Home / الرومانسية / بين جليده..ودفئي / الفصل التاسع: حين تصبح الكلمات أثقل من معناها

Share

الفصل التاسع: حين تصبح الكلمات أثقل من معناها

last update publish date: 2026-05-18 02:08:43

بقي أثر كلمات سيرين معها حتى بعد انتهاء الدوام.

"ناس كتير بتتلخبط بين الاهتمام والشفقة."

جملة قصيرة، لكن وقعها كان مزعجًا بطريقة لم ترغب ليان في الاعتراف بها. ربما لأن جزءًا صغيرًا داخلها سأل السؤال نفسه للحظة، ثم غضب من نفسه فورًا.

هل كان آسر يعاملها بشكل مختلف؟

وإن كان… لماذا؟

وهل هو اهتمام أصلًا؟

أم مجرد مسؤول يرى موظفة جديدة تحاول جاهدًا ألا تغرق؟

أغلقت دفتر ملاحظاتها بقوة أخف مما تشعر به، ثم زفرت وهي ترتب أغراضها فوق المكتب. معظم الموظفين غادروا بالفعل، والطابق بدأ يستعيد هدوءه المعتاد بعد أيام العمل الطويلة.

كانت على وشك المغادرة حين ظهر عمر قرب مكتبها يحمل كوب قهوته المعتاد.

تساءلت أحيانًا إن كان هذا الرجل ينام والقهوة بيده.

نظر إليها لثانيتين، ثم قال:

"النهاردة عديتي مستوى جديد."

رفعت حاجبها.

"إيه المستوى؟"

جلس على طرف المكتب دون استئذان، كعادته.

"إنكِ تتكلمي في اجتماع مهم، وتصلحي موقف قدام مستثمرين، وبعدها السيد آسر يمدحك."

ضيقت عينيها.

"هو مدحني؟"

نظر إليها عمر كأنها قالت شيئًا سخيفًا.

"لو حد غيرك كان موجود، كان هيعتبر الجملة دي شهادة تقدير."

خرجت منها ضحكة قصيرة رغم توترها.

ثم هزت رأسها.

"إنتوا مكبرين الموضوع."

مال قليلًا للأمام.

"إحنا؟ ولا أنتِ اللي رافضة تشوفي؟"

توقفت.

عبست دون فهم.

لكن عمر ابتسم فجأة وغير الموضوع:

"على فكرة، هناء قالت إن فيه مراجعة كبيرة الأسبوع الجاي، فاستعدي."

زفرت ليان بيأس مصطنع.

"ممتاز، كنت محتاجة سبب جديد للتوتر."

ضحك.

ثم وقف وهو يحمل كوبه.

وقبل أن يبتعد، قال بنبرة أخف:

"وبلاش تسمعي كلام ناس بتحب تحط السم جوه العسل."

توقفت يدها فوق الحقيبة.

رفعت رأسها ببطء.

لكن عمر كان قد أكمل طريقه بالفعل.

لم يذكر اسم سيرين.

ولم يحتج لذلك.

في تلك الليلة، هطل المطر للمرة الأولى منذ أيام طويلة.

مطر خفيف في البداية، ثم ازداد تدريجيًا حتى صار صوت قطراته يملأ الشوارع الضيقة قرب منزل ليان.

كانت تجلس قرب النافذة الصغيرة في غرفتها بعد أن أنهت مراجعة بعض الملفات التي أخذتها معها، رغم أنها وعدت نفسها ألا تعمل خارج الشركة.

لكن الديون لا تحترم الوعود.

ولا الخوف.

وضعت القلم جانبًا حين شعرت بألم خفيف في رقبتها.

ثم أسندت رأسها للخلف وهي تغلق عينيها.

تذكرت والدها فجأة.

الأمر يحدث دائمًا دون إنذار.

تفصيلة صغيرة، جملة، أو حتى شعور بالتعب، يعيدها إليه.

تذكرت يديه الخشنتين من العمل، وطريقته في العودة متعبًا لكنه يحاول الضحك، ووعده القديم:

"هتتعبي شوية دلوقتي يا ليان، بس بعدين كل حاجة هتبقى أحسن."

لكن "بعدين" لم تأتِ أبدًا.

لأن الحادث جاء أولًا.

فتحت عينيها بسرعة.

لا تحب البقاء طويلًا داخل الذكريات.

الذكريات مؤذية حين تصبح ملجأ.

رن هاتفها فجأة.

نظرت للشاشة.

هناء.

استغربت.

أجابت بسرعة:

"ألو؟"

جاء صوت هناء مترددًا قليلًا.

"آسفة إني بكلمك متأخر."

اعتدلت ليان فورًا.

"لا عادي، فيه حاجة؟"

صمت قصير.

ثم قالت:

"ملف مشروع النخبة… النسخة الأخيرة مش موجودة على النظام."

شعرت ليان بالتوتر فورًا.

"إزاي؟"

"واضح إن حصل خطأ في الرفع."

جلست مستقيمة تمامًا الآن.

"طب نعمل إيه؟"

تنهدت هناء.

"السيد آسر لسه في الشركة بيدور عليه."

توقفت ليان.

نظرت للساعة.

تجاوزت التاسعة مساءً.

هو ما زال هناك؟

قالت دون تفكير:

"أنا عندي نسخة محدثة على اللابتوب."

ساد الصمت ثانية.

ثم جاء صوت هناء:

"تقدري تبعتيها؟"

"آه طبعًا."

لكن المشكلة…

أن الملف لم يكن محدثًا بالكامل إلا عبر النظام الداخلي للشركة.

أغمضت عينيها لحظة.

ثم قالت:

"أنا ممكن أجي."

اعترضت هناء فورًا:

"لا، الجو مطر ومتأخر."

لكن ليان كانت قد اتخذت قرارها.

"ربع ساعة وأكون هناك."

حين وصلت إلى الشركة، كان المطر قد ازداد.

هبطت من سيارة الأجرة وهي تحاول حماية حقيبتها، لكن دون جدوى.

وصلت إلى المدخل وشعرها مبلل قليلًا، وأطراف معطفها تحمل آثار المطر.

كان المبنى هادئًا بشكل غريب ليلًا.

أكثر اتساعًا.

وأكثر برودة.

صعدت بسرعة.

وحين خرجت من المصعد…

وجدت الطابق شبه فارغ.

الأضواء خافتة إلا في بعض المكاتب.

ورأت باب مكتب آسر مفتوحًا.

ترددت ثانية.

ثم طرقت بخفة.

رفع رأسه فورًا.

وبدا عليه شيء يشبه المفاجأة.

توقف عن الكتابة للحظة وهو يحدق بها.

ثم قال:

"إنتِ بتعملي إيه هنا؟"

دخلت وهي تحاول إخفاء ارتجاف أصابعها من البرد.

"هناء قالت إن الملف ناقص."

بقي ينظر إليها ثانية أطول.

ثم وقعت عيناه على شعرها المبلل.

وعلى كم معطفها.

واختفى أي تعبير آخر من وجهه.

حل محله شيء أكثر صرامة.

قال ببطء:

"إنتِ جيتي في المطر عشان ملف؟"

رمشت.

شعرت أن السؤال غريب.

"آه… يعني الموضوع مهم."

وقف.

بهدوء.

لكن شيئًا في حركته أوحى بانزعاج لا تفهمه.

قال:

"كان ممكن يتبعت بكرة."

عقدت حاجبيها.

"بس لو المشروع اتأخر—"

قاطعها:

"مش كل حاجة محتاجة تضحي بنفسك عشانها."

توقفت الكلمات داخلها.

لأن نبرته…

لم تكن نبرة مدير يتحدث عن العمل.

بدت شخصية أكثر مما ينبغي.

وهذا أربكها.

قالت بعد لحظة:

"أنا بس… ما حبيتش أكون سبب مشكلة."

ساد الصمت.

نظر إليها.

نظرة طويلة هذه المرة.

كأنه يريد قول شيء، ثم يتراجع.

ثم تنهد بخفة بالكاد سُمعت.

وقال بصوت عاد أكثر هدوءًا:

"الملف فين؟"

أخرجت اللابتوب بسرعة.

وجلست تشرح.

وبعد عشرين دقيقة تقريبًا، انتهت المشكلة.

كان ينبغي أن تغادر مباشرة.

لكن المطر بالخارج أصبح عنيفًا.

سمعتهما الأمطار وهي تضرب الزجاج بقوة.

نظرت ليان للنافذة بتردد.

ثم للهاتف.

لا سيارات متاحة بسهولة في هذا الوقت.

لاحظ آسر ذلك.

بالطبع لاحظ.

صار الأمر مزعجًا.

كيف يرى التفاصيل الصغيرة دائمًا؟

قال وهو يعود للأوراق أمامه:

"استني المطر يخف."

التفتت نحوه.

"عادي، هتصرف."

رفع عينيه إليها مباشرة.

وجاء رده أبرد:

"وده كان طلب؟"

حدقت به ثانيتين.

ثم جلست ببطء دون تعليق.

لأنها بدأت تفهم أن إصراره يشبه الجدار أحيانًا.

الصمت الذي تلا ذلك لم يكن مريحًا تمامًا.

لكنه لم يكن سيئًا أيضًا.

هي تجلس على الأريكة الجانبية تراجع هاتفها.

وهو يعمل.

وصوت المطر بالخارج يملأ الفراغ.

الغريب…

أنها لم تشعر بالتوتر المعتاد.

ربما لأن الليل يغير الأشياء.

أو لأن الإنسان حين يراه الآخر متعبًا أكثر من مرة، يبدأ بالخوف منه أقل.

بعد مدة، رفعت رأسها دون قصد.

ونظرت إليه.

كان مركزًا على الأوراق أمامه.

ملامحه جامدة كالعادة.

لكن الإرهاق واضح.

أكثر من أي يوم.

خرج السؤال منها بهدوء:

"إنت… بتشتغل للوقت ده كل يوم؟"

لم يرفع رأسه مباشرة.

بقي يكتب ثواني.

ثم قال:

"في الغالب."

عبست.

"وده طبيعي؟"

هذه المرة رفع عينيه.

ونظر إليها كأنه يحاول فهم السؤال نفسه.

ثم قال:

"الطبيعي حاجة نسبية."

ابتسمت بخفة دون وعي.

"دي إجابة ناس بتحب تهرب."

توقفت يده فوق الورقة.

لثانية واحدة فقط.

ثم…

شيء غريب حدث.

خرجت منه ضحكة قصيرة جدًا.

منخفضة.

تكاد لا تُسمع.

لكنها كانت حقيقية.

تجمدت ليان.

حدقت به دون تصديق.

أما هو…

فلاحظ.

بالطبع لاحظ.

رفع حاجبًا وقال:

"إيه؟"

ما زالت تحدق.

ثم خرج الرد منها تلقائيًا:

"إنت… ضحكت."

عاد البرود لوجهه فورًا تقريبًا.

"واضح إن الموضوع حدث تاريخي."

اتسعت عيناها.

ثم…

ضحكت.

ضحكة حقيقية هذه المرة.

نسيت نفسها لثوانٍ.

ونسيت أنه مديرها.

ونسيت كل الحواجز.

ولثانية قصيرة جدًا…

شعر المكان أخف.

كأن شخصين متعبين من الحياة توقفا عن حمل كل شيء للحظة.

لكن اللحظة لم تستمر.

لأن هاتف آسر رن فجأة.

نظر للشاشة.

وتغير وجهه بالكامل.

اختفى الهدوء.

عادت القسوة.

أجاب بعد ثوانٍ:

"نعم."

صمت.

ثم أصبح فكه أكثر تصلبًا.

وجاء صوت أنثوي مرتفع قليلًا من الطرف الآخر، لم تفهم ليان الكلمات.

لكنها عرفت صاحبة الصوت.

سيرين.

قال آسر ببرود شديد:

"قلت لكِ إن القرار مش هيتغير."

صمت.

ثم:

"وده آخر كلام عندي."

وأغلق الهاتف.

بعنف هذه المرة.

ساد الصمت بعدها.

ثقيلًا.

أبعد من أن تكسره ليان.

لكنها لاحظت شيئًا.

يده فوق المكتب…

كانت مشدودة بقوة.

وكأنه يقاوم غضبًا قديمًا.

أو ذكرى.

أو شيئًا لا تعرفه.

ولأول مرة منذ عرفته…

لم ترَ رجلًا باردًا.

رأت رجلًا يبدو متعبًا من الحرب.

حتى لو لم تعرف ضد ماذا يقاتل.

والشيء الذي أخافها فعلًا…

أن قلبها شعر بالحزن نحوه.

وهذا…

لم يكن جيدًا أبدًا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بين جليده..ودفئي   الفصل السابع والأربعون بعد المئة (جانبي)

    البيت الذي امتلأ بالضحكات ...... مرّت ثلاثة أشهر منذ عودتهما من شهر العسل. وثلاثة أشهر كانت كافية لتكتشف ليان حقيقة لم يخبرها بها أحد قبل الزواج... أن آسر، الرجل الذي كان يدير إمبراطورية كاملة بكل هدوء، يتحول إلى شخص آخر تمامًا عندما يتعلق الأمر بالأعمال المنزلية. في صباح أحد أيام الجمعة، استيقظت ليان على رائحة غريبة ملأت المنزل. فتحت عينيها ببطء، ثم جلست في السرير وهي تشم الهواء. "إيه الريحة دي؟" لم تجد آسر إلى جوارها. ارتدت روبًا خفيفًا، واتجهت نحو المطبخ. وما إن فتحت الباب... حتى توقفت مكانها. كان المطبخ أشبه بساحة معركة. الدقيق يغطي الرخامة. والبيض على الأرض. والحليب مسكوب بجوار الموقد. أما آسر... فكان يقف في المنتصف مرتديًا مئزرًا أبيض كتب عليه: "أفضل زوج في العالم." رفع رأسه إليها مبتسمًا. "صباح الخير." ظلت تنظر إليه وإلى الفوضى من حوله. ثم سألت بهدوء مخيف: "إنت... بتعمل إيه؟" أجاب بثقة وكأنه أنجز مهمة عظيمة: "بفطر مراتي." اقتربت من الموقد. نظرت إلى المقلاة. ثم عادت تنظر إليه. "وده إيه؟" نظر إلى المقلاة هو الآخر. "أومليت." رفعت حاجبها. "متأكد؟" ن

  • بين جليده..ودفئي   الفصل السادس والأربعون (خاص)

    الرجل الذي ظن أن قلبه ماتكان الليل هادئًا على غير عادته.تسللت نسائم البحر إلى شرفة الفندق، تحمل معها رائحة الملح والياسمين المزروع أسفل الشرفات، بينما كانت الأمواج تتكسر برفق على الصخور في إيقاع أشبه بلحنٍ هادئ لا يعرفه إلا من عاش طويلًا وسط الضجيج.خرج آسر إلى الشرفة بعدما تأكد أن ليان قد غرقت في نومٍ عميق.كانت ملامحها ساكنة...هادئة...كأن الحياة أخيرًا اعتذرت لها عن كل ما سرقته منها.وقف طويلًا يتأملها من خلف الزجاج، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة لم يشعر بها حتى هو.منذ سنوات...كان يظن أنه نسي كيف يبتسم.---أخرج من جيب سترته دفترًا جلديًا صغيرًا.كان هدية من ليان قبل أسبوع.قالت له يومها ضاحكة:"طالما مبتعرفش تقول اللي جواك... اكتبه."ابتسم وقتها ولم يعلق.أما الآن...فتح الصفحة الأولى.ظل القلم بين أصابعه عدة ثوانٍ، قبل أن يكتب أول جملة."إلى زوجتي... التي أعادت إليّ قلبي."توقف.نظر إلى الكلمات.ثم تنهد."واضح إني فعلًا بقيت رومانسي."ضحك وحده.ثم عاد يكتب.---"كنت دائمًا أقول إن أول مرة رأيتك فيها كانت داخل الشركة...لكن الحقيقة...إن أول مرة انتبهت فيها إليك لم تكن هناك."---عا

  • بين جليده..ودفئي   الفصل الخامس والاربعون بعد المئة (خاص)

    الفصول الخاصةالفصل الخاص الثانيشهر العسل... حيث ذاب الجليدلم تكن ليان تتخيل يومًا أن أكثر ما سيربكها بعد الزواج... هو حقيبة سفر.وقفت في منتصف غرفة النوم، تحيط بها الملابس من كل اتجاه، تمسك بفستان صيفي في يد، وحذاءً رياضيًا في الأخرى، بينما كانت تنظر إلى الحقيبة المفتوحة وكأنها لغز يستحيل حله.قالت وهي تزفر للمرة العاشرة:"أنا مش عارفة آخد إيه وأسيب إيه."كان آسر يستند إلى إطار الباب، مكتفًا بمراقبتها منذ عشر دقائق كاملة، دون أن يتدخل.ابتسم وهو يعقد ذراعيه أمام صدره."بقالك نص ساعة بتلفي حوالين الشنطة."التفتت إليه باستنكار."طبعًا! دي أول مرة أسافر شهر عسل."اقترب منها بهدوء.ثم أخذ الفستان من يدها ووضعه داخل الحقيبة."خلاص."نظرت إليه."خلاص إيه؟""خلاص اتحلت."ضيقت عينيها."إنت شايف إن كل الحلول سهلة كده؟"ابتسم ابتسامته المستفزة التي كانت تعرفها جيدًا."آه."ضربته بالمخدة القريبة منها.فضحك لأول مرة بصوت مرتفع.أمسك المخدة وأعاد رميها نحوها، فأصابتها في كتفها.شهقت وهي تضحك."آسر!""نعم؟""إنت بدأت.""وأنا هكسب."أمسكت مخدة ثانية، لتبدأ بينهما معركة قصيرة انتهت بعد دقائق، حين

  • بين جليده..ودفئي   الفصل الرابع والاربعون بعد المئة (فصل خاص)

    أول ليلة... بلا خوفلأول مرة منذ سنوات طويلة، لم يكن الليل يحمل رائحة الخطر.لم تكن هناك سيارات سوداء تراقب المكان، ولا هواتف ترن برسائل تهديد، ولا رجال يختبئون خلف الظلال، ولا رصاص ينتظر لحظة غفلة ليخترق سكون الحياة.كانت المدينة هادئة...هادئة إلى درجة أن ليان شعرت بالغرابة.جلست إلى جوار آسر في السيارة التي كانت تشق الطريق ببطء، بينما كانت أضواء الشوارع تنعكس على زجاج النافذة في خطوط ذهبية متتابعة، ولم تكن تفعل شيئًا سوى النظر إلى الخارج، وكأنها تحاول أن تتأكد أن كل ما حدث منذ ساعات لم يكن حلمًا.أخيرًا...أصبحت زوجته.أما آسر، فكان يقود بصمت، لكن ملامحه لم تعد تحمل تلك الصرامة التي اعتادها الجميع، بل شيئًا من الراحة لم تعرف طريقها إلى وجهه منذ زمن بعيد.قطع الصمت صوته الهادئ."ساكتة ليه؟"ابتسمت وهي ما تزال تنظر من النافذة."بستغرب."رفع حاجبه."من إيه؟"التفتت إليه، ثم قالت بابتسامة صغيرة:"إحنا خارجين من فرحنا... ومفيش حد بيطاردنا."ضحك بخفة، ثم هز رأسه."أهو أخيرًا."سكت لحظة، ثم أضاف وهو ينظر للطريق:"أعترف إن الموضوع غريب حتى بالنسبة لي."ضحكت ليان، فضحك معها.كانا يضحكان على

  • بين جليده..ودفئي   الفصل الثالث والأربعون بعد المئة والأخير

    وأخيرًا... الحياةبقيت ليان تنظر إلى الأفق، بينما كانت الشمس تغيب ببطء خلف المباني القديمة، لتغمر السماء بألوان ذهبية وبرتقالية دافئة، وكأنها تحتفل معهما بانتهاء رحلة طويلة من الألم. لم تكن تعلم أن آسر، الجالس إلى جوارها، يخوض في داخله معركة لا تقل صعوبة عن كل المعارك التي خاضها من قبل.كان يستطيع مواجهة الرصاص دون أن ترتجف يده.لكن الآن...كانت أصابعه ترتجف وهو يلمس العلبة الصغيرة داخل جيبه.لاحظت ليان شروده.ابتسمت وهي تميل نحوه قليلًا."مالك؟"تنحنح بخفة."ولا حاجة."ضيقت عينيها."أنت عمرك ما عرفت تكذب."ضحك بخجل لم تره عليه من قبل.ثم وقف فجأة.مد يده إليها."تعالي."أمسكت يده، ونهضت وهي تبتسم باستغراب.سارا ببطء حتى وصلا إلى الشجرة الكبيرة التي كانت تقف في طرف الحديقة، حيث بدأت حكايتهما قبل أشهر طويلة، يوم كانت كل كلمة بينهما تنتهي بشجار.توقف آسر.وأخذ نفسًا عميقًا.ثم استدار إليها.لم يكن يحمل سلاحًا هذه المرة...ولا خطة هروب...ولا يخوض معركة.كان يحمل قلبه فقط.أخرج العلبة الصغيرة من جيبه.واتسعت عينا ليان.نظر إليها بعينين امتلأتا حبًا.ثم انخفض على ركبة واحدة.شهقت وهي وضعت

  • بين جليده..ودفئي   الفصل الثاني والأربعون بعد المئة

    آخر رسالة... وأول حياةلأول مرة منذ سنوات طويلة...لم تكن ليان تركض.لم تكن تختبئ.لم تكن تنظر خلفها كل بضع خطوات خوفًا من رصاصة أو خيانة أو وجه يخرج من الماضي.كانت السماء فوقها صافية على نحو لم تنتبه إليه من قبل، والنسيم الخفيف الذي داعب خصلات شعرها بدا وكأنه يحمل معها آخر بقايا الألم بعيدًا، حتى شعرت وهي تسير بجوار آسر أن العالم، الذي اعتادت أن تراه مكانًا قاسيًا لا يرحم، بدأ يمنحها أخيرًا فرصة لتلتقط أنفاسها.سارا معًا في الممر الحجري المؤدي إلى المنزل الذي كانت مريم قد أوصت بأن تُفتح وصيتها الأخيرة فيه، لا في المحكمة ولا في النيابة، بل في بيتها القديم... البيت الذي شهد أجمل سنوات عمرها، قبل أن تسرقها المؤامرات من ابنتها.فتح سامر الباب ببطء.صرّ الخشب القديم تحت يده، بينما اندفعت رائحة المكان التي امتزجت برائحة الكتب والياسمين الجاف.توقفت ليان عند العتبة.شعرت بشيء يخنقها.همست دون أن تشعر:"ريحة ماما..."ساد الصمت.حتى عمر، الذي اعتاد كسر أي لحظة حزينة بمزحة، لم يجد هذه المرة كلمة واحدة يقولها.اقتربت نجلاء من ليان وربتت على كتفها برفق."ادخلي يا حبيبتي..."ابتسمت ليان ابتسامة

  • بين جليده..ودفئي   الفصل الثامن : المسافات التي تضيق دون قصد

    مرّ أسبوع تقريبًا منذ دخول ليان إلى شركة الكيلاني، ومع ذلك كانت تشعر أحيانًا وكأنها أمضت أشهرًا كاملة داخل ذلك المكان. ربما لأن الأيام هناك لا تمر بخفة، بل تبتلع أصحابها تدريجيًا. كل صباح يبدأ بهدوء قصير، ثم يتحول إلى دوامة من الاجتماعات والأرقام والمواعيد والوجوه المتجهمة.أما هي…فبدأت تحفظ الإيق

  • بين جليده..ودفئي    الفصل السابع ما لا يقوله الليل

    بقيت ليان واقفة مكانها لثوانٍ بعد جملته، وكأن الكلمات البسيطة التي خرجت منه علقت في الهواء بينهما بدل أن تنتهي."مش كل الناس بتعرف تنام بسهولة."لم يكن الرد غريبًا بحد ذاته، لكن طريقته في قوله كانت مختلفة. لم يحمل ذلك البرود المعتاد الذي يشبه الأوامر، ولم يكن ساخرًا كما يفعل أحيانًا حين ترتبك أمامه

  • بين جليده..ودفئي   الفصل السادس " أشياء تبدأ بصمت"

    لم تعرف ليان لماذا بقي ذلك الإحساس يرافقها طوال اليوم.إحساس غريب…كأن شيئًا ما يتحرك تحت سطح الأحداث العادية.شيء لا تراه بوضوح بعد، لكنه موجود.منذ دخول سيرين إلى حياتها العملية، أصبحت الأجواء مختلفة.أثقل.أكثر حذرًا.وكأن كل كلمة تحتاج وزنًا قبل قولها.هزت رأسها بخفة وهي تراجع الملاحظات أمامها.

  • بين جليده..ودفئي   "الفصل الخامس "أشياء لا تقال

    لم تكن ليان تعرف لماذا بقيت كلمات سيرين عالقة في رأسها طوال بقية اليوم." شكل الأستاذ آسر بيديكي اهتمام خاص شوية ولا أنا بيتهيألي ."كلما حاولت تجاهل الجملة… عادت.وكلما أقنعت نفسها أنها مجرد ملاحظة عابرة، تذكرت الطريقة التي قالتها بها.هادئة.ناعمة.لكن خلفها شيء آخر.شيء يشبه التحذير.أو التهديد.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status