Mag-log inعادت لي ميا إلى الجناح الجديد في هدوء مصطنع، تحاول أن تتجاهل الرعشة التي ما زالت تسري في يدها منذ قراءة الرسالة. طوت الورقة بعصبية وخبأتها في أسفل درج مكتبها، ثم جلست على حافة السرير تحاول ترتيب أنفاسها.
دخل تشانغ دو بعد دقائق، لا يزال ببزته الرسمية من مراسم توقيع العقد. لاحظ شحوب وجهها فورًا، فتوقف عند الباب: — «ما بكِ؟ وجهكِ أشحب مما كان في المستشفى.» رفعت رأسها بسرعة، وأجابت بصوت متماسك أكثر مما تشعر: — «لا شيء. مجرد إرهاق اليوم.» نظر إليها بشك لم يخفِه، لكنه لم يضغط أكثر. تقدم منها بدلًا من ذلك، وعيناه تنزلان نحو كتفها: — «الضمادة تحتاج تغييرًا. الممرضة أعطتني التعليمات قبل خروجنا.» جفلت لي ميا: — «أستطيع فعل ذلك بنفسي.» — «بيد واحدة؟» رفع حاجبه بسخرية باردة. «جربي، وسأشاهد.» توقفت لي ميا، أدركت صحة كلامه رغم ضيقها منه. مدت له الشاش والمطهر بصمت متجهم، وجلست على الكرسي بجانب النافذة، تدير كتفها المصاب نحوه. جثا تشانغ دو أمامها على ركبة واحدة، وبدأ يفك الضمادة القديمة بحذر غير متوقع من رجل عُرف بجفافه. كانت أصابعه، رغم خشونتها العسكرية، تتحرك ببطء محسوب، وكأنه يتعامل مع شيء قابل للكسر. — «سيؤلم قليلًا.» قال دون أن يرفع عينيه إليها. «تحملي.» شهقت لي ميا بخفة حين لامس المطهر الجرح، وأمسكت بحافة الكرسي بقوة. لاحظ تشانغ دو ذلك، فتوقف للحظة، وسأل بنبرة أقرب للحدة منها للحنان: — «أأنتِ بخير؟» — «أنا بخير.» ردّت بعناد، رافضة أن تظهر ضعفها أمامه. لم يعلّق. عاد لعمله بصمت، لكن ملامح وجهه كانت متجهمة بشكل غريب، وكأنه يعصر أعصابه ليبقى هادئًا. لاحظت لي ميا ذلك من زاوية عينها — حاجباه المعقودان، فكّه المشدود، أنفاسه التي بدت أثقل من المعتاد. — «لماذا تبدو منزعجًا هكذا؟» سألته فجأة. «أنا من يتألم، لا أنت.» توقفت يده للحظة عن الحركة. لم يجب مباشرة، بل أكمل ربط الضمادة الجديدة بإحكام هادئ، ثم قال بصوت منخفض وجاف: — «لا أحب رؤية الدم. هذا كل شيء.» كانت إجابة سطحية واضحة، ولم تصدقها لي ميا للحظة. رجل خاض الحرب وعاد منها لا يمكن أن يزعجه منظر جرح بسيط. لكنها لم تسأل أكثر، اكتفت بمراقبته وهو يُنهي عمله بدقة جراح، رغم أنه ليس بجراح. — «انتهيت.» قال أخيرًا، ونهض واقفًا، مبتعدًا خطوة كاملة عنها فورًا، وكأنه يخشى القرب أكثر من اللازم. همست لي ميا دون أن تقصد رفع صوتها: — «شكرًا.» توقف تشانغ دو عند الباب، ظهره إليها، وبدا للحظة وكأنه سيقول شيئًا، لكنه اكتفى بإيماءة رأس خفيفة: — «هذا واجبي. لا أكثر.» ثم أضاف بصوت أخفض، يكاد لا يُسمع: «احرصي على عدم إجهاد نفسكِ.» خرج مسرعًا قبل أن تتمكن من الرد، تاركًا خلفه ارتباكًا غريبًا في صدر لي ميا. راقبت الباب المغلق لثوانٍ طويلة، تتساءل عن ذلك التناقض الغريب في هذا الرجل — البرود القاطع في كلماته، مقابل تلك الأيدي التي عالجت جرحها بحذر لم تتوقعه من ضابط جاف كهذا. فور إغلاقه الباب خلفه، وقف تشانغ دو في الممر المظلم لثوانٍ معدودة. أغمض عينيه ببطء، وتنفس بحدة كأنه يفر من معركة لم يستعد لها. نظر إلى كفيه اللتين كانتا تمسكان بالشاش، وثنى أصابعه ببطء ليخفي أثرهما في جيب بكتفه، متسائلاً في سره كيف لفتاة واحدة أن تخلّ بتوازنه العسكري الذي بنى أركانه لسنوات مرت الأيام التالية بإيقاع مشابه: صمت طويل، جمل مقتضبة، ومسافة حذرة يحرص كلاهما على الحفاظ عليها. لكن تحت هذا السطح البارد، كانت هناك لحظات صغيرة متناثرة — تشانغ دو يترك لها كوب شاي دافئ على الطاولة دون أن يقول كلمة، أو يتأكد أن الحارس يرافقها كلما غادرت لعملها الجديد، دون أن يشرح لماذا يهتم أصلًا. لم يكن أي منهما يجرؤ على تسمية ما يحدث بينهما. لا هو دفء، ولا هو برود خالص. شيء معلّق في المنتصف، كالحاجز الذي لم يعودا بحاجة إليه، لكن أحدًا منهما لم يقترح إزالته أيضًا. في أحد الأمسيات، بينما كان تشانغ دو يراجع أوراقًا عسكرية في مكتبه الصغير داخل الجناح، دخل عليه أحد الخدم يحمل مغلفًا أنيقًا مزينًا بشريط ذهبي. — «سيدي، وصلت هذه لكم منذ قليل. قال حاملها إنها من الآنسة لي فاي.» توقفت يد تشانغ دو عن الكتابة. أخذ المغلف بفضول هادئ، وفتحه ليجد بطاقة دعوة أنيقة الطباعة: *«تشانغ دو العزيز، فيلمي الجديد ‘عندما يعود الشتاء’ سيُعرض حصريًا هذا الأسبوع في قاعة سينما النجمة. أريدك أن تكون أول من يشاهده... قبل أي أحد آخر. لا تخذلني.»* وفي أسفل البطاقة، توقيع أنيق برائحة عطر خفيفة لا تزال عالقة في الورق. نظر تشانغ دو إلى البطاقة للحظة طويلة، وجهه بلا تعبير واضح، ثم طواها ووضعها جانبًا على مكتبه دون أن يقرر بعد ما إذا كان سيذهب أم لا. من الغرفة المجاورة، كانت لي ميا، التي عادت للتو من عملها، قد رأت الخادم يسلّم المغلف وهي تمر بالممر. لم تسمع المحتوى، لكنها لاحظت اسم "لي فاي" يتردد بين الخادم وتشانغ دو، ورأت البطاقة الذهبية اللامعة في يده. توقفت للحظة أمام باب غرفتها، نظرة غير مفهومة تعبر وجهها — لم تكن غيرة بالضبط، بل شيء أقرب لفضول ثقيل لم تفهمه هي نفسها. ثم دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها بهدوء.تظل عينا تشانغ دو معلقتين بوجه لي ميا.«هناك شيء أود أن أخبرك به...»يضع فنجانه جانبًا.«قولي.»تخفض عينيها للحظة.«لكن قبل أن أخبرك، أريد منك ألا تغضب.»يعقد حاجبيه.«لماذا سأغضب؟»«لا أعرف.»«إذن أخبريني.»تتنفس ببطء، ثم ترفع عينيها إليه.«أعتقد أن هناك طفلًا في طريقه إلينا.»يتجمد.لا يتحرك.حتى لي ميا تبدأ بالقلق من صمته.«تشانغ دو؟»يبقى ينظر إليها.«سمعتني؟»يهز رأسه ببطء.«سمعتك.»«ولم تقل شيئًا.»ينهض من مكانه.تتسع عيناها.«إلى أين تذهب؟»لا يجيب.يمشي حول الطاولة ويتوقف أمامها.ينظر إلى وجهها، ثم إلى يدها الموضوعة فوق بطنها.«أنتِ حامل؟»تبتسم بخجل.«على الأغلب.»«على الأغلب؟»«لم أذهب إلى الطبيب بعد.»ينزل إلى مستواها، ويمسك يديها.«منذ متى تعرفين؟»«منذ بضعة أيام.»«ولم تخبريني؟»«كنت أريد أن أتأكد أولًا.»يصمت.ثم يضحك.ضحكة قصيرة، غير مصدقة.«طفل.»تبتسم.«نعم.»يمرر يده على وجهه.«طفلنا؟»تضحك.«هل تريد أن أذهب وأسأل شخصًا آخر؟»يهز رأسه بسرعة.«لا.»ثم يضع يده على بطنها بحذر شديد، كأنه يخشى أن يؤذي شيئًا لا يزال أصغر من أن يشعر بوجوده.تتأثر لي ميا.«لا يزال صغيرًا جدً
تظل الصورة فوق الطاولة. تنظر لي ميا إليها، ثم ترفع عينيها إلى تشانغ دو. «من هذه؟» لا يجيب فورًا. تنظر إليه المرأة التي أحضرت الصور، ثم تقول: «أظن أنكما تحتاجان إلى الحديث وحدكما.» تضع الصورة الثانية فوق الأولى، ثم تتجه نحو الباب. تشانغ دو لا يحاول إيقافها. وقبل أن تخرج، تلتفت إلى لي ميا. «لم آتِ لأفسد زواجك.» ترد لي ميا بهدوء: «لكن وجودك فعل ذلك بالفعل.» تخفض المرأة عينيها للحظة، ثم تغادر. يغلق الباب خلفها. يعم الصمت. تعود لي ميا إلى الصورة. «تكلم.» يتنفس تشانغ دو بعمق. «المرأة الموجودة في الصورة كانت ابنة أحد معارف والدي.» «هذا لا يجيب عن سؤالي.» «كنت أذهب إلى منزل عائلتها بسبب والدها.» «ولماذا أخفيت ذلك عني؟» «لأن الأمر انتهى منذ زمن طويل.» «هذا ليس جوابًا أيضًا.» يرفع عينيه إليها. «كنت أخشى أن تفهمي الأمر بطريقة خاطئة.» تضحك ضحكة قصيرة بلا فرح. «والآن أنا أفهمه بطريقة أفضل؟» يقترب منها. «لي ميا...» تتراجع خطوة. «لا.» يتوقف. «أريد أن أعرف الحقيقة كاملة.» «الحقيقة أنني لم أحبها.» «لكنها انتظرتك.» «هذا اختيارها.» «وقالت إنك وعدتها بالزواج.» يصمت.
تتوقف لي ميا عن التنفس للحظة. تظل عيناها معلقتين بالمرأة الواقفة أمام تشانغ دو، ثم تنتقلان إليه. أما هو، فيبقى صامتًا. تتقدم المرأة خطوة أخرى. «ألم تسمعني؟» ينظر إليها تشانغ دو ببرود. «سمعتك.» «إذن لماذا تنظر إليّ بهذه الطريقة؟» تتدخل لي ميا أخيرًا. «من هذه؟» تلتفت المرأة إليها. تتأملها من رأسها حتى قدميها، ثم تبتسم ابتسامة غريبة. «وأنتِ؟» ترفع لي ميا حاجبها. «زوجته.» تتغير ابتسامة المرأة للحظة. ثم تنظر إلى تشانغ دو. «زوجتك؟» «نعم.» «متى حدث ذلك؟» «منذ سنوات.» يصمت المكان. تبدو الصدمة على وجه المرأة واضحة. «سنوات؟» «نعم.» تضحك ضحكة قصيرة، لكن الضحكة تحمل شيئًا من عدم التصديق. «هذا مستحيل.» تقترب لي ميا من تشانغ دو. «لماذا هو مستحيل؟» تقول المرأة: «لأن تشانغ دو وعدني.» تلتفت لي ميا إليه فورًا. «وعدك بماذا؟» لا يجيب. تنظر المرأة إليه. «أخبرها.» يبقى تشانغ دو صامتًا لثوانٍ. ثم يقول: «كنت مخطئًا عندما وعدتك.» تتغير ملامحها. «مخطئًا؟» «نعم.» «وماذا عن كل ما قلته لي؟» «انتهى.» «بسهولة؟» «لم يكن هناك شيء بيننا حتى يبدأ من الأساس.» تضحك المرأة بمر
تتوقف أصوات المدافع أخيرًا. في صباح اليوم التالي، تنتشر الأخبار في شنغهاي بسرعة. اتفاقية السلام وُقّعت، والقتال توقف. تفتح المحلات أبوابها من جديد، تعود العربات إلى الشوارع، وتخرج العائلات من بيوتها بحذر، كأن المدينة كلها تحاول أن تتذكر كيف تعيش بعيدًا عن أصوات الرصاص. في منزل عائلة تشانغ، تضع لي ميا آخر طبق على مائدة الإفطار، ثم تتراجع خطوة. تلتفت نحو الباب عندما تسمع صوتًا في الخارج. «وصل.» تظهر ابتسامة صغيرة على وجهها قبل أن تتمكن من إخفائها. يدخل تشانغ دو. يرتدي بدلته العسكرية، لكن هذه المرة لا يحمل معه حقيبة أو خرائط أو أوامر. ينزع قبعته ويضعها جانبًا. تتجه عيناه إليها مباشرة. «صباح الخير.» تجيبه وهي تحاول أن تبدو هادئة: «صباح الخير.» يقترب منها. «هذا كل شيء؟» «ماذا تريد؟» «بعد أن اختفت الحرب، توقعت استقبالًا أفضل.» ترفع حاجبها. «هل تريد مني أن أقيم لك احتفالًا؟» «يمكنك البدء بعناق.» تضحك. «أنت تغيرت.» «بسببك.» «كنت أكثر جدية.» «كنت أعيش وسط الجنود.» «والآن؟» يجلس إلى المائدة، ثم ينظر إليها. «الآن أعيش وسط زوجتي، لذلك عليّ أ
تتوقف لي ميا في مكانها، بينما يظل تشانغ دو واقفًا أمامها، رافعًا سلاحه باتجاه الظلال التي تتحرك بين الأشجار. الضوء يقترب. «القائد تشانغ دو!» يظهر ثلاثة جنود من بين الأشجار، وخلفهم مجموعة أخرى تحمل المصابيح والأسلحة. يتقدم أحدهم بسرعة. «الحمد لله أنك بخير! كنا نبحث عنك منذ بدأ الهجوم.» لا يخفض تشانغ دو سلاحه فورًا. ينظر إلى وجوه الرجال، ثم إلى الزي الذي يرتدونه، قبل أن يلتفت إلى الطريق خلفهم. «كم عددكم؟» «نحو عشرين رجلًا.» «وأين بقية الوحدة؟» «تراجعت إلى نقطة التجمع. تلقينا أمرًا بإجلاء المصابين.» يتنفس تشانغ دو ببطء. ثم يسمع صوت إطلاق نار من الجهة التي أتيا منها. يلتفت الجنود جميعًا. «إنهم قريبون!» يتقدم تشانغ دو. «خذوا الجرحى أولًا.» يشير أحد الجنود إلى كتفه. «وأنت أيضًا مصاب.» «سأتحرك معهم.» تقترب لي ميا منه. «لن تذهب وحدك.» ينظر إليها. «لم أقل إنني سأذهب وحدي.» يمد يده إليها. تضع يدها في يده. يتحرك الجميع بسرعة بين الأشجار. بعض الجنود يساعدون المصابين، بينما ينتشر الآخرون لحماية المجموعة. تشانغ دو يمشي إلى جانب لي ميا، لكنه يع
لم تتحرك لي ميا. تتجه البنادق نحوهم من بين الأشجار، ويقف الجنود المعادون على مسافة قصيرة، بينما تتعالى في الخلفية أصوات إطلاق النار المتقطعة القادمة من جهة المعسكر. يد تشانغ دو تستقر على سلاحه، لكن كتفه المصاب يجعله يشعر بالألم مع كل حركة. يتقدم أحد الرجال خطوة. «القائد تشانغ دو، استسلم الآن.» لا يجيبه تشانغ دو. تتجه عيناه أولًا إلى الجرحى الممددين خلف الأشجار، ثم تعودان إلى لي ميا. وجهها شاحب، وأنفاسها متسارعة، لكنها تقف بجانبه بدل أن تختبئ خلفه. يقول الرجل مرة أخرى: «سلّم سلاحك، وسنترك الآخرين.» تشانغ دو يرفع يده ببطء. «أطلقوا سراح الجرحى أولًا.» يضحك الرجل بسخرية. «لست في موقع يسمح لك بالتفاوض.» يتقدم تشانغ دو خطوة. «إذن اقتلوني واتركوهم.» تلتفت لي ميا إليه بسرعة. «تشانغ دو!» ينظر إليها، وفي عينيه تحذير واضح. «ابقي خلفي.» تهز رأسها. «لن أفعل.» «لي ميا.» «لن أتركك.» تتغير ملامحه للحظة. وسط أصوات الحرب والجنود المحيطين بهم، تصل كلماتها إليه بصورة أقوى من أي شيء آخر. يقترب منها قليلًا، ويخفض صوته. «أنت متعبة.» «وأنت مصاب.» «أنا أستطيع الوقوف.» «وأنا أيضًا.»







