LOGINبدأ الصباح يزحف بهدوء إلى غرفة ريم...
تسلل خيط رفيع من الضوء عبر النافذة، ليستقر فوق وجهها... وجه يحمل آثار تعب سنوات، لا تعب ليلة واحدة. فتحت عينيها ببطء... ورمشت عدة مرات، وكأنها تستيقظ من حلم ثقيل. تحركت يدها تلقائيًا نحو خدها... كان الألم لا يزال موجودًا. صمتت للحظة، ثم همست: "عادي..." قالتها بالطريقة نفسها التي أصبحت عادة بالنسبة لها... تقنع نفسها أولًا، قبل أن تقنع أي شخص آخر. نهضت من فراشها، وتوضأت... ثم وقفت تصلي، وأطالت الدعاء أكثر من أي مرة مضت. "اللهم إني لا أسألك رد القضاء... ولكن أسألك اللطف فيه" كان صوتها هادئًا... لكن قلبها كان يصرخ. أنهت صلاتها، وجلست تقرأ القرآن لبعض الوقت... وكأنها تجمع ما تبقى من قوتها قبل أن تواجه يومًا جديدًا. --- في المطبخ... كانت رائحة الطعام تملأ المكان... لكن الأجواء نفسها كانت ثقيلة. وقفت أميرة أمام الموقد... تتحرك يداها، بينما عقلها شارد بعيدًا. كانت عيناها محمرتين من البكاء الذي أخفته بصعوبة. دخلت ريم بابتسامة هادئة: "صباح الخير يا ماما" أدارت أميرة وجهها سريعًا... وما إن وقعت عيناها على خد ابنتها حتى اعتصر الألم قلبها. "لسه واجعاك؟" هزت ريم رأسها بابتسامة صغيرة: "لا خلاص... أنا كويسة" الكلمة نفسها... والكذبة نفسها التي أصبحت جزءًا منها. --- وقبل أن تهدأ اللحظة... قطع الصمت صوت كعبٍ عالٍ. دخلت ياسمين... ترتدي ملابس أنيقة بشكل مبالغ فيه، ويملأ عطرها المكان... وكأنها متجهة إلى عرض أزياء، لا إلى منزل. نظرت حولها بضيق وقالت: "هو الفطار ده هيتعمل ولا إيه؟ أنا متأخرة" التزمت أميرة الصمت... بينما أجابت ريم بهدوء: "حاضر هخلصه" اقتربت ياسمين منها، وتأملتها من أعلى إلى أسفل بنظرة مستفزة. "مش عارفة ليه حاسة إنك عاملة دور الضحية طول الوقت" رفعت ريم عينيها إليها... كانت نظرة واحدة فقط... هادئة، لكنها تحمل الكثير من الألم. ثم التزمت الصمت. فالصمت أحيانًا يكون أقوى من ألف رد. --- لحظة دخول محمد... انفتح الباب بقوة خفيفة. دخل محمد... وفي ثانية واحدة، تبدلت أجواء المكان بالكامل. نظر إلى ريم نظرة سريعة... باردة، وكأن ما حدث بالأمس لم يكن موجودًا من الأساس. "أنا مسافر القاهرة النهارده" كان صوته عاديًا... لكن نبرته حملت أمرًا لا يقبل النقاش. رفعت ريم عينيها نحوه... وقبل أن تسأله، قال: "وهتيجي معايا" تحركت أميرة بسرعة. "ليه؟" أجاب محمد ببرود: "في موضوع مهم" شعرت ريم بشيء يعتصر قلبها... لم يكن خوفًا فقط... بل إحساسًا بالخطر. --- في الوقت نفسه... بالقاهرة. جامعة القاهرة، كلية الهندسة. كانت ملك تسير داخل الحرم الجامعي... تمسك هاتفها بيديها، وتنظر إليه كل لحظة. "مش معقول لسه مردتش..." أرسلت رسالة أخرى: "ريم ردي عليا طيب" توقفت للحظة... ونظرت حولها. ورغم أنهما لا تدرسان في الكلية نفسها... إلا أن يومًا لم يكن يمر دون أن تراها. أما اليوم؟ فكان هناك شيء خاطئ. --- في شركة السيوفي... انفتح الباب. دخل آسر. فوقف الجميع تلقائيًا. "صباح الخير يا فندم" اكتفى بهزة خفيفة من رأسه... كان وجهه جامدًا، لكن عقله منشغل. دخل مكتبه وأغلق الباب. فتح الحاسوب المحمول... لتظهر أمامه عدة شاشات مراقبة. ومن بينها... بيت ريم. ركز نظره... فرأى السيارة تتحرك. فضاقت عيناه. "هو رايح فين؟" خرج صوته منخفضًا... لكنه كان يحمل خطورة واضحة. --- طرق الباب، ثم دخل معتز. "في إيه؟" أشار آسر إلى الشاشة. "أبوها... واخدها ورايح" عقد معتز حاجبيه. "يمكن عادي-" قاطعه آسر بحدة: "مفيش حاجة عادية عنده" نهض فجأة، وارتدى سترته بسرعة. "أنا نازل" نظر إليه معتز بقلق. "آسر... استنى وفكر-" أجابه وهو يغادر: "أنا فكرت كفاية" --- على الطريق بين المنصورة والقاهرة... كانت السيارة تشق الطريق... والصمت داخلها ثقيل. جلست ريم بجوار النافذة... تنظر إلى الخارج، لكنها في الحقيقة لم تكن ترى شيئًا. كان قلبها ينبض بسرعة غريبة. وبعد لحظات، قالت بهدوء: "رايحين فين؟" أجاب محمد دون أن ينظر إليها: "هتعرفي" كلمة بسيطة... لكنها جعلت إحساسها بالخوف يزداد. --- وعلى مسافة ليست بعيدة... كانت سيارة سوداء تسير خلفهما. وفي داخلها... كان عبد الوهاب. إحدى يديه على المقود... وعيناه مثبتتان عليهما. ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة. "كده الدنيا ماشية صح" أخرج هاتفه وقال: "خليكوا جاهزين... أول ما أوصل" صمت لحظة، ثم أردف: "المرة دي... مش هتفلت" --- في القاهرة، كلية الطب... وصلت ملك... تكاد تركض من شدة القلق. "حد شاف ريم؟" أجابتها إحدى الفتيات: "لا... مجتش النهارده" سقط قلبها خوفًا. أمسكت هاتفها بسرعة، واتصلت. --- في أمريكا... أجاب تيم: "مالك يا ملك؟" قالت بسرعة: "ريم مش في الكلية... ومش بترد" صمت تيم... ثانية واحدة فقط... لكنها كانت كافية. أخبره قلبه بالشيء نفسه. هناك خطر. قبض على يده بقوة. "أنا هتصرف" --- وعلى الطريق... كان آسر يقود بسرعة جنونية. عيناه مركزتان... وملامحه لم تكن طبيعية. "لو حد فكر يقربلها..." ضغط بقوة على المقود. "مش هرحمه" --- وفي اللحظة نفسها... ثلاثة طرق... وثلاث سيارات... تقترب من المكان نفسه. ريم... لا تعلم إلى أين تذهب. آسر... يتجه نحو الإنقاذ. عبد الوهاب... يتجه نحو الامتلاك. --- أما النهاية... فلم تُكتب بعد. لكن البداية... كان واضحًا أنها لن تكون سهلة. --- نهاية الفصل الثاني للكاتبة: مكة مكاوييمضي الزمن... مهما ظن الإنسان أنه توقف.ويأتي اليوم الذي ينهض فيه القلب المثقل بالحزن، لا لأنه نسي، بل لأنه أدرك أن الدعاء للراحلين خيرٌ من البكاء عليهم، وأن الحياة أمانة لا يجوز تركها.هكذا بدأت ريم أول خطوة في طريق التعافي...وفي صباح اليوم التالي... عادت ريم إلى الجامعة.كانت المرة الأولى منذ وفاة أمها.وقفت أمام البوابة للحظات.شعرت أن ساقيها لا تحملانها.كم مرة كانت أمها تدعو لها قبل خروجها؟كم مرة أوصتها أن تهتم بطعامها؟تنهدت...ثم قالت في سرها:"اللهم أعني."ودخلت.استقبلتها ملك عند البوابة.احتضنتها بصمت.ثم سارتا معًا.لم تحاول أن تفتح موضوعًا يؤلمها.اكتفت بأن تكون بجوارها.وأحيانًا...وجود شخص صامت...أفضل من ألف كلمة.---انتهت المحاضرات.خرجت ريم مع الحراسة كالمعتاد.وعلى الجانب الآخر من الطريق...كانت سيارة سوداء تقف في هدوء.داخلها...كان آسر.لم ينزل.ولم يلوح لها.فقط انتظر حتى رآها تدخل السيارة المخصصة لها.ثم قال للسائق:"اتحرك."نظر إليه السائق باستغراب."مش هتكلمها يا فندم؟"ابتسم آسر ابتسامة حزينة.وقال:"هي محتاجة وقت...مش محتاجة حد يضغط عليها."وانطلقت السيا
توقفت سيارة الأجرة أمام العمارة في اللحظة نفسها التي توقفت فيها سيارة تيم. اندفع خارج سيارته دون أن يشعر حتى بأنه ترك الباب مفتوحًا، بينما كانت ريم تهبط من سيارة الأجرة بخطوات سريعة مضطربة، وما زالت حقيبتها معلقة على كتفها بعدما غادرت الجامعة في منتصف اليوم إثر اتصال الجيران. منذ تلك اللحظة وقلبها يخبرها أن شيئًا سيئًا قد وقع.التقت عيناهما.لم يكن أي منهما بحاجة إلى سؤال، فقد قرأ كل واحد الخوف في وجه الآخر.اقتربت ريم منه بسرعة، وقالت بصوت يرتجف:"تيم... الجيران كلموني وقالولي أرجع حالًا... ماما كويسة؟"ظل ينظر إليها للحظات، وكأن الكلمات تأبى أن تخرج من فمه، ثم أمسك يدها بقوة وقال بصوت مبحوح:"اطلعي معايا."أومأت في صمت، وركضا معًا نحو مدخل العمارة.كان المصعد في الطابق السادس، لكن انتظار ثوانٍ قليلة بدا لهما عمرًا كاملًا، فاتجها إلى السلم وصعدا درجاته ركضًا. كانت أنفاسهما تتسارع مع كل طابق، حتى توقفت ريم في منتصف الطريق واضعة يدها على صدرها وهي تلهث.قالت بصعوبة:"مش... مش قادرة آخد نفسي."التفت إليها تيم بسرعة، وأسندها برفق."استندي عليا... خلاص قربنا."هزت رأسها وهي تحاول أن تستجم
لم ينم أحد في تلك الليلة.كانت الساعات تمر ببطء شديد، وكأن عقارب الساعة تعمدت أن تختبر صبرهم.جلست أميرة بعد صلاة الفجر تقرأ ما تيسر من القرآن، بينما كانت ريم بجوار النافذة، تراقب أول خيوط الضوء وهي تتسلل إلى السماء.أما تيم...فكان مستندًا إلى الحائط، يراقبهما في صمت.لم يكن يفكر في عبد الوهاب هذه المرة.ولا في التهديدات.بل في الرجل الذي سيقابله بعد ساعات...الرجل الذي أقسم يومًا ألا يناديه "أبي" مرة أخرى....بعد شروق الشمس بقليل...ارتدت ريم عباءتها الواسعة، وعدلت خمارها أمام المرآة.خرجت من غرفتها لتجد أميرة قد أعدت الإفطار.ابتسمت أميرة وهي تقول:"تعالوا يا ولاد... كلوا لقمة الأول."جلس الثلاثة حول المائدة.ورغم أن الطعام كان بسيطًا...إلا أن أحدًا لم يمد يده.لاحظت أميرة ذلك، فقالت بنبرة أم حازمة:"لازم تاكلوا."نظر إليها تيم."مش قادر."ابتسمت له بحنان."القوي مش اللي يشيل الهم لوحده يا ابني... القوي اللي يحافظ على جسمه علشان يعرف يكمل."تنهد، ثم تناول قطعة صغيرة من الخبز.ابتسمت ريم وهي تراه يستجيب أخيرًا.قالت بخفة تحاول أن تكسر التوتر:"أهو... أخيرًا سمعت الكلام."رفع عينيه
جلست ريم على طرف الأريكة، بينما بقيت الفلاشة السوداء الصغيرة فوق الطاولة بينهما، وكأنها قطعة معدنية عادية لا تستحق كل هذا القلق. لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا؛ فمنذ اللحظة التي وصل فيها ذلك الظرف إلى يدها أمام بوابة الجامعة، لم يعد أي شيء يبدو طبيعيًا. نظرت إلى أمها التي كانت تقبض على مسبحتها بقوة حتى ابيضت أطراف أصابعها، بينما ظلت عيناها معلقتين بالفلاشة دون أن تقترب منها.قالت أميرة بعد صمت طويل، بصوت خرج متعبًا أكثر مما خرج خائفًا: "أنا قلبي مش مطمن يا ريم... والله حاسة إن اللي جواها عمره ما هيكون خير."أخذت ريم نفسًا عميقًا، ثم أمسكت الفلاشة بين إصبعيها وهي تتأملها من جميع الجهات."وأنا كمان... بس إحنا لو فضلنا خايفين مش هنعرف هو عايز إيه."هزت أميرة رأسها بسرعة."أوقات الجهل أرحم."ابتسمت ريم ابتسامة صغيرة باهتة وقالت: "بس أوقات تانية بيكون أخطر."وقبل أن تضيف شيئًا، اهتز هاتفها بإشعار رسالة جديدة.التقطته بسرعة، وما إن فتحت الرسالة حتى اختفت الابتسامة من وجهها تمامًا.> "قدامك تلاتين دقيقة... وبعدها هبدأ أزور الناس اللي بتحبيهم واحد واحد."شحب وجهها، وانتبهت أميرة إلى التغير ال
بعض الرسائل لا تحمل كلمات... بل تحمل بداية الكارثة."أشرقت الشمس على المدينة في هدوء خادع، وكأنها لا تعلم أن هذا اليوم سيترك أثرًا لا يُمحى في حياة أكثر من شخص.كانت السماء صافية، تتخللها غيوم بيضاء متناثرة، بينما أخذت الحركة تدب في الشوارع شيئًا فشيئًا. أصوات السيارات امتزجت بنداءات الباعة، ورائحة الخبز الساخن انسابت من المخابز القريبة، حتى بدا كل شيء طبيعيًا بصورة تثير السخرية؛ فالحياة كثيرًا ما تتزين بالهدوء قبل أن تفتح أبواب الفوضى.في أحد الشوارع الجانبية، توقفت سيارة سوداء ذات زجاج معتم أمام مبنى قديم مهجور.ترجل منها رجلان.ثم فتح أحدهما الباب الخلفي باحترام واضح.خرج عبد الوهاب بخطوات بطيئة.رفع وجهه نحو السماء، وأخذ نفسًا عميقًا، كأن الهواء خارج السجن يختلف عن أي هواء آخر.ابتسم ابتسامة باهتة."الدنيا لسه فاكراني."أجابه الرجل الواقف بجواره:"الدنيا عمرها ما نسيتك يا كبير."أدار عبد الوهاب رأسه نحوه، ثم قال بهدوء:"الناس نسيت... وده غلطتهم."دخل المبنى المهجور، بينما أغلق الرجل الباب خلفه.كان المكان أشبه بوكر قديم؛ جدران متشققة، وأثاث متهالك، لكن في الداخل كانت توجد غرفة تخت
"بعض الصباحات لا تأتي لتبدأ يومًا جديدًا... بل لتُكمل وجع الليلة السابقة."كان الفجر قد مر منذ وقت قصير، والسماء لا تزال تحتفظ بذلك اللون الرمادي الهادئ الذي يسبق شروق الشمس بقليل. الهواء المتسلل من نافذة المطبخ كان باردًا على غير عادة الأيام الماضية، يحمل معه رائحة الخبز الخارج لتوه من الفرن القريب، وصوت عصفور يقف فوق سور العمارة يردد زقزقة متقطعة، كأنه وحده لا يعرف أن داخل هذا البيت قلوبًا لم تنم أصلًا.داخل الشقة، كان السكون يملأ كل زاوية.ليس سكون راحة...بل سكون بيتٍ أنهكته ليلة طويلة.في غرفتها، فتحت ريم عينيها ببطء.ظلت تنظر إلى سقف الغرفة عدة ثوانٍ دون أن تتحرك، وكأن عقلها يحاول أن يقنعها أن ما حدث الليلة الماضية لم يكن سوى حلم سيئ.لكن أول ما وقعت عيناها على المصحف الموضوع فوق الكومود، تذكرت.تذكرت رائحة الخمر.تذكرت دموعها.وتذكرت نظرة تيم الأخيرة قبل أن يطلب منها الخروج.شعرت بانقباض قوي في صدرها.جلست على السرير، وأسندت ظهرها إلى الحائط، ثم رفعت يديها تمسح بهما وجهها ببطء.همست بصوت يكاد لا يُسمع:"الحمد لله على كل حال..."قامت إلى الوضوء، وأدت صلاة الفجر بخشوع امتزج بالبك







