LOGINكان الطريق طويلًا...
لكن الشعور الذي يثقل قلب ريم كان أطول بكثير. جلست بجوار النافذة، وعيناها مفتوحتان، لكنهما لم تكونا تريان شيئًا. السيارات تمر، والناس تتحرك، والحياة تسير بشكل طبيعي، بينما هي تشعر وكأن الزمن توقف عندها وحدها. كانت يداها متشابكتين بقوة، حتى كادت أصابعها تؤلمها، وكأنها تحاول التمسك بنفسها قبل أن تنهار. أما قلبها، فلم يكن مطمئنًا أبدًا، وكان هناك صوت خافت في أعماقها يكرر التحذير نفسه، كأنه يحاول إنقاذها من شيء لا تعرفه. "خلي بالك…" جلس محمد خلف المقود، وعلى وجهه هدوء غريب، ذلك النوع من الهدوء الذي يبدو أكثر رعبًا من الغضب نفسه. فجأة، رن هاتفه، فنظر إلى الشاشة، وظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه. "أيوة… إحنا قربنا" صمت للحظة. "كل حاجة جاهزة؟" ألقى نظرة جانبية على ريم، ثم قال: "تمام" وأغلق الهاتف. في تلك اللحظة، تسارعت نبضات قلبها بعنف. قربنا من إيه…؟ في الوقت نفسه، وعلى أحد الطرق السريعة بالقاهرة، كانت سيارة آسر تشق الطريق بسرعة جنونية. تجاوز عداد السرعة الحدود المسموح بها، لكن عينيه لم تكونا تريان شيئًا سوى هدف واحد. رن هاتفه. "ها؟" جاءه الصوت سريعًا: "دخلوا القاهرة… اتجاههم التجمع" قبض بقوة على المقود. "خليك وراهم… من غير ما يحسوا" أغلق الهاتف، وقال بصوت منخفض يحمل الكثير من الوعيد: "استحملي… أنا جاي" ساد الصمت للحظة داخل السيارة، قبل أن يهمس لنفسه بصوت خافت: "حتى لو آخر حاجة أعملها" وفي سيارة أخرى، كان عبد الوهاب يقود بهدوء مخيف. إحدى يديه تمسك المقود، بينما الأخرى تعبث بمسدسه، يحركه بين أصابعه وكأنه مجرد لعبة. "كل حاجة ماشية زي ما أنا عايز…" ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة. "النهارده… هتبقي ليا" على أطراف التجمع، توقفت السيارة أمام قصر قديم مهجور. كان المكان ساكنًا بشكل يبعث القشعريرة، وكأن الجدران نفسها تخفي أسرارًا مظلمة. ساد الصمت فجأة، ذلك الصمت الثقيل الذي يسبق الكوارث. نظرت ريم حولها بقلق. المكان مهجور بالفعل، لكن إحساسًا غريبًا أخبرها أن هناك شيئًا خاطئًا. "إحنا هنا ليه؟" نزل محمد من السيارة، ثم فتح الباب بعنف. "انزلي" نزلت ببطء، بينما كانت دقات قلبها تزداد مع كل خطوة. وقفت أمامه، فرأت في عينيه شيئًا لم تره من قبل. لم يكن غضبًا... ولا قسوة... بل شيئًا أسوأ بكثير. الخيانة. "تعالي" دخل أمامها، فتبعته وهي تشعر أن الأرض تسحبها نحو مصير مجهول. دخلت القصر، فاستقبلها الغبار والصمت، لكن شيئًا آخر جذب انتباهها. رجال. يقفون في أماكن متفرقة. ينتظرون. وعيونهم كلها عليها. توقفت فجأة. "أنا مش فاهمة…" "هتفهمي دلوقتي" جاء الصوت من خلفها. صوت ثقيل... بارد... يحمل شيئًا مرعبًا. استدارت ببطء... وشاهدته. عبد الوهاب. كان يقف مرتديًا اللون الأسود، ونظراته ثابتة عليها بطريقة جعلت القشعريرة تسري في جسدها. "وحشتيني" انقبض قلبها بقوة، وتراجعت خطوة إلى الخلف. "إنت مين؟!" وقبل أن تستوعب ما يحدث، جاء صوت محمد ببساطة مرعبة: "ده جوزك" ساد الصمت. وكأن الهواء اختفى من المكان. حدقت به ريم بصدمة لا تصدق. "إيه؟!" اقترب عبد الوهاب خطوة، وعيناه تلمعان بجنون مخيف. "هتبقي مراتي… بمزاجك أو غصب عنك" تراجعت أكثر، وامتلأت عيناها بالدموع، لكن صوتها خرج ثابتًا. "مستحيل" صرخ محمد بغضب: "هتسمعي الكلام!" رفعت عينيها إليه... نظرة لم يسبق لها أن وجهتها إليه طوال حياتها. كانت نظرة ابنة اكتشفت في لحظة أن الشخص الذي يفترض أن يكون سندها... هو من دفعها نحو الهاوية. "إنت بعتني؟!" نزلت الكلمات ثقيلة... مؤلمة... لكن محمد أشاح بوجهه بعيدًا. هرب. هرب من عينيها. هرب من الحقيقة. ابتسم عبد الوهاب ابتسامة باردة. "سيبيه… خلص دوره" ثم اقترب منها. "دلوقتي دوري أنا" ومد يده نحوها. وفجأة... انفتح باب القصر بعنف. دوّى صوت الارتطام داخل المكان، وترددت أصداؤه بين الجدران القديمة. تحركت الأنظار كلها نحو الباب، ومع صوت خطوات ثابتة وسريعة، تجمد الجميع. "إيدك دي… لو قربت منها تاني، مش هتفضل موجودة" كان الصوت باردًا... لكنه يحمل نارًا تكفي لإحراق المكان كله. التفت الجميع. آسر. وقف عند المدخل، شامخًا، وعيناه مثبتتان على عبد الوهاب، لكن ما إن وقعت عيناه على ريم، حتى تبدلت نظراته للحظة واحدة. قلق... خوف... وألم لم يره أحد في عينيه من قبل. همست ريم، غير مصدقة: "آسر…؟" لم تكن تفهم سبب وجوده هنا... ولا لماذا شعرت بالأمان بمجرد رؤيته. ضحك عبد الوهاب بسخرية. "كنت مستني اللحظة دي" ثم أخرج المسدس بهدوء. "بس كنت متوقعك أذكى من كده" تحرك الرجال في أنحاء القصر، وازدادت الأجواء توترًا، لكن آسر لم يتراجع. تقدم خطوة... ثم أخرى... وكأنه لا يرى السلاح المصوب نحوه. "آخر مرة أقولها…" كان صوته منخفضًا... لكنه مرعب. "ابعد عنها" رفع عبد الوهاب المسدس نحوه. "وآخر مرة أقولها…" ابتسم ابتسامة باردة. "هي ليا" مرت ثانية واحدة فقط... لكنها كانت كافية لتغيير كل شيء. "لاااا!" اخترقت صرخة ريم المكان. وفي اللحظة التالية... دوّى صوت الطلقة. اهتز القصر كله. وتوقف الزمن. وانقطع النفس. ثم... سقط جسد على الأرض. دم... انتشر فوق الأرض الباردة. لكن... من المصاب؟ وسط الصدمة والرعب، بقي آسر واقفًا في مكانه. كانت عيناه تبحثان عن شخص واحد فقط. ريم. وكأن العالم كله اختفى... ولم يبقَ سواها. --- نهاية الفصل الثالثيمضي الزمن... مهما ظن الإنسان أنه توقف.ويأتي اليوم الذي ينهض فيه القلب المثقل بالحزن، لا لأنه نسي، بل لأنه أدرك أن الدعاء للراحلين خيرٌ من البكاء عليهم، وأن الحياة أمانة لا يجوز تركها.هكذا بدأت ريم أول خطوة في طريق التعافي...وفي صباح اليوم التالي... عادت ريم إلى الجامعة.كانت المرة الأولى منذ وفاة أمها.وقفت أمام البوابة للحظات.شعرت أن ساقيها لا تحملانها.كم مرة كانت أمها تدعو لها قبل خروجها؟كم مرة أوصتها أن تهتم بطعامها؟تنهدت...ثم قالت في سرها:"اللهم أعني."ودخلت.استقبلتها ملك عند البوابة.احتضنتها بصمت.ثم سارتا معًا.لم تحاول أن تفتح موضوعًا يؤلمها.اكتفت بأن تكون بجوارها.وأحيانًا...وجود شخص صامت...أفضل من ألف كلمة.---انتهت المحاضرات.خرجت ريم مع الحراسة كالمعتاد.وعلى الجانب الآخر من الطريق...كانت سيارة سوداء تقف في هدوء.داخلها...كان آسر.لم ينزل.ولم يلوح لها.فقط انتظر حتى رآها تدخل السيارة المخصصة لها.ثم قال للسائق:"اتحرك."نظر إليه السائق باستغراب."مش هتكلمها يا فندم؟"ابتسم آسر ابتسامة حزينة.وقال:"هي محتاجة وقت...مش محتاجة حد يضغط عليها."وانطلقت السيا
توقفت سيارة الأجرة أمام العمارة في اللحظة نفسها التي توقفت فيها سيارة تيم. اندفع خارج سيارته دون أن يشعر حتى بأنه ترك الباب مفتوحًا، بينما كانت ريم تهبط من سيارة الأجرة بخطوات سريعة مضطربة، وما زالت حقيبتها معلقة على كتفها بعدما غادرت الجامعة في منتصف اليوم إثر اتصال الجيران. منذ تلك اللحظة وقلبها يخبرها أن شيئًا سيئًا قد وقع.التقت عيناهما.لم يكن أي منهما بحاجة إلى سؤال، فقد قرأ كل واحد الخوف في وجه الآخر.اقتربت ريم منه بسرعة، وقالت بصوت يرتجف:"تيم... الجيران كلموني وقالولي أرجع حالًا... ماما كويسة؟"ظل ينظر إليها للحظات، وكأن الكلمات تأبى أن تخرج من فمه، ثم أمسك يدها بقوة وقال بصوت مبحوح:"اطلعي معايا."أومأت في صمت، وركضا معًا نحو مدخل العمارة.كان المصعد في الطابق السادس، لكن انتظار ثوانٍ قليلة بدا لهما عمرًا كاملًا، فاتجها إلى السلم وصعدا درجاته ركضًا. كانت أنفاسهما تتسارع مع كل طابق، حتى توقفت ريم في منتصف الطريق واضعة يدها على صدرها وهي تلهث.قالت بصعوبة:"مش... مش قادرة آخد نفسي."التفت إليها تيم بسرعة، وأسندها برفق."استندي عليا... خلاص قربنا."هزت رأسها وهي تحاول أن تستجم
لم ينم أحد في تلك الليلة.كانت الساعات تمر ببطء شديد، وكأن عقارب الساعة تعمدت أن تختبر صبرهم.جلست أميرة بعد صلاة الفجر تقرأ ما تيسر من القرآن، بينما كانت ريم بجوار النافذة، تراقب أول خيوط الضوء وهي تتسلل إلى السماء.أما تيم...فكان مستندًا إلى الحائط، يراقبهما في صمت.لم يكن يفكر في عبد الوهاب هذه المرة.ولا في التهديدات.بل في الرجل الذي سيقابله بعد ساعات...الرجل الذي أقسم يومًا ألا يناديه "أبي" مرة أخرى....بعد شروق الشمس بقليل...ارتدت ريم عباءتها الواسعة، وعدلت خمارها أمام المرآة.خرجت من غرفتها لتجد أميرة قد أعدت الإفطار.ابتسمت أميرة وهي تقول:"تعالوا يا ولاد... كلوا لقمة الأول."جلس الثلاثة حول المائدة.ورغم أن الطعام كان بسيطًا...إلا أن أحدًا لم يمد يده.لاحظت أميرة ذلك، فقالت بنبرة أم حازمة:"لازم تاكلوا."نظر إليها تيم."مش قادر."ابتسمت له بحنان."القوي مش اللي يشيل الهم لوحده يا ابني... القوي اللي يحافظ على جسمه علشان يعرف يكمل."تنهد، ثم تناول قطعة صغيرة من الخبز.ابتسمت ريم وهي تراه يستجيب أخيرًا.قالت بخفة تحاول أن تكسر التوتر:"أهو... أخيرًا سمعت الكلام."رفع عينيه
جلست ريم على طرف الأريكة، بينما بقيت الفلاشة السوداء الصغيرة فوق الطاولة بينهما، وكأنها قطعة معدنية عادية لا تستحق كل هذا القلق. لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا؛ فمنذ اللحظة التي وصل فيها ذلك الظرف إلى يدها أمام بوابة الجامعة، لم يعد أي شيء يبدو طبيعيًا. نظرت إلى أمها التي كانت تقبض على مسبحتها بقوة حتى ابيضت أطراف أصابعها، بينما ظلت عيناها معلقتين بالفلاشة دون أن تقترب منها.قالت أميرة بعد صمت طويل، بصوت خرج متعبًا أكثر مما خرج خائفًا: "أنا قلبي مش مطمن يا ريم... والله حاسة إن اللي جواها عمره ما هيكون خير."أخذت ريم نفسًا عميقًا، ثم أمسكت الفلاشة بين إصبعيها وهي تتأملها من جميع الجهات."وأنا كمان... بس إحنا لو فضلنا خايفين مش هنعرف هو عايز إيه."هزت أميرة رأسها بسرعة."أوقات الجهل أرحم."ابتسمت ريم ابتسامة صغيرة باهتة وقالت: "بس أوقات تانية بيكون أخطر."وقبل أن تضيف شيئًا، اهتز هاتفها بإشعار رسالة جديدة.التقطته بسرعة، وما إن فتحت الرسالة حتى اختفت الابتسامة من وجهها تمامًا.> "قدامك تلاتين دقيقة... وبعدها هبدأ أزور الناس اللي بتحبيهم واحد واحد."شحب وجهها، وانتبهت أميرة إلى التغير ال
بعض الرسائل لا تحمل كلمات... بل تحمل بداية الكارثة."أشرقت الشمس على المدينة في هدوء خادع، وكأنها لا تعلم أن هذا اليوم سيترك أثرًا لا يُمحى في حياة أكثر من شخص.كانت السماء صافية، تتخللها غيوم بيضاء متناثرة، بينما أخذت الحركة تدب في الشوارع شيئًا فشيئًا. أصوات السيارات امتزجت بنداءات الباعة، ورائحة الخبز الساخن انسابت من المخابز القريبة، حتى بدا كل شيء طبيعيًا بصورة تثير السخرية؛ فالحياة كثيرًا ما تتزين بالهدوء قبل أن تفتح أبواب الفوضى.في أحد الشوارع الجانبية، توقفت سيارة سوداء ذات زجاج معتم أمام مبنى قديم مهجور.ترجل منها رجلان.ثم فتح أحدهما الباب الخلفي باحترام واضح.خرج عبد الوهاب بخطوات بطيئة.رفع وجهه نحو السماء، وأخذ نفسًا عميقًا، كأن الهواء خارج السجن يختلف عن أي هواء آخر.ابتسم ابتسامة باهتة."الدنيا لسه فاكراني."أجابه الرجل الواقف بجواره:"الدنيا عمرها ما نسيتك يا كبير."أدار عبد الوهاب رأسه نحوه، ثم قال بهدوء:"الناس نسيت... وده غلطتهم."دخل المبنى المهجور، بينما أغلق الرجل الباب خلفه.كان المكان أشبه بوكر قديم؛ جدران متشققة، وأثاث متهالك، لكن في الداخل كانت توجد غرفة تخت
"بعض الصباحات لا تأتي لتبدأ يومًا جديدًا... بل لتُكمل وجع الليلة السابقة."كان الفجر قد مر منذ وقت قصير، والسماء لا تزال تحتفظ بذلك اللون الرمادي الهادئ الذي يسبق شروق الشمس بقليل. الهواء المتسلل من نافذة المطبخ كان باردًا على غير عادة الأيام الماضية، يحمل معه رائحة الخبز الخارج لتوه من الفرن القريب، وصوت عصفور يقف فوق سور العمارة يردد زقزقة متقطعة، كأنه وحده لا يعرف أن داخل هذا البيت قلوبًا لم تنم أصلًا.داخل الشقة، كان السكون يملأ كل زاوية.ليس سكون راحة...بل سكون بيتٍ أنهكته ليلة طويلة.في غرفتها، فتحت ريم عينيها ببطء.ظلت تنظر إلى سقف الغرفة عدة ثوانٍ دون أن تتحرك، وكأن عقلها يحاول أن يقنعها أن ما حدث الليلة الماضية لم يكن سوى حلم سيئ.لكن أول ما وقعت عيناها على المصحف الموضوع فوق الكومود، تذكرت.تذكرت رائحة الخمر.تذكرت دموعها.وتذكرت نظرة تيم الأخيرة قبل أن يطلب منها الخروج.شعرت بانقباض قوي في صدرها.جلست على السرير، وأسندت ظهرها إلى الحائط، ثم رفعت يديها تمسح بهما وجهها ببطء.همست بصوت يكاد لا يُسمع:"الحمد لله على كل حال..."قامت إلى الوضوء، وأدت صلاة الفجر بخشوع امتزج بالبك







