Mag-log inالفصل 92: جراحٌ تحت الجلدداميان---وقفتُ في منتصف الصالة الفسيحة وكأن الأرض تحت قدميّ قد انشقت لتبتلع كل لحظة أمانٍ نجحتُ في حياكتها بدم قلبي خلال الساعات الماضية.لارا... أختي الصغرى.أختي التي غادرت القصر قبل سنوات طويلة وهي صبية صغيرة، حين قررت والدتي الانفصال عن أبي وأخذتها معها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، تاركة إياي في منتصف هذا الجحيم لأتحمل بطش أبي وجبروت العائلة وحدي.كانت لارا مصدر إلهامي القديم وشغفي العائلي، الفتاة التي طالما كانت تعشق رقص العروض، والتي كنتُ أحلم برؤيتها تتألق تحت الأضواء. حتى هذا السيرك الضخم والمشروع الفني الذي أسسته في المدينة... لم يكن في بدايته سوى فكرة تيماً بها وبشغفها بالرقص الذي أخذته معها إلى أمريكا.لكن رؤيتها تقف أمامي الآن، بهذه الهيئة الأنيقة الباردة والنظرات المشبعة بالمرارة والكره، شلّت تفكيري كلياً. كيف وصلت إلى هنا؟ وكيف اخترقت أسوار حراستي دون أن يدوي جرس إنذار واحد؟لم تدم صدمتي وتجمّدي طويلاً، إذ شعرتُ بهزة خفيفة في يد إليز المتمسكة بمعطفي. رفعت إليز رأسها الشاحب ونظرت إليّ بعينين رماديتين تتزاحم فيهما التساؤلات والحيرة، لتسألني
الفصل 91: ظلٌّ من الماضيإليز---كان اليوم شبيهاً بحلمٍ دافئ ومخملي لم أكن أجرؤ حتى على حياكة خيوطه في مخيلتي القلقة قبل أيام قليلة.رغم أن الوقت ما زال مبكراً جداً على التحضيرات، وأنا ما زلتُ في تباشير حملي الأولى، إلا أن داميان لم يستطع كبح جماح حماسه وشغفه المباغت بالطفلة القادمة. بمجرد أن خرجنا من جناح المشفى ونحن نحمل صورة النبض الأول والخبر المبهج، قادنا السائق تحت حراسة مشددة نحو أكبر وأرقى المراكز التجارية الخاصة بالمستلزمات الملكية في قلب المدينة.وهناك... شهدتُ تحولاً عجيباً في هذا الرجل الصارم الذي ترتعد له الأبدان.تحول داميان بلاكوود من الحاكم القاسي الملطخة يداه بالدماء إلى أبٍ مأخوذ بكل تفصيلة صغيرة تخص طفلته. كان يجوب أروقة المتاجر الفاخرة بعينين تلمعان ببريقٍ لم أره فيه قط؛ يشتري كل شيء تقع عليه عيناه دون أدنى تردد أو تفكير. كان ينتقي الملابس القطنية الناعمة ذات الألوان الزهرية والعاجية الهادئة، وأسرة الأطفال المزخرفة بالدانتيل الفاخر، والألعاب الحشوية اللطيفة، وحتى الملحقات الصغيرة الدقيقة التي قد لا نحتاجها إلا بعد سنوات.حين كنتُ أحاول إيقافه بابتسامة خجولة، وأض
الفصل 90: نبض من نورإليز---مرّت الساعات التالية وكأنها جسرٌ معلق بين ماضٍ مظلم يمتلئ بالرعب، وحاضرٍ جديد يولد ببطء من بين الأشواك.كان اهتمام داميان بي يتجاوز مجرد الرعاية العادية؛ كان يعتني بي بحذرٍ خائف وخشوعٍ جليل، كمن يحمل بين يديه زجاجة كريستال نادرة أوشكت على التهشم. غسل جسدي بنفسه، وجفف شعري بخصلاتٍ متأنية، وانتقى لي أدفأ الأزياء وأرقها، وهو يحرص على ألا أطأ بشظيةٍ واحدة على الأرض أو أتكبد أدنى مجهود.حين خرجنا من القصر باتجاه المشفى الخاص، كان موكب السيارات تحيط بنا من كل جانب كدرعٍ صلب، لكنني لم أعد أرى تلك السيارات حبل خنقٍ يربطني بعالمه المظلم... بل رأيتها سياجاً يلتف حول طفلي ليحميه.طوال الطريق، كان داميان يجلس بجانبي، يمسك بيدي بقوة ودفق دفء لا ينقطع. كان يتأمل وجهي الشاحب بنظرات تفيض بالندم والانكسار، وكأنه يصلي في سره كي يمحو من ذاكرتي كل لحظة خوف تسبب فيها.دخلنا الجناح الملكي المخصص لنا في المشفى. الاستقبال كان مهيباً، والطبيبة الكبيرة كانت تنتظرنا بابتسامة دافئة سحبت الجزء الأكبر من توتري.استلقيتُ على الفراش الطبي، وشعرتُ بالبرودة الخفيفة للجل وهو يوضع على أسفل
الفصل 89: نبضٌ في العتمةداميان---كانت الغرفة غارقة في هدوءٍ شجيّ، لا يقطعه سوى صوت أنفاسها المتسارعة التي بدأت تهدأ تدريجياً بين ذراعيّ.كنتُ أحتضنها بحرصٍ شديد، كمن يمسك بين يديه شعلة نادرة يخشى عليها من النسيم أن يطفئها. يداي اللتان اعتادتا قبض السلاح وزهق الأرواح دون رمشة عين، كانتا تمشطان شعرها المبتل بكل الرقة التي خُبئت في أعماقي. خصلاتها الذهبية كانت تلتصق بأصابعي، ودموعها المحتبسة على وجنتيها تكوي قلبي كما لم تفعل أي رصاصة من قبل.ظللتُ صامتاً لدقائق، أستمع لنبضات قلبها التي بدأت تتناغم مع نبضاتي. كنتُ أشعر بثقل الذنب يضغط على صدري، يتملكني تساؤلٌ مرير ظل يأكل جوارحي منذ أن علمتُ بنبأ حملها، تساؤلٌ كان هو السبب في كتماني المريض وخوفي الأعمى من ردة فعلها.رفعتُ وجهها برفق، مستخدماً إبهامي لمسح بقعة الدموع الأخيرة عند طرف عينها الرمادية. تلاقت أعيننا؛ كانت نظراتها مزيجاً من الإرهاق القاتل، العتب، والأمان الذي تسلل رغماً عنها إلى جسدها المرتعش.تنفستُ الصعداء بصعوبة، وخرج صوتي مبحوحاً، ينضح بكسرة وخوف لم يعهدها أحدٌ في داميان بلاكوود:"إليز... أريد أن أسألكِ شيئاً، أرجوكِ...."
الفصل 88: ملاذٌ وسط الشظاياإليز---كانت الأيام الماضية تشبه العيش في قاع بئرٍ مظلم وممتلئ بالأشواك.الخوف لم يكن مجرد شعور يمرّ بي؛ بل كان وحشاً ضخماً يستوطن صدري، ينهك أنفاسي، ويجعل نبضات قلبي تتدفق كالمجانين مع كل حركة حول الغرفة. كنتُ أستيقظ كل صباح وأنا أقبض على أغطية السرير بشدة، ألتفت حولي بذعر، بحثاً عن أثر لأولئك الرجال أو لتلك السكاكين التي كانت تهدد بقطع حبل حياتي وحياة الطفل الذي لم أكن أعلم حتى بوجوده في أحشائي.المرارة التي تجرعتها لم تكن من الخوف وحده... بل من الحقيقة البشعة التي اكتشفتها.داميان بلاكوود، الرجل الذي سلمته قلبي، وأمنته على روحي، كذب عليّ. أخفى عني أقدس سر في وجودي. كيف استطاع أن ينظر في عينيّ طوال تلك الأسابيع، يبتسم ويمسك بيدي، وهو يعلم أن هناك روحاً صغيرة تنمو بداخلي؟ عاطفتي كانت تصرخ باسمه في كل لحظة رعب، وجسدي المنهك كان يتوق لأحضانه ودفئه... لكن عقلي كان يقف كالجدار الفولاذي، يرفض قربه، ويعاقبه على خيانته لثقتي.وطوال تلك الليالي الطويلة والمعتمة، كنتُ أستيقظ أحياناً في منتصف الليل، وأشعر بطيف دافئ يحيط بي، بلمسة جافة ورقيقة تمسح شعري المبتل بالعر
الفصل 87: صدى الانكسار والاعترافداميان---كانت تزن بين ذراعيّ كحمولةٍ من الزجاج المشروخ، يهددها الأدنى من اللمس بالتحشم التام.كمية الذعر التي كانت تتفجر من جسدها المرتجف جعلت الدماء تتجمد في عروقي. أخرجتها من ركام الحمام وخرائبه، عاريةً لا يسترها سوى المنشفة البيضاء الكبيرة التي لففتُها بها عجلاً، وقطرات الماء تسقط من شعرها المبتل وتنساب على بشرتها الشاحبة الباردة، لتترك أثراً لاهباً على صدري كلما لامستني.وضعتها برفقٍ شديد على طرف السرير الوثير، واستدرتُ لأجلب منشفة جافة أخرى كي أجفف خصلات شعرها التي تقطر ماءً. لكنني ما إن مديدتُ كفي وأدنوتُ المنشفة من رأسها، حتى انقضت على يدي بضرباتٍ مرتجفة وهي تدفعني عنها بهستيرية وذعر كاسح، وتضم حوافي المنشفة حول جسدها بحركة حمايةٍ يائسة.توقفتُ في مكاني، وعصرتُ عينيّ بألمٍ لاهب، ثم أطلقتُ تنهيدة ثقيلة ومزلزلة خرجت من قاع روحي المحترقة.تطلعتُ في عينيها الزجاجيتين، وقلتُ بصوت خفيض وخالق تملؤه الحصانة والرجاء: "إليز... أرجوكِ، دعيني أجفف جسدكِ فقط. لن أتحمل أن تلتقطي برداً... فتمرضي وتتأذي أنتِ وطفلنا."كانت تلك الكلمة تحديداً—*طفلنا*—كالوتر الح







