เข้าสู่ระบบداخل القصر المهجور...
دوّى صوت الطلقة في أرجاء المكان، وارتجفت الجدران القديمة تحت صداه. لكن الرصاصة... لم تصل إلى آسر. في جزء من الثانية، تحركت ريم دون تفكير. لم تمنح نفسها فرصة للخوف، ولم تمنح عقلها وقتًا ليستوعب ما تفعله. اندفعت نحوه، ووقفت أمامه. واخترقت الرصاصة جنبها. خرجت منها شهقة ألم، واتسعت عيناها بصدمة، بينما شعرت بقوتها تخونها شيئًا فشيئًا. وفي اللحظة نفسها، اهتز صوت آسر للمرة الأولى. "رييييييييم!" مال جسدها نحوه، وقبل أن تسقط، كان قد التقطها بين ذراعيه. امتلأت يداه بدمائها. نظر إليها، وقلبه يرتجف رعبًا، بينما كانت نظراتها تضعف شيئًا فشيئًا. وقبل أن تغمض عينيها، التفتت نحو أبيها. كانت نظرة موجعة... نظرة خذلان وانكسار. نظرة ابنة لم تصدق أن الشخص الذي كان يفترض أن يحميها، كان سبب سقوطها. ثم... سكن كل شيء. "ريم… لا… لا… متعمليش فيا كده…" انكسر صوته، وأخذ يهزها برعب، يحاول أن يوقظها. لكن لم يصله أي رد. في تلك اللحظة، رفع رأسه ببطء. نظر إلى عبد الوهاب. كانت عيناه قبل ثوانٍ مليئتين بالألم... أما الآن، فقد تحولت النظرة إلى نار. أخرج سلاحه. ودون تردد... أطلق ثلاث رصاصات متتالية. وسقط عبد الوهاب على الأرض. --- خارج القصر، حمل آسر ريم بين ذراعيه وكأنها روحه التي توشك أن تفارقه. خرج بها بسرعة، بينما تولى رجاله إيقاف كل من حاول الاقتراب. وضعها داخل السيارة بحذر شديد، وضغط على الجرح بقطعة قماش، ثم انطلق بأقصى سرعة. كان يلتفت إليها كل ثانية، وكأنه يخشى أن يختفي وجهها من أمامه. "استحملي… بالله عليكي استحملي…" أخرج هاتفه بسرعة، واتصل. "ملك… ريم في مستشفى السلام… بلّغي مامتِها فورًا" وأغلق الهاتف قبل أن يمنحها فرصة للسؤال. ثم عاد ينظر إليها. وهمس بصوت مرتعش، يحمل خوفًا لم يشعر به يومًا: "أنا… مش هقدر أخسرك…" وصمت. وكأن قلبه فضح سره أخيرًا أمام نفسه. --- في قصر السيوفي... كانت ملك تمسك الهاتف، ويداها ترتجفان بعنف. "يا رب… احفظها يا رب…" انسابت دموعها رغمًا عنها. نهضت سريعًا، وتوضأت، ثم وقفت تصلي ركعتين. وكان صوتها مكسورًا وهي تدعو: "اللهم لا اعتراض… بس الطف بيها يا رب…" انتهت من الصلاة، وارتدت فستانًا بلون البيج وخمارًا بنيًا، ثم نزلت مسرعة. استوقفتها والدتها بقلق. "مالك يا ملك؟" ارتمت ملك بين ذراعيها وهي تبكي. "ريم في المستشفى…" تجمدت حنان للحظة. "ريم؟ مالها حصلها ايه هنا" أجابت ملك وسط دموعها: "مش عارفه ي ماما مش عارفة" ربتت حنان على كتفها بحنان وقالت: "خلاص يلا نروح وانا جاية معاكي" ركبتا السيارة، بينما كان السائق يقود بهدوء، أما ملك فكانت تبكي وتدعو طوال الطريق. حاولت الاتصال بآسر، لكنه لم يجب. فازدادت دموعها. لاحظت حنان ذلك، فأخذت تهدئها، بينما كانت هي الأخرى تخفي خوفًا بدأ يزحف إلى قلبها. --- في بيت ريم... كانت أميرة جالسة منذ الصباح، وقلبها لم يهدأ لحظة واحدة. أما ياسمين، فكانت تجلس واضعة ساقًا فوق الأخرى، تمضغ العلكة ببرود، وتنظر إليها باشمئزاز. "اقعدي اكيد يعني ابوها معاها متقلقيش" أجابتها أميرة بجدية، والخوف واضح في صوتها: "وده اللي مخوفنى ان ابوها معاها و...." وقبل أن تكمل... رن الهاتف. ابتسمت بحب وهي ترد. "أيوة يا ملك يا حبيبتي—" لكنها سمعت صوت بكاء ملك. "ريم في المستشفى… تعالي بسرعة" وفي اللحظة التالية... دوّت صرخة أم مزقت سكون المنزل. "بنتي…!" أسرعت ترتدي ملابسها. بينما قالت ياسمين ببرود قاتل: "فكك مش هتموت هى هتفضل قاعدالنا على قلبنا زى البومه" توقفت أميرة للحظة. ونظرت إليها بصرامة لم تعهدها منها من قبل. ثم غادرت دون أن تنطق بكلمة. استقلت سيارة أجرة وهي تبكي. "على مستشفى السلام… بسرعة الله يخليك" وطوال الطريق... لم يكن هناك سوى الدعاء... والدموع. --- في مستشفى السلام... اندفع الأطباء بالممر المتحرك نحو غرفة العمليات. أما آسر، فحاول الدخول خلفها. لكن إحدى الممرضات أوقفته. "لو سمحت استنى بره" توقف. وبدا وكأنه فقد القدرة على التفكير. كانت يداه لا تزالان ملطختين بدمائها. نظر حوله بشرود. وفجأة... ارتفع صوت الأذان. ساد الصمت داخله. وكأنه يسمعه للمرة الأولى. اتجه نحو مكان الوضوء. وتوضأ. ثم وقف يصلي. لكن تلك المرة... لم تكن صلاة عادة. بل صلاة رجل خائف... منكسر... يتعلق بالأمل الأخير. وبعد أن انتهى، جلس يدعو بإلحاح، بينما كانت دموعه تلمع في عينيه. "يا رب… متاخدهاش مني…" --- في نيويورك... كانت الأضواء الصاخبة تملأ المكان، والموسيقى تعلو، بينما يجلس تيم وسط أصدقائه. ضحكات... مزاح... وأحاديث عادية. لكن فجأة... اختفت الابتسامة من وجهه. وانقبض قلبه بقوة. "في حاجة غلط…" همس بها لنفسه. لكنه حاول تجاهل ذلك الشعور. غير مدرك أن قلب الأخ... كان يشعر بما يحدث لأخته. --- عودة إلى المستشفى... كان آسر يقف أمام غرفة العمليات، يسير ذهابًا وإيابًا دون توقف. كل ثانية تمر عليه كانت تبدو كأنها ساعة كاملة. وفجأة... وصلت أميرة. كانت تركض في الممر وهي تبكي. "بنتي فين؟!" نظر إليها آسر. لكن الكلمات خانته. وفي اللحظة نفسها... انفتح باب غرفة العمليات. وخرج الطبيب. اقترب آسر بسرعة. "ها؟" نظر الطبيب إليه. وصمت للحظة... ثم قال: "إحنا عملنا اللي علينا… بس—" --- يتبع... --- بقلم: مكة مكاوييمضي الزمن... مهما ظن الإنسان أنه توقف.ويأتي اليوم الذي ينهض فيه القلب المثقل بالحزن، لا لأنه نسي، بل لأنه أدرك أن الدعاء للراحلين خيرٌ من البكاء عليهم، وأن الحياة أمانة لا يجوز تركها.هكذا بدأت ريم أول خطوة في طريق التعافي...وفي صباح اليوم التالي... عادت ريم إلى الجامعة.كانت المرة الأولى منذ وفاة أمها.وقفت أمام البوابة للحظات.شعرت أن ساقيها لا تحملانها.كم مرة كانت أمها تدعو لها قبل خروجها؟كم مرة أوصتها أن تهتم بطعامها؟تنهدت...ثم قالت في سرها:"اللهم أعني."ودخلت.استقبلتها ملك عند البوابة.احتضنتها بصمت.ثم سارتا معًا.لم تحاول أن تفتح موضوعًا يؤلمها.اكتفت بأن تكون بجوارها.وأحيانًا...وجود شخص صامت...أفضل من ألف كلمة.---انتهت المحاضرات.خرجت ريم مع الحراسة كالمعتاد.وعلى الجانب الآخر من الطريق...كانت سيارة سوداء تقف في هدوء.داخلها...كان آسر.لم ينزل.ولم يلوح لها.فقط انتظر حتى رآها تدخل السيارة المخصصة لها.ثم قال للسائق:"اتحرك."نظر إليه السائق باستغراب."مش هتكلمها يا فندم؟"ابتسم آسر ابتسامة حزينة.وقال:"هي محتاجة وقت...مش محتاجة حد يضغط عليها."وانطلقت السيا
توقفت سيارة الأجرة أمام العمارة في اللحظة نفسها التي توقفت فيها سيارة تيم. اندفع خارج سيارته دون أن يشعر حتى بأنه ترك الباب مفتوحًا، بينما كانت ريم تهبط من سيارة الأجرة بخطوات سريعة مضطربة، وما زالت حقيبتها معلقة على كتفها بعدما غادرت الجامعة في منتصف اليوم إثر اتصال الجيران. منذ تلك اللحظة وقلبها يخبرها أن شيئًا سيئًا قد وقع.التقت عيناهما.لم يكن أي منهما بحاجة إلى سؤال، فقد قرأ كل واحد الخوف في وجه الآخر.اقتربت ريم منه بسرعة، وقالت بصوت يرتجف:"تيم... الجيران كلموني وقالولي أرجع حالًا... ماما كويسة؟"ظل ينظر إليها للحظات، وكأن الكلمات تأبى أن تخرج من فمه، ثم أمسك يدها بقوة وقال بصوت مبحوح:"اطلعي معايا."أومأت في صمت، وركضا معًا نحو مدخل العمارة.كان المصعد في الطابق السادس، لكن انتظار ثوانٍ قليلة بدا لهما عمرًا كاملًا، فاتجها إلى السلم وصعدا درجاته ركضًا. كانت أنفاسهما تتسارع مع كل طابق، حتى توقفت ريم في منتصف الطريق واضعة يدها على صدرها وهي تلهث.قالت بصعوبة:"مش... مش قادرة آخد نفسي."التفت إليها تيم بسرعة، وأسندها برفق."استندي عليا... خلاص قربنا."هزت رأسها وهي تحاول أن تستجم
لم ينم أحد في تلك الليلة.كانت الساعات تمر ببطء شديد، وكأن عقارب الساعة تعمدت أن تختبر صبرهم.جلست أميرة بعد صلاة الفجر تقرأ ما تيسر من القرآن، بينما كانت ريم بجوار النافذة، تراقب أول خيوط الضوء وهي تتسلل إلى السماء.أما تيم...فكان مستندًا إلى الحائط، يراقبهما في صمت.لم يكن يفكر في عبد الوهاب هذه المرة.ولا في التهديدات.بل في الرجل الذي سيقابله بعد ساعات...الرجل الذي أقسم يومًا ألا يناديه "أبي" مرة أخرى....بعد شروق الشمس بقليل...ارتدت ريم عباءتها الواسعة، وعدلت خمارها أمام المرآة.خرجت من غرفتها لتجد أميرة قد أعدت الإفطار.ابتسمت أميرة وهي تقول:"تعالوا يا ولاد... كلوا لقمة الأول."جلس الثلاثة حول المائدة.ورغم أن الطعام كان بسيطًا...إلا أن أحدًا لم يمد يده.لاحظت أميرة ذلك، فقالت بنبرة أم حازمة:"لازم تاكلوا."نظر إليها تيم."مش قادر."ابتسمت له بحنان."القوي مش اللي يشيل الهم لوحده يا ابني... القوي اللي يحافظ على جسمه علشان يعرف يكمل."تنهد، ثم تناول قطعة صغيرة من الخبز.ابتسمت ريم وهي تراه يستجيب أخيرًا.قالت بخفة تحاول أن تكسر التوتر:"أهو... أخيرًا سمعت الكلام."رفع عينيه
جلست ريم على طرف الأريكة، بينما بقيت الفلاشة السوداء الصغيرة فوق الطاولة بينهما، وكأنها قطعة معدنية عادية لا تستحق كل هذا القلق. لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا؛ فمنذ اللحظة التي وصل فيها ذلك الظرف إلى يدها أمام بوابة الجامعة، لم يعد أي شيء يبدو طبيعيًا. نظرت إلى أمها التي كانت تقبض على مسبحتها بقوة حتى ابيضت أطراف أصابعها، بينما ظلت عيناها معلقتين بالفلاشة دون أن تقترب منها.قالت أميرة بعد صمت طويل، بصوت خرج متعبًا أكثر مما خرج خائفًا: "أنا قلبي مش مطمن يا ريم... والله حاسة إن اللي جواها عمره ما هيكون خير."أخذت ريم نفسًا عميقًا، ثم أمسكت الفلاشة بين إصبعيها وهي تتأملها من جميع الجهات."وأنا كمان... بس إحنا لو فضلنا خايفين مش هنعرف هو عايز إيه."هزت أميرة رأسها بسرعة."أوقات الجهل أرحم."ابتسمت ريم ابتسامة صغيرة باهتة وقالت: "بس أوقات تانية بيكون أخطر."وقبل أن تضيف شيئًا، اهتز هاتفها بإشعار رسالة جديدة.التقطته بسرعة، وما إن فتحت الرسالة حتى اختفت الابتسامة من وجهها تمامًا.> "قدامك تلاتين دقيقة... وبعدها هبدأ أزور الناس اللي بتحبيهم واحد واحد."شحب وجهها، وانتبهت أميرة إلى التغير ال
بعض الرسائل لا تحمل كلمات... بل تحمل بداية الكارثة."أشرقت الشمس على المدينة في هدوء خادع، وكأنها لا تعلم أن هذا اليوم سيترك أثرًا لا يُمحى في حياة أكثر من شخص.كانت السماء صافية، تتخللها غيوم بيضاء متناثرة، بينما أخذت الحركة تدب في الشوارع شيئًا فشيئًا. أصوات السيارات امتزجت بنداءات الباعة، ورائحة الخبز الساخن انسابت من المخابز القريبة، حتى بدا كل شيء طبيعيًا بصورة تثير السخرية؛ فالحياة كثيرًا ما تتزين بالهدوء قبل أن تفتح أبواب الفوضى.في أحد الشوارع الجانبية، توقفت سيارة سوداء ذات زجاج معتم أمام مبنى قديم مهجور.ترجل منها رجلان.ثم فتح أحدهما الباب الخلفي باحترام واضح.خرج عبد الوهاب بخطوات بطيئة.رفع وجهه نحو السماء، وأخذ نفسًا عميقًا، كأن الهواء خارج السجن يختلف عن أي هواء آخر.ابتسم ابتسامة باهتة."الدنيا لسه فاكراني."أجابه الرجل الواقف بجواره:"الدنيا عمرها ما نسيتك يا كبير."أدار عبد الوهاب رأسه نحوه، ثم قال بهدوء:"الناس نسيت... وده غلطتهم."دخل المبنى المهجور، بينما أغلق الرجل الباب خلفه.كان المكان أشبه بوكر قديم؛ جدران متشققة، وأثاث متهالك، لكن في الداخل كانت توجد غرفة تخت
"بعض الصباحات لا تأتي لتبدأ يومًا جديدًا... بل لتُكمل وجع الليلة السابقة."كان الفجر قد مر منذ وقت قصير، والسماء لا تزال تحتفظ بذلك اللون الرمادي الهادئ الذي يسبق شروق الشمس بقليل. الهواء المتسلل من نافذة المطبخ كان باردًا على غير عادة الأيام الماضية، يحمل معه رائحة الخبز الخارج لتوه من الفرن القريب، وصوت عصفور يقف فوق سور العمارة يردد زقزقة متقطعة، كأنه وحده لا يعرف أن داخل هذا البيت قلوبًا لم تنم أصلًا.داخل الشقة، كان السكون يملأ كل زاوية.ليس سكون راحة...بل سكون بيتٍ أنهكته ليلة طويلة.في غرفتها، فتحت ريم عينيها ببطء.ظلت تنظر إلى سقف الغرفة عدة ثوانٍ دون أن تتحرك، وكأن عقلها يحاول أن يقنعها أن ما حدث الليلة الماضية لم يكن سوى حلم سيئ.لكن أول ما وقعت عيناها على المصحف الموضوع فوق الكومود، تذكرت.تذكرت رائحة الخمر.تذكرت دموعها.وتذكرت نظرة تيم الأخيرة قبل أن يطلب منها الخروج.شعرت بانقباض قوي في صدرها.جلست على السرير، وأسندت ظهرها إلى الحائط، ثم رفعت يديها تمسح بهما وجهها ببطء.همست بصوت يكاد لا يُسمع:"الحمد لله على كل حال..."قامت إلى الوضوء، وأدت صلاة الفجر بخشوع امتزج بالبك







