تسجيل الدخولفي شركة فارس الداغر…
توقّفت سيارة سوداء فاخرة بانسيابية أمام البوابة الزجاجيه العملاقة، كأنها تعلن وصول صاحب المكان لا مجرد دخوله. فتح الباب بهدوء، وترجّل فارس الداغر بثقةٍ لا تُعلَّم… بل تُولد معه. هيبته سبقت خطواته؛ بدلة سوداء مصقولة بإتقان، قميص أبيض ناصع ترك زريه العلويين مفتوحين، كاشفًا عن صلابة صدرٍ وعنقٍ مشدود كوترٍ لا ينكسر. حذاؤه اللامع يعكس الأرض تحت قدميه، وكأنها هي من تسعى لنيل رضاه. لم يكن وسيمًا فقط… بل كان من أولئك الذين يجعلون الوسامة تبدو كصفة ناقصة. ما إن عبر بوابة الشركة حتى انحنى الموظفون احترامًا، ليس خوفًا… بل رهبة ممزوجة بإعجاب. خطواته كانت ثابتة، محسوبة، كأن كل مترٍ يقطعه يرسّخ سلطته أكثر. صعد إلى مكتبه في الطابق العلوي، حيث الزجاج يطل على المدينة كأنها لوحة تحت أمره. لم تمضِ لحظات حتى لحقت به سكرتيرته يارا، بخطوات معتادة تحمل في طياتها ست سنوات من الولاء الصامت. وضعت الملفات أمامه بعناية وقالت بنبرة عملية: "أستاذ فارس، هذه الملفات تحتاج توقيعك." ثم أضافت، بعد ترددٍ خفيف: "هل تحتاج شيئًا آخر؟" رفع عينيه إليها لثانية… نظرة سريعة لكنها كافية لتربك أي شخص. "لا، شكرًا يا يارا." أومأت وغادرت، تاركة خلفها هدوءًا ثقيلًا لم يدم طويلًا. فُتح الباب مجددًا، ودخل مساعده الشخصي بخطوات مدروسة، توقف أمام المكتب وقال باحترام: "أستاذ فارس… وصلتني معلومات عن رهف." لم يتكلم فارس، فقط رفع نظره ببطء… إشارة صامتة كفيلة بأن تُجبر أي شخص على الاستمرار. ابتلع المساعد ريقه قليلًا، ثم تابع: "السيدة رهف حامل… وآدم طلب منها تتخلص من الطفل. وهي الآن… في طريقها إلى أحد فنادق المدينة." ساد الصمت. صمت ثقيل… كأنه يسبق عاصفة. مال فارس قليلًا إلى الخلف، ثم شبّك أصابع يديه ووضعهما فوق المكتب، عينيه ثابتتان لكن خلفهما تدور آلاف الحسابات. قال بهدوء مخيف: "حسنًا… أبقِني على اطلاع بكل جديد." "أمرك، سيدي." غادر المساعد، وأُغلق الباب… لكن ذهن فارس لم يُغلق. كان هناك… معها. رهف. الاسم الذي لم يُنطق كثيرًا… لكنه كان حاضرًا أكثر مما ينبغي. دخلت رهف الفندق الفخم وكأنها تدخل عالماً لا يشبهها… أضواء ناعمة، أرضيات تلمع، وروائح عطور باهظة تملأ المكان، لكنها لم تشعر بشيء. كانت تسير بجسدها فقط، أما روحها… فبقيت خلفها في مكانٍ ما لا تريد العودة إليه. وقفت أمام مكتب الاستقبال، بصوت خافت طلبت غرفة ليومين. لم ترفع عينيها حتى وهي تستلم بطاقة الدخول، كأنها تخشى أن يقرأ أحدهم قصتها في ملامحها. ضغطت زر المصعد. انتظرت. صمت ثقيل. انفتح الباب أخيراً، فدخلت. انعكس وجهها الشاحب على المرآة الداخلية، فتجنبت النظر. الطابق الثامن عشر. طنين خفيف… وارتجاف داخلي لا يسمعه أحد. وصلت. خرجت بخطوات بطيئة، وكأن الأرض أثقل من أن تُحمل. أدخلت البطاقة… انفتح الباب. الغرفة فسيحة، أنيقة… لكنها باردة. أغلقت الباب خلفها، وأسندت ظهرها عليه للحظة، ثم تقدمت بخطوات متعبة نحو السرير… وسقطت عليه لا جلوساً، بل انهياراً. صمت. رفعت يدها ببطء، وضعتها على بطنها… هناك… حياة أخرى تنبض. شيء صغير، بريء، لا يعرف شيئاً عن هذا العالم القاسي. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، هشة… كأنها تخاف أن تنكسر. همست بصوت بالكاد يُسمع: "ليت والدك… كان يستحقك." ثم خذلتها عيناها. دمعة… ثم أخرى. "ما ذنبك يا صغيري؟" انحنت فجأة، وكأن فكرة داهمتها. سحبت الحقيبة، فتحتها بعجلة، وبدأت تُخرج أشياء بعناية… صور، قطعة قماش، أشياء بسيطة لكنها كانت عالماً كاملاً. أغراض أمها. توقفت. ارتجفت يداها. ثم احتضنتها بقوة… وكأنها تحتضنها هي. وبدأت بالبكاء. ليس بكاءً صاخباً… بل ذاك البكاء الذي يخرج من الأعماق، بصمت موجع، يهزّ الروح أكثر مما يهز الصوت. حتى هدأت. ببطء… أعادت كل شيء إلى مكانه، وكأنها تخشى أن تجرح الذكريات إن أساءت ترتيبها. استلقت، وأسندت رأسها… لكن عقلها لم يمنحها الراحة. اقتحمتها الصور دون استئذان— آدم… وفتاة أخرى. ضحكاتهما. قربهما. خيانته. تقلص وجهها باشمئزاز. "كم كنت غبية…" تمتمت. سنوات… أهدرتها لأجل رجل لم يكن يستحق حتى لحظة واحدة. أغلقت عينيها بقوة، وكأنها تريد محو كل شيء، ثم قالت بحسم داخلي: انتهى. "لينهار كل شيء… لا يهم." العائلة؟ المصالح؟ التظاهر؟ "إلى الجحيم." لكن… ظهر وجه آخر في ذاكرتها. فارس. شعور دافئ تسلل إلى قلبها، غريب… مألوف… كأنه ذكرى من حياة لم تعشها بعد. تسارعت أنفاسها للحظة، ثم فتحت عينيها فجأة، وكأنها أُمسكت متلبسة. "لا…" همست لنفسها. أخذت نفساً عميقاً، دفنت ذلك الشعور بسرعة، كأنها تخشى أن يكبر. نهضت. مشت ببطء حتى وصلت إلى النافذة الكبيرة الممتدة حتى الأرض. ستارة خفيفة تتحرك مع الهواء… ومدينة كاملة تحت قدميها. طرق، بشر… حياة لا تتوقف. وقفت هناك، تحدق. "كل هذا… وأنا لم أعش." الفكرة لم تكن حزينة فقط… كانت قاسية. لم تعش كما أرادت. عاشت كما أرادوا. عائلة. زوج. صورة مثالية فارغة من الداخل. لم تُسأل يوماً: ماذا تريدين أنتِ؟ نسيت نفسها… أو ربما أُجبرت على نسيانها. بيت؟ لم يكن بيتاً. كان مسرحاً للخيانة، والصمت، والجروح المؤجلة. تنهدت ببطء، وأغمضت عينيها للحظة. تذكرت نفسها القديمة… الفتاة التي كانت تحب ركوب الخيل، الغناء، الضحك بلا حساب. أين ذهبت؟ فتحت عينيها… نظرتها هذه المرة مختلفة. حادة. حية. "كفاية." همست بها، لكنها كانت أقرب لقسم. لن تكون تلك المرأة بعد اليوم. لن تبقى عالقة في قصة ليست قصتها. ستعود… أو ربما تولد من جديد. امرأة… لا تُهان، لا تُكسر، ولا تُمنح إلا لمن يستحقها. امرأة… إذا مرت، التفتت لها الحياة نفسها.استيقظت رهف عند الساعة الثامنة صباحًا… فتحت عينيها ببطء، لتتفاجأ بأن آدم ما زال نائمًا بجانبها، يحيط خصرها بذراعه وكأنّه يخشى أن تبتعد عنه. تجمّدت للحظة. هذا القرب… وهذا الهدوء على وجهه… كانا غريبين عليها بشكلٍ مؤلم. حاولت أن تتحرك بهدوء لتنسحب من بين ذراعيه، لكن آدم شعر بها فورًا. شدّها نحوه مجددًا دون أن يفتح عينيه بالكامل، ثم اقترب يحاول تقبيلها بنعاسٍ واضح. لكن رهف أبعدت وجهها سريعًا وقالت بجدية: "عليّ الذهاب إلى العمل." فتح آدم عينيه أخيرًا، وبقي ينظر إليها لثوانٍ طويلة قبل أن يقول بصوتٍ منخفض: "رهف…" تنهد ثم أكمل: "لم أشأ أن أزعجكِ الليلة الماضية، لكن… لماذا لا تعملين معي في الشركة؟" قطّبت حاجبيها فورًا. أما هو فتابع: "سأعطيك راتبًا أكبر، وبهذا تستطيعين تسديد المال بسرعة إن كنتِ ما زلتِ تريدين الطلاق." التفتت إليه بسرعة وكأن كلماته استفزتها: "لن أكون تحت مراقبتك يا آدم." ابتعدت قليلًا عنه ثم قالت بحدة: "كوني عدت إلى هذه الڤيلا لا يعني أنني أصبحت تحت رحمتك أو سيطرتك." ثم أشارت نحوه بإصبع مرتجف من الغضب: "دعني وشأني." شعر آدم بانقباضٍ حاد داخل صدره. جزء منه أراد أن
عادت رهف إلى الڤيلا مع حلول المساء… أدخلت المفتاح في الباب ثم دفعته بهدوء، وما إن خطت إلى الداخل حتى توقفت. آدم كان هناك....يجلس في غرفة الجلوس بانتظارها. رفعت عينيها إليه بدهشة خفيفة، لكن ما فاجأها أكثر… هو الارتجافة الصغيرة التي شعرت بها داخل قلبها لحظة رأته. منذ متى ينتظرها آدم أصلًا؟ منذ متى يهتم إن عادت أم لا؟ ألم يكن دائم الانشغال عنها يقضي لياليه خارج المنزل؟ يتركها تنتظر كالغبية على مائدة العشاء ثم لا يأتي؟ كم ليلة أكلت طعامها وحدها بصمت…وكم مرة نامت وهي تقنع نفسها أن قلبها لم يعد يتأذى. أبعدت أفكارها سريعًا وألقت التحية ببرود: "مساء الخير." ثم مرّت بجانبه متجهة نحو الدرج دون أن تتوقف لكن صوته أوقفها. "رهف." تجمدت خطواتها للحظة ثم التفتت نصف التفاتة إليه. كان ينظر لها بطريقة غريبة… هادئة، لكنها مشدودة بشيء لم تفهمه. قال أخيرًا: "أين كنتِ؟" ضحكت رهف بسخرية باردة أوجعتها هي نفسها: "وما شأنك يا آدم؟" ثم أكملت وهي تعقد ذراعيها: "لا تمثّل دور الزوج المهتم… ما بيننا مجرد مبلغ مالي سأسدده لك، ثم أتخلص منك للأبد." شعر آدم وكأن كلماتها انغرست داخل صدره مباشرة. " لماذا آل
خرجت رهف من شركة والدها بخطوات متعثرة، وكأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميها. كانت تشعر أن شيئًا داخلها قد انكسر بالكامل. كيف استطاع والدها أن يربط حياتها بعقد زواج أشبه بصفقة تجارية؟ كيف يمكن لطلاقها من آدم أن يكلّف مئة مليون دولار؟ مئة مليون… حتى لو عملت طوال حياتها، لربما لن تتمكن من جمع نصف ذلك المبلغ. أغمضت عينيها بألم. أما كفاح… فمستحيل أن تطلب منه ذلك. لن تسمح لنفسها بأن تُثقل أخاها أكثر مما يفعل بالفعل لأجلها. ضحكت بخفة… ضحكة قصيرة ومؤلمة مليئة بالسخرية من حياتها بأكملها. كيف يمكن لوالد أن يكون بهذا القدر من القسوة؟ وكيف ينظر إلى الخيانة وكأنها أمر عادي لا يستحق حتى الاعتذار؟ توقفت سيارة أجرة بجانبها، فصعدت إليها بصمت تام. طوال الطريق، بقيت تحدّق من النافذة بشرود، بينما كانت كلمات والدها وصفعته تتردد داخل رأسها بلا رحمة. وبعد ربع ساعة، وصلت إلى شركة فارس الداغر. وقبل أن تدخل، رن هاتفها. نظرت إلى الشاشة لتجد اسم المحامي الذي كلّفه كفاح بمتابعة إجراءات طلاقها من آدم. أخذت نفسًا عميقًا ثم ردّت: " نعم، سيد سليمان… تفضل." جاءها صوت المحامي مترددًا قليلًا: " سيده
نظر آدم مباشرةً إلى عيني رهف وقال بصوت منخفض يحمل تهديدًا واضحًا: "هل ستستطعين دفع مئة مليون دولار خلال هذا الشهر؟" ، أراكِ واثقه بأن الطلاق سيتم في شهر واحد ؟! دفعت رهف صدره بعنف وهي تزم شفتيها بغضب ثم قالت بسخرية لاذعة: "يا لغرورك و وقاحتك !!" ... " حتى لو اضطررت أن أعمل ليلًا ونهارًا، حتى لو اضطررت أن أبيع جسدي كي أتخلّص منك... سأفعل." في لحظة واحدة تغيّر وجه آدم بالكامل، اختفت برودته وحلّ مكانها غضب مرعب، قبض على معصمها بقوة حتى شهقت متألّمة، ثم أمسك وجهها بيده الأخرى يضغط عليه بقسوة وهو يجزّ على أسنانه: "إياك... إياكِ أن تعيدي هذا الكلام مرة أخرى، جسدك لي وحدي، ولي أنا فقط، وأقسم لكِ إن فكّرتِ مجرد تفكير بما تقولينه فسأجعلك تتمنّين الرحمة... ولن أرحمك." انتفض جسد رهف بين يديه وارتجفت شفتاها بينما امتلأت عيناها بالدموع، لكنها رغم خوفها رفعت رأسها بعناد وصرخت في وجهه: "إذاً دعني أرحل! أنا لن أحبك أبدًا مهما فعلت، لن أعود لحبك أبدًا... يكفيك غرورًا وتحكمًا بحياتي!" ثم نزعت نفسها من قبضته بعنف وابتعدت عنه بسرعة قبل أن تصعد الدرج بخطوات مرتبكة، وما إن وصلت إلى الط
التفتت ساره بسرعة نحو الصوت الذي دوّى من الأعلى… وكان آدم. تجمّدت ملامحها فور أن رأته واقفًا اعلى الدرج، عيناه مشتعلة بالغضب، وملامحه متجهّمة بطريقةٍ أرعبتها أكثر من صراخه نفسه. لأول مرة… يراها هكذا. ليست ساره الهادئة الناعمة التي اعتاد عليها، ولا تلك الفتاة الرقيقة التي تخفض صوتها دائمًا أمامه. بل امرأة فقدت سيطرتها، وظهر وجهها الحقيقي بكل غضبه ارتبكت، وتلعثمت الكلمات على شفتيها: "آ… آدم، أنا...." لكنّه قاطعها بحدّة، وصوته يحمل غضبًا مكتومًا يكاد ينفجر: "هل هذه أنتِ حقًا؟" تقدّم خطوة نحوها، وعيناه تضيقان بقسوة: "وترفعين يدك على زوجتي؟" ارتجف شيء داخل ساره. كلمة "زوجتي" وحدها كانت كفيلة بتمزيق ما تبقّى من تماسكها. رفعت رأسها نحوه، وقد سقط القناع الذي طالما ارتدته أمامه، وقالت بانفعالٍ مرير: "زوجتك؟ أي زوجة ؟ !" ضحكت بسخرية ، والحقد يحرق صوتها: "ألم تقل لي إنك ستطلّقها؟ أم أنني كنت مجرد فتاةٍ عابرة في حياتك؟!" هبط آدم الدرج ببطءٍ متعمّد، كأنّه يحاول السيطرة على غضبه قبل أن يصل إليها. حتى وقف أمامها مباشرة. وجهه كان جامدًا بصورةٍ مخيفة. ثم قال بصوتٍ منخفض، لكنه
توقّفت سيّارة آدم أمام بوّابة الفيلا، فانطفأ هدير المحرّك وبقي الصمت وحده يتكلّم ترجّل آدم أوّلًا، دار حول السيّارة بخطوات واثقة وفتح الباب لرهف. مدّ يده نحوها ليساعدَها على النّزول، لكنّها لمْ تستجب له. نزلت بمفردها دون أن ترفع عينيها إليه حتّى أخفض يدَه إلى جانبِه ببطء، ثم قبضها بشدّة حتى ابيضتْ مفاصله، وكأنّه يخنق خيبه أراد ألّا ترى دلفا إلى الفيلا، لكن شيئًا لم يكن كما تركته رهف. لقد غيّر آدم أثاث الفيلا بالكامل. جالت عينا رهف على ما حولها، فاعترتها دهشة خفيّة لم يلحظها آدم. كان الخدم يرمقونها بنظرات غريبة تحمل ألف سؤال، لكنّها بادلتهم بابتسامة باهتة صعدت بها إلى الطّابق العلوي وقفت أمام باب غرفتها القديمة. ما إن قبضت على مقبض الباب حتى ساورها شعور موجع. في هذه الغرفة تحديدًا، لفظت أحلامها الأولى... فيها أجهضت طفلها استجمعت أنفاسها وفتحت الباب أخيرًا، لكنّها لم تكن غرفتها. حتى هذه الغرفة أمر آدم بتغيير كل ما فيها. السرير، الستائر، لون الجدران، كلّ شيء يصرخ بأن الماضي قد محي دخلت بهدوء، وشعور غريب بالفرح تسلّل إلى قلبها دون إذن. لكنّه فرح قصير العمر، مات سريعًا على







