بين زهرة و البندقية

بين زهرة و البندقية

last updateLast Updated : 2026-08-29
By:  نهد بكير Updated just now
Language: Arab
goodnovel12goodnovel
10
1 rating. 1 review
16Chapters
69views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

بين الزهرة والبندقية شنغهاي، عام 1937. يعود تشانغ دو إلى وطنه بعد سنوات قضاها في إنجلترا يدرس الفنون العسكرية والاستراتيجيات، ليجد نفسه أسيرًا لتوقعات والده، الجنرال الذي رسم مستقبله مسبقًا. وفي الوقت نفسه، تعود لي ميا من اليابان بعد إنهاء دراستها، وهي تحلم بحياة هادئة بعيدًا عن ذكريات لم تستطع نسيانها. لكن لقاءً غير متوقع في ميناء شنغهاي يعيد فتح جراح الماضي. فما زالت لي ميا تحمل في قلبها آثار تنمر تعرضت له خلال سنوات الدراسة، بينما لا يدرك تشانغ دو أن كلمات قالها يومًا أصبحت ندبة لا تُمحى. وبسبب سوء فهم يقلب حياتهما رأسًا على عقب، يجدان نفسيهما مرتبطين بعلاقة لم يخترها أي منهما، في وقت تقترب فيه الحرب الصينية اليابانية من ابتلاع كل شيء. بين الواجب والكبرياء، وبين أزيز الرصاص وهمسات القلوب، تبدأ رحلة يختبر فيها الحب أقسى أشكال الفقد، وتتحول الحرب إلى عدو لا يكتفي بتفريق الأحبة، بل يغيّر مصائرهم إلى الأبد. هل يستطيع قلبان أثقلتهما الجراح أن يجدا طريقهما إلى بعضهما من جديد، عندما يصبح القدر نفسه ساحة معركة؟ بين الزهرة والبندقية رواية رومانسية تاريخية تمزج بين الحب، والحرب، والتضحية، لتروي قصة شخصين فرّقتهما الأقدار مرارًا، لكن الأمل ظل يقودهما نحو لقاء لم يتوقفا يومًا عن انتظاره.

View More

Chapter 1

الاول _ صمت الخطوبة

خفق قلب لي ميا بعنف وهي تمسك الظرف بين أصابعها المرتجفتين.

منذ شهرين وهو يكتب لها من ساحة المعركة، وكل مرة كانت تخشى أن تكون هذه الرسالة هي الأخيرة.

فتحت الظرف بسرعة. خطه كما عهدته: حاد ومرتبك في آنٍ واحد. طمأنها في السطور الأولى أنه بخير، ثم جاءت الجملة التي جعلتها تتوقف:

«يا لي ميا... الإنسان لا يعرف قيمة ما يملكه إلا حين يفقده. هذه الحياة مؤلمة إلى حد الفجيعة.»

أعادت قراءة الجملة مرتين. شيءٌ ما في نبرته هذه المرة كان مختلفًا. أشبه بوداع صامت أكثر منه اشتياقًا.

وفجأة... دوّى بوق سفينة ضخم قادم من الميناء، شقّ صمت النهار كله.

رفعت رأسها ببطء ونظرت من النافذة.

نفس الصوت. نفس النبرة.

قبل سنتين... كان هذا البوق هو الذي أعادها إلى شنغهاي، وإلى الرجل الذي أصبح الآن زوجها في جحيم الحرب.

**قبل سنتين — ميناء شنغهاي**

بنفس صوت البوق، كانت لي ميا تنزل من السفينة محملة بآمال عريضة ومستقبل كانت تظنه يبتسم لها. درست إدارة الأعمال والتجارة متبعةً خطى والدها، الذي كان يترأس الغرفة التجارية آنذاك. لكن سنوات دراستها الأربع في اليابان لم تمر بسلام. جلب ذلك لوالدها اللوم والاتهامات بالخيانة الوطنية، كونه أرسل ابنته لتتعلم في بلد العدو. أسفر الأمر عن سجنه، ثم نفيه لاحقًا إلى مدينة شانغشا.

حرصًا منه على سلامة ابنته الوحيدة، طلب من صديقه المقرب، الجنرال تشانغ بي، أن يتولى حمايتها. وقدّم له مغلفاً أحمر يحمل طلباً ذهبياً: أن يزوّج ابنته من ابن الجنرال، ليكون لها سنداً في أول يوم تطأ فيه قدماها مدينة شنغهاي.

عندما نزلت لي ميا من السفينة، كان هناك من ينتظر وصولها بالفعل، لكن الأقدار رسمت مصادفة أخرى.

اصطدم بها شاب في الميناء... لم يكن سوى تشانغ دو، زميل دراستها القديم في المرحلة الثانوية. الشاب الذي طالما تنمّر عليها وعاملها بكبرياء وكأنها مجرد خادمة.

نظر إليها ببرود وقال بنبرة حادة:

— «ألا ترين أمامكِ؟ ما نفع ارتداء النظارات إن كنتِ لا تبصرين؟»

رفعت لي ميا عينيها إلى الأعلى بثبات، وما إن عرفته حتى ردت عليه بقوة دون أن ترتبك:

— «بل انظر أنت إلى المكان الذي تقف فيه... ألا ترى أنه ليس للوقوف، بل لعابري السبيل؟»

كان رداً صريحاً ومباغتاً. رفعت حقيبتها ومشت نحو الطريق بخطوات واثقة.

في تلك اللحظة، نادها رجل يقف بجانب سيارة فارهة سوداء. بمجرد أن سمع تشانغ دو الصوت، استدار مصدوماً وقال لصديقه الواقف بجانبه:

— «أليس هذا خادماً من منزلي؟... أليست هذه سيارة عائلتي؟!»

ثم اتسعت حدقتاه ذهولاً وهو يرى لي ميا تصعد بكل هدوء إلى تلك السيارة، ليزداد توتره وتأكله الدهشة مما يحدث أمامه.

تم إيصال الآنسة لي ميا إلى قصر الجنرال تشانغ بي، حيث استقبلتها زوجة الجنرال بترحيب حار وابتسامة ملؤها الدفء. تأملت السيدة تشانغ ملامح الشابة لبرهة، ثم قالت بنبرة حنونة:

— «كم تشبهين والدتكِ كثيراً عندما كانت في مثل عمركِ يا لي ميا...»

اتسعت عينا لي ميا بفضول ورقة، وتساءلت:

— «السيدة تشانغ... هل كنتِ تعرفين والدتي؟»

ابتسمت السيدة بأسى محبب وردت:

— «نعم، أعرفها جيداً يا عزيزتي. لقد كنا جارتين مقربتين، ونعمل معاً جنباً إلى جنب في ورشة للتطريز... ومن هناك سُطرت أقدارنا وتعرفنا على أزواجنا في الوقت نفسه. ولكن للأسف... رحلت والدتكِ في وقت مبكر جداً؛ لم يتحمل جسدها آلام الولادة أثناء وضعها، فتوفيت هي وأخوك الصغير في ذلك اليوم العصيب...»

ترددت كلمات السيدة تشانغ في جوف لي ميا، لتلمس جرحاً قديماً يربطها بهذه العائلة بروابط خفية وأعمق مما تتخيل.

على الجانب الآخر، وفي الميناء...

تجمّد تشانغ دو في مكانه والفضول يلتهم عقله. وبسبب الصدمة ورؤية لي ميا تركب سيارة والده الفارهة، نسي تماماً السبب الأساسي الذي جاء من أجله إلى الميناء.

عقد حاجبيه وقال لنفسه بتوتر: «ما الذي تفعله تلك الفتاة المزعجة في سيارة أبي؟ وما هذه العلاقة التي تجمع بينها وبين عائلتنا؟»

دون تردد، استدار تشانغ دو وسارع بالعودة إلى القصر، حيث الخطى لكشف اللغز واكتشاف السر الذي يقف خلف وجود لي ميا في حياته من جديد.

تزامنت عودة تشانغ دو السريعة إلى القصر مع وصول سيارة والده، الجنرال تشانغ بي، الذي سارع بالعودة فور تلقيه اتصالاً هاتفياً من زوجته تزف إليه خبر وصول لي ميا بسلام.

نزل تشانغ دو من سيارته وعلامات الاستفهام تعلو وجهه، أقبل نحو والده قائلاً:

— «أبي؟ ليس من عادتك العودة إلى المنزل في هذا الوقت من النهار!»

التفت إليه الجنرال وابتسامة غامضة ترتسم على محياه:

— «أوه، تشانغ دو! أأنت هنا؟ لقد جئت في الوقت المناسب تماماً...»

قطب تشانغ دو حاجبيه وأردف بتذمر:

— «ما هذه الألغاز يا أبي؟ ما الذي يحدث هنا؟»

لم يجبه والده، بل أشار له بالدخول. وبمجرد أن وطأت أقدامهما القاعة الواسعة للقصر، اتجهت أنظار تشانغ دو تلقائياً نحو غرفة المعيشة... وهناك، اتسعت حدقتاه في ذهول!

كانت لي ميا تجلس بشرود على الأريكة، بينما تمسك والدته بيديها بحنان بالغ. لم يستطع تشانغ دو إبعاد نظره عنها؛ كانت نظرته مزيجاً حارقاً من الدهشة والتعجب والاستغراب، ومع ذلك عقد لسانه ولم ينطق بكلمة واحدة.

تقدم الجنرال تشانغ بي بنظرات دافئة ونحنحة هادئة، ففزعت لي ميا واقفة وانحنت بوقار واحترام له. مدّت يدها وقدمت له علبة صغيرة بسيطة، وقالت بنبرة خجولة:

— «أهلاً بك يا جنرال... هذه هدية بسيطة من طرفي.»

لم تكن لي ميا تدري شيئاً عن الأسرار الخفية؛ فكل ما أخبرها به والدها قبل نفيه هو أنها ستعيش في بيت صديقه وكأنها ابنتهم، لتكون في أمان.

استلم الجنرال الهدية بامتنان وشكرها بحرارة، ثم التفت ونادى بصوت جهوري هزّ القاعة:

— «تعال يا بني... تعال يا تشانغ دو، لا تخجل!»

خطا تشانغ دو خطوات ثقيلة نحوهم، ليردف والده وهو يضع حزمة من بطاقات الدعوة الفاخرة فوق الطاولة الخشبية بثقة:

> «إنها خطيبتك يا بني... وحفل خطوبتكما الرسمي سيكون غداً.»

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters

reviews

اهسنيه باك
اهسنيه باك
رواية تبدو جميلة جدا .....مبدعة استمري
2026-08-21 17:54:00
1
1
16 Chapters
الاول _ صمت الخطوبة
خفق قلب لي ميا بعنف وهي تمسك الظرف بين أصابعها المرتجفتين. منذ شهرين وهو يكتب لها من ساحة المعركة، وكل مرة كانت تخشى أن تكون هذه الرسالة هي الأخيرة. فتحت الظرف بسرعة. خطه كما عهدته: حاد ومرتبك في آنٍ واحد. طمأنها في السطور الأولى أنه بخير، ثم جاءت الجملة التي جعلتها تتوقف: «يا لي ميا... الإنسان لا يعرف قيمة ما يملكه إلا حين يفقده. هذه الحياة مؤلمة إلى حد الفجيعة.» أعادت قراءة الجملة مرتين. شيءٌ ما في نبرته هذه المرة كان مختلفًا. أشبه بوداع صامت أكثر منه اشتياقًا. وفجأة... دوّى بوق سفينة ضخم قادم من الميناء، شقّ صمت النهار كله. رفعت رأسها ببطء ونظرت من النافذة. نفس الصوت. نفس النبرة. قبل سنتين... كان هذا البوق هو الذي أعادها إلى شنغهاي، وإلى الرجل الذي أصبح الآن زوجها في جحيم الحرب. **قبل سنتين — ميناء شنغهاي** بنفس صوت البوق، كانت لي ميا تنزل من السفينة محملة بآمال عريضة ومستقبل كانت تظنه يبتسم لها. درست إدارة الأعمال والتجارة متبعةً خطى والدها، الذي كان يترأس الغرفة التجارية آنذاك. لكن سنوات دراستها الأربع في اليابان لم تمر بسلام. جلب ذلك لوالدها اللوم والاته
last updateLast Updated : 2026-08-14
Read more
الثاني: رصاصة تحت الثريا
انكسر الصمت بصوت "تشانغ دو":— «هذا غير معقول يا أبي!»كان يقف في وسط القاعة وملامحه مشدودة بالغضب، بينما ظل الجنرال "تشانغ بي" ثابتاً خلف مكتبه. أخرج ظرفاً أحمر مختوماً ووضعه على الطاولة بصوت هادئ لكنه قاطع، وجانبه حزمة صغيرة من بطاقات الدعوة المذهبة:— «البطاقة جاهزة، وأسماءكما وتواريخ ميلادكما مختومة من الكاهن الأكبر. غداً حفل الخطوبة، وبعد أسبوع الزفاف. هذا ليس طلبًا... هذا قرار. وهذه البطاقات لكِ يا آنسة لي ميا، إن أردتِ دعوة من يعز عليكِ من معارفكِ.»ضرب "تشانغ دو" بقبضته على حافة الطاولة:— «قرارك أنت، وليس قراري! كيف يمكنك أن تقرر أن أتزوج امرأة لم أرها منذ سنوات وكأن حياتي ورقة من أوراق الجيش؟»رفع الجنرال عينيه إليه بصرامة:— «لأنك ابني، ولأنك تعرف جيداً ما تمر به البلاد. عائلة لي تحتاج إلى حماية، وعائلتنا تحتاج إلى تحالف يحفظ مصالحها. هذا الزواج سيمنح الطرفين ما يحتاجانه.»— «أنا لا أتزوج من أجل المصالح السياسية.»— «بل ستفعل.»اقترب "تشانغ دو" منه:— «وماذا لو رفضت؟»نهض الجنرال ببطء، ولم تتغير نبرته:— «حينها ستثبت أنك لست أهلاً للرتبة التي تحملها.»اشتعل الغضب في عيني "ت
last updateLast Updated : 2026-08-14
Read more
الفصل الثالث: خديعة الحرير الأحمر
غرق القصر في جحيم من الفوضى. وسط الصراخ وتضارب الأقدام، كان جين هاو أول من اخترق الذهول. جثا على ركبتيه بجانب لي ميا، ونظراته الطبية تفحص إصابتها بلمحة خاطفة. استقرت الرصاصة في أعلى الصدر بالقرب من الكتف الأيسر، والدماء تتفقد تدفقها الحر على ثوب الشيونغسام الأحمر. — «أفسحوا الطريق! إنها نزيف حاد، يجب نقلها للمشفى فورًا!» صاح جين هاو بصرامة جراح خبير، وحملها بين ذراعيه بسرعة ودون تردد. في تلك اللحظة، استعاد تشانغ دو وعيه العسكري، واندفع خطوات نحوها، لكنه توقف بجسد مشدود حين رأى جين هاو يهرع بها نحو الباب. اختلج فكه بغضب مكتوم، لكن الحقيقة كانت قاطعة: جين هاو طبيب، وهو مجرد ضابط لا يملك سوى السلاح. دوى صوت الجنرال تشانغ بي كالصاعقة في القاعة: — «أغلقوا المنافذ! لا يغادر أحد القصر... فتشوا القناصة والحدائق!»قبل الحادث بساعتين، في أزقة القصر الخلفية... كانت امرأة تنقبض خطواتها في العتمة، ترتدي وشاحًا داكنًا يخفي نصف وجهها. وقفت أمام أحد خدام الحفلة، ومدت إليه ظرفًا سميكًا يحتوي على مبلغ ضخم من المال وصورة لـ «لي ميا». — «هذه هي الفتاة. تأكد من وضع حد لحياتها أثناء الزحام، وستحصل ع
last updateLast Updated : 2026-08-15
Read more
الرابع: عقد بلا حب ❤️‍🔥
جاء الجنرال تشانغ بي إلى المستشفى في الصباح الباكر، ببزته العسكرية الرسمية وخطواته الثقيلة التي كانت تُخرس الممرات فور دخوله. لم يستأذن أحدًا، ولم ينتظر تقرير الطبيب المناوب. توجّه مباشرة إلى غرفة لي ميا، وفتح الباب دون طرق. وقف عند عتبة الغرفة للحظة، عيناه الحادتان تفحصانها وهي مستلقية شاحبة الوجه، ثم قال بصوت لا يقبل النقاش: — «استعدي يا ابنتي. سنغادر المستشفى الآن.» ارتبكت لي ميا، حاولت أن تنهض: — «لكن... الطبيب لم يأذن بعد بخروجي يا حضرة الجنرال، وأنا—» قاطعها بحسم هادئ، وهو يشير لأحد الحراس بإحضار كرسي متحرك: — «سيأذن. لأنني أنا من سيأمر بذلك.» لم يكن في نبرته قسوة، بل شيء أعمق: عزم رجل اتخذ قراره منذ ساعات ولن يتراجع عنه. خرجت لي ميا مسنودة، محاطة بحراسة مضاعفة، دون أن تعرف إلى أين تُقاد بالضبط. وفي الطابق نفسه، وفي غرفة أخرى، كان تشانغ دو يخضع لفحص طبي روتيني بعد ليلة سهر كاملة، حين دخل عليه جندي مسرعًا: — «سيدي، والدكم الجنرال يطلبكم فورًا. يقول إن الأمر لا يحتمل التأجيل.» نهض تشانغ دو بحاجب مرفوع، شعوره الداخلي ينذره بأن شيئًا غير عادي يجري. في البلدية، لم يفهم تشا
last updateLast Updated : 2026-08-16
Read more
الفصل الخامس: ضمادة بيد باردة 🌸
عادت لي ميا إلى الجناح الجديد في هدوء مصطنع، تحاول أن تتجاهل الرعشة التي ما زالت تسري في يدها منذ قراءة الرسالة. طوت الورقة بعصبية وخبأتها في أسفل درج مكتبها، ثم جلست على حافة السرير تحاول ترتيب أنفاسها. دخل تشانغ دو بعد دقائق، لا يزال ببزته الرسمية من مراسم توقيع العقد. لاحظ شحوب وجهها فورًا، فتوقف عند الباب: — «ما بكِ؟ وجهكِ أشحب مما كان في المستشفى.» رفعت رأسها بسرعة، وأجابت بصوت متماسك أكثر مما تشعر: — «لا شيء. مجرد إرهاق اليوم.» نظر إليها بشك لم يخفِه، لكنه لم يضغط أكثر. تقدم منها بدلًا من ذلك، وعيناه تنزلان نحو كتفها: — «الضمادة تحتاج تغييرًا. الممرضة أعطتني التعليمات قبل خروجنا.» جفلت لي ميا: — «أستطيع فعل ذلك بنفسي.» — «بيد واحدة؟» رفع حاجبه بسخرية باردة. «جربي، وسأشاهد.» توقفت لي ميا، أدركت صحة كلامه رغم ضيقها منه. مدت له الشاش والمطهر بصمت متجهم، وجلست على الكرسي بجانب النافذة، تدير كتفها المصاب نحوه. جثا تشانغ دو أمامها على ركبة واحدة، وبدأ يفك الضمادة القديمة بحذر غير متوقع من رجل عُرف بجفافه. كانت أصابعه، رغم خشونتها العسكرية، تتحرك ببطء محسوب، وكأنه
last updateLast Updated : 2026-08-17
Read more
الفصل السادس:شباك الخيوط الخفية
بوابة السجن — الساعة 10:03 صباحاً كان المطر الخفيف يغسل حجارة الساحة الممتدة أمام سجن البلدية القاتم، محولاً الأرض إلى برك طينية سوداء. لم يكن مجرد مطر، بل كان ستاراً رمادياً يحجب رؤية المدينة، وتتصاعد في الجو رائحة لا تخطئها الأنفاس؛ خليط نفاذ من العفن، والرطوبة العالقة في الجدران العتيقة، ورائحة الحديد الصدئ الذي يشكل قضبان الزنازين. انفتح القفل المعدني الثقيل بصريرٍ مؤلم اخترق سكون الصباح: «كِراك...» خرج رجل نحيف، يرتجف لا من البرد فحسب، بل من أثر أيام أمضاها في زنزانة انفرادية لا ترى الضوء. كان "النادل"؛ نفس اليدين اللتين قدمتا صينية الشامبانيا في حفل الخطوبة الدامي، ونفس الملامح المذعورة التي أثارت الشبهات أثناء الفوضى، الآن، بدت ملامحه أكثر انكساراً، وكأن السنوات قد مرت عليه داخل السجن. وقف عند العتبة الرخامية الباردة ولم يلتفت للخلف، خائفاً من أن يرى طيف سجانه. ألقى إليه ضابط السجن حقيبة قماشية صغيرة تحتوي على ملابسه البالية بلامبالاة قاتلة: — «أغراضك الشخصية... وإياك أن تعود إلى هذا المكان مجدداً! المدينة لا ترحم من يثير الفوضى في قصور الجنرالات، وإذا عُدت، لن تخرج حياً.
last updateLast Updated : 2026-08-17
Read more
الفصل السابع: غريب في الزحام
ساد الصمت الخانق أرجاء الصالة بعد رد "لي ميا" المقتضب؛ رفعت السماعة بصوت خافت وأدارت وجهها تحاشياً للنظر إليه:— «خطأ في الرقم... شخص ما طلب الميناء.»لم يطرح "تشانغ دو" سؤالاً آخر، ولم يجهد نفسه في البحث عن كذبة أعمق خلف ارتباكها. اكتفى بربط ساعته الجلدية، وألقى نظرته الباردة نحو النافذة التي يضربها المطر، ثم قال بنبرة خالية من أي انفعال:— «لن أعود إلى البيت هذه الليلة.»رفعت رأسها نحوه بكبرياء جاف، ورسمت على شفتيها ابتسامة باهتة لا أثر فيها للاهتمام:— «كما تشاء.»لم يتفوه أي منهما بكلمة أخرى، تاركَين الهواء الثقيل يملأ المسافة بينهما بجدار من الجليد الصلب.في صالة الطعام الكبرى بقصر آل تشانغ، كان المفرش الأبيض يفيض بأطباق العشاء الفاخرة، والهدوء يخيم على المائدة لا يقطعه سوى صوت ارتطام الملاعق الفضية بالبورسلين.ترأست السيدة "تشانغ" المائدة، ورمقت ابنها بنظرة حانية وهي تراه يرتدي بزته الأنيقة ويستعد للمغادرة دون أن يمس طعامه تقريباً:— «تشانغ دو... ألن تتناول عشاءك؟ إلى أين أنت ذاهب في هذا الوقت؟»مسح "تشانغ دو" يديه بالمنشيل الورقي وقال بجفاف:— «لديّ التزام خفيف يا أمي... أنا مد
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more
الفصل الثامن: أشواك الغيرة
في الغرفة الهادئة، كانت إبرة التطريز تتحرك بمرونة بين أصابع "لي ميا" الدقيقة. كانت تغرز الخيوط الملونة على قماش حريري فاخر تصنع منه وسادة عطرية صغيرة، حشوتها بأعشاب مجففة ذات رائحة زكية ومهدئة للأعصاب. كانت تلك الوسادة هدية شكر بسيطة تقديراً للطبيب "جين هاو" على اهتمامه بعلاج جرحها وتخفيف ألمها خلال الفترة الماضية. أنهت العقدة الأخيرة بنعومة، وقصت الخيط، ثم رفعت الوسادة لتتأملها بنظرة رضا خفيفة قبل أن تغلفها في منديل أنيق. في الوقت نفسه، كانت السيارة العسكرية السوداء تقطع الأحياء الفقيرة الواقعة عند أطراف شنغهاي. توقفت السيارة أمام منزل متهالك، ونزل منها "تشانغ دو" برفقة مساعده. تعالت خطوات بوطه العسكري على الأرضية الترابية حتى وصل إلى امرأة في منتصف العمر، تبدو عليها علامات الفقر الشديد، ترتدي ثياباً بالية وتلتف بوشاح دافئ، بينما تنبعث منها هالة خفيفة جداً لعطر "شانيل رقم 05". توقفت العجوز بذعر حين رأت البزة العسكرية الحادة أمامها، لكن "تشانغ دو" أشار لمساعده بالبقاء بعيداً، وخطا خطوة نحوها قائلاً بنبرة هادئة لكنها صارمة: — «لا تخافي يا سيدتي... أردتُ فقط أن أسألكِ: من أي
last updateLast Updated : 2026-08-22
Read more
الفصل التاسع: ليلة الحاجز والوجه الآخر
في المطعم الراقِي، لم تدَع الممثلة "لي فاي" الفرصة تمر دون أن تستغلها لصالحها. بابتسامة متصنعة ونبرة تحمل دلالاً خفياً، دعت "تشانغ دو" و"لي ميا" للانضمام إلى طاولتهما، رغبةً منها في التضييق على "لي ميا" وإحراجها أمام الجميع. جلس الأربعة حول الطاولة الدائرية، وساد توتر خفي يغلف أجواء اللقاء. حاول مدير الأعمال "تاو ون" كسر الجليد القائم، ففتح موضوعاً عاماً عن دار السينما، التجارة، والتطورات الاقتصادية الأخيرة في مدينة شنغهاي. وبطريقة انسيابية، التفت نحو "لي ميا" وسألها عن رأيها بلباقة. لم تتردد "لي ميا"؛ وبصوت هادئ ونبرة ممتلئة بالثقة والرزانة، بدأت بالحديث عن تحليل حركة الأسواق والتجارة، مفاجئةً الجميع بثقافتها الواسعة ورؤيتها العميقة المتأتية من دراستها لإدارة الأعمال والتجارة في اليابان. اتسعت عينا "تاو ون" بإعجاب شديد لم يستطع إخفاءه، وانحنى بجسده قليلاً نحوها مأخوذاً بحضورها الذكي، بينما كان "تشانغ دو" يراقب التفاصيل بنظرات صقرية حادة، مزيجٍ بين الشك المكتوم والغيرة التي حاول إخفاءها خلف ملامحه الصارمة. انزعجت "لي فاي" للغاية حين رأت الأضواء تُسحب منها، فقررت توجيه ضربة تحت ال
last updateLast Updated : 2026-08-24
Read more
الفصل العاشر: نار في الميناء
تراكمت السحب الداكنة فوق سماء شنغهاي، وألقى دخان الحرب ستارًا ثقيلًا على المدينة.في مقر القيادة، وصلت الأخبار تباعًا عن تشديد الحصار على خطوط الإمداد الرئيسية، واحتجاز شحنات المؤن والذخيرة المخصصة للقوات المرابطة في الجبهة.كان الوضع يزداد سوءًا.لم يعد أمام الجيش سوى جمع مؤن جديدة ونقلها إلى مكان آمن قبل إرسالها إلى الجبهة.لكن ما لم يكن أحد يعرفه أن عيونًا أخرى كانت تراقب كل حركة.في المستشفى الكبير، وقف الطبيب جين هاو بالقرب من مكتب لي ميا، يتصفح بعض الأوراق بلا اهتمام حقيقي.قال فجأة بنبرة تحمل تعاطفًا وطنيًا متقنًا:— «الحرب تزداد قسوة يا لي ميا... والجيش يحتاج إلى مؤن جديدة لمواجهة الحصار. أحيانًا أتساءل كيف يستطيع أولئك الجنود الصمود في الجبهة.»رفعت لي ميا عينيها عن الأوراق.— «الجميع يفعل ما يستطيع.»ابتسم جين هاو ابتسامة خفيفة.— «لو استطعت تقديم أي مساعدة لهم، فلن أتردد.»اكتفت لي ميا بالصمت، لكنها لاحظت اهتمامه غير المعتاد بموضوع الإمدادات.ومع ذلك، لم يخطر ببالها أن وراء كلماته هدفًا آخر.بعد ساعات قليلة، وفي مكتب الجناح الشرقي بقصر آل تشانغ، كان تشانغ دو يقف أمام خريطة
last updateLast Updated : 2026-08-25
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status