ANMELDEN
استيقظت ليان النجار قبل السابعة صباحاً كعادتها.
كان ضوء الشمس يتسلل من بين الستائر الطويلة، وينعكس على أرضية الغرفة الهادئة. فتحت عينيها ببطء، ثم التفتت إلى الجانب الآخر من السرير. كان فارغاً. لم تتفاجأ. حاسم الرفاعي اعتاد أن يستيقظ باكراً، وغالباً ما يغادر المنزل قبل أن تبدأ هي يومها. جلست ليان على حافة السرير، ثم وضعت قدميها على الأرض. توقفت للحظة عندما شعرت بوخز خفيف في ساقها المصابة، وانتظرت حتى يهدأ قبل أن تقف. في تلك اللحظة، طرق الباب طرقاً خفيفاً. "سيدة ليان؟" "ادخلي يا سعاد." دخلت سعاد بهدوء، تحمل ملابس ليان التي أعدتها لها وكوب الشاي الذي اعتادت أن تقدمه لها في الصباح. كانت سعاد ترافق ليان منذ زواجها من حاسم. لم تكن مجرد عاملة في المنزل بالنسبة إلى ليان، فقد اعتادت وجودها إلى جانبها طوال السنوات الماضية، لكن سعاد كانت تعرف حدودها جيداً. كانت لطيفة ومحترمة، تؤدي عملها بإخلاص، ولا تتدخل أبداً في أمور ليان الخاصة أو في علاقتها بزوجها. إذا طلبت منها ليان شيئاً، فعلته. وإذا لم تطلب منها شيئاً، بقيت هادئة ومنشغلة بعملها. وضعت كوب الشاي على الطاولة. "صباح الخير، سيدتي." ابتسمت ليان. "صباح النور يا سعاد." وضعت سعاد الملابس في مكانها، ثم قالت بهدوء: "الفطور جاهز في الأسفل." "حسناً، سأحضر بعد قليل." أومأت سعاد وغادرت الغرفة دون أن تسأل أي سؤال آخر. كانت ليان تقدر ذلك فيها. لم تكن سعاد من النوع الذي يراقب حياة الآخرين أو يحاول معرفة أسرارهم. كانت تعرف أن لكل شخص حدوده. بعد أن انتهت ليان من الاستعداد، نزلت إلى الطابق السفلي. كان المنزل هادئاً. سألت إحدى العاملات عن حاسم، فعرفت أنه غادر إلى الشركة منذ وقت مبكر. جلست ليان إلى طاولة الإفطار وحدها. لم يكن الأمر غريباً. في السنوات الأربع الماضية، اعتادت على تناول معظم وجباتها بمفردها. وبعد قليل، عادت سعاد إلى الصالون لتضع بعض الأشياء في مكانها. "هل تريدين شيئاً آخر، سيدتي؟" رفعت ليان عينيها عن هاتفها. "لا، شكراً." "حسناً." ثم عادت سعاد إلى عملها. مرّ النهار هادئاً. حاسم في شركته، وليان في المنزل. كانت حياتهما تسير وفق روتين ثابت لا يتغير. وفي المساء، كانت ليان تقرأ في الصالون عندما سمعت صوت سيارة حاسم أمام المنزل. بعد دقائق، دخل. كان يرتدي بدلته الرسمية، وملامحه تحمل آثار يوم طويل. رفع عينيه إليها. "مساء الخير." "مساء النور." وضع حقيبته جانباً. "هل تناولتِ العشاء؟" "ليس بعد." نظر إلى الساعة. "تناولي طعامك في الوقت المحدد. لا تنتظريني." ابتسمت بخفة. "حسناً." ثم سألها: "كيف كانت ساقك اليوم؟" "بخير." أومأ برأسه. لم يسأل أكثر. لم يكن حاسم رجلاً كثير الكلام، لكنه كان ينتبه إلى التفاصيل المتعلقة بها. إذا احتاجت إلى طبيب، اهتم بالأمر. إذا احتاجت إلى شيء، وفره لها. وإذا شعر أنها متعبة، طلب منها أن ترتاح. كان دائماً موجوداً عندما تحتاج إليه. لكن بطريقة جعلت ليان تدرك شيئاً مؤلماً: يمكن للإنسان أن يكون مهتماً بك... دون أن يحبك. وقفت ليان عندما أرادت الصعود إلى غرفتها. توقف حاسم للحظة وقال: "لا تصعدي بسرعة." نظرت إليه. "أنا بخير." "أعرف." ثم تابع طريقه. كلمات قليلة. تصرف بسيط. لكنها كانت كافية لتجعل ليان تبتسم وحدها. ربما كانت تلك هي المشكلة. كانت تستطيع أن تجد سبباً صغيراً للسعادة في كل شيء يفعله حاسم. لأنها لم تتوقف يوماً عن حبه. أما هو... فلم يكن يعرف أن المرأة التي تعيش معه منذ أربعة أعوام ما زالت تحمل له المشاعر نفسها التي بدأت في أيام المدرسة. ولم يكن يعرف أيضاً أن هدوء حياتهما لن يستمر إلى الأبد.مرّت أسابيع قليلة منذ بدأت ليان إعادة التأهيل.لم تكن التغييرات كبيرة بما يكفي ليلاحظها شخص لا يعرفها، لكنها بالنسبة إليها كانت أشبه بمعجزة.أصبحت تقف لفترة أطول.خطواتها أصبحت أكثر ثباتاً.والأهم أنها لم تعد تخاف من ساقها كما كانت في السابق.كل صباح كانت تدخل مركز التأهيل وهي تعرف أن الطريق طويل، لكنها لم تعد تكره الطريق.كانت تحبه.لأنه يعيد إليها شيئاً فقدته.في ذلك اليوم، كانت ليان تنهي تمرينها الأخير عندما قال لها المدرب:"توقفي."نظرت إليه."لماذا؟""لأنك بدأت تتعبين.""أستطيع الاستمرار.""أعرف."ثم ابتسم."لكن القدرة على التوقف في الوقت المناسب جزء من العلاج أيضاً."تنهدت وجلست."حسناً."ناولها الماء."بعد أسبوعين، إذا استمر التحسن بهذا الشكل، سنزيد التمارين."رفعت رأسها بسرعة."إلى ماذا؟""إلى تمارين أقرب للحركة التي تحتاجينها في الرقص."تجمدت للحظة.
في اليوم التالي، وصلت ليان إلى العيادة في الموعد المحدد.لم تخبر حاسم.وكعادتها، لم يكن في الأمر شيء سري بالنسبة لها؛ كانت فقط تريد أن تتولى هذه المرحلة بنفسها.كان آدم قد أخبرها أن الطبيب يريد أن يبدأ معها بطريقة مختلفة قبل الانتقال إلى إعادة التأهيل.دخلت غرفة الفحص، فوجدت الطبيب يجهز أدواته.قال لها:"اليوم لن نبدأ بتمارين شاقة."نظرت إليه باستغراب."ماذا سنفعل؟""سأبدأ معك بالعلاج بالوخز بالإبر."نظرت إلى ساقها."الإبر؟"ابتسم."نعم. الهدف هو تحفيز مناطق معينة ومساعدة العضلات والأعصاب على الاستجابة بشكل أفضل، وبعدها سننتقل تدريجياً إلى إعادة التأهيل."أومأت."أنا مستعدة."استلقت ليان بهدوء.كان الطبيب يشرح لها كل خطوة قبل أن يقوم بها، حتى لا تشعر بالخوف.وضعت يدها على طرف السرير.ثم بدأت الجلسة.في البداية شعرت بوخز خفيف.ثم إحساس غريب بالشد في بعض المناطق.أغمضت عينيها.
مرت ثلاثة أيام منذ زيارة ليان للطبيب.ثلاثة أيام لم تتحدث فيها عن الأمر مع أحد.كانت تذهب إلى مركز الرقص صباحاً، ثم تعود إلى المنزل، وتكمل إجراءات سفرها بصمت.أما حاسم، فقد أصبح أكثر ملاحظة لكل تفاصيلها.لم يكن يسألها مباشرة.لكنه كان يراقب.لاحظ أنها أصبحت تستيقظ مبكراً.لاحظ أنها تخرج أكثر.لاحظ أنها لم تعد تنتظر عودته إلى المنزل.والأهم...لاحظ أنها لم تعد ترتب حياته كما كانت تفعل في الماضي.في السابق، كان يجد ملابسه جاهزة قبل أن يطلبها.ربطات العنق التي تناسب بدلاته.الأزرار التي اختارتها بنفسها.حتى بعض التصاميم التي كانت تتواصل مع يوسف بشأنها كانت تحمل لمساتها الخاصة.أما الآن؟كان يرتدي ما يجده.ولم تعد تسأله إن كان يحتاج شيئاً.في صباح اليوم الرابع، كان حاسم في مكتبه عندما وصلته رسالة من الطبيب."النتائج الأولية جاهزة. نحتاج إلى جلسة أخرى لمناقشة خطة العلاج."ظل ينظر إلى الرسالة.كان
كانت ليان قد قررت منذ أيام أن تبدأ خطوة جديدة.بعد أن حصلت على موافقة التأشيرة، لم تعد تريد أن تغادر وهي تحمل في داخلها سؤالاً واحداً عن ساقها.إذا كانت ستعود إلى الرقص، فعليها أن تعرف أولاً إلى أي مدى تستطيع جسدياً أن تفعل ذلك.ولهذا، عندما أخبرتها نادين عن طبيب جديد يستخدم تقنية مختلفة في إعادة التأهيل، اهتمت فوراً.قالت لها نادين:"إنه ليس طبيباً عادياً. آدم يعرفه، وقد أخبرني عنه."رفعت ليان عينيها."آدم؟""نعم."ثم أضافت:"يقول إن طريقته مختلفة عن الأطباء الذين ذهبتِ إليهم سابقاً."فكرت ليان للحظة.ثم وافقت.في اليوم التالي، اجتمعت ليان بنادين.كان آدم الكيلاني ينتظرهما في مقهى قريب.عندما رآها، ابتسم."مر وقت طويل."قالت ليان:"نعم."كان آدم ينظر إليها باهتمام واضح، لكنه كان حريصاً على ألا يكشف شيئاً.كان قد عرفها منذ سنوات.وعلى الرغم من أن ليان لم تكن تعرف ما كان يشعر به تجاهها، إلا أن
في صباح اليوم التالي، استيقظت ليان قبل شروق الشمس.لم يكن هناك سبب واضح يجعلها تستيقظ باكراً.لكن منذ أن عادت إلى مركز الرقص، أصبح النوم مختلفاً.كانت تشعر أن شيئاً قديماً استيقظ بداخلها.شيء ظنت أنه مات منذ أربع سنوات.جلست على حافة السرير، ثم نظرت إلى الصندوق الموجود بجانبها.فتحت الغطاء.كان حذاء الرقص الذي اشتراه لها حاسم بالأمس.مررت أصابعها فوقه.ثم ابتسمت."شكراً..."قالتها لنفسها.لكنها لم تكن متأكدة إن كانت تشكره لأنه أعاد إليها شيئاً تحبه...أم لأنها أدركت بسببه أن هذا الحلم لم يمت فعلاً.بعد ساعة، كانت في مركز الرقص.وقفت أمام المرآة الكبيرة.كان المدرب أمامها."سنبدأ ببطء."أومأت."أنا مستعدة.""لا تحاولي إثبات شيء."نظرت إليه."لا أريد إثبات شيء."ثم أخذت نفساً عميقاً."أريد فقط أن أرقص."بدأت الموسيقى.خطوة.ثم أخرى.
كان صباحاً عادياً...على الأقل بالنسبة إلى حاسم.استيقظ، ارتدى بدلته، تناول قهوته، ثم خرج إلى الشركة.لكن بالنسبة إلى ليان، كان كل يوم يمر يحمل معه خطوة جديدة نحو النهاية.لم تعد تفكر في سؤال واحد:هل سأرحل؟بل أصبح السؤال:متى؟بعد خروج حاسم، دخلت ليان غرفتها وأغلقت الباب.وضعت حقيبتها على السرير، ثم أخرجت ملفاً صغيراً.كانت الأوراق مرتبة بعناية.جواز السفر.شهادة اللغة.خطاب القبول.الوثائق الجامعية.ثم ورقة التأشيرة.وضعت إصبعها على التاريخ.اقترب الموعد.ابتسمت دون أن تشعر.ثم رن هاتفها.كانت الجامعة.أجابت بسرعة."مرحباً."تحدثت الموظفة معها لبضع دقائق، ثم قالت:"نعم، بالتأكيد. سأرسل لكم الوثيقة المطلوبة اليوم."أغلقت المكالمة.وأخذت نفساً عميقاً.كانت الأمور تسير كما خططت.لكنها لم تكن وحدها التي بدأت تلاحظ التغيير.







