LOGINبوابة السجن — الساعة 10:03 صباحاً
كان المطر الخفيف يغسل حجارة الساحة الممتدة أمام سجن البلدية القاتم، محولاً الأرض إلى برك طينية سوداء. لم يكن مجرد مطر، بل كان ستاراً رمادياً يحجب رؤية المدينة، وتتصاعد في الجو رائحة لا تخطئها الأنفاس؛ خليط نفاذ من العفن، والرطوبة العالقة في الجدران العتيقة، ورائحة الحديد الصدئ الذي يشكل قضبان الزنازين. انفتح القفل المعدني الثقيل بصريرٍ مؤلم اخترق سكون الصباح: «كِراك...» خرج رجل نحيف، يرتجف لا من البرد فحسب، بل من أثر أيام أمضاها في زنزانة انفرادية لا ترى الضوء. كان "النادل"؛ نفس اليدين اللتين قدمتا صينية الشامبانيا في حفل الخطوبة الدامي، ونفس الملامح المذعورة التي أثارت الشبهات أثناء الفوضى، الآن، بدت ملامحه أكثر انكساراً، وكأن السنوات قد مرت عليه داخل السجن. وقف عند العتبة الرخامية الباردة ولم يلتفت للخلف، خائفاً من أن يرى طيف سجانه. ألقى إليه ضابط السجن حقيبة قماشية صغيرة تحتوي على ملابسه البالية بلامبالاة قاتلة: — «أغراضك الشخصية... وإياك أن تعود إلى هذا المكان مجدداً! المدينة لا ترحم من يثير الفوضى في قصور الجنرالات، وإذا عُدت، لن تخرج حياً.» هز النادل رأسه بصمت حذر، وانطلق بخطوات متسارعة، محاولاً الهروب من نظرات الضباط التي لاحقته كالسهام. في الجهة المقابلة للشارع المظلم، كانت ثمة سيارة سوداء فاخرة تقف بمحاذاة الرصيف، تتألق بلمعانها رغم سوء الطقس. انزلق زجاج النافذة الخلفية ببطء هادئ، ليظهر وجه الممثلة "لي فاي". كانت في كامل أناقتها رغم الصباح الباكر؛ مكياج مثالي، شفاه حمراء قانية كأنها دم طازج، وعينان باردتان كالثلج. ابتسمت له ابتسامة باهظة لم تلامس ملامحها الجليدية، ومدت يدها المغلفة بقفاز أنيق من النافذة، تحمل ظرفاً بنياً سميكاً تتسلل من حوافه حزم الأوراق النقدية. — «تأخرت كثيراً في خروجك...» قالت بنبرة ناعمة تهكمية، «ظننتك قد فارقت الحياة في الداخل، وكنت سأضطر للبحث عن شخص آخر ينفذ مهامي بدقة أكبر.» توقف النادل، ورمق الظرف الممتلئ ثم شاخص عينيها المثقلتين بالغرور. انحدرت قطرة عرق باردة على صدغه رغم زمهرير شهر نوفمبر القارس. مد يده نحو الظرف ببطء، فالمال هو ما يحتاجه، لكن شيئاً ما في أعماقه انكسر... ثم سحبها فجأة ورفع رأسه بشموخ غير متوقع: — «لا. لا أريد شيئاً.» تجمدت ابتسامة "لي فاي" واستحالت إلى ذهول، ثم برود حاد: — «ماذا قلت؟ هل جننت؟» اقترب منها خطوة، وكان صوته أجشَّ ومجهداً كمن خرج من قبر: — «قبلتُ منكِ المال مرة واحدة في حياتي يا آنسة... عندما كانت أمي طريحة الفراش وتحتاج إلى عملية جراحية لا أملك ثمنها، وقمتِ أنتِ بتمويلها. حينها ضغطتِ على يدي وقلتِ لي: "يوماً ما سأطلب منك معروفاً... هذا دين عليك".» تنهد بعمق، وأكمل بنبرة مشحونة بألم قسيم: — «وقد رددتُ لكِ الدين كاملاً. دخلت الجحيم بسببكِ، وتحملت الضرب والاستجواب، على الرغم من أنني لستُ من أطلق النار على الآنسة "لي ميا"! لقد كنت مجرد أداة في خطتك، والآن، انتهى الاتفاق.» رمت "لي فاي" الظرف على المقعد الجلدي بغضب عارم وشحوب يعلو وجهها، وصاحت بصوت خافت لكنه حاد: — «أحمق غبي! أنت لا تدرك ما تفعله بنفسك.» لم يبالِ بها؛ أدار ظهره ومشى تحت المطر المتساقط بخطوات جادة، بينما بقيت هي تحدق في ظهره المنحني، تتساءل كيف تجرأ خادم أن يرفض أوامرها. تنفست بحدة، وهمست لنفسها كحيوان مفترس: — «لكل إنسان ثمن في هذه المدينة... حتى أنت يا هذا. وسأجد الثمن الذي يجعلك تطيعني ثانية، ولو كان حياتك.» السفارة اليابانية — الساعة 3:40 بعد الظهر خلف البوابة الخشبية المرتفعة، يتوسطها شعار الشمس المشرقة المذهب، كان العالم يتغير. الحراس اليابانيون يقفون ببزات رسمية مشدودة القوام، كأنهم تماثيل من حديد. وصل رجل في ثلاثينيات عمره، ينضح وقاراً بنظاراته الذهبية الدقيقة وبزته البيضاء الأنيقة الخاصة بالأطباء، يحمل بيده حقيبة جلدية فاخرة. انحنى بزاوية تسعين درجة متقنة وقال بنبرة واثقة: — «كونيتشيوا... مرحباً. أنا الدكتور جين هاو، أحضرتُ التقرير الصحي الخاص بالوفد الدبلوماسي.» كانت لغته اليابانية ناصعة، نقية، وخالية تماماً من أي لكنة صينية، مما جعل الحارس يبتسم بوقار ويشير له بالدخول فوراً. داخل المكتب المغلق ذي الستائر المخملية الثقيلة، أغلقت الأبواب بإحكام، لتعزل صوت العالم الخارجي. خلع الدكتور "جين هاو" ابتسامته المهذبة الدافئة، واعتلت وجهه نظرة باردة كشفرة سكين. لم تعد ملامحه توحي بالطيبة، بل بالذكاء الحاد والمكر. فتح حقيبته الجلدية على المكتب العتيق؛ لم تكن تحوي سماعة طبية ولا وصفات دواء، بل كانت تضم خرائط عسكرية دقيقة لمدينة شنغهاي، وقائمة بأسماء ضباط كبار في جيش الجنرال "تشانغ بي"، وصورة خاصة لـ "لي ميا" التُقطت لها في حفل الخطوبة وهي تبتسم لـ "جين هاو". وضع إصبعه على وجه "لي ميا" في الصورة، وهمس باليابانية بابتسامة غامضة: — «هذه هي فرصتنا الذهبية... تشانغ دو يحميها، لكننا سنحطم هذا الدرع من الداخل. الأمر بدأ يصبح أكثر إثارة للافتراس.» قصر آل تشانغ — الجناح الشرقي — الساعة 8:15 مساءً ساد الجو ثقل خانق في قصر الجنرال. مصباح طاولي واحد يرسل ضوءاً خافتاً يقطع ظلام الصالة الفسيحة، ملقياً بظلال طويلة ومرعبة على الجدران. كانت "لي ميا" تجلس على الأريكة المخملية، وكتفها المصاب ملفوف بشاش أبيض لا يزال يذكرها بالألم، وعيناها مثبتتان بنظرة مضطربة على الهاتف الأرضي التابع للقصر. كانت تشعر بأن شيئاً ما سيحدث، ثقلاً في الهواء ينذر بعاصفة. فجأة... دوى الصوت: رنين... رنين... قفز قلبها بين ضلوعها، وكأن صوت الهاتف طعنة في قلب الصمت. ترددت، يداها ترتجفان، لكنها سحبت السماعة ورفعتها نحو أذنها: — «مرحباً؟» جاء صوتها خافتاً، مبحوحاً، ومستعداً للهروب. ساد صمت قطعه صوت أنفاس هادئة لثانيتين... ثم انساب صوت رجولي عميق، منخفض، ومشوش عبر خطوط الهاتف؛ صوت لا تعرفه إطلاقاً، ولكنه حمل في نبرته سموماً تجمد الدماء: — «لي ميا...» تجمد الدم في عروقها، واتسعت عيناها برعب حقيقي، وصاحت بوجل: — «من... من معي؟! كيف حصلت على هذا الرقم؟!» — «أششش... لا تصرخي يا عزيزتي.» انبعثت منه ضحكة خفيفة خالية من الروح، ثم أردف بنبرة أفعوانية: «أنا لم أنسكِ قط، بل أراقبك في كل خطوة... ولكنني أفكر الآن في ردة فعل زوجك العزيز القائد، عندما يعلم أنكِ أنتِ من دبرتِ محاولة اغتيال نفسكِ؟ ماذا سيفعل بها يا ترى؟ هل سيقتل شريككِ... أم سيقتلكِ أنتِ؟» شهقت "لي ميا" بعنف، واسودّت الدنيا أمام عينيها، واستحالت ملامحها بيضاء كالقماش، ونزلت قطرات العرق البارد على جبهتها المذعورة. كانت الكلمات تضرب عقلها كمطرقة ثقيلة. وفي تلك اللحظة بالذات... «طق!» انفتح باب المكتب الخارجي بقوة، وكأن غضب السماء قد اقتحم الغرفة. دخل "تشانغ دو" ببزته العسكرية التي لا تزال تحمل غبار الخدمة اليومية، ووسام رتبته يلمع تحت ضوء المصباح. كان وجهه مجهداً، لكن عينيه الحادتين الصقريتين جابتا المكان كاشفتين كل ثغرة، وكل ارتعاشة في جسدها. رآها شاحبة كالجثة، وأصابعها المرتجفة تكاد تسقط سماعة الهاتف على الطاولة. تجمد المكان تماماً. تقدم نحوها بخطوات ثقيلة ومحسوبة، كالنمر الذي يقترب من فريسته، وتوقف على بعد شبرين منها. كان صوته خافضاً، بارداً، ومحاطاً بهالة من الموت الحاسم، جعلت الغرفة تبدو أضيق بكثير مما هي عليه: — «مع مَن كنتِ تتحدثين يا لي ميا؟»لم تستطع لي ميا أن تنام. كانت جالسة أمام النافذة، وذهنها يعيد تفاصيل الأمسية الأخيرة مرة بعد أخرى. تشين خاو مات منذ ثلاث سنوات. الرجل الذي عرفته في طفولتها، الرجل الذي كانت عائلتها تعرفه، الرجل الذي يحمل في ذاكرتها تفاصيل لا يمكن أن تخطئ فيها... مات. لكنها قابلت رجلًا في المستشفى يحمل اسمًا قريبًا من اسمه، ويبدو مطابقًا له أمام الجميع. إلا أنه ليس هو. فالوحمة اختفت. والاسم الذي سمعته في المقهى لم يكن صينيًا. تاكيدا ريوجي. وضعت لي ميا يدها على صدرها. كانت تعرف أن مواجهة جين هاو الآن ستكون أكبر غلطة يمكن أن ترتكبها. إذا كان فعلًا ينتحل هوية رجل ميت، فهو بالتأكيد لن يسمح لها بالعيش بعد أن تعرف الحقيقة. لذلك لن تسأله. ولن تواجهه. بل ستعرف كل شيء أولًا. في صباح اليوم التالي، غادرت لي ميا المستشفى أثناء استراحة الغداء. لم تتجه إلى منزل عائلتها، ولم تدخل أي متجر، بل دخلت مقهى صغيرًا في شارع جانبي قريب. جلست في زاوية بعيدة، وطلبت كوب شاي. بعد دقائق، رفعت سماعة الهاتف الأرضي الموضوع قرب صندوق الحساب. طلبت رقمًا تحفظه عن ظهر قلب. جاءها صوت امرأة من الطرف الآخر. — «من؟» خفض
لم تستطع لي ميا أن تنسى الرسالة التي وجدتها فوق مكتبها صباحًا.«هل ما زلتِ تثقين بكل من هم حولكِ في هذا المكان؟»ظلت الكلمات عالقة في ذهنها طوال ساعات العمل.من كتبها؟ولماذا أرسلها إليها؟هل كان يعرف شيئًا لا تعرفه؟رفعت عينيها عن الأوراق، وفي اللحظة نفسها رأت الطبيب جين هاو يقترب منها.ابتسامته الهادئة كانت كما هي."لي ميا، هل انتهيتِ من مراجعة ملفات التوريد؟"أغلقت الملف أمامها."بقيت بعض الصفحات."وضع ملفًا آخر بجانبها."حسنًا. عندما تنتهين منها، أحتاج مساعدتكِ في غرفة الإجراءات."نظرت إليه."بالتأكيد."بعد قليل، كانت لي ميا تقف إلى جوار جين هاو في غرفة الإجراءات، ترتدي ثوبها الأبيض وتساعده في تجهيز الأدوات.فتح الطبيب صنبور الماء وغسل يديه بعناية، ثم رفع أكمام ثوبه حتى مرفقيه.كانت لي ميا تجهز الأدوات عندما توقفت يدها فجأة.حدقت في مرفقه.علامة صغيرة داكنة.كانت ذكرى قديمة تقفز إلى ذهنها.ضحكة طفل.حديقة واسعة.صبي صغير كان يمد ذراعه إليها بفخر ويقول:«انظري، هذه العلامة لن تختفي أبدًا.»تشين خاو.صديق طفولتها.كانت لديه وحمة واضحة على مرفقه الأيسر.لكن الرجل الواقف أمامها الآن..
منذ صباح اليوم التالي، تغير شيء خفي ورقيق في حياة "لي ميا".لم يكن تغييراً صارخاً أو واضحاً يمكنها الإمساك به بأصابعها أو توجيه الاتهام إليه، بل مجرد إحساس غامض وثقيل بالهواء من حولها، يشبه الشعور بأن عينين مجهولتين تلتفتان إليها أكثر من المعتاد، وتتتبعان حركة ظلها على الطرقات.خرجت من البوابة الرئيسية للقصر الفاخر بعد أن ودّعت السيدة "تشانغ" بابتسامة اقتطعتها من بين أحزانها المكتومة. استقلت السيارة العسكرية المخصصة لنقلها، والتي أمر والده الجنرال بأن تصحبها يومياً إلى المستشفى الكبير.جلست "لي ميا" خلف الزجاج المعتم، تضع حقيبتها الجلدية البسيطة على حجرها، وتقلب في ذاكرتها أوراق الأيام الماضية التي ازدادت قسوة.قضية والدها وتهمه السياسية المعلقة في الهواء...الرسائل الغامضة والتهديدات بعطر الشانيل والفول السوداني المحمص...القائد "تشانغ دو" الذي تحول في الآونة الأخيرة إلى كتلة من الصمت والمرارة والجفاف...وأخيراً، الطبيب "جين هاو" الذي بدا اهتمامه بها وبأخبار القصر وخطوط الإمدادات العسكرية يتزايد بصورة غير مريحة في الأيام الأخيرة.تنهدت بهدوء، وأسندت رأسها على زجاج النافذة البارد، وتم
ألقى المساء بثقله المظلم على مقر القيادة العسكرية بقصر آل تشانغ، لكن الهدوء لم يجد طريقه إلى المكاتب المغلقة. كان الصمت في الخارج خادعاً، أما في الداخل فكانت العقول تغلي. جلس القائد "تشانغ دو" خلف مكتبه العريض المصنوع من خشب الساج الداكن، وأمامه مجموعة من التقارير السريّة والبرقيات التي وصلت تباعاً منذ عدة ساعات. كانت الأوراق مبعثرة، بعضها يحمل ختم "عاجل" باللون الأحمر. أحد التقارير يتعلق بانفجار مستودع المؤن العسكرية في الميناء الجنوبي. والآخر يتحدث عن تحركات مشبوهة ورصد لنقاط تواصل سرية تابعة للعدو قرب حواشي المدينة. رفع "تشانغ دو" التقرير الأخير بين أصابعه، وأعاد قراءته للمرة الثالثة بتركيز شديد. عيناه الصقريتان تتحركان سريعاً بين السطور. المشكلة الرئيسية بالنسبة له لم تكن فقط في وقوع الهجوم الكارثي، بل في دقة المعلومات البالغة التي استند إليها العدو الياباني. لقد عرفوا المكان بالتحديد. وعرفوا الوقت بالدقيقة. وعرفوا طبيعة المؤن المخزنة وشحنات الذخيرة الملحقة بها. وضع التقرير على الطاولة ببطء. وهذا يعني بوضوح تام أن المعلومة لم تصل إليهم عن طريق الصدفة أو ا
لم ينم تشانغ دو تلك الليلة.ظل واقفًا أمام النافذة في مكتبه، يراقب أضواء شنغهاي البعيدة وهي تتلاشى خلف ستار المطر.كان حريق الميناء قد انتهى، لكن رائحة الدخان بقيت عالقة في ذاكرته.شحنة كاملة من المؤن اختفت خلال ساعات.لم يكن الأمر مجرد خسارة عسكرية.كان يعني شيئًا واحدًا.هناك شخص يتحدث.وشخص آخر يصغي.فتح تشانغ دو الملف الموضوع أمامه، وأعاد قراءة قائمة الأسماء التي حصل عليها من التحقيق الأولي.ضباط.موظفون.عمال في الميناء.أشخاص من دائرة القيادة.كل واحد منهم كان يمكن أن يكون الحلقة التي تبحث عنها المخابرات.لكن المشكلة أن اتهام أحدهم دون دليل قد يجعل الخائن يختفي قبل أن يعرفوا من يقف خلفه.طرق الباب.دخل مساعده وأغلقه خلفه.— «سيدي، وصلت التقارير.»رفع تشانغ دو عينيه.— «تكلم.»وضع المساعد ثلاثة ملفات على الطاولة.— «كما أمرت، لم نكشف لأي شخص الخطة الحقيقية. لكننا أعطينا ثلاثة ضباط معلومات مختلفة.»فتح تشانغ دو الملف الأول.— «الأول؟»— «أُبلغ بأن الشحنة القادمة ستُنقل إلى محطة الشمال.»أغلق الملف.— «والثاني؟»— «أُبلغ بأنها ستُنقل إلى مستودع قريب من النهر.»ثم أضاف المساعد:— «أ
في صباح اليوم التالي، بدت أجواء قصر آل تشانغ طبيعية بصورة تثير الريبة. لم تتحدث الصحف عن حريق الميناء إلا بإيجاز، واكتفت بالإشارة إلى خسائر مادية لحقت ببعض المخازن في الحي الجنوبي. أما داخل القصر، فقد استمرت حركة الخدم كالمعتاد، وامتلأت قاعة الطعام برائحة الشاي الساخن والأرز المطهو على البخار. جلست لي ميا أمام فنجانها، تراقب تشانغ دو من الطرف الآخر للطاولة. كان هادئًا. هادئًا أكثر مما ينبغي. لم يكن غاضبًا، ولم يرفع صوته، ولم يتحدث عن الحريق إلا عندما سأله والده عنه. قال الجنرال تشانغ بي وهو يطوي الصحيفة: — «خسارة شحنة كاملة في هذه الظروف ليست أمرًا بسيطًا.» أجاب تشانغ دو وهو يضع الفنجان على الصحن: — «أعرف.» — «هل بدأت التحقيق؟» رفع تشانغ دو عينيه نحو والده. — «لا يوجد ما يستدعي العجلة.» رمقته لي ميا باستغراب. لم تفهم كيف يستطيع أن يبدو بهذا الهدوء بعد خسارة مؤن يحتاج إليها الجيش بشدة. وبعد لحظات، قالت دون قصد: — «ألم يغضبك ما حدث؟» التفت إليها تشانغ دو. ساد صمت قصير. ثم أجاب: — «الغضب لا يعيد الشحنة.» ظلت تنظر إليه. — «أنت هادئ جدًا.» ارتسمت على شفتيه ابتسامة خف







