Share

" بكى آدم حين رحلت "
" بكى آدم حين رحلت "
Author: Samar

الفصل 1

Author: Samar
last update publish date: 2026-04-20 13:13:45

كانت ضحكة المرأة القادمة من الطابق العلوي حادةً بما يكفي لتشق صدر رهف نصفين.

توقفت عند أول درجة من السلم، يدها ما زالت تقبض على ظرف المستشفى الأبيض، وأنفاسها متقطعة كأنها ركضت مسافة عمر كامل لا بضع خطوات. داخل الظرف ورقة واحدة فقط، سطر واحد فقط، لكنه كان كافيًا ليقلب حياتها:

نتيجة إيجابية.

وضعت يدها على بطنها تلقائيًا، بذهول لم يكتمل بعد. قبل ساعة فقط كانت تجلس في عيادة صغيرة، تنظر إلى الطبيبة وهي تبتسم قائلة:

"مبروك يا مدام رهف."

مدام.

كم بدت الكلمة ساخرة الآن.

ارتفعت الضحكة مرة أخرى، تبعتها نبرة آدم الكسولة، الواثقة، تلك النبرة التي كانت يومًا تجعل قلبها يخفق… وصارت الآن تثير فيها الغثيان.

صعدت الدرجات ببطء. لا لأنها خائفة، بل لأن شيئًا بداخلها كان يحاول تأجيل الحقيقة لثوانٍ إضافية.

حين وصلت إلى باب جناحهما، كان مواربًا.

دفعت الباب بأطراف أصابعها.

رأت أولًا فستانًا أحمر مرميًا على الأرض.

ثم كعبًا عاليًا قرب الأريكة.

ثم آدم الكيلاني، مستلقيًا على السرير، نصف عارٍ، يضحك وهو يشعل سيجارة.

وفي حضنه امرأة شقراء تلف الملاءة على جسدها وتبتسم بانتصار.

ساد صمت ثقيل.

رفع آدم عينيه إليها. نظر إليها كما لو أنها خادمة دخلت في توقيت سيئ.

لا دهشة.

لا ارتباك.

لا ذنب.

فقط انزعاج بارد.

قال وهو يزفر دخان سيجارته:

"ألا تطرقين الباب؟"

شعرت رهف أن الأرض تميل تحت قدميها.

تقدمت خطوة، ثم أخرى، وعيناها لا تفارقان وجهه.

"آدم…"

كانت تنوي قول أشياء كثيرة. أنها حامل. أنها خائفة. أنها تحتاجه الليلة فقط، مرة واحدة، أن يكون زوجًا لا اسمًا على ورق.

لكن الكلمات ماتت.

ابتسمت المرأة الشقراء بسخرية، ثم قالت وهي ترتب شعرها:

"حبيبي، قلت لك إنها لا تعرف الحدود."

التفت آدم إليها، ضاحكًا.

"تجاهليها."

تجاهليها.

كأن رهف قطعة أثاث.

انزلقت أصابعها عن الظرف، فسقط على الأرض وانفتح. خرجت الورقة البيضاء وانزلقت حتى توقفت قرب قدم آدم.

رمقها بنظرة سريعة، ثم انحنى والتقطها.

قرأ السطر.

تجمد للحظة.

رفعت رهف رأسها، تبحث عن أي شيء… أي شيء إنساني في وجهه.

لكنه طوى الورقة ببرود، ورماها على الطاولة الجانبية.

قال دون أن ينظر إليها:

"ليس وقت الدراما الآن."

اتسعت عيناها.

"أنا حامل."

قالتها هذه المرة بصوت مسموع، مرتجف.

رفع حاجبه، ثم قال بملل:

"وماذا تريدين؟ تصفيقًا؟"

شهقت المرأة الشقراء، ثم ضحكت وهي تنظر لرهف بشفقة متصنعة.

اقتربت رهف خطوة.

"آدم… أنا زوجتك."

أطفأ سيجارته، ونهض أخيرًا. كان وسيمًا كما تصفه المجلات، طويلًا، بملامح مصقولة وثقة رجل لم يُرفض يومًا. لكنه حين وقف أمامها، بدا أجمل في الخارج فقط. من الداخل، لم يكن سوى فراغ أنيق.

قال وهو يلتقط قميصه:

"وأنتِ تعرفين تمامًا أن هذا الزواج كان قرار عائلة، لا قراري."

"لكنك وافقت."

"لأن والدك ووالدي أرادا صفقة باسم زواج."

صفعة.

هذه المرة ليست على وجهها، بل على السنوات التي قضتها تحاول أن تكون زوجة يحبها.

ابتلعت ريقها بصعوبة.

"والطفل؟"

سحب أزرار قميصه بإهمال.

"تخلّصي منه"

حدقت به، غير مصدقة.

"ماذا؟"

اقترب منها قليلًا، وانخفض صوته:

"لا أريد أطفالًا الآن. ولا أريد قيودًا إضافية. افهميها كما تشائين."

ثم تجاوزها، متجهًا إلى الحمام.

وقبل أن يغلق الباب، التفت وقال ببرود قاتل:

"ولا تفتحي أبواب غرفتي مرة أخرى."

أغلق الباب.

وقفت رهف مكانها، جامدة.

المرأة الشقراء رفعت كتفيها وقالت:

"لو كنت مكانك، لأخذت المال وغادرت."

ثم سحبت الملاءة ومشت خلفه إلى الداخل.

بقيت رهف وحدها.

سمعت صوت الماء ينهمر من الحمام.

ضحكتهما تختلط بالبخار خلف الباب.

انحنت ببطء، التقطت ورقة التحليل، ضمتها إلى صدرها، ثم خرجت.

في الخارج، كان المطر يهطل خفيفًا.

نزلت السلالم بلا وعي. عبرت الصالة الواسعة التي اختارت أثاثها بنفسها، الممر الطويل الذي علّقت فيه لوحات تحبها، الحديقة التي حلمت أن يركض طفلها فيها يومًا.

كل شيء هنا يحمل بصمتها.

ولا شيء هنا يخصها.

رن هاتفها.

اسم المتصل: أمي ريم

مسحت دموعها بسرعة وأجابت.

"أمي…"

لكن الصوت الذي جاء لم يكن صوت أمها.

كان صوت رجل غريب، مرتبك.

"هل أنتِ الآنسة رهف الهاشمي؟"

شدت الهاتف بقوة.

"نعم… من أنت؟"

"أنا من مستشفى الشفاء. والدتك تعرضت لانهيار حاد… وتم نقلها قبل قليل."

توقفت أنفاسها.

"ماذا؟ كيف؟"

"نرجو حضورك فورًا."

انقطع الخط.

ركضت.

نسيت حقيبتها.

نسيت الورقة.

نسيت أنها تبكي.

كل ما عرفته أنها يجب أن تصل.

بعد أربعين دقيقة، كانت تركض داخل ممر المستشفى الأبيض، وشعرها المبلل يلتصق بوجهها.

رأت والدها، وليد الهاشمي، واقفًا قرب غرفة الطوارئ، يصرخ في موظف الاستقبال. بدلة فاخرة، ساعة باهظة، وهيئة رجل اعتاد شراء كل شيء… إلا الغفران.

"أبي!"

التفت إليها، وبدا منزعجًا لرؤيتها أكثر من ارتياحه.

"أين أمي؟"

تقدم طبيب في الخمسين، وجهه متعب.

خفض رأسه قليلًا.

"نأسف."

لم تسمع ما قاله بعد ذلك.

كل ما سمعته كان طنينًا عاليًا داخل رأسها.

نأسف.

ترنحت، لولا أن يدًا أمسكت ذراعها من الخلف.

التفتت بعنف.

رجل طويل، بملامح هادئة وعينين داكنتين. كان يرتدي معطفًا أسود، وفي نظرته شيء مألوف… شيء من زمن بعيد.

قال بصوت منخفض:

"اثبتي يا رهف."

تجمدت.

هذا الصوت.

همست:

"كفاح؟"

لمعت عيناه للحظة.

أخوها.

أخوها الذي اختفى منذ سنوات مع محامٍ تولى رعايته بعد مشاكل عائلية قديمة، ولم يعد إلا نادرًا، كأنه شبح يحرس من بعيد.

اندفعت نحوه تبكي، لكنه احتواها بصمت، واضعًا يده على رأسها كما كان يفعل وهي طفلة.

"أنا هنا."

انهارت بين ذراعيه.

من بعيد، كان وليد ينظر إليهما بوجه متجهم، كأن عودة ابنه لا تعجبه.

همس كفاح قرب أذنها:

"لا تبكي أمامه."

رفعت عينيها إليه.

في صوته صلابة لم تعرفها من قبل.

"هذه الليلة ستكشف أشياء كثيرة."

بعد ساعتين، امتلأ بيت العزاء بالمعزين، والوجوه المزيفة، والنساء اللاتي يهمسن خلف الأبواب.

جلست رهف بثوب أبيض، شاحبة كشمعة أوشكت على الانطفاء.

آدم لم يأتِ.

أرسل باقة زهور بيضاء وبطاقة صغيرة:

ارتاحي. سنتحدث لاحقًا.

مزقت البطاقة دون أن يراها أحد.

جلست رجاء، عشيقة والدها، في الزاوية تبكي بصوت مرتفع أكثر من اللازم، وإلى جوارها فتاة جميلة بملامح حادة وعينين ماكرتين.

رغد.

كانت تنظر إلى البيت كما لو كانت تقيسه لتملكه.

اقتربت من رهف وقالت بنبرة ناعمة أكثر من اللازم:

"البقاء لله."

ثم مالت وهمست:

"الحياة تتغير بسرعة… أليس كذلك؟"

رفعت رهف عينيها إليها.

ابتسمت رغد وغادرت.

قبضت رهف على طرف ثوبها حتى ابيضت أصابعها.

في تلك اللحظة، دخل رجل لم يره أحد من قبل.

ساد الصمت تدريجيًا.

كان طويلًا، ببدلة رمادية داكنة، كتفان عريضان، خطوات ثابتة، ووجه وسيم ببرودة منحوتة. عيناه حادتان، لا تعبّران عن شيء… وهذا ما جعلهما مخيفتين.

حتى الهواء بدا أقل دفئًا حين مر.

توقفت همسات النساء.

رفع وليد رأسه، وتغير لونه.

"أنت؟"

تقدم الرجل حتى وقف في منتصف الصالة.

قال بصوت عميق هادئ:

"مساء الخير."

ثم أدار نظره ببطء حتى استقر على رهف.

لم يرمش.

شعرت بشيء غريب يجتاحها. ليس خوفًا… شيء أشبه بأن أحدهم فتح نافذة في غرفة مغلقة منذ سنين.

سأل وليد بحدة:

"ماذا تفعل هنا؟"

أخرج الرجل ملفًا أسود من يده، ووضعه على الطاولة.

"جئت أطالب بحقي."

"أي حق؟" اخرج من بيتي و إلّا قتلتك

ابتسم للمرة الأولى. لم تصل الابتسامة إلى عينيه.

"حق أبي."

ثم قال، وهو لا يزال ينظر إلى رهف:

"أنا فارس الداغر."

سقط الاسم كحجر في ماء راكد.

شهقت رجاء من الزاوية.

ارتبكت رغد فجأة.

أما كفاح، فشد فكه بصمت.

رفع فارس عينيه نحو رهف من جديد… وكأن نظرته هذه المرة لم تكن عابرة، بل محاولة لفهم ما تعجز الكلمات عن قوله.

لم يرَ مجرد فتاة تقف أمامه، بل هشاشة متخفية في هيئة قوة. كانت ملامحها ناعمة كزهرة لم تكتمل، رقيقة بشكل يثير القلق أكثر من الإعجاب. ورغم ذلك… كان الألم واضحًا، يتسلل من عينيها بصمت، كعاصفة مكتومة لا تملك رفاهية الانفجار.

تردّد للحظة.

كيف يمكن لشيء بهذه الرقة أن يحتمل كل هذا الثقل؟

شدّ فارس على فكه قليلًا، وكأن رؤيتها بهذا الشكل أيقظت فيه شعورًا لا يعرف اسمه. لم تكن مجرد شفقة… بل شيء أعمق، شيء يشبه الغضب من العالم نفسه لأنه سمح للألم أن يقترب منها...

أما رهف، فبقيت واقفة كما هي… جميلة، هادئة، ومنهكة بطريقة لا تُرى إلا لمن يمعن النظر.

وكان فارس… قد بدأ يرى.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • " بكى آدم حين رحلت "    الفصل 32

    استيقظت رهف عند الساعة الثامنة صباحًا… فتحت عينيها ببطء، لتتفاجأ بأن آدم ما زال نائمًا بجانبها، يحيط خصرها بذراعه وكأنّه يخشى أن تبتعد عنه. تجمّدت للحظة. هذا القرب… وهذا الهدوء على وجهه… كانا غريبين عليها بشكلٍ مؤلم. حاولت أن تتحرك بهدوء لتنسحب من بين ذراعيه، لكن آدم شعر بها فورًا. شدّها نحوه مجددًا دون أن يفتح عينيه بالكامل، ثم اقترب يحاول تقبيلها بنعاسٍ واضح. لكن رهف أبعدت وجهها سريعًا وقالت بجدية: "عليّ الذهاب إلى العمل." فتح آدم عينيه أخيرًا، وبقي ينظر إليها لثوانٍ طويلة قبل أن يقول بصوتٍ منخفض: "رهف…" تنهد ثم أكمل: "لم أشأ أن أزعجكِ الليلة الماضية، لكن… لماذا لا تعملين معي في الشركة؟" قطّبت حاجبيها فورًا. أما هو فتابع: "سأعطيك راتبًا أكبر، وبهذا تستطيعين تسديد المال بسرعة إن كنتِ ما زلتِ تريدين الطلاق." التفتت إليه بسرعة وكأن كلماته استفزتها: "لن أكون تحت مراقبتك يا آدم." ابتعدت قليلًا عنه ثم قالت بحدة: "كوني عدت إلى هذه الڤيلا لا يعني أنني أصبحت تحت رحمتك أو سيطرتك." ثم أشارت نحوه بإصبع مرتجف من الغضب: "دعني وشأني." شعر آدم بانقباضٍ حاد داخل صدره. جزء منه أراد أن

  • " بكى آدم حين رحلت "    الفصل 31

    عادت رهف إلى الڤيلا مع حلول المساء… أدخلت المفتاح في الباب ثم دفعته بهدوء، وما إن خطت إلى الداخل حتى توقفت. آدم كان هناك....يجلس في غرفة الجلوس بانتظارها. رفعت عينيها إليه بدهشة خفيفة، لكن ما فاجأها أكثر… هو الارتجافة الصغيرة التي شعرت بها داخل قلبها لحظة رأته. منذ متى ينتظرها آدم أصلًا؟ منذ متى يهتم إن عادت أم لا؟ ألم يكن دائم الانشغال عنها يقضي لياليه خارج المنزل؟ يتركها تنتظر كالغبية على مائدة العشاء ثم لا يأتي؟ كم ليلة أكلت طعامها وحدها بصمت…وكم مرة نامت وهي تقنع نفسها أن قلبها لم يعد يتأذى. أبعدت أفكارها سريعًا وألقت التحية ببرود: "مساء الخير." ثم مرّت بجانبه متجهة نحو الدرج دون أن تتوقف لكن صوته أوقفها. "رهف." تجمدت خطواتها للحظة ثم التفتت نصف التفاتة إليه. كان ينظر لها بطريقة غريبة… هادئة، لكنها مشدودة بشيء لم تفهمه. قال أخيرًا: "أين كنتِ؟" ضحكت رهف بسخرية باردة أوجعتها هي نفسها: "وما شأنك يا آدم؟" ثم أكملت وهي تعقد ذراعيها: "لا تمثّل دور الزوج المهتم… ما بيننا مجرد مبلغ مالي سأسدده لك، ثم أتخلص منك للأبد." شعر آدم وكأن كلماتها انغرست داخل صدره مباشرة. " لماذا آل

  • " بكى آدم حين رحلت "    الفصل 30

    خرجت رهف من شركة والدها بخطوات متعثرة، وكأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميها. كانت تشعر أن شيئًا داخلها قد انكسر بالكامل. كيف استطاع والدها أن يربط حياتها بعقد زواج أشبه بصفقة تجارية؟ كيف يمكن لطلاقها من آدم أن يكلّف مئة مليون دولار؟ مئة مليون… حتى لو عملت طوال حياتها، لربما لن تتمكن من جمع نصف ذلك المبلغ. أغمضت عينيها بألم. أما كفاح… فمستحيل أن تطلب منه ذلك. لن تسمح لنفسها بأن تُثقل أخاها أكثر مما يفعل بالفعل لأجلها. ضحكت بخفة… ضحكة قصيرة ومؤلمة مليئة بالسخرية من حياتها بأكملها. كيف يمكن لوالد أن يكون بهذا القدر من القسوة؟ وكيف ينظر إلى الخيانة وكأنها أمر عادي لا يستحق حتى الاعتذار؟ توقفت سيارة أجرة بجانبها، فصعدت إليها بصمت تام. طوال الطريق، بقيت تحدّق من النافذة بشرود، بينما كانت كلمات والدها وصفعته تتردد داخل رأسها بلا رحمة. وبعد ربع ساعة، وصلت إلى شركة فارس الداغر. وقبل أن تدخل، رن هاتفها. نظرت إلى الشاشة لتجد اسم المحامي الذي كلّفه كفاح بمتابعة إجراءات طلاقها من آدم. أخذت نفسًا عميقًا ثم ردّت: " نعم، سيد سليمان… تفضل." جاءها صوت المحامي مترددًا قليلًا: " سيده

  • " بكى آدم حين رحلت "    الفصل 29

    نظر آدم مباشرةً إلى عيني رهف وقال بصوت منخفض يحمل تهديدًا واضحًا: "هل ستستطعين دفع مئة مليون دولار خلال هذا الشهر؟" ، أراكِ واثقه بأن الطلاق سيتم في شهر واحد ؟! دفعت رهف صدره بعنف وهي تزم شفتيها بغضب ثم قالت بسخرية لاذعة: "يا لغرورك و وقاحتك !!" ... " حتى لو اضطررت أن أعمل ليلًا ونهارًا، حتى لو اضطررت أن أبيع جسدي كي أتخلّص منك... سأفعل." في لحظة واحدة تغيّر وجه آدم بالكامل، اختفت برودته وحلّ مكانها غضب مرعب، قبض على معصمها بقوة حتى شهقت متألّمة، ثم أمسك وجهها بيده الأخرى يضغط عليه بقسوة وهو يجزّ على أسنانه: "إياك... إياكِ أن تعيدي هذا الكلام مرة أخرى، جسدك لي وحدي، ولي أنا فقط، وأقسم لكِ إن فكّرتِ مجرد تفكير بما تقولينه فسأجعلك تتمنّين الرحمة... ولن أرحمك." انتفض جسد رهف بين يديه وارتجفت شفتاها بينما امتلأت عيناها بالدموع، لكنها رغم خوفها رفعت رأسها بعناد وصرخت في وجهه: "إذاً دعني أرحل! أنا لن أحبك أبدًا مهما فعلت، لن أعود لحبك أبدًا... يكفيك غرورًا وتحكمًا بحياتي!" ثم نزعت نفسها من قبضته بعنف وابتعدت عنه بسرعة قبل أن تصعد الدرج بخطوات مرتبكة، وما إن وصلت إلى الط

  • " بكى آدم حين رحلت "    الفصل 28

    التفتت ساره بسرعة نحو الصوت الذي دوّى من الأعلى… وكان آدم. تجمّدت ملامحها فور أن رأته واقفًا اعلى الدرج، عيناه مشتعلة بالغضب، وملامحه متجهّمة بطريقةٍ أرعبتها أكثر من صراخه نفسه. لأول مرة… يراها هكذا. ليست ساره الهادئة الناعمة التي اعتاد عليها، ولا تلك الفتاة الرقيقة التي تخفض صوتها دائمًا أمامه. بل امرأة فقدت سيطرتها، وظهر وجهها الحقيقي بكل غضبه ارتبكت، وتلعثمت الكلمات على شفتيها: "آ… آدم، أنا...." لكنّه قاطعها بحدّة، وصوته يحمل غضبًا مكتومًا يكاد ينفجر: "هل هذه أنتِ حقًا؟" تقدّم خطوة نحوها، وعيناه تضيقان بقسوة: "وترفعين يدك على زوجتي؟" ارتجف شيء داخل ساره. كلمة "زوجتي" وحدها كانت كفيلة بتمزيق ما تبقّى من تماسكها. رفعت رأسها نحوه، وقد سقط القناع الذي طالما ارتدته أمامه، وقالت بانفعالٍ مرير: "زوجتك؟ أي زوجة ؟ !" ضحكت بسخرية ، والحقد يحرق صوتها: "ألم تقل لي إنك ستطلّقها؟ أم أنني كنت مجرد فتاةٍ عابرة في حياتك؟!" هبط آدم الدرج ببطءٍ متعمّد، كأنّه يحاول السيطرة على غضبه قبل أن يصل إليها. حتى وقف أمامها مباشرة. وجهه كان جامدًا بصورةٍ مخيفة. ثم قال بصوتٍ منخفض، لكنه

  • " بكى آدم حين رحلت "    الفصل 27

    توقّفت سيّارة آدم أمام بوّابة الفيلا، فانطفأ هدير المحرّك وبقي الصمت وحده يتكلّم ترجّل آدم أوّلًا، دار حول السيّارة بخطوات واثقة وفتح الباب لرهف. مدّ يده نحوها ليساعدَها على النّزول، لكنّها لمْ تستجب له. نزلت بمفردها دون أن ترفع عينيها إليه حتّى أخفض يدَه إلى جانبِه ببطء، ثم قبضها بشدّة حتى ابيضتْ مفاصله، وكأنّه يخنق خيبه أراد ألّا ترى دلفا إلى الفيلا، لكن شيئًا لم يكن كما تركته رهف. لقد غيّر آدم أثاث الفيلا بالكامل. جالت عينا رهف على ما حولها، فاعترتها دهشة خفيّة لم يلحظها آدم. كان الخدم يرمقونها بنظرات غريبة تحمل ألف سؤال، لكنّها بادلتهم بابتسامة باهتة صعدت بها إلى الطّابق العلوي وقفت أمام باب غرفتها القديمة. ما إن قبضت على مقبض الباب حتى ساورها شعور موجع. في هذه الغرفة تحديدًا، لفظت أحلامها الأولى... فيها أجهضت طفلها استجمعت أنفاسها وفتحت الباب أخيرًا، لكنّها لم تكن غرفتها. حتى هذه الغرفة أمر آدم بتغيير كل ما فيها. السرير، الستائر، لون الجدران، كلّ شيء يصرخ بأن الماضي قد محي دخلت بهدوء، وشعور غريب بالفرح تسلّل إلى قلبها دون إذن. لكنّه فرح قصير العمر، مات سريعًا على

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status