Home / الرومانسية / بين قلبين ونار / البارت الخامس: بين قدرٍ يُختبر... ونفوسٍ تتغير

Share

البارت الخامس: بين قدرٍ يُختبر... ونفوسٍ تتغير

last update publish date: 2026-07-13 20:23:07

أمام غرفة العمليات في مستشفى السلام، كانت الأنفاس محبوسة، والقلوب معلقة بين الخوف والرجاء. خرج الطبيب من غرفة العمليات، وآثار الإرهاق واضحة على وجهه، بينما كانت العيون كلها معلقة بكلماته.

"إحنا عملنا اللي علينا… بس—"

توقفت اللحظة.

وكأن الزمن نفسه امتنع عن الحركة.

اقترب آسر خطوة، وخرج صوته بصعوبة، وكأن الكلمات تخنقه:

"بس إيه؟!"

تنهد الطبيب بهدوء ثقيل، ثم قال:

"النزيف كان شديد جدًا… الحمد لله قدرنا نسيطر عليه… بس حالتها لسه حرجة، والساعات الجاية هي اللي هتحدد"

وضعت أميرة يدها فوق قلبها، وسقطت على المقعد خلفها، بينما خرج صوتها مكسورًا:

"يا رب… بنتي ملهاش غيرك…"

أسرعت ملك تمسك يدها، ودموعها تنهمر على وجنتيها.

"إن شاء الله هتقوم يا طنط… ربنا كبير"

ساد الصمت للحظات.

ذلك الصمت الذي يكون أشد قسوة من البكاء.

وقف آسر في مكانه، تائهًا، لا يدري ما الذي يجب عليه فعله. لأول مرة في حياته، شعر بالعجز الكامل.

رفع عينيه نحو الطبيب وسأله بصوت خافت:

"يعني… هتعيش؟"

أجابه الطبيب بهدوء:

"الدعاء… هو الأمل دلوقتي"

ومع حلول الليل، بدأت أروقة المستشفى تزداد هدوءًا، لكن القلوب لم تعرف السكون.

نهضت أميرة، واتجهت إلى المصلى الصغير الموجود بالمستشفى، ووقفت بين يدي الله، تبكي بحرقة أم تخشى أن تفقد قطعة من روحها.

"يا رب… ردّهالي… ماليش غيرها"

وبجوارها، توضأت ملك، وأدت الصلاة إلى جانبها، ثم جلست تقرأ القرآن بصوت هادئ، يحمل طمأنينة غريبة وسط كل هذا الخوف.

وصل صوتها إلى آسر.

شيء ما تحرك بداخله.

اقترب وجلس بعيدًا قليلًا، ثم سأل بصوت منخفض:

"إنتي إزاي ثابتة كده؟"

نظرت إليه ملك بهدوء وقالت:

"عشان عارفة إن ربنا أرحم بينا من نفسنا… وإن كل اللي بيحصل ده اختبار"

صمتت للحظة، ثم أضافت:

"قال رسول الله ﷺ: عجبًا لأمر المؤمن… إن أمره كله له خير"

ظل صامتًا.

دخلت الكلمات إلى قلبه، لكن الألم الذي ينهشه كان ما يزال أقوى من كل شيء.

---

داخل غرفة العناية المركزة، كانت الأجهزة تعمل بإيقاع منتظم، وأصواتها الرتيبة وحدها تملأ المكان.

كانت ريم مستلقية فوق السرير، شاحبة الوجه، لكن ملامحها بقيت هادئة، وكأنها غارقة في نوم عميق.

نظرت إليها إحدى الممرضات وقالت بهدوء:

"واضح إنها قوية… جسمها بيقاوم"

---

وفي غرفة أخرى داخل المستشفى، وتحت حراسة مشددة، فتح عبد الوهاب عينيه ببطء.

ورغم التعب الذي يسيطر عليه، ظهرت ابتسامة باهتة فوق شفتيه.

"لسه… مخلصتش"

اقترب الضابط منه بنظرة حازمة وقال:

"خلصت… وهتتحاسب"

ضحك عبد الوهاب بصوت ضعيف.

"أنا لما بلعب… بلعب للنهاية"

ثم أغلق عينيه من جديد.

لكن ملامحه كانت تحمل وعدًا مخيفًا بأن النار لم تنطفئ بعد.

---

وفي الخارج، داخل سيارة الشرطة، كان محمد يجلس مكبل اليدين.

وجهه شاحب.

لكن ليس من الخوف.

بل من الندم.

كانت كلمات ريم تتردد داخل عقله بلا رحمة:

"إنت بعتني؟!"

أغلق عينيه بقوة.

وللمرة الأولى في حياته...

شعر أنه محطم حقًا.

---

وفي نيويورك، كانت الأضواء والموسيقى والضحكات تملأ المكان.

لكن تيم لم يكن حاضرًا بينهم.

كان قلبه بعيدًا.

أرسل رسالة إلى ريم.

لا رد.

اتصل بها.

لا رد.

ازداد انقباض قلبه.

اقتربت ليزا منه بدلال وقالت:

"مالك؟"

رد ببرود:

"مش وقته"

نهض فجأة، وارتدى سترته.

"أنا مسافر"

نظر إليه أحد أصدقائه بدهشة:

"دلوقتي؟!"

أجابه وهو يتجه نحو الباب:

"آه… دلوقتي"

توقف أمام المرآة للحظة، ونظر إلى انعكاسه.

ثم قال بصوت منخفض:

"لو حصلها حاجة… مش هسامح نفسي"

---

عاد الهدوء القاتل إلى المستشفى.

وكان آسر ما يزال واقفًا أمام باب العناية المركزة، كأنه تمثال لا يعرف الحركة.

رفع عينيه إلى السماء، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، خرج الدعاء من قلبه بصدق كامل:

"يا رب… لو قومتها بالسلامة… أنا هتغير… والله هتغير"

كانت الكلمات بسيطة.

لكنها خرجت من قلب رجل أنهكه الخوف.

وفجأة...

انفتح باب العناية المركزة.

خرج الطبيب بسرعة.

فانتفض الجميع من أماكنهم.

القلوب تخفق بعنف.

والأنفاس متسارعة.

ثم قال الطبيب، وعلى وجهه ابتسامة خفيفة:

"هي بدأت تستجيب…"

وفي لحظة واحدة...

دبت الحياة من جديد في الأرواح التي أنهكها الخوف.

سجدت أميرة في مكانها وهي تبكي بحرارة.

"الحمد لله… الحمد لله…"

احتضنتها ملك، وامتزجت دموعهما بدموع الفرح.

أما آسر...

فبقي واقفًا.

غير قادر على الحركة.

لكن عينيه لمعتا.

وكأن الهواء عاد إلى رئتيه أخيرًا.

وكأن قلبه، الذي توقف عن الحياة منذ ساعات، عاد ينبض من جديد.

---

داخل غرفة العناية المركزة...

تحرك إصبع ريم حركة خفيفة.

ثم ارتجفت شفتاها قليلًا.

وخرج صوت ضعيف للغاية...

يكاد لا يُسمع:

"...ماما"

---

نهاية الفصل الخامس

بقلم: مكة مكاوي

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بين قلبين ونار    البارت الرابع والعشرون (النهايه): نور بعد ظلام

    يمضي الزمن... مهما ظن الإنسان أنه توقف.ويأتي اليوم الذي ينهض فيه القلب المثقل بالحزن، لا لأنه نسي، بل لأنه أدرك أن الدعاء للراحلين خيرٌ من البكاء عليهم، وأن الحياة أمانة لا يجوز تركها.هكذا بدأت ريم أول خطوة في طريق التعافي...وفي صباح اليوم التالي... عادت ريم إلى الجامعة.كانت المرة الأولى منذ وفاة أمها.وقفت أمام البوابة للحظات.شعرت أن ساقيها لا تحملانها.كم مرة كانت أمها تدعو لها قبل خروجها؟كم مرة أوصتها أن تهتم بطعامها؟تنهدت...ثم قالت في سرها:"اللهم أعني."ودخلت.استقبلتها ملك عند البوابة.احتضنتها بصمت.ثم سارتا معًا.لم تحاول أن تفتح موضوعًا يؤلمها.اكتفت بأن تكون بجوارها.وأحيانًا...وجود شخص صامت...أفضل من ألف كلمة.---انتهت المحاضرات.خرجت ريم مع الحراسة كالمعتاد.وعلى الجانب الآخر من الطريق...كانت سيارة سوداء تقف في هدوء.داخلها...كان آسر.لم ينزل.ولم يلوح لها.فقط انتظر حتى رآها تدخل السيارة المخصصة لها.ثم قال للسائق:"اتحرك."نظر إليه السائق باستغراب."مش هتكلمها يا فندم؟"ابتسم آسر ابتسامة حزينة.وقال:"هي محتاجة وقت...مش محتاجة حد يضغط عليها."وانطلقت السيا

  • بين قلبين ونار    البارت الثالث والعشرون: رحيل الجسد وبقاء الأثر

    توقفت سيارة الأجرة أمام العمارة في اللحظة نفسها التي توقفت فيها سيارة تيم. اندفع خارج سيارته دون أن يشعر حتى بأنه ترك الباب مفتوحًا، بينما كانت ريم تهبط من سيارة الأجرة بخطوات سريعة مضطربة، وما زالت حقيبتها معلقة على كتفها بعدما غادرت الجامعة في منتصف اليوم إثر اتصال الجيران. منذ تلك اللحظة وقلبها يخبرها أن شيئًا سيئًا قد وقع.التقت عيناهما.لم يكن أي منهما بحاجة إلى سؤال، فقد قرأ كل واحد الخوف في وجه الآخر.اقتربت ريم منه بسرعة، وقالت بصوت يرتجف:"تيم... الجيران كلموني وقالولي أرجع حالًا... ماما كويسة؟"ظل ينظر إليها للحظات، وكأن الكلمات تأبى أن تخرج من فمه، ثم أمسك يدها بقوة وقال بصوت مبحوح:"اطلعي معايا."أومأت في صمت، وركضا معًا نحو مدخل العمارة.كان المصعد في الطابق السادس، لكن انتظار ثوانٍ قليلة بدا لهما عمرًا كاملًا، فاتجها إلى السلم وصعدا درجاته ركضًا. كانت أنفاسهما تتسارع مع كل طابق، حتى توقفت ريم في منتصف الطريق واضعة يدها على صدرها وهي تلهث.قالت بصعوبة:"مش... مش قادرة آخد نفسي."التفت إليها تيم بسرعة، وأسندها برفق."استندي عليا... خلاص قربنا."هزت رأسها وهي تحاول أن تستجم

  • بين قلبين ونار    البارت الثاني والعشرون: حين يعود الماضي... لا يعود وحده

    لم ينم أحد في تلك الليلة.كانت الساعات تمر ببطء شديد، وكأن عقارب الساعة تعمدت أن تختبر صبرهم.جلست أميرة بعد صلاة الفجر تقرأ ما تيسر من القرآن، بينما كانت ريم بجوار النافذة، تراقب أول خيوط الضوء وهي تتسلل إلى السماء.أما تيم...فكان مستندًا إلى الحائط، يراقبهما في صمت.لم يكن يفكر في عبد الوهاب هذه المرة.ولا في التهديدات.بل في الرجل الذي سيقابله بعد ساعات...الرجل الذي أقسم يومًا ألا يناديه "أبي" مرة أخرى....بعد شروق الشمس بقليل...ارتدت ريم عباءتها الواسعة، وعدلت خمارها أمام المرآة.خرجت من غرفتها لتجد أميرة قد أعدت الإفطار.ابتسمت أميرة وهي تقول:"تعالوا يا ولاد... كلوا لقمة الأول."جلس الثلاثة حول المائدة.ورغم أن الطعام كان بسيطًا...إلا أن أحدًا لم يمد يده.لاحظت أميرة ذلك، فقالت بنبرة أم حازمة:"لازم تاكلوا."نظر إليها تيم."مش قادر."ابتسمت له بحنان."القوي مش اللي يشيل الهم لوحده يا ابني... القوي اللي يحافظ على جسمه علشان يعرف يكمل."تنهد، ثم تناول قطعة صغيرة من الخبز.ابتسمت ريم وهي تراه يستجيب أخيرًا.قالت بخفة تحاول أن تكسر التوتر:"أهو... أخيرًا سمعت الكلام."رفع عينيه

  • بين قلبين ونار    البارت الحادي والعشرون: لا تأتي الكوارث دائمًا وهي تصرخ.أحيانًا تطرق الباب بهدوء

    جلست ريم على طرف الأريكة، بينما بقيت الفلاشة السوداء الصغيرة فوق الطاولة بينهما، وكأنها قطعة معدنية عادية لا تستحق كل هذا القلق. لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا؛ فمنذ اللحظة التي وصل فيها ذلك الظرف إلى يدها أمام بوابة الجامعة، لم يعد أي شيء يبدو طبيعيًا. نظرت إلى أمها التي كانت تقبض على مسبحتها بقوة حتى ابيضت أطراف أصابعها، بينما ظلت عيناها معلقتين بالفلاشة دون أن تقترب منها.قالت أميرة بعد صمت طويل، بصوت خرج متعبًا أكثر مما خرج خائفًا: "أنا قلبي مش مطمن يا ريم... والله حاسة إن اللي جواها عمره ما هيكون خير."أخذت ريم نفسًا عميقًا، ثم أمسكت الفلاشة بين إصبعيها وهي تتأملها من جميع الجهات."وأنا كمان... بس إحنا لو فضلنا خايفين مش هنعرف هو عايز إيه."هزت أميرة رأسها بسرعة."أوقات الجهل أرحم."ابتسمت ريم ابتسامة صغيرة باهتة وقالت: "بس أوقات تانية بيكون أخطر."وقبل أن تضيف شيئًا، اهتز هاتفها بإشعار رسالة جديدة.التقطته بسرعة، وما إن فتحت الرسالة حتى اختفت الابتسامة من وجهها تمامًا.> "قدامك تلاتين دقيقة... وبعدها هبدأ أزور الناس اللي بتحبيهم واحد واحد."شحب وجهها، وانتبهت أميرة إلى التغير ال

  • بين قلبين ونار    البارت العشرون

    بعض الرسائل لا تحمل كلمات... بل تحمل بداية الكارثة."أشرقت الشمس على المدينة في هدوء خادع، وكأنها لا تعلم أن هذا اليوم سيترك أثرًا لا يُمحى في حياة أكثر من شخص.كانت السماء صافية، تتخللها غيوم بيضاء متناثرة، بينما أخذت الحركة تدب في الشوارع شيئًا فشيئًا. أصوات السيارات امتزجت بنداءات الباعة، ورائحة الخبز الساخن انسابت من المخابز القريبة، حتى بدا كل شيء طبيعيًا بصورة تثير السخرية؛ فالحياة كثيرًا ما تتزين بالهدوء قبل أن تفتح أبواب الفوضى.في أحد الشوارع الجانبية، توقفت سيارة سوداء ذات زجاج معتم أمام مبنى قديم مهجور.ترجل منها رجلان.ثم فتح أحدهما الباب الخلفي باحترام واضح.خرج عبد الوهاب بخطوات بطيئة.رفع وجهه نحو السماء، وأخذ نفسًا عميقًا، كأن الهواء خارج السجن يختلف عن أي هواء آخر.ابتسم ابتسامة باهتة."الدنيا لسه فاكراني."أجابه الرجل الواقف بجواره:"الدنيا عمرها ما نسيتك يا كبير."أدار عبد الوهاب رأسه نحوه، ثم قال بهدوء:"الناس نسيت... وده غلطتهم."دخل المبنى المهجور، بينما أغلق الرجل الباب خلفه.كان المكان أشبه بوكر قديم؛ جدران متشققة، وأثاث متهالك، لكن في الداخل كانت توجد غرفة تخت

  • بين قلبين ونار    البارت التاسع عشر

    "بعض الصباحات لا تأتي لتبدأ يومًا جديدًا... بل لتُكمل وجع الليلة السابقة."كان الفجر قد مر منذ وقت قصير، والسماء لا تزال تحتفظ بذلك اللون الرمادي الهادئ الذي يسبق شروق الشمس بقليل. الهواء المتسلل من نافذة المطبخ كان باردًا على غير عادة الأيام الماضية، يحمل معه رائحة الخبز الخارج لتوه من الفرن القريب، وصوت عصفور يقف فوق سور العمارة يردد زقزقة متقطعة، كأنه وحده لا يعرف أن داخل هذا البيت قلوبًا لم تنم أصلًا.داخل الشقة، كان السكون يملأ كل زاوية.ليس سكون راحة...بل سكون بيتٍ أنهكته ليلة طويلة.في غرفتها، فتحت ريم عينيها ببطء.ظلت تنظر إلى سقف الغرفة عدة ثوانٍ دون أن تتحرك، وكأن عقلها يحاول أن يقنعها أن ما حدث الليلة الماضية لم يكن سوى حلم سيئ.لكن أول ما وقعت عيناها على المصحف الموضوع فوق الكومود، تذكرت.تذكرت رائحة الخمر.تذكرت دموعها.وتذكرت نظرة تيم الأخيرة قبل أن يطلب منها الخروج.شعرت بانقباض قوي في صدرها.جلست على السرير، وأسندت ظهرها إلى الحائط، ثم رفعت يديها تمسح بهما وجهها ببطء.همست بصوت يكاد لا يُسمع:"الحمد لله على كل حال..."قامت إلى الوضوء، وأدت صلاة الفجر بخشوع امتزج بالبك

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status