LOGINمع حلول ساعة الغداء، صعدت جوليا إلى سطح مبنى الشركة الشاهق، وهو المكان الوحيد الذي كانت تجد فيه متنفساً من حصار الجدران والكاميرات. وقفت عند السور الحديدي، وتطلعت إلى المدينة المترامية الأطراف تحتها، والرياح العاصفة تداعب خصلات شعرها البني.لم تمر سوى دقائق حتى انفتح الباب الحديدي للسطح، وظهر ستيف بخطواته الواثقة وكاريزميته الطاغية. بمجرد أن لمحته جوليا، ارتسمت على شفتيها ابتسامة سخرية مريرة، والتفتت إليه قائلة بنبرة تهكمية لاذعة:"أهلاً بالسيد المساعد... هل أرسلكَ سيدكَ ومولاك داستن لتتجسس عليّ مجدداً؟ أم جئتَ لترى كيف أعيش بعد أن حطم بقايا ذكرياتي تحت عجلات كرسيه؟"نظر إليها ستيف بحزن عميق ظهر في عينيه الرماديتين، ولم يرد على سخريتها ببرود كالعادة. خطا نحوها بخطوات بطيئة حتى وقف بجوارها عند السور، ونظر أمامه إلى الأفق البعيد وقال بصوته الرخيم المليء بالشجن:"عندما كنتُ صغيراً يا جوليا... لم يكن هناك أحد يفهمني أيضاً. كنتُ منبوذاً، وحيداً، والجميع ينظرون إليّ كأنني عبء أو حشرة لا قيمة لها. عشتُ في زوايا الظلام أراقبهم وهم يسرقون حقوقي ويضحكون على ضعفي... وفي تلك الأيام، ولدت في داخلي
دوى صوت تحطم الجهاز في أرجاء القاعة الكبرى كصوت طلقة رصاصة. تناثرت الشاشة الزجاجية إلى آلاف القطع الصغيرة، وتطايرت الأجزاء الداخلية للهاتف، وانطفأت الشاشة المضيئة إلى الأبد، ليتحول الجهاز إلى كتلة مشوهة من الخردة والرماد المعدني تحت عجلات كرسيه.تسمرت جوليا في مكانها، وصمتت أنفاسها تماماً وهي تنظر إلى الحطام المنثور على الأرض. تغيرت ملامحها من الغضب إلى صدمة رعب حقيقية، وكأن شيئاً ما داخل صدرها قد تحطم مع تحطم ذلك الجهاز."لا... لا.لالالا.. ماذا فعلت؟" همست بصوت شاحب وخاوٍ، وجثت على ركبتيها فجأة فوق الرخام البارد، وأخذت تجمع قطع الزجاج المكسورة بأصابع ترتجف بعنف غير آبهة بالجروح التي بدأت تظهر على كفيها وتسيل منها الدماء.كان هذا الهاتف لا يمثل أداة تواصل بالنسبة لها... بل كان يحتوي على كل ما تملكه من ماضيها النقي. كان يحتوي على الصور الوحيدة المتبقية لوالدتها الراحلة وهي تبتسم قبل أن يقتلها الحزن، يحتوي على تسجيلات صوتية لأمها وهي تغني لها في طفولتها، وصورها القديمة مع مربيتها "هانا" في أيام دراستها، الأيام الوحيدة التي كانت تشعر فيها أنها إنسانة ولها قيمة. كل ذكرياتها، رسائل أمها
عادت جوليا إلى المنزل مرهقة جدا بعد يوم الطويل كان عقلها لا يزال مشغولا بما حدث مع جورج و لا يزال يتردد في عقلها، دخلت قاعة الاستقبال الكبرى، كانت الأجواء باردة، والإضاءة خافتة تكاد تبرز تفاصيل الأثاث الكلاسيكي الضخم.وضعت هاتفها المحمول على الطاولة الرخامية الطويلة في منتصف القاعة بزفرة ضيق، وفركت جبينها محاولة طرد الأفكار السوداء. شعرت فجأة ببرودة شديدة تغزو أطرافها، فقررت الصعود إلى جناحها لجلب وشاح صوفي دافئ، صعدت السلالم الرخامية شاردة الذهن، ناسية تماماً أنها تركت خلفها هاتفها؛ مستودع أسرارها، ونقطة اتصالها بالعالم الخارجي.مرت دقائق معدودة من السكون التام، قبل أن يشق هدوء الرواق صوت عجلات المقعد المتحرك يقترب بانتظام سحري مألوف.خرج داستن كلاين من ممر الجناح الشرقي، كان متلفعاً ببروده القاتل، والوشاح الحريري يغطي عنقه مخفياً ندوب الحريق المرعبة، بينما كانت عيناه الرماديتان تلتمعان بذكاء حاد وقاسٍ. توقف بكرسيه بجانب الطاولة الرخامية عندما لمح شاشة الهاتف تضيء فجأة في العتمة.لم يكن اتصالاً... بل كانت سلسلة من الرسائل النصية المتتابعة التي تسببت في اهتزاز الجهاز على السطح الرخا
تقدمت مارثا، وحاولت أن تقف بأدب وثبات في وجه جورج لتفرض وقار القسم، وقالت بنبرة حازمة ومصقولة بالرسمية:"سيد جورج، أهلاً بك في قسم التصميم. ولكن أود تذكيرك أن السيدة جوليا تشرف حالياً على ملفات سرية للغاية تخص مشروع المدينة الصناعية بتكليف مباشر من السيد داستن. وجودك هنا دون موعد مسبق يعطل سير العمل، ومجلس الإدارة يشدد على الخصوصية في هذه المرحلة."نهض جورج من مقعده ببطء شديد، ممرراً نظراته المستهزئة بين مارثا وجوليا. التفت بالكامل نحو جوليا، واقترب منها خطوة إضافية، ثم انحنّى قليلاً ليهمس بنبرة حملت تحذيراً شديد اللهجة يقطر وعيداً:"سأغادر الآن يا جوليا... ولكن تذكري كلامي جيداً؛ الظل الذي تختبئين خلفه مهترئ ولن يحميكِ طويلاً. الرفض له ثمن، وعندما تنهار أحجار الدومينو الخاصة برئيسك العاجز، لن تجدي يداً تمتد لإنقاذكِ سوى يدي. الأيام بيننا، والابتسامة الأخيرة ستكون لي."استدار جورج وخرج بخطوات واسعة وغاضبة، ضارباً بعصاه الأرض الرخامية بعنف أحدث صدىً مزعجاً في الممر الخارجي.تنفست السيدة مارثا الصعداء، والتفتت فوراً إلى جوليا والملامح القلقة تكسو وجهها الصارم. تقدمت نحو المكتب وقالت بن
كانت جوليا تمشي بسرعة في أروقة القصر الطويلة والمظلمة، وتحاول كبت دموع الغضب والقهر التي تجمعت في عينيها. كانت أنفاسها متسارعة، وعقلها يغلي بكلام داستن واتهاماته وسخريته. وبسبب عدم انتباهها وظلام الممر، انعطفت عند زاوية الرواق بقوة لتصطدم بجسد صلب وضخم كالجدار."آه!" أطلقت جوليا صرخة خفيفة وهي تفقد توازنها وتتراجع للخلف كادت تسقط على الأرض الرخامية.ولكن قبل أن تسقط، امتدت يدان قويتان وحاصرت خصرها بسرعة فائقة. شعر بجسدها يُسحب بقوة نحو الأمام ليرتطم بصدر عريض دافئ. وجدت جوليا نفسها في وضع رومانسي مباغت، قريبة للغاية من هذا الشخص لدرجة أنها شعرت بأنفاسه الحارة تداعب جبينها. رفعت رأسها ببطء لتلتقي عيناها بعينين رماديتين تشعان بنور غريب ومألوف في نفس الوقتكان ستيف ينظر إليها بنظرة عميقة، خلت من ذلك البرود المهني الذي أظهره في الشركة صباحاً. امتدت يده لتزيح خصلة متمردة من شعرها البني سقطت على وجهها. وفي تلك اللحظة بالذات، وسط دقات قلبها المتسارعة، نظرت جوليا إلى عينيه الرماديتين، وفجأة، ودون أي سبب منطقي، وجدت نفسها تفكر في داستن! تذكرت نظرة داستن قبل قليل في المطبخ، وشعرت برابط غامض
ابتلعت عتمة الليل سيارة الأجرة التي تُقل جوليا، بينما بقيت أضواء شوارع "لايتون" الباردة تنعكس على زجاج النافذة كشريط سينمائي باهت. كانت يدها ما زالت ترتجف قليلاً، ليس خوفاً من جاك، بل من كمية القذارة العاطفية التي تحيط بها. أغلقت عينيها بقوة، مسترجعة ملامحه الذليلة ونبرة صوته المكسورة؛ لقد كان يبدو كشحاذ يستجدي عطفاً قتلته يداه منذ زمن.عندما توقفت السيارة أمام البوابة الحديدية الضخمة لقصر آل كلاين، ترجلت بخطوات متزنة، تحمل بين جوانحها هدوءاً يسبق عاصفة داخلية لم تهدأ بعد. دلفت من الباب الكبير، وكان القصر غارقاً في صمت مهيب، تكسره فقط تكتكات ساعة الحائط الأثرية في البهو الرئيسي. صعدت إلى جناحها، ونفضت عنها ملابس العمل الرسمية الثقيلة. وقفت تحت رذاذ الماء الدافئ في حمامها الرخامي لعدة دقائق، تاركة البخار يتصاعد ليغسل نصل الكلمات الحادة التي تبادلتها مع جاك وجورج طوال اليوم.خرجت متدثرة برداء قطني بسيط، وجففت شعرها بإهمال متعمد. كانت تشعر بجوع غريب، ليس جوعاً للمعامير أو الأطباق الفاخرة التي يطهوها طهاة القصر المحترفون، بل جوعاً لشيء حقيقي، شيء تصنعه بيديها بعيداً عن زيف هذا المكان.ن