Share

الفصل 2

Author: Samar
last update publish date: 2026-04-20 13:14:13

تجمّد الهواء داخل الصالة.

كلمات فارس لم تكن مرتفعة، لكنها نزلت على الجميع كحكم جاهز التنفيذ.

"جئت أطالب بحق أبي " ..

ارتفعت همسات النساء في الخلف، ومالت الرقاب كأسراب طيور تقتات على الفضائح. بعضهم جاء للعزاء، لكن أكثرهم جاء ليرى من سينهار أولًا.

وليـد الهاشمي اندفع خطوة للأمام، وجهه محمر، عروق رقبته نافرة.

"اخرج من بيتي قبل أن أجعلك تندم."

فارس لم ينظر إليه حتى.

كان نظره ثابتًا على رهف.

ذلك أربكها أكثر من تهديد أبيها.

اقترب كفاح فورًا، وقف بجانب أخته، كتفه بمحاذاة كتفها كجدار صامت.

قال ببرود:

"اختر كلماتك جيدًا."

رفع فارس عينيه أخيرًا نحو كفاح، وتبادل الرجلان نظرة قصيرة، حادة، مليئة بتاريخ لا تعرفه رهف.

ثم قال فارس:

"أفعل دائمًا."

تقدّم بخطوات محسوبة نحو المذبح، حيث تتصاعد خيوط البخور ببطء كأنها تحمل الهمسات إلى السماء. انحنى ثلاث مرات أمام صورة الراحلة، حركته كانت دقيقة، خالية من أي ارتجاف… كأن الحزن عنده تعلّم الانضباط.

وضع عود البخور بين يديه، أغمض عينيه لثانية أطول مما ينبغي… ثم استدار.

عيناه بحثتا عنها وسط البياض الصامت.

رهف.

كانت واقفة كزهرة ذابلة، يحيطها عزاء لا ينتهي.

تقدّم خطوة، ثم توقّف—كما لو أن المسافة بينهما قانون لا يُكسر.

قال بصوت منخفض، يكاد يضيع بين أنفاس الحاضرين:

"تماسكي…"

لم تكن أمراً… بل رجاءً مكسور الحواف.

انحنى لها انحناءة خفيفة، تحمل احتراماً يفوق الكلمات، ثم استدار ليغادر.

خطواته بقيت ثابتة… لكن شيئاً في داخله بدأ يتصدّع.

قبل أن يصل إلى الباب، توقّف.

انعكس وجهه على الزجاج الداكن—وللحظة، لم يرَ نفسه…

رأى ملامح تشبهه " رجاء " ..

خفض نظره فوراً، كأنه ارتكب خطيئة غير مقصودة.

همس بالكلمات التي لم يُسمح لها أن تُقال يوماً:

"أمّي… رحلت… دون أن تعرفني."

تجمّعت دمعة عند حافة عينه.

رفع رأسه ببطء، كما لو أنه يتحدّى السماء… أو يتوسّلها.

لكنها سقطت—هادئة، بلا صوت، ككل شيء فيه.

في الخارج، فتح السائق باب سيارة رولز رويس فانتوم بصمت يليق بالمقام.

جلس فارس داخلها، مستقيم الظهر، ملامحه عادت إلى هدوئها الصارم—

لكن بين أصابعه، ظلّ أثر ارتجاف خفيف…

الدليل الوحيد أن الرجل الذي غادر القاعة… لم يكن كما دخلها.

كانت البرودة تزحف ببطء في أطراف رهف، كأن أصابع خفية تسرق دفءها دون استئذان..هي كانت تعرف.

تعرف خيانة أبيها.

لكن أن تموت… بهذه الطريقة؟

ذلك كان شيئًا لا يُحتمل، لا يُهضم، لا يُغتفر..

ارتجفت أنفاسها، وتعلّقت عيناها بالمشهد أمامها وكأنها تبحث عن تفسير، عن كذبة صغيرة تخفف وطأة الواقع… ولم تجد..

وفجأة ظهر فارس... ما الذي جاء به إلى هنا؟

فارس… ابن عبّاس الداغر.

اسم يكفي وحده ليفتح أبواب النفوذ والثقل.

والده، مالك شركات الداغر.

وهو… المدير التنفيذي، الرجل الذي لا يتحرك عبثًا.

إذن…

ما شأنه بالعزاء؟

دخل آدم الكيلاني أخيرًا.

بدلة سوداء مصممة بعناية، شعر مرتب، وجه وسيم يحمل التعب المصطنع للرجل الذي تأخر لكنه يريد أن يبدو مهمًا. خلفه مساعد يحمل باقة ورد أكبر من الأولى.

بحث بعينيه عن رهف، وما إن وجدها حتى تباطأت خطواته.

كانت جالسة بثوب أسود، شاحبة، جميلة على نحو موجع، وعيناها مختلفتان.

ليستا العينين اللتين اعتاد تجاهلهما.

اقترب منها، متجاهلًا الجميع، وقال بصوت منخفض:

"تأخرت بسبب اجتماع طارئ."

لم ترد.

مد يده نحو كتفها.

ابتعدت قبل أن يلمسها.

توقف للحظة.

لاحظ الوجوه المحدقة به، فشد فكه وقال:

"رهف، ليس وقت المشاكل."

رفعت رأسها ببطء.

نظرت إليه كما لو أنها تراه لأول مرة.

"ومتى يكون وقتها مناسبًا بالنسبة لك؟ بين امرأة وأخرى؟"

اختنق بعض الحضور بضحكات مكتومة.

اتسعت عينا آدم.

لم تعهده يحرجه أحد… وخصوصًا هي.

خفض صوته:

"تكلمي معي وحدنا."

"لا."

قالتها ببساطة.

ثم أضافت، بنبرة سمعها الجميع:

"أنا تعلمت منك شيئًا مهمًا يا آدم… أن الإهانة تصبح أسهل حين تُمارس علنًا."

سرت قشعريرة في المكان.

آدم احمرّ وجهه.

مد يده هذه المرة بقوة، قابضًا على معصمها.

"قومي."

وقبل أن تتحرك، انطلقت يد أخرى وأبعدته.

كفاح.

قال بهدوء مخيف:

"ارفع يدك عن أختي."

تراجع آدم خطوة تلقائية.

نظر إليه باستغراب.

"وأنت من تكون؟"

"الذي لن يكرر السؤال."

توترت الأجواء فورًا.

رهف سحبت يدها من بينهما.

وقفت.

كانت ساقاها ترتجفان، لكن أحدًا لم يلاحظ.

نظرت إلى آدم مباشرة.

"أنت أحضرت امرأة إلى فراشك اليوم."

شهقات.

آدم تصلب.

"اصمتي."

"وأنت قلت لي أن أتخلص من طفلي."

هذه المرة، الصدمة انفجرت في المكان.

سقطت حقيبة إحدى النساء أرضًا.

رجاء شهقت، ورغد اتسعت عيناها بلهفة، كأنها وجدت مسرحها المفضل.

آدم اقترب بسرعة، صوته منخفض وغاضب:

"أنتِ لا تعين ما تقولين."

"بل للمرة الأولى… أعنيه تمامًا."

ثم خلعت خاتم الزواج من إصبعها.

استغرق الأمر ثانية واحدة فقط.

لكن تلك الثانية بدت أطول من زواجهما كله.

وضعت الخاتم في راحة يده.

"احتفظ به. يناسبك أكثر."

تركته واقفًا أمام الجميع، يحدق في الخاتم كأنه لم يفهم كيف انتهت اللعبة دون إذنه.

التفتت لتعود إلى مقعدها، لكن الدوار ضربها فجأة.

تأرجحت.

قبل أن تسقط، أمسك بها كفاح قائلاً:" اصمدي " ..

رغد كانت تراقب المشهد،

اقتربت من آدم فورًا، لمست ذراعه بخفة.

"لا تهتم… بعض النساء لا يعرفن قيمة ما يملكن."

سحب ذراعه منها بحدة دون أن ينظر إليها.

لأول مرة، لم يكن يرى إلا رهف.

وذلك أشعل حقد رغد أكثر.

بعد ساعة، بدأ الناس بالمغادرة.

البيت أصبح أكثر هدوءًا، لكنه أكثر سمّية.

رهف صعدت إلى غرفة أمها القديمة، أغلقت الباب، ثم انهارت أخيرًا.

بكت بصمت، جاثية على الأرض.

كل شيء انهار في يوم واحد.

أمها ماتت.

زوجها خانها.

طفلها مهدد.

أبوها فضيحته لن تختبئ اكثر

ورجل غريب دخل البيت كالإعصار.

سمعت طرقة خفيفة.

لم ترد.

انفتح الباب رغم ذلك.

دخل كفاح.

جلس أمامها على الأرض دون كلمة.

أخرج من جيبه منديلًا، ووضعه قربها كما كان يفعل وهي صغيرة.

ثم قال بهدوء:

"ابكي الليلة."

رفعت عينيها إليه.

"وغدًا؟"

نظر إليها طويلًا.

"غدًا نبدأ بردّ كل شيء."

ارتجف قلبها.

"كيف؟"

لم تُكمل سؤالها…

قاطعها صوتٌ حادّ، اهتزاز هاتفها فوق الطاولة كنبضٍ مفاجئ.

تجمّدت.

مدّت يدها ببطء،

شاشة مضيئة… رقم مجهول… ورسائل متتالية.

فتحتها.

ثانية واحدة كانت كافية.

اتّسعت عيناها دون أن تصدر أي صوت.

صور.

آدم… اليوم… في غرفتها.

على سريرها.

وليس وحده.

امرأة أخرى ...

انطفأ شيء ما داخلها بهدوء مرعب.

أغلقت الهاتف بلا انفعال، كأنها تغلق بابًا على حريق.

قالت بصوتٍ خافت، مكسور الحواف:

"كفاح… أنا متعبة… أريد أن أنام."

نظر إليها كفاح طويلًا، وكأنه يحاول أن يقرأ ما لم تقله.

رأى التعب… لكن لم يرَ الجرح.

هزّ رأسه بتفهم، واقترب خطوة ثم تراجع، كمن يخشى أن يثقل عليها أكثر:

"رهف… انتبهي على نفسك. وإذا احتجتِ أي شيء… أنا موجود."

صمتٌ قصير.

"تصبحين على خير."

أجابت، دون أن تنظر إليه:

"وأنت من أهله."

أُغلق الباب خلفه بهدوء.

لكن الصدى… بقي.

ظلت رهف تحدّق في الباب، كأنه سيُعيد أحدًا… أو يبتلعها هي.

ثم استسلمت أخيرًا، سقطت على السرير بثقل روحٍ أنهكها الخذلان.

أغمضت عينيها سريعًا…

ليس لأن النوم غلبها،

بل لأنها لم تعد تحتمل أن ترى.

ومع ذلك…

لم يكن آدم آخر من حضر في الظلام.

كان فارس.

صورته، صوته، حضوره…

يتسلّل إليها بإصرار، كأنه الحقيقة الوحيدة التي لم تنكسر بعد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • " بكى آدم حين رحلت "    الفصل 27

    توقّفت سيّارة آدم أمام بوّابة الفيلا، فانطفأ هدير المحرّك وبقي الصمت وحده يتكلّم ترجّل آدم أوّلًا، دار حول السيّارة بخطوات واثقة وفتح الباب لرهف. مدّ يده نحوها ليساعدَها على النّزول، لكنّها لمْ تستجب له. نزلت بمفردها دون أن ترفع عينيها إليه حتّى أخفض يدَه إلى جانبِه ببطء، ثم قبضها بشدّة حتى ابيضتْ مفاصله، وكأنّه يخنق خيبه أراد ألّا ترى دلفا إلى الفيلا، لكن شيئًا لم يكن كما تركته رهف. لقد غيّر آدم أثاث الفيلا بالكامل. جالت عينا رهف على ما حولها، فاعترتها دهشة خفيّة لم يلحظها آدم. كان الخدم يرمقونها بنظرات غريبة تحمل ألف سؤال، لكنّها بادلتهم بابتسامة باهتة صعدت بها إلى الطّابق العلوي وقفت أمام باب غرفتها القديمة. ما إن قبضت على مقبض الباب حتى ساورها شعور موجع. في هذه الغرفة تحديدًا، لفظت أحلامها الأولى... فيها أجهضت طفلها استجمعت أنفاسها وفتحت الباب أخيرًا، لكنّها لم تكن غرفتها. حتى هذه الغرفة أمر آدم بتغيير كل ما فيها. السرير، الستائر، لون الجدران، كلّ شيء يصرخ بأن الماضي قد محي دخلت بهدوء، وشعور غريب بالفرح تسلّل إلى قلبها دون إذن. لكنّه فرح قصير العمر، مات سريعًا على

  • " بكى آدم حين رحلت "    الفصل 26

    اصطدمت رهف بصدر آدم فجأة فتوقفت أنفاسها للحظة، وحين رفعت عينيها التقت نظراتهما في صمتٍ مشحون، تجمّدت في مكانها وهي تغرق في عمق عينيه السوداوين الحادتين، لكن تلك الرجفة التي سرت في جسدها تلاشت سريعًا عندما اجتاحها طيف الألم، فتذكّرت أنه السبب في خسارتها لطفلها، فابتعدت عنه بخطوةٍ مترددة ثم استدارت محاولةً الفرار من حضوره قبل أن ينهار ما تبقّى من قوتها، غير أن يده امتدت لتقبض على معصمها وتوقفها قسرًا، وصوته انخفض بنبرةٍ تحمل أمراً مبطناً: هل ستبقين هنا؟ على الأقل عودي إلى الفيلا… ما زلتِ زوجتي، وما زال بيننا شهر، ولي حق عليكِ شدّت رهف يدها محاولةً تحريرها وقالت ببرودٍ يخفي ارتجاف روحها: من الأفضل أن نبقى هكذا حتى ينتهي هذا الشهر، لا أستطيع أن أنام في المكان الذي فقدتُ فيه طفلي يا آدم، " واهتزّ صوتها رغم مقاومتها، ثم أضافت بمرارةٍ تخنقها: أم تريدني أن أعود لأرى خيانتك مرةً أخرى؟ تصلّب وجه آدم وكأن كلماتها أصابته في مقتل، فاقترب خطوةً وهو يقول بصوتٍ متكسّر لم تعهده منه: رهف… أنا آسف، حقًا آسف لأنني كنت السبب في فقدان طفلنا، وتعثرت أنفاسه عند كلمة " طفلنا " وكأنها تخنقه

  • " بكى آدم حين رحلت "    الفصل 25

    في ڤيلا فارس، كانت الغرفة تغرق في فخامة صامتة تخنق الأنفاس، سرير خشبي عريض يتوسّط المكان، جدران مكسوّة بخشب داكن يلمع تحت ضوء خافت، ونافذة طويلة تمتد حتى الأرض تكشف حديقة حيّة تتراقص فيها الورود تحت نسيم المساء، وأغصان شجرة كينيا ضخمة تتسلّل حتى تكاد تلامس الزجاج، كأنها تحاول اقتحام هذا الصمت الثقيل… كل شيء ينبض بالحياة، إلا عبّاس الداغر، الممدّد بلا حراك، جسده محاصر بأسلاك الأجهزة، وصوتها المنتظم هو النبض الوحيد الذي يثبت أنه ما زال هنا دخل فارس بخطوات بطيئة، كأن قلبه يسبقه بثقله، اقترب وجلس إلى جانب والده، مدّ يده وأمسك بكفّه البارد، راح يمرر أصابعه فوقها بحنان خافت، وكأنه يحاول أن يوقظه بلمسة، امتلأت عيناه بدموع لم تسقط، وقال بصوتٍ مبحوح يخفي خوفه: أبي… أريدك أن تكون بخير… عش من أجلي، لا تتركني وحدي… ظل ينظر إليه طويلًا، كأن عينيه تتشبثان بأي إشارة حياة، بأي ارتعاشة، بأي أمل صغير لا يزال يقاوم ومع حلول المساء، نهض ببطء، التفت إلى الممرض وقال بهدوءٍ متماسك: أعطه الدواء في المحلول… واعتنِ به جيدًا ثم خرج، لكن خطواته كانت أثقل من أن تخفي ما بداخله. تحت الماء

  • " بكى آدم حين رحلت "    الفصل 24

    اقترب آدم منها بخطوات هادئة وما زال ممسكاً بيدها برفق غريب لم تعهده منه، رفعت عينيها نحوه بدهشة ممزوجة بحذر وقالت بصوت متماسك رغم الارتباك الذي تسلل إليها: ماذا تريد يا آدم؟ أظن أن كل شيء انتهى… لقد وقّعت ورقة الطلاق تقلّصت عيناه وهو يحدّق بها بعمق وكأنّه يختبر صلابتها، وقال بنبرة منخفضة تحمل تحديًا واضحًا: وماذا لو لم أطلّق؟ رفعت ذقنها بعناد خفيف يخفي ارتجافًا داخليًا وقالت: ستطلّق… شئت أم أبيت لكنّه لم يتراجع، بل اقترب أكثر، مسافة لم يقطعها بينهما طوال زواجهما إلا في لحظات باردة خالية من الروح، حتى تلك اللحظات لم تكن سوى عابرة، سريعة، بلا معنى، أما الآن فكان قريبًا بطريقة مختلفة، كأنّه يراها للمرة الأولى، تأمّل ملامحها ببطء، " بشرتها الناعمة التي تشعّ براءة، تفاصيل وجهها التي لم يمنحها يومًا هذا الاهتمام، وكفّها الصغيرة بين يديه بدت هشّة كيد طفل " فتبدّلت ملامحه دون أن يشعر، لان صوته قبل أن يتكلم، وارتخى شيء في عينيه جعل قلبها يخونها للحظة تسلّل إليها ذلك الشعور القديم، الدافئ، الذي كانت تغرق فيه يوم أحبّته، كاد يسحبها نحوه من جديد، لكنّها انتفضت فجأة، كأن

  • " بكى آدم حين رحلت "    الفصل 23

    عاد آدم إلى الفيلا بملامح جامدة تخفي عاصفة لا تهدأ، وما إن دخل حتى التقط هاتفه واتصل بسكرتيرته في الشركة قائلاً بصوت قاطع لا يقبل النقاش: ألغِي جميع مواعيدي واجتماعاتي... ولا أريد أي اتصال مهما حدث أنهى المكالمة وألقى الهاتف جانبًا، ثم اتجه مباشرة إلى غرفة الاستحمام. فتح الماء البارد وكأنه يحاول أن يغسل ما يشتعل داخله، لكن غضبه كان أعمق من أن يهدأ، ولأول مرة منذ زواجه من رهف تسلل إليه شعور ثقيل... شعور بالفقد لم يعرفه من قبل خرج بعد دقائق، بدل ملابسه ببطء، ثم التفت نحو الخزانة وكأن شيئًا غير مرئي يجذبه إليها. فتحها، وبدأ يقلب مجوهرات رهف وحقائبها واحدة تلو الأخرى، تمر أصابعه عليها بحذر غريب، كأنه يلمسها هي لا أغراضها. توقف لحظة، ثم اقترب من خزانة ملابسها، فتحها ولكن لم يبقَ أثر لملابسها، ولا حتى شيء يحمل رائحتها تسلل الندم إلى صدره فجأة، قاسٍ ومؤلم، فكم كان قاسيًا معها... كم دفعها بعيدًا حتى لم تترك خلفها شيئًا أغلق الخزانة ببطء، وكأن الحركة نفسها أثقل من أن تُحتمل، ثم استدار ليقع نظره على قصاصات صور زفافهما المثبتة أمام المرآة اقترب بخطوات بطيئة، وجلس عل

  • " بكى آدم حين رحلت "    الفصل 22

    أسندت رهف ظهرها إلى الباب وكأنها لم تعد تملك القوة للوقوف خطوة أخرى، أغمضت عينيها، وأطلقت زفرة طويلة خرجت محملة بكل ما كتمته في الأسفل تقدمت نحو الداخل بخطوات ثقيلة، ثم وضعت باقة الورود البيضاء على الطاولة أمامها، توقفت تنظر إليها طويلًا، ولم تستطع منع ذلك الشعور الدافئ الذي تسلل إلى قلبها كلما تذكرت نظرات فارس وهدوءه معها لكن دفء اللحظة لم يدم فجأة اندفعت صورة طفلها إلى ذهنها، وتبعها وجه والدتها الراحلة، اختلطت الذكريات في صدرها حتى شعرت أن الألم يطبق على أنفاسها من جديد جلست على طرف السرير، ورفعت يدها إلى فمها تكتم شهقة خرجت رغمًا عنها، ثم انهمرت دموعها بصمت موجع في الجهة الأخرى من المدينة، كان آدم يقود سيارته بسرعة جنونية، وعيناه مشتعلة بالغضب. قبض على المقود بقوة حتى برزت عروق يديه، وصوت رهف ما زال يجلد رأسه بلا رحمة " أنا أصافح من أشاء... وأنت لا شأن لك بي بعد الآن " ضغط على المكابح فجأة عند إشارة المرور، ثم ضرب المقود بقبضته صارخًا: اللعنة !!! توقفت سارة التي كانت تجلس بجانبه عن الكلام منذ دقائق، تراقب انفجاره بصمت، كانت تعرف أن غضبه ليس بسبب الإهانة فقط... بل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status