Share

القسم

last update publish date: 2026-06-02 15:58:06

كانت السماء في اليوم التالي لوفاة هانا ملبدة بغيوم رمادية ثقيلة، كأنما تشارك الأرض مأتمها الصامت. لم يكن هناك صخب، ولا معزون، ولا باقات زهور فاخرة تليق بـوداع روح طاهرة أزهقها الإهمال والفقر.

في مقبرة المدينة القديمة والمهجورة، حيث تنمو الأعشاب الضارة بين الشواهد المنسية، كان الممشى الطيني يبتلع الخطوات الميتة لجوليا.

​لم يحضر الجنازة أحد؛ اختفى العالم بأكمله، تلاشت الوجوه التي كانت تتملق عائلتها يوماً، وتبخر الوالد الذي كان يرى في المربية مجرد عبء مالي زائد.

وقفت جوليا وحيدة أمام القبر المحفور حديثاً، يلفها معطف أسود طويل بدا واسعاً على جسدها الذي نحرته الصدمة خلال الساعات الماضية.

بجانبها، على بعد خطوتين احتراماً لخصوصيتها وحزنها، وقف ستيف.

كان يمسك بمظلة سوداء يقيها بها من الرذاذ البارد الذي بدأ يتساقط، وعيناه الخضراوان اللامعتان كغابة مظلمة تحملان بريقاً عميقاً من ألم دفين. نظر إليها وهي بجانبه، وشعر بمرارة تخنق حنجرته، كيف يمكن لرجل أن يفرط بامرأة كهذه؟

​كان ستيف يشعر برغبة عارمة في سحق نفسه! كيف طاوع تلك الشخصية المظلمة "داستن كلاين" أن يقسو عليها؟ كيف سمح لقسوته وتسرعه في تلك الليلة المشؤومة أن يتركا كل هذا الخراب في روح جوليا؟

كان يرى انكسارها بأم عينيه، وفي كل مرة يلمح فيها حزنها، كان حقد داخلي يتأجج في صدره ، تجاه ذلك الزوج الجلاد المقنع الذي دمر نقاءها غباءً وتسرعاً.

حبس أنفاسه، وشدّ بقبضته على مقبض المظلة، مقسماً في سره أنه سيعاقب "داستن كلاين" بجعل جوليا تدمر عرشه بنفسها، ولن يغفر لنفسه ما فعله بها أبداً.

​انحنت جوليا ببطء، وجثت على ركبتيها فوق التراب المبتل دون أن تبالي بالقذارة التي لوثت أطراف معطفها وثوبها. غرزت أصابعها النحيلة في التربة الرطبة التي وارت جسد هانا، وانفجرت من أعماقها تنهيدة مكسورة مزقت سكون المكان.

​— "لقد رحلتِ يا هانا..."

همست جوليا، وصوتها يرتجف بضعف، تائهًا وسط صوت قطرات المطر المرتطمة بالمظلة، "تركتني وحيدة في هذا المستنقع. بعت روحي، ودنست جسدي، وقبلت بالخزي لكي تعيشي أنتِ... لكن القدر كان أسرع مني، أو ربما كانوا هم أسرع في طعني."

​شعر بغصة تخنق حنجرته وهو يراقب كتفيها المهتزين. كان الألم ينهش قلبه نهشاً، ورغبة عارمة في الركوع بجانبها وتجريد نفسه من كل الأقنعة ليعتذر لها ويخبرها بالحقيقة التي تجتاح وجدانه.

لكنه لجم نفسه بصعوبة. نظر إلى ملامحها الشاحبة كالموت، وتذكر فجأة ليلة قديمة من سنوات مضت... ليلة ممطرة تشبه هذه تماماً.

​(مشهد عودة للماضي - Flashback)

​في ذكرياته البعيدة، كان هناك فتى صغير، يركض تحت المطر الغزير، الدماء تسيل من جبهته والندوب تغطي روحه قبل جسده بعد هروبه من قسوة عائلته وجحيمهم. اختبأ خلف الجدار يبكي بصمت ويقضم شفتيه حتى لا يسمعه أحد انينه. وفجأة، امتدت يد صغيرة دافئة لتضع فوق رأسه مضلة صغيراة وردية صغيرة ، وظهرت فتاة صغيرة بعينين تلمعان بالبراءة، مسحت جروحه بمنديلها القماشي البسيط وهمست له بوعيد طفولي حنون: "لا تبكِ، طالما أنني هنا، فلن يؤذيك أحد".

​تلك الفتاة كانت جوليا.. كانت هي ملاذه الوحيد في الطفولة، والآن، تحولت بفعل عائلتها إلى جثة متحركة تبحث عن ثأرها.

​(نهاية مشهد - End Back)

​رفعت جوليا رأسها فجأة نحو السماء، وتغيرت ملامحها المكسورة في ثانية واحدة إلى جمود جليدي مخيف. اختفت الدموع، وحل محلها بريق مرعب من الحقد النقي. وقفت على قدميها، والتفتت نحو ستيف وعيناها ميتتان، خاويتان من أي تعبير بشري.

​— "أقسم لكِ يا هانا، وأقسم بكل قطرة دم سقطت مني ومنكِ..." نطقت جوليا بنبرة جليدية جعلت القشعريرة تسري في جسده، "أنني سأدمر عائلة كلاين وعائلة وايد. سأهدم عروشهم قطعة قطعة، سأجعلهم يتذوقون برد القاع والذل الذي أذاقوني إياه. أنا عاصفتهم السوداء التي لم يحسبوا لها حساباً، ولن أهدأ حتى أرى نيران انتقامي تحرق الأخضر واليابس في حياتهم."

​خطا ستيف نحوها خطوة، ونزل بمظلته قليلاً ليحمي وجهها من الرياح العاتية. نظر في عمق عينيها، ونزع من صوته كل نبرة رسمية، ليتحدث بصدق غريب نبع من روحه المعذبة تحت هذا القناع:

​— "وأنا أقسم لكِ يا جوليا.. أنني سأكون ظلكِ وسلاحكِ في هذه المعركة. سأساعدكِ حتى تدمري كل أعدائكِ، سأضع في يدكِ كل خيط، وكل ثغرة، وكل خنجر تحتاجينه لتسديد طعناتكِ لعائلة وايد وعائلة كلاين. لن تسيري في هذا الطريق وحيدة بعد الآن، حتى لو تطلب الأمر إحراق العالم بأكمله لتشعري بالدفء."

​نظرت إليه جوليا بنوع من الوجوم، لم تفهم سر هذا الإخلاص المطلق من مساعد زوجها، لكنها بقيت تحدق في عينيه لثوانٍ وكأنها تبحث عن شيء مألوف، قبل أن تسأله بنبرة جافة متسائلة:

— "ولماذا تفعل هذا يا ستيف؟ أنت مساعد داستن كلاين.. أليس غريباً أن تعرض مساعدتك لزوجة تود تدمير سيدك؟"

​انقبضت ملامح ستيف وابتلع غصته المريرة قبل أن يجيب بجمود مصطنع يداري بركان مشاعره:

— "لأنني أمقت الظلم يا جوليا.. ولأن عائلة كلاين عاثت خراباً في أرواح الكثيرين، وآن الأوان لشخص ما أن يوقفهم. لستُ موالياً لداستن.. أنا موالٍ للحق فقط، وحقكِ لن يضيع طالما أنا بجانبكِ."

​تراجعت خطوة ونظرت إلى قبر هانا، ولم تستطع هذه المرة أن تكبح دموعها، فسمحت لها أن تنزل علها تطفئ القليل من نيران قلبها التي أبت التوقف إلا بدمار من كان السبب في معاناتها.

لم تكن تفهم دوافعه، لكنها كانت أضعف من أن تبحث عنها، كانت بحاجة فقط إلى حليف، وستيف كان يقدم لها روحه على طبق من فضة.

​وفي الجانب الآخر من المدينة، داخل قصر عائلة وايد الفاخر، كانت الأجواء مغايرة تماماً. لم يكن هناك أثر للمطر أو الموت، بل كانت أنوار الثريات الكريستالية تضيء الصالة الكبرى بنشوة النصر الزائف.

​كانت جورجينا، تقف أمام مرآة حائط ضخمة مذهبة، تتأمل عقد الألماس الجديد الذي يلتف حول رقبتها الطويلة. ملامحها تشع بالجشع المنتصر، وابتسامتها الصفراء لا تفارق وجهها وهي تلتفت نحو جيمس وايد الذي كان يرتشف كأس نبيذه براحة لم يشعر بها منذ سنوات.

​— "ألم أخبرك يا جيمس؟" قالت جورجينا بنبرة تملؤها الغطرسة والخبث، وهي تداعب خرزات العقد بأصابعها :

"إبعاد جوليا كان الضربة القاضية. الفتاة كانت دائماً تمثل تهديداً لخططنا بتمسكها المقرف بكرامتها ومبادئها الراحلة مع أمها. الآن، بعد أن أصبحت ملكاً لداستن كلاين، وغرقت في جحيمه، لم يعد لها أي حق أو وجود في هذه العائلة."

​ابتسم جيمس بسخرية، ونظر إلى الأوراق المالية وكشوف الحسابات الملقاة على مكتبه:

— "أنتِ محقة يا حبيبتي. خطوط الائتمان فُتحت، والديون شُطبت، وداستن كلاين يدفع بسخاء لمجرد أن يفرغ عقده وعجزه في تلك الفتاة. لقد تخلصنا من عبئها، وحصلنا على الثروة."

​خطت جورجينا نحوه بخطوات تفيض بالدلال والثقة، واستندت بيديها على حافة مكتبه، وعيناها تلمعان ببريق شيطاني:

"والآن، جاء دور الخطوة التالية. ثروة عائلة وايد وعقاراتها يجب أن تُنقل بالكامل باسمي وباسمك بعيداً عن أي احتمال لإرث قد تطالب به جوليا مستقبلاً. يجب أن نضمن أن أموال داستن التي تتدفق إلينا تصبح ملكنا بالكامل، دون أن تلمس تلك الفتاة سنتاً واحداً منها. لقد بيعت وانتهى الأمر، ومن يبيع روحه مرة، لا يملك الحق في المطالبة بملكية الأرض التي كان يمشي عليها."

​نظر إليها جيمس ببعض التردد الطفيف وسألها:

"ولكن جورجينا.. ألن يثير نقل كل شيء باسمينا شبهات المحامين؟ جوليا لا تزال تحمل اسم عائلتنا قانونياً."

​لوحت جورجينا بقطع الحساب متهكمة بضحكة رنانة:

"قانونياً؟ ومن سيهتم لها؟ الفتاة محبوسة في زنزانة داستن كلاين المخملية، ولن تجد من يستمع إليها. وقع على الأوراق يا جيمس، ودعنا نؤمن مستقبلنا قبل أن تستيقظ من غيبوبة حزنها."

​ضحك جيمس بقوة، وتبدد تردده، وهز رأسه بالموافقة وهو يسحبها من يدها ليقبلها ببرود لا يعرف الرحمة:

— "لكِ ما أردتِ. غداً صباحاً سأجعل المحامي ينقل كل الأصول والأسهم المتبقية إليكِ. جوليا ماتت بالنسبة لنا منذ اللحظة التي وقعتُ فيها على شيك داستن. دعينا نستمتع بنجاحنا ونتركها تحترق في قصر عائلة كلاين."

​امتزج رنين الكؤوس المرتطمة بوعود الغدر الجديدة، غافلين تماماً عن أن تلك الثروة التي يتقاسمونها ليست سوى طُعم وضعه داستن بعناية، وأن "العاصفة السوداء" التي أقسمت في المقبرة قد بدأت تتحرك بالفعل لتقلب قصرهم إلى ركام فوق رؤوسهم.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بين أحضان الوحش    ملاكي الصغير

    في هذه الأثناء، كان داستن قد غادر مكتبه وعاد إلى القبو السفلي المعزول، حيث يرقد كارين مصفداً بالسلاسل تحت إضاءة باهتة. لم يكن داستن يروم الاستراحة، بل كان عقله يعصر التفاصيل ليجد الإجابة عن السؤال الأكبر الذي يؤرقه: من يقف حقيقة وراء هذه الحرب الشاملة؟وقف داستن بكرسيه على مسافة قصيرة من العميل السري المنهك. كانت عيناه الباردتان تقرآن وجه كارين الشاحب بدقة متناهية. لم يكن داستن ينظر إلى كارين كعدو رئيسي، بل كان يراه مجرد أداة، رأس حربة لجهة أكثر عمقاً وظلاماً.تطلع كارين إلى داستن برعب مكتوم، محاولاً التقاط أنفاسه، بينما قال داستن بصوت خفيض وعميق كالرعد البعيد:"أنتم تظنون أنكم تلعبون معي لعبة شطرنج تقليدية... لكنكم لا تفهمون أنني أنا من صنع الرقعة. جيسون مجرد أحمق مدفوع بالحقارة والغيرة، وجاك ليس سوى كلب ينبح . لكنك يا كارين... أنت والجهة التي تتبعها، تحركون هذه الدمى لسبب أكبر."اقترب داستن بكرسيه خطوة إضافية، مستطرداً بنبرة تشبه الفحيح: "من الذي يغذي هذه الحرب يا كارين؟ من الذي يحرككم ويمنحكم الجرأة لنقرب من أسوار قصر كلاين؟ هل تظن أنني لا أعلم أن هناك رأساً أضخم ينشط في الخفاء، ي

  • بين أحضان الوحش    بين ظلين

    في داخل السيارة الرئاسية الفارهة التي كانت تشق شوارع المدينة كطيف من الحرير والحديد الأسود، ساد في المقعد الخلفي صمتٌ ثقيلٌ ومحملٌ بعبق النصر والتوتر الصامت. كان داستن يجلس بزاوية هادئة، يرمق جوليا بنظرات ثاقبة تتصارع في عمقها موجات متلاطمة؛ لم تكن مجرد نظرات امتنان لرجل أُنقذ كبرياؤه في المحفل العظيم، بل كان وميضاً مظلماً يطفو على سطح عينيه، وميضاً يفيض بهوسٍ دفين لا يدرك كنهه إلا من خالط جنون امتلاك الأشياء النادرة.التفتت إليه جوليا، وحاذت نظرته بجمود حذر، واضعةً حداً قاطعاً لأي أوهام قد تستبد بعقله؛ قالت بنبرة حاسمة كوقع الشفرة، تتخللها رزانة لا تخلو من الجفاء: "لا تبالغ في تفسير ما حدث في القاعة يا داستن... صفعي لجاك ووقوفي في وجه سفاهته لم يكن إعلاناً لمشاعر تخلقها الأوهام، بل كان دفاعاً شريفاً عن كرامتي وكرامتك بصفتنا شريكين يحملان اسم هذا كلاين، ودفاعاً عن هيبتنا أمام حثالة لا يعرفون حدود شرف الخصومة. أن أحمي ظهرك اليوم لا يعني أنني أصحو غداً وقد نسيت أغلال تحكمك وقسوة ظلك الذي يلاحقني... مشاعري تجاهك ما زالت تقف في تلك الليلة التي ماتت فيها هانا، ولم يتغير شيء."ساد الصمت ل

  • بين أحضان الوحش    رجلا كامل

    تحت وطأة ألم حاد ينهش مؤخرة رأسه، بدأ الوعي يعود ببطء إلى كارين. شعر ببرودة الإسمنت القاسي تلتصق بجسده، ورائحة الرطوبة والحديد الصدئ تملاً خياشيمه. عندما فتح عينيه، قوبل بظلام دامس يلف المكان، لا تكسره سوى بقعة ضوء صفراء باهتة تسقط فوق رأسه مباشرة من مصباح عتيق يتأرجح في الأعلى.حاول تحريك يديه، لكنه شعر بقيد حديدي سميك يلتف حول معصميه المثبتين بقوة إلى كرسي معدني ثقيل مرصوص في الأرض. تشنجت عضلاته وهو يحاول التملص وتحرير نفسه بعنف، لكن سلاسله لم تزدد إلا غوصاً في جلده، لتسيل من معصميه قطرات دم حارة. غضب كارين بشدة، وبدأت أنفاسه تتسارع؛ كيف لعميل سري مدرب مثله أن يقع في هذا الفخ المبتدئ؟بلع ريقه الجاف، وحاول تفعيل زر الطوارئ المدمج في ساعته اليدوية لإرسال إشارة استغاثة سرية مشفرة إلى الرقم 13، لكن حين حرك معصمه صدم بحقيقة مرعبة: معصمه كان عارياً تماماً. لقد جُرّد من ساعته، وخاتمه الإلكتروني، وحتى زر الطوارئ المزروع في ياقة سترته!وفي وسط تخبطه وهلعه الصامت، شق السكون صوت أجش، بارد، هادئ بشكل يثير الرعب في النفوس، وهو يقول بنبرة ساخرة:— "هل تبحث عن هذه...؟"ارتجف جسد كارين بالكامل، وا

  • بين أحضان الوحش    الحب في عالك كلاين خطيئة

    — "ستتهم ألبرت بالخيانة؟! هذا انتحار يا سيدي! داستن قد يحرق المدينة بأكملها ليتأكد من صحة هذا الاتهام، وإذا اكتشف التزوير..."— "لن يكتشف شيئاً!" قاطعه ستيف بحدة وعنف وهو يضرب الطاولة بيده مجدداً، ليرتج المصباح المعلق فوقهما ويرسل ظلالاً مضطربة. وتابع بنبرة أكثر هدوءاً لكنها أكثر رعباً:— "البرمجية التي استخدمتها لتعديل الصوت استوردتها من جهة لا يمكن تتبعها. الجهة الخارجية التي تدعمنا وفرت لي تفاصيل لا يعرفها حتى ألبرت نفسه عن حسابات كلاين في سويسرا. حين يرى داستن الأرقام والحسابات والملفات المهربة باسم ألبرت، سيفقد السيطرة تماماً على هدوئه الأسطوري. سيشتعل القصر بحرب اتهامات داخلية، وسيوجه داستن حراسه لتطويق ألبرت واستجوابه بعنف."مال ستيف بجسده إلى الأمام، ممرراً إصبعه فوق نقطة محددة على الخريطة تمثل نفقاً صخرياً قديماً يؤدي إلى مخرج الطوارئ الخلفي للقصر:— "وهنا يأتي دوري. وسط صراخ الاتهامات وضياع الولاءات، سأتوجه فوراً إلى جناح جوليا. سأقنعها بأن القصر يتعرض لانقلاب داخلي مسلح، وأن ألبرت قد باعهم لجيسون وأن رجال الأخير بصدد اقتحام غرفتها. سأبدو أمامها كمنقذ وحيد يملك الشجاعة والوف

  • بين أحضان الوحش    ضلال مشوهة

    تسلل داستن وجوليا إلى الجناح الرئيسي يلفّهما صمت يختلف تماماً عن ذلك الجليد الكئيب الذي اعتاد أن يسكن جدرانهما. لم تكن هناك كلمات تُقال؛ فنبضات قلبيهما المتسارعة بعد ذلك العناق الدافئ في الحديقة كانت تصدح في الفراغ كمعزوفة اعتراف صامتة. كانت الغرفة غارقة في عتمة خفيفة، لا يكسرها سوى خيوط خافتة من وهج الشموع الموزعة في الزوايا، والتي أضفت على الأثاث الخشبي الثقيل لمسة من الغموض الحميم.تقدمت جوليا بخطوات ناعمة وواثقة، عيناها البنيتان تحملان في طياتهما تصميماً عظيماً. لم تنتظر أن تطلب الإذن، ولم تدع الحواجز الوهمية للمسافات تقف حائلاً بينهما الليلة. انحنت برفق، ممسكة بمسندي الكرسي المتحرك لتقرب داستن من حافة السرير الحريري الضخم. تلاقت أعينهما مجدداً، وفي تلك اللحظة، رأت جوليا وجهاً لم تعهده من قبل؛ كان قناع الإمبراطور القاسي قد تآكل، تاركاً وراءه ملامح رجل منهك، رجل جُرّد من أسلحته أمام امرأة واحدة.بيدين رقيقتين ودافئتين، أمسكت جوليا بكفيه الكبيرتين المرتعشتين قليلاً، وساعدته على الانتقال من الكرسي إلى السرير ببطء مفعم بالاحترام والحب. لم يكن في حركاتها شفقة، بل كان هناك ولاء مطلق جعل

  • بين أحضان الوحش    انا متعب

    في هذه الأثناء، وعلى الجانب الآخر من المدينة الصاخبة، كان الصمت يفرض هيبته الوقورة والخانقة داخل المكتب الفخم لقصر كلاين. كانت الجدران الخشبية الداكنة المطعمة بالذهب تعكس تاريخاً من النفوذ والقوة، لكنها الليلة كانت تبدو كجدران سجن اختياري.كان داستن كلاين يجلس على كرسيه المتحرك خلف مكتبه العريض المصنوع من خشب البلوط النادر. كانت الإضاءة مسلطة فقط على سطح المكتب، لتكشف عن مجموعة من الأوراق والتقارير المالية المبعثرة أمامه. وعلى وجهه الشاحب، كانت ترتسم ابتسامة باردة، غامضة، تنم عن دهاء رجل اعتاد أن يرى الموت يحيط به من كل جانب ومع ذلك يرفض الانحناء. كان يمرر أصابعه الطويلة فوق تقرير للمناقصة الجديدة، وعقله يزن الاحتمالات ببرود يحسد عليه.انفتح الباب الخشبي الثقيل للمكتب بهدوء شديد، ودخل ألبرت بخطواته الموزونة والوقورة التي حفظتها ردهات القصر لسنوات طويلة. كان يحمل في يده ملفاً جلدياً أسود جديداً، مختوماً بالشمع الأحمر الذي يشير إلى سريته القصوى. تقدم وضعه أمام داستن قائلًا بصوت خفيض ودافئ يحمل نبرة الأب الحريص:— "سيدي... هذه هي الأوراق النهائية والتحركات الأخيرة للسوق، بالإضافة إلى تقر

  • بين أحضان الوحش    الاهانة

    فتحت البوابات الحديدية الضخمة لقصر عائلة كلاين بصوت صرير خافت امتصته برودة الليل، كأنما يعلن عن عودة الشبح الذي غادره قبل أيام. ترجلت جوليا من السيارة بخطوات متثاقلة لكنها متصلبة، يلفها ذلك المعطف الأسود الذي ما زال يحمل بين طياته رطوبة المقبرة ورائحة الموت والتراب. ​كان القصر من الداخل غارقاً في

  • بين أحضان الوحش    ولادة العاصفة

    داخل قصر كلاين خيم صمتٌ ثقيل خانق، لم تجرؤ جوليا على النظر نحو داستن، كانت تشعر بنظراته تخترق الضمادات وتحرق جلدها ​"أعتقد أنني كنت واضحاً معكِ"، قال داستن بصوت يحمل تهديداً مرعباً. " أخبرتك منذ ليلة الأولى وقلت، لا أريد طفلاً لرجلٍ آخر في بيتي، ولا أقبل التدنيس!" ​جثت على ركبتيها أمام قدميه،

  • بين أحضان الوحش    بداية الكارثة

    توقفت سيارة الأجرة أمام فيلا عائلة "وايد"، ذلك المكان الذي كان يوماً يسمى بيتاً قبل أن يتحول إلى مسلخٍ لروحها. ترجلت جوليا بخطواتٍ مثقلة بالخوف والأمل الضئيل، ودلفت إلى الصالة لتجد جورجينا، زوجة أبيها، تتربع على عرشها المخملي وترتشف قهوتها ببرودٍ يضاهي صقيع الموت. ​ابتسمت جورجينا ابتسامة باهتة لا

  • بين أحضان الوحش     الوعود المحترقة

    في القصر الموحش، حيث كانت الجدران تتنفس صمتاً كئيباً، كسر داستن الصمت المطبق الثقيل الذي خيّم عليهما منذ غادرا الكنيسة. قال بصوت مثقل بالمرارة وهو ينظر إلى الفراغ: — "أهلاً بكِ.. هذا منزلي، ومنذ اليوم سوف يصبح سجننا المشترك." ​كانت الجدران الباردة للمنزل الشاسع تهمس بالوحشة، والأثاث الفاخر لم يك

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status