ذاكرتها… أو تودّعها. ثم أغلقت الباب. بهدوءٍ لا يليق بعاصفة داخلها. نزلت الدرج ببطء… كل خطوة أثقل من التي قبلها. وحين وصلت إلى الطابق السفلي— تجمّدت. المشهد أمامها… كان صفعة. رجاء. ورغد. يجلسان بكل بساطة على طاولة الطعام… في بيت أمها… في مكانها. ووالدها بينهم. يأكلون. يتحدثون. كأن الحياة لم تُكسر أمس. كأن أمها… لم تختفِ. تصلّبت ملامح رهف، وغصّة حادة صعدت إلى حلقها. نظرت إلى والدها طويلًا… نظرة تبحث عن تفسير، عن ندم، عن أي شيء— لكنها لم تجد… شيئًا. رفع وليد عينيه نحوها، قطّب حاجبيه وقال بنبرة جافة: "ألن تفطري؟!" ضحكة صغيرة كادت تخرج منها… لكنها ماتت قبل أن تولد. قالت، بصوت بارد يخفي احتراقًا: "يبدو أنه لا مكان لي بينكم…" تقدّمت خطوة، وعيناها لا تفارقان وجهه: "لم أتوقع أنك ستُحضرهن… بهذه السرعة." فتح فمه ليرد— لكنها لم تنتظر. استدارت. ومشت. خطواتها كانت سريعة هذه المرة، حاسمة… كأنها تهرب قبل أن تنهار. فتحت الباب… خرجت من الفيلا… وتركت خلفها بيتًا لم يعد بيتها. ..بعد مرور أربعة أيام كاملة كانت سيارة آدم الفارهة من طراز فيراري السوداء تشق طريقها بهدوء عبر الطريق المؤدي إلى الفيلا الخاصة به بينما كانت رهف تجلس إلى جواره تراقب المناظر من خلف النافذة دون أن تدرك المفاجأة التي كانت بانتظارها. وما إن توقفت السيارة أمام البوابة الرئيسية حتى فتحت رهف الباب ونزلت بخطوات هادئة لكنها ما كادت ترفع رأسها حتى تجمدت في مكانها وكأن الزمن توقف من حولها. اتسعت عيناها شيئاً فشيئاً وتسارعت أنفاسها....وبقيت واقفة تحدق أمامها غير مصدقة ما تراه. فقد اختفت الفيلا التي كانت تعرفها تماماً.....لقد بدت وكأنها قصر فرنسي خرجت لتوها من إحدى اللوحات الكلاسيكية. كانت الواجهة الخارجية تتلألأ بلون أبيض كريمي ناعم يعكس أشعة الشمس برقة آسرة بينما استبدل القرميد القديم بسقف أزرق من درجات الباستيل الهادئة منح المكان سحراً أوروبياً أنيقاً أما الأبواب والنوافذ فقد زينت بتفاصيل ذهبية راقية أضفت على الفيلا مظهراً ملكياً دون مبالغة. ولم يتوقف الأمر عند ذلك....فالحدائق المحيطة بالمكان أعيد تصميمها بالكامل. كانت الأشجار مقصوصة بعناية هندسية مذهلة....والورود موزعة بتناغم فني سا
ظل كفاح واقفاً في مكانه للحظات طويلة بعد كلمات آدم الأخيرة بينما كانت عيناه تستقران على رهف التي وقفت بين ذراعيه، بدا الصراع واضحاً في ملامحه فهو لم يكن غاضباً منها ولم يكن قادراً على الحديث اكثر ، كان يخشى عليها أكثر مما تخشى هي نفسها. تنهد ببطء ثم قال وهو ينظر إليها مباشرة: " إذاً هذا هو قرارك يا رهف؟'" ترددت الكلمات في الهواء بينهما بينما شعرت رهف بأن قلبها ينقبض ولم تستطع الإجابة. اكتفت بالنظر إليه بعينين حائرتين غارقتين في المشاعر المتناقضة فهي تعلم أن كفاح لا يتحدث بدافع العداء بل بدافع الخوف من أن يعاد كسر قلبها مرة أخرى. ابتسم كفاح ابتسامة صغيرة باهتة لم تصل إلى عينيه ثم قال: " أتمنى ألا تندمي. " ولم ينتظر جواباً.... استدار بهدوء وغادر مبتعداً نحو الجهة الأخرى من الشارع. أما رهف فظلت تراقب ظهره بصمت بينما اجتاحها شعور غريب بالذنب. كان كفاح قد ارسل رساله لمساعده " مشير" قبل قليل طالباً منه إحضار سيارته التي تركها أمام المجمع السكني الذي تقطن فيه رهف ولذلك وقف بالقرب من الرصيف منتظراً وصوله بينما انشغلت أفكاره بما حدث خلال الساعات الماضية. " فضيحة والده مع عشيقت
كانت تحدق في الطريق الفارغ بعينين زائغتين غير مستوعبة ما حدث، منذ ساعات فقط كانت تخرج من مركز الشرطة مع آدم، والآن يعود إليها مجدداً ومعه أخوها اختفت السيارتان عن الأنظار لكنها ظلت واقفة بلا حراك حتى هبت نسمة باردة جعلتها تنتفض وفجأة اتسعت عيناها: "آدم" همست بها وكأنها استفاقت من صدمتها ثم التفتت بسرعة إلى الشارع وفي تلك اللحظة توقفت سيارة أجرة أمام البناية، أسرعت رهف نحوها دون تفكير وفتحت الباب بسرعة، قال السائق باستغراب: "إلى أين يا سيدتي" ردت وهي تلهث من شدة القلق: "اتبع سيارات الشرطة التي غادرت حالاً" نظر الرجل إليها بدهشة لكنه أومأ برأسه وانطلقت السيارة مسرعة بينما كانت رهف تضم يديها المرتجفتين إلى صدرها وعيناها مليئتان بالخوف . كان آدم وكفاح يجلسان داخل غرفة التحقيق في مركز الشرطة وسط أجواء مشحونة بالتوتر وقد بدا على كل منهما الإرهاق بعد شجارهما العنيف بينما كان المحقق يراجع بعض الأوراق أمامه. في تلك الأثناء كانت رهف قد وصلت إلى المركز بعد أن علمت بما حدث وبينما كانت تتنقل بين الممرات تسأل عن مكانهما كان قلبها يخفق بعنف حتى قادها أحد العناصر إلى غرفة التحقيق.
ضيّق آدم عينيه ببرود عندما وقعت عيناه على الرجل الذي نزل من السيارة السوداء الفاخرة أما كفاح فما إن تعرّف على وجه آدم حتى اشتعل الغضب في عروقه بصورة مخيفة واندفعت الدماء إلى وجهه بينما تقدم بخطوات واسعة وسريعة حتى وقف أمامه مباشرة وقال بصوت غاضب كاد يهز المكان: "ما الذي تفعله هنا" نظر إليه آدم بهدوء ولم يجبه فهو لم يكن يرغب بإثارة المشاكل أمام منزل رهف فأشاح بوجهه واتجه نحو سيارته لكن ذلك زاد غضب كفاح أكثر فأمسكه من ياقة قميصه بعنف وقال: "أنا أتحدث معك" تصلب جسد آدم على الفور ثم أمسك يد كفاح وأبعدها عنه بقوة قائلاً ببرود: "كفاح..... انا لم أعرف بوجودك حتى بعد وفاة والدتك...ولم تظهر في حياة رهف أبداً...بل لم أكن أعلم أن لها أخاً من الأساس" ثم نظر إليه مباشرة: "فلا تأتِ اليوم لتسألني هذا السؤال" انفجر كفاح في وجهه: "إذا لم أظهر أمامك فهذا لا يعني أنني لم أهتم بها يوماً" ثم اقترب أكثر حتى كادت أنفاسهما تتصادمان: "اسأل نفسك أنت....كم مرة عرفت تفاصيلها....كم مرة كنت بجانبها بينما كنت مشغولاً بخيانتها" انعقد حاجبا آدم بقوة وتوترت عضلات فكه لكن صوته بقي منخفضاً:
أُغلق باب زنزانة النساء الحديدي خلف رجاء بصوت حاد ارتد صداه في الممر الطويل بينما كانت هي تقف في مكانها للحظات عاجزة عن استيعاب ما وصلت إليه حياتها قبل ساعات قليلة فقط كانت تعيش في فيلتها الفاخرة وترتدي مجوهراتها الثمينة وتصدر أوامرها للخدم بثقة وغرور أما الآن فلم يتبق لها سوى جدران باردة وسرير معدني ضيق وقلب محطم كان الانكسار واضحاً على وجهها وعيناها الحمراوان متورمتين من شدة البكاء جلست فوق أحد الأسرة ببطء وأخذت تحدق في الفراغ دون أن تلاحظ المرأة التي كانت تراقبها منذ دخولها بعينين متفاجئتين اقتربت المرأة بخطوات هادئة ثم جلست بجانبها قائلة بدهشة: "لماذا أنت هنا" التفتت رجاء ببطء، وما إن وقعت عيناها على وجه المرأة حتى اتسعت عيناها بصدمة: "سارة" ارتسمت على شفتي سارة ابتسامة جانبية غريبة وقالت بنبرة ساخرة: "نعم سارة" ثم تنهدت ببطء: "آه يبدو أنك لا تعلمين شيئاً" صمتت لحظة قبل أن تضيف: "لكن أخبريني أولاً ما الذي جاء بك إلى هنا" أشاحت رجاء بوجهها بخزي للحظات لكنها سرعان ما بدأت تسرد كل ما حدث من اكتشافها خيانة وليد وصولاً إلى طلاقها وسجنها كانت سارة تستمع
عاد فارس إلى فيلته التي امتدت على مساحة واسعة وسط الحدائق الخضراء والنوافير الرخامية أوقف سيارته أمام المدخل الرئيسي ثم نزل منها وهو ما يزال شارد الذهن في صورة رغد التي كانت تبكي بانكسار وما إن دخل إلى البهو الواسع للفيلا حتى فوجئ بمساعده الشخصي سليم يندفع نحوه بوجه مصدوم قال سليم بسرعة و الذي كان يراقب اخر مستجدات شركة وليد عن كثب: "سيدي فارس" رفع فارس عينيه إليه باستغراب: "ما الأمر" ابتلع سليم ريقه ثم قال: "هل سمعت بما حدث للسيد وليد الهاشمي" توقفت خطوات فارس فجأة: "وليد" أومأ سليم برأسه: "إنه في السجن" اتسعت عينا فارس بصدمة: "ماذا ؟ في السجن ؟" أسرع سليم يلتقط جهاز التحكم وفتح شاشة التلفاز العملاقة الموجودة في البهو وكانت القنوات الإخبارية تتحدث بحماس عن الفضيحة التي هزت مجتمع رجال الأعمال ظهرت صورة وليد الهاشمي ورجاء وهما يخرجان من الشركة محاطين بالشرطة بينما كان المذيع يقول: "في تطور صادم تم احتجاز رجل الأعمال المعروف وليد الهاشمي وعشيقته السرية رجاء بعد مشاجرة عنيفة داخل مقر الشركة" ثم ظهرت صور أخرى لموظفين يتحدثون أمام الكاميرات "وت
وصل المحامي بعد ساعةٍ من طلبه، تتقدّمه خطوات ثابتة ورائحة أوراق القضايا العالقة بين الحياة والسقوط، بينما كانت سارة تجلس خلف الطاولة المعدنية الباردة في غرفة الزيارة، تضمّ كفّيها بقوة فوق بطنها ، رفعت رأسها فور دخوله، ثم قالت بصوتٍ خافت لكنه متوتر: "أنت محامي مشهور… أريد الحقيقة كاملة، لا تواسين
في المساء…عاد آدم إلى الفيلا. دخل الصالة الكبيرة، وما إن رأى رهف جالسة بهدوء على الأريكة حتى اقترب منها ممسكاً يديها ثم قبّل جبينها محتضناً جسدها الرقيق بين ذراعيه و قال: " اشتقت لك " و لكن رهف لم تنطق فقط اكتفت بإيماءه بعينيها ثم قال مباشرة بصوت ثابت: "تعالي معي." رفعت رهف عينيها إليه
دخلت سجّانة أخرى تلهث قليلًا وهي تقول بقلق: "دكتورة، لدينا حالة حرجة في الجناح الآخر… إحدى السجينات تحتاج تدخّلًا فوريًا." رفعت الطبيبة رأسها فورًا، ملامحها عادت إلى الجدية المهنية، ثم نظرت إلى السجّانة التي أحضرت سارة وقالت بحزم: "أعيديها إلى الزنزانة الآن، سأستدعيها غدًا بعد ظهور نتائج التح
كان التعب واضحاً على وجهه، وعيناه محمرّتين من الغضب و القلق، لكنّه لم يهتم بشيء وهو يلتفّ سريعاً نحو رهف. كانت شبه غافية من الإرهاق والخوف، ملامحها شاحبة وجسدها يرتجف بخفة تحت المعطف الذي وضعه حولها.فتح آدم الباب من جهتها دون تردد، ثم حملها بين ذراعيه بحذر شديد وكأنها شيء هشّ قد ينكسر بين يديه.






