Share

٣

last update publish date: 2026-08-29 19:27:52

الفصل الثالث

الغرفة المغلقة

انطفأت أنوار القصر بالكامل.

وفي اللحظة نفسها، ابتلع الظلام كل شيء.

لم تعد ليان ترى سوى الخطوط الباهتة القادمة من النافذة البعيدة، بينما ظل صوت المطر في الخارج يزداد وضوحًا بعدما اختفى أزيز الكهرباء الذي كان يملأ المكان.

تجمدت في مكانها.

كانت لا تزال تحمل الرسالة في يدها.

لأنها كانت غرفتك.

الكلمات الأربع ظلت تدور داخل رأسها.

غرفتها.

الغرفة التي قيل إنها أُغلقت منذ ثلاث سنوات.

الغرفة التي تركتها ليلة رحيلها دون أن تلتفت خلفها.

الغرفة التي لم تكن تعرف أن أحدًا احتفظ بها طوال تلك السنوات.

قالت بصوت منخفض:

"آسر..."

جاءها صوته من الظلام:

"أنا هنا."

لم تره، لكنها سمعت خطواته تقترب.

تراجعت غريزيًا خطوة، ثم توقفت عندما قال:

"متتحركيش."

"ليه؟"

"في حاجة على الأرض."

توقفت.

أشعل آسر ضوء هاتفه، فظهر جزء من الممر.

ثم أشار إلى الأرض.

كان هناك صندوق خشبي صغير قرب قدميها.

لم يكن موجودًا قبل لحظات.

أو ربما كان موجودًا ولم تلاحظه بسبب الظلام.

انحنى آسر والتقطه.

"ده مش بتاع البيت."

اقتربت منه.

"إيه ده؟"

قلب الصندوق.

كان مغلقًا بقفل معدني صغير.

وعلى الغطاء ظهرت كتابة باهتة.

قرأت ليان بصعوبة:

إلى ليان... عندما تعود.

شعرت بقشعريرة.

"بابا."

قال آسر:

"غالبًا."

"افتحه."

نظر إليها.

"المفتاح؟"

أشارت إلى القفل.

"مش محتاج مفتاح؟"

هز رأسه.

"القفل مقفول."

ثم قلب الصندوق مرة أخرى.

وجد شيئًا مثبتًا أسفله.

قطعة معدنية صغيرة.

أمسك بها.

كانت مفتاحًا.

لكن ليس مفتاحًا عاديًا.

كان طويلًا ورفيعًا، وعلى رأسه رقم محفور.

17.

نظرت ليان إليه.

ثم اتسعت عيناها.

"رقم سبعتاشر."

"أيوه."

"أنا شفت الرقم ده قبل كده."

رفع آسر الهاتف نحوها.

"فين؟"

حاولت التذكر.

ثم قالت:

"في مكتب بابا."

"إمتى؟"

"قبل وفاته بشهر تقريبًا."

صمتت.

"كان عنده صندوق بنفس الرقم."

"فين الصندوق؟"

"مش عارفة."

قال آسر:

"إذن لازم نلاقيه."

لكن ليان لم تستمع.

كانت تحدق في الممر.

في نهايته كان يوجد باب قديم.

باب لم تقترب منه منذ عادت إلى المنزل.

قالت:

"الغرفة."

نظر آسر في الاتجاه نفسه.

"أيوه."

"هي هناك؟"

"أيوه."

"افتحها."

لم يتحرك.

"آسر."

"ليان، استني."

"قلت افتحها."

"مش عارف إيه اللي جواها."

"وأنا مش هعرف لو فضلنا واقفين هنا."

تأملها للحظات.

ثم سار نحو الباب.

كانت خطواته هادئة، لكنها بدت لها ثقيلة.

وصل إلى الباب.

مد يده إلى المقبض.

توقف.

ثم قال دون أن ينظر إليها:

"آخر مرة دخلت الغرفة دي كانت قبل ثلاث سنين."

اقتربت ليان.

"وليه قفلتها؟"

ظل صامتًا.

"آسر."

قال أخيرًا:

"لأن آخر مرة شفتك فيها كانت جواها."

توقفت.

كان هناك شيء في صوته لم تسمعه منذ سنوات.

لم يكن غضبًا.

ولا دفاعًا.

كان وجعًا.

قالت:

"أنا مش فاكرة كل اللي حصل الليلة دي."

استدار إليها.

"وأنا عارف."

"إيه اللي حصل فعلًا؟"

لم يجب.

"آسر."

"مش هنا."

"فين؟"

"جوا."

أدار المفتاح.

صدر صوت معدني حاد.

وانفتح الباب.

توقفت ليان أمام الغرفة.

لم تكن مستعدة لما رأته.

---

كانت الغرفة كما تركتها تقريبًا.

السرير في مكانه.

المكتب الخشبي بجوار النافذة.

الستائر نفسها.

رف الكتب.

حتى المزهرية الصغيرة التي أهدتها لها أمها قبل وفاتها.

كل شيء كان ثابتًا كأن الزمن توقف عند تلك الليلة.

لكن شيئًا واحدًا تغير.

الجدار المقابل للسرير.

كانت عليه عشرات الصور.

صور لها.

صور لوالدها.

صور لآسر.

وصور لأشخاص لم تعرفهم.

شهقت.

"إيه ده؟"

لم يجب آسر.

دخل الغرفة وأشعل مصباحًا صغيرًا كان يعمل ببطارية.

اقتربت ليان من الحائط.

كانت الصور مرتبة بعناية.

بعضها يعود إلى سنوات طفولتها.

بعضها من الجامعة.

وبعضها التقط قبل ثلاثة أعوام فقط.

أشارت إلى صورة لها وهي تخرج من الجامعة.

"مين صور دي؟"

"مش أنا."

"بابا؟"

"يمكن."

انتقلت إلى صورة أخرى.

كانت تقف أمام مقهى قديم.

وبجانبها رجل لم تره من قبل.

توقفت.

"مين ده؟"

اقترب آسر.

نظر إلى الصورة.

فتغير وجهه.

"سليم."

"سليم الراوي؟"

أومأ.

"إنت متأكد؟"

"أيوه."

حدقت في الرجل.

"إيه علاقته بيا؟"

"ده اللي والدك كان بيحاول يعرفه."

ثم أضاف:

"قبل ما يموت."

اتجهت ليان إلى المكتب.

فتحت الأدراج واحدًا تلو الآخر.

معظمها فارغ.

حتى وصلت إلى درج صغير أسفل المكتب.

كان مغلقًا.

أخرجت المفتاح رقم 17.

نظرت إلى آسر.

"نجرب؟"

أومأ.

أدخلت المفتاح.

دار بسهولة.

فتح الدرج.

كان بداخله ظرف أسود.

ومفكرة صغيرة.

وصورة.

أخرجت الصورة أولًا.

كان والدها واقفًا مع رجل آخر.

لكن الرجل لم يكن سليم.

كان آسر.

فتحت عينيها بدهشة.

"إنت كنت بتقابل بابا؟"

نظر إلى الصورة.

"أيوه."

"إمتى؟"

"قبل الليلة اللي حصل فيها كل شيء."

"وليه؟"

"كان عايز يقابلني."

"عشان إيه؟"

أخذ نفسًا عميقًا.

"قال لي إنك في خطر."

تجمدت.

"أنا؟"

"أيوه."

"وماذا فعلت؟"

خفض عينيه.

"حاولت أحميك."

ضحكت ليان بمرارة.

"تحميني؟"

لم يرد.

"لو كنت بتحميني، ليه سبتني أمشي؟"

كان السؤال واضحًا.

ومؤلمًا.

ظل صامتًا.

قالت:

"ليه؟"

رفع عينيه إليها.

"لأنك طلبتِ مني."

تراجعت.

"أنا؟"

"أيوه."

"أنا عمري ما كنت هطلب منك تسيبني."

"طلبتي."

"مستحيل."

"ليان..."

"لا."

وضعت الصورة على المكتب.

"أنا فاكرة الليلة دي."

"فاكرة جزء منها."

"وأنت فاكر؟"

"كل حاجة."

نظرت إليه.

"إذن قول."

صمت.

ثم قال:

"في الليلة دي، جيتي هنا وأنتِ منهارة."

"ليه؟"

"قلتي إن حد كان بيراقبك."

شعرت ببرودة في أطرافها.

"أنا قلت كده؟"

"أيوه."

"مين؟"

"ما عرفتيش تقولي اسمه."

"وبعدين؟"

"أبوك اتصل بيا."

"وقال إيه؟"

"قال لي أخدك وأبعدك عن البيت."

"ليه؟"

"لأنه كان خايف إن الشخص ده يوصل لك."

بدأت أنفاسها تتسارع.

"وبعدين؟"

نظر إليها.

"وبعدين حصلت مشكلة."

"أي مشكلة؟"

"وصل شخص للبيت."

"مين؟"

لم يجب.

اقتربت منه.

"مين يا آسر؟"

قال بصوت منخفض:

"سليم الراوي."

تراجعت.

ثم نظرت إلى الصورة.

"هو دخل هنا؟"

"أيوه."

"وأنا كنت هنا؟"

"أيوه."

"وأنت كنت هنا؟"

"أيوه."

ساد الصمت.

ثم قالت:

"وبعدين؟"

قال:

"بعدها اختفيتي."

اتسعت عيناها.

"اختفيت؟"

"أيوه."

"إنت قلت لي وقتها إني مشيت."

"لأنك مشيتي فعلًا."

"لوحدي؟"

"لا."

توقفت.

"مع مين؟"

نظر إليها.

لكن قبل أن يجيب، سُمع صوت ارتطام قوي من أسفل المنزل.

انتفضت ليان.

قال آسر فورًا:

"خليكِ هنا."

"مين هناك؟"

لم يجب.

خرج من الغرفة.

أمسكت ذراعه.

"آسر."

نظر إليها.

"متخرجش."

"لازم أعرف مين دخل البيت."

"والأهم إنك تفضلي هنا."

"أنا مش هستخبى."

"الموضوع مش بطولة."

"ولا أنا بطلة."

ثم تركت ذراعه.

"أنا بس تعبت من إن كل الناس تعرف حاجة عن حياتي إلا أنا."

نظر إليها طويلًا.

ثم قال:

"خليكِ ورايا."

---

نزلا الدرج ببطء.

كان القصر لا يزال غارقًا في الظلام.

البرق أضاء النوافذ للحظة، فكشف الردهة الفارغة.

لم يكن هناك أحد.

قالت ليان:

"يمكن حاجة وقعت."

"الصوت كان في المكتب."

توجها إلى الغرفة.

كان الباب مفتوحًا.

دخل آسر أولًا.

ثم توقف.

النافذة كانت مفتوحة.

والستارة تتحرك بقوة بسبب الهواء.

قال:

"حد كان هنا."

اقتربت ليان من المكتب.

توقفت.

الظرف الأسود الذي كانا قد أخرجاه منذ دقائق لم يعد موجودًا.

"آسر."

التفت.

"الظرف."

اقترب.

نظر إلى المكتب.

"كان هنا."

"اختفى."

فجأة سمعا صوتًا من الخارج.

خطوات.

اقتربت الخطوات من النافذة.

اندفع آسر إليها.

لكن لم يكن هناك أحد.

فقط الحديقة المبتلة.

ثم لمح شيئًا قرب الشجرة.

ركض إلى الخارج.

صرخت ليان:

"آسر!"

لم يسمعها.

كانت تمطر بغزارة.

وصل إلى الشجرة.

وجد قطعة قماش سوداء عالقة في أحد الفروع.

أمسك بها.

وعندما عاد، كانت ليان تقف عند النافذة.

قال:

"لقيت دي."

نظرت إلى القماش.

"إيه ده؟"

"مش عارف."

اقتربت.

وجدت شيئًا صغيرًا داخل القماش.

ورقة مطوية.

فتحها آسر.

قرأها.

ثم رفع عينيه إليها.

"إيه؟"

ناولها الورقة.

كان مكتوبًا:

"لم يكن آسر هو الرجل الذي أخذها تلك الليلة."

تجمدت ليان.

رفعت عينيها إليه.

"أخذني؟"

لم يجب.

قلب آسر الورقة.

على ظهرها جملة أخرى:

"اسألي والدك عن السيارة السوداء."

شعرت ليان بأن رأسها يدور.

"أنا مش فاهمة."

قال آسر:

"ولا أنا."

"لكن الرسالة بتقول إن حد أخذني."

"أيوه."

"وأنت قلت إني مشيت."

"لأن ده اللي كنت فاكره."

"فاكره؟"

"ليان، أنا شفتك تخرجي."

"مع مين؟"

نظر إليها.

"رجل."

"مين؟"

"ما قدرتش أشوف وشه."

سكتت.

ثم قالت:

"وليه ما قلتليش ده قبل كده؟"

خفض عينيه.

"لأنك لما سألتي، قلتِ لي إنك مش عايزة تعرفي أي حاجة عن الليلة دي."

"أنا قلت كده؟"

"أيوه."

جلست على حافة الكرسي.

كانت تحاول جمع شظايا ذاكرتها.

صوت سيارة.

مطر.

صرخة.

باب يُغلق.

وجه غير واضح.

ثم فراغ.

قالت:

"أنا فاكرة حاجة."

اقترب آسر.

"إيه؟"

وضعت يدها على رأسها.

"صوت."

"صوت مين؟"

"مش عارفة."

أغمضت عينيها.

"كان بيقول لي..."

توقفت.

"بيقول إيه؟"

فتحت عينيها.

"إنتِ لازم تثقي في آسر."

تجمد آسر.

لم يتوقع ذلك.

قال:

"إنتِ متأكدة؟"

"أيوه."

"في حاجة تانية؟"

هزت رأسها.

"لا."

جلس أمامها.

"حاولي تفتكري."

"مش قادرة."

"متضغطیش على نفسك."

نظرت إليه.

لأول مرة منذ سنوات لم تر في عينيه الرجل الذي كانت تكرهه.

رأت شخصًا يحمل هو أيضًا جزءًا من تلك الليلة.

شخصًا يبدو أنه عاش معها الكابوس نفسه.

قالت:

"آسر."

"نعم؟"

"إنت ليه احتفظت بالغرفة؟"

سكت.

ثم قال:

"لأنني كنت مستني."

"مستني إيه؟"

"إنك ترجعي."

تسارعت دقات قلبها.

قال:

"مش علشاني."

ثم نظر إلى الصور.

"علشان أعرف إيه اللي حصل لك."

سكتت.

ثم سألت:

"ولو اكتشفت الحقيقة؟"

"هقول لك."

"حتى لو كانت ضدك؟"

نظر إليها مباشرة.

"حتى لو كانت تدمرني."

كانت تلك أول مرة منذ سنوات تشعر فيها ليان أن شيئًا ما داخلها بدأ يتغير.

ليس حبًا.

ولا ثقة.

لكن سؤالًا صغيرًا بدأ يظهر مكان الكراهية.

ماذا لو كانت قد أخطأت في حقه؟

---

مع اقتراب الفجر، عادت الكهرباء.

أضاء القصر فجأة.

وبدت الغرفة مختلفة تحت الضوء.

لاحظت ليان شيئًا لم تلاحظه في الظلام.

على أحد أرفف الكتب كانت هناك علبة زجاجية صغيرة.

اقتربت.

داخلها خاتم.

عرفته فورًا.

كان خاتم والدها.

مدت يدها، لكنها توقفت قبل أن تلمسه.

قال آسر من خلفها:

"ده كان معاه يوم وفاته."

التفتت.

"إزاي وصل هنا؟"

"ما أعرفش."

أشارت إليه.

"أنت حطيته؟"

"لا."

"إذن مين؟"

اقترب.

فتح العلبة.

رفع الخاتم.

كان بداخله شيء صغير.

فتحة دقيقة جدًا.

قال:

"ده مش خاتم عادي."

"ليه؟"

"بصي."

أمسك الخاتم تحت الضوء.

ظهر نقش صغير من الداخل.

رقم.

17.

حدقت ليان فيه.

ثم قالت:

"المفتاح."

أخرج آسر المفتاح.

"أيوه."

وضعت المفتاح بجانب الخاتم.

كانا متطابقين تقريبًا.

قالت:

"يمكن المفتاح مش للدرج."

نظر إليها.

"يمكن للغرفة."

"الغرفة مفتوحة."

"مش بالضرورة."

تقدم نحو الجدار.

بدأ يلمس الأحجار الخشبية المحيطة بالمكتبة.

"بتدوري على إيه؟"

"باب."

"هنا؟"

"أبوك كان بيخبي حاجات."

استمر في البحث.

حتى توقف.

ضغط على جزء من الخشب.

صدر صوت خافت.

تحركت المكتبة ببطء.

شهقت ليان.

خلفها ظهر ممر ضيق مظلم.

نظر الاثنان إلى بعضهما.

قالت:

"كان في باب هنا طوال الوقت."

قال آسر:

"أيوه."

دخل أولًا.

ثم تبعته.

كان الممر ضيقًا وطويلًا.

وفي نهايته ظهر باب حديدي.

اقترب آسر.

وجد فتحة للقفل.

رفع المفتاح رقم 17.

أدخله.

فتح الباب.

ظهرت غرفة صغيرة.

في وسطها طاولة.

وفوق الطاولة جهاز تسجيل قديم.

وبجانبه ظرف أبيض.

تقدمت ليان ببطء.

كان اسمها مكتوبًا على الظرف.

لكن هذه المرة بخط تعرفه جيدًا.

خط والدها.

فتحت الظرف.

كان بداخله تسجيل صوتي صغير.

ضغط آسر على زر التشغيل.

ساد التشويش لثوانٍ.

ثم جاء صوت والدها.

متعبًا.

خائفًا.

واضحًا.

"ليان..."

توقفت أنفاسها.

"لو وصلتي للتسجيل ده، يبقى أنا ما قدرتش أقول لك الحقيقة وأنا عايش."

وضعت يدها على فمها.

تابع الصوت:

"أول حاجة لازم تعرفيها... إن آسر ما خانكيش."

أغمضت ليان عينيها.

نظرت إلى آسر.

لكنه لم ينظر إليها.

كان يستمع.

قال صوت والدها:

"الحقيقة إن اللي حصل من ثلاث سنين كان محاولة لإبعادك عن شخص خطير."

ثم توقف التسجيل للحظات.

صدر صوت تنفس.

ثم قال:

"والشخص ده..."

انقطع الصوت.

نظر آسر إلى الجهاز.

حاول تشغيله مرة أخرى.

لكن التسجيل انتهى.

صرخت ليان:

"لا!"

ضربت يدها على الطاولة.

"لا! لازم يكمل!"

حاول آسر تشغيله.

لا شيء.

ثم لاحظ شيئًا.

أمسك الجهاز.

"في شريط تاني."

فتح الغطاء.

وجد شريطًا صغيرًا مخفيًا في الداخل.

أخرجه.

نظر إلى ليان.

"يمكن ده الجزء الثاني."

وضعه.

ضغط التشغيل.

عاد صوت والدها.

لكن هذه المرة كان أكثر اضطرابًا:

"لو وصلتِ للجزء الثاني، يبقى سليم عرف إنك رجعتي."

تجمد الاثنان.

"وهيحاول يوصلك قبل ما تعرفي كل الحقيقة."

ثم قال:

"ما تثقيش في أي شخص يدخل البيت من غير ما تعرفيه."

صمت.

ثم جاءت الجملة الأخيرة.

الجملة التي جعلت ليان وآسر ينظران إلى بعضهما في اللحظة نفسها:

"لأن واحدًا من أهل البيت كان يعمل معه."

وانطفأ التسجيل.

ساد الصمت.

لم يتحرك أي منهما.

ثم سمعا صوت باب القصر الرئيسي يُفتح في الطابق السفلي.

شخص ما دخل.

نظر آسر إلى ليان.

وأطفأ الجهاز.

ثم قال بصوت منخفض:

"حد وصل."

"مين؟"

أمسك يدها للحظة، ثم تركها فورًا.

"مش عارف."

ارتفع صوت خطوات في الردهة.

خطوة.

ثم أخرى.

ثم توقف الصوت أمام الدرج.

رفع آسر إصبعه أمام فمه.

لا تتكلمي.

وبينما ظلا واقفين داخل الغرفة السرية...

جاء صوت امرأة من أسفل السلم:

"آسر؟"

تغير وجه ليان.

كانت تعرف الصوت.

إنها عمتها سعاد.

لكنها لم تكن وحدها.

كان هناك صوت رجل معها.

صوت لم تسمعه ليان منذ سنوات.

ثم جاء الصوت من أسفل المنزل:

"أنا عارف إن ليان هنا."

تجمدت ليان.

نظر آسر إليها.

وعرفا في اللحظة نفسها...

أن الماضي لم يعد يطرق الباب.

لقد دخل بالفعل.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • تحت سقف واحد   ٥٠

    الفصل 50الصوت خرج من آخر الممر مرة تانية.— ليان...المرة دي كان أوضح.أقرب.كأن صاحبه واقف على بعد خطوات.ليان فضلت ثابتة مكانها، لكن وشها اتغير.آسر بص لها.— ليان... إنتِ متأكدة إن ده صوت يحيى؟ليان هزت رأسها ببطء.— أيوه.سامح قرب منها.— متتحركيش.— ليه؟— لأننا مش عارفين إيه اللي موجود ورا الباب.يوسف رد بهدوء:— أنا عارف.سامح بص له.— إنت عارف إيه؟— اللي ورا الباب مش يحيى كله.ليان قالت:— أمال مين؟يوسف بص ناحية الباب المفتوح.— جزء منه.آدم قال:— يعني إيه جزء منه؟ ما إحنا من شوية عرفنا إن الذاكرة متقسمة.يوسف رد:— يحيى كان أول واحد اتقسم بالطريقة دي.نجيب اقترب.— إنت كنت عارف ده من البداية؟يوسف بص له.— مش كل حاجة.— لكن كنت تعرف إن يحيى موجود.— أيوه.— وليه ما قلتش؟يوسف ابتسم بمرارة.— عشان كل مرة كنت بقول الحقيقة، حد كان بيحاول يموت عشانها.ليان قالت:— وإحنا مش هنموت.يوسف بص لها.— إنتِ متأكدة؟— أيوه.— حتى لو الحقيقة هتوجعك؟— حتى لو هتوجعني.آسر قال:— وأنا معاها.سامح تنهد.— وأنا كمان.آدم قال:— يبقى ندخل.نجيب اعترض:— لأ.آدم بص له.— ليه؟— لأن الباب رقم

  • تحت سقف واحد   ٤٩

    الفصل 49— التجربة صفر... صحيت.الكلمة فضلت معلقة في الجو، كأن حتى الغرفة نفسها وقفت تستوعب معناها.ليان بصت لسامح.— يعني إيه التجربة صفر؟سامح ما ردش.— سامح، أنا سألتك.— يعني حاجة كان المفروض تفضل نايمة.— مين؟الصوت اللي جاي من ورا الباب رد بدلًا منه:— أنا.ظهر ظل المرأة أكتر.خطوة واحدة بس للأمام.ليان حسّت بقشعريرة في جسمها كله.الصوت كان أنثوي.هادئ.لكن فيه حاجة غريبة.حاجة خلت ليان تحس إنها سمعته قبل كده.قالت:— إنتِ مين؟المرأة ردت:— السؤال ده اتسأل قبل كده.— وإجابته؟— كل مرة كانت مختلفة.آسر وقف قدام ليان.— ابعدي عنها.المرأة ضحكت بهدوء.— دايمًا بتعمل كده.آسر عقد حواجبه.— بتعملي إيه؟— بتحاول تحميها.— وهفضل أحميها.— حتى لو كانت هي الخطر؟آسر ما اترددش.— حتى لو كانت هي الخطر.ليان بصت له.المرأة قالت:— عشان كده اختارتك.ليان سألت:— اختارتني ليه؟— عشان ما كنتش بتخاف منها.— هي كانت بتخاف مني؟— لأ.المرأة رفعت إيدها.— كانوا هما اللي خايفين.سامح قال:— كفاية.المرأة التفتت له.— إنت لسه بتخاف يا سامح؟سامح اتجمد.— أنا مش خايف.— كذاب.— إنتِ مش من حقك تتكلمي

  • تحت سقف واحد   ٤٨

    الفصل 48انقفل الباب بعنف، لدرجة إن الصوت دوّى في السلم كله.ليان فضلت واقفة مكانها، مش قادرة تستوعب الجملة الأخيرة اللي سمعتها.— اهربي.صوت فؤاد.أبوها.الصوت اللي عمرها ما شكّت فيه.والصوت اللي كانت محتاجة تسمعه دلوقتي أكتر من أي وقت.آسر مسك إيدها.— ليان.هي ما ردتش.— ليان، بصيلي.بصت له.— ده صوت بابا.— عارف.— قال لي اهربي.— وهنعمل كده.— لأ.— إيه؟— مش قبل ما أعرف مين جوه.سامح قرب منهم.— ليان، لازم نرجع.لفت له.— إنت قلتلي قبل كده إنك بتحاول تحميني.— أيوه.— يبقى قولي الحقيقة.— مش هنا.— هنا بالذات.— ليان...— إنت كنت أول واحد شافني بعد ولادتي.سامح سكت.— وكنت عارف كل حاجة.— مش كل حاجة.— كنت عارف الذاكرة الأولى.— أيوه.— وكنت عارف آسر.— أيوه.— وكنت عارف الطفل.— أيوه.— وكنت عارف إن فؤاد مخبي عني حاجة.سامح ما ردش.صرخت:— رد!قال أخيرًا:— أيوه.ليان ضحكت بمرارة.— جميل.آدم قال:— سامح، كفاية ألغاز.سامح بص له.— أنا مش بخبي عشان أضايقكم.— أمال ليه؟— لأن بعض الحقائق لو اتقالت في الوقت الغلط، بتتحول لحكم.نجيب قال:— إحنا وصلنا لمرحلة مفيش فيها وقت.سامح بص

  • تحت سقف واحد   ٤٧

    الفصل 47الظل الصغير كان واقف في آخر الممر.لا بيتحرك.ولا بيقرب.ولا حتى باين ملامحه.بس ليان كانت حاسة إنه بيبص لها.آسر شد إيدها.— متقربيش.ليان بصت له.— ليه؟— عشان سامح قال نخرج فورًا.— سامح مش هنا.— صوته كان واضح.— وصوته كان واضح قبل كده وهو بيخبي علينا حاجات.آسر سكت لحظة.— عندك حق.— يبقى لازم نعرف مين الطفل ده.— ولو كان فخ؟— هنعرف.— ولو مش فخ؟— برضه هنعرف.آسر بص للظل.— ليان...— نعم؟— أنا حاسس إني أعرفه.— منين؟— مش فاكر.— حاول.غمض عينه.— كان فيه مكان أبيض.— غرفة؟— لأ.— مستشفى؟— لأ.— طيب إيه؟— مش مكان أصلاً.فتح عينه.— كان إحساس.ليان عقدت حواجبها.— إحساس؟— أيوه... إحساس إني واقف قدام حد وأنا مستنيه.— مستني إيه؟— إنه يختار.— يختار إيه؟— مين يعيش.ليان سكتت.الظل الصغير رفع إيده.وبصوت ضعيف جدًا قال:— آسر.آسر تجمد.— سمعتي؟— أيوه.— ناداني.الطفل قال مرة تانية:— آسر.ثم أضاف:— متخليشهم ياخدوا ليان.آسر تقدم خطوة.— مين؟الطفل لم يرد.— مين اللي عايز ياخدها؟ظهر خلف الطفل ظل أكبر.ليان شهقت.— آسر.— شايفاه؟— أيوه.— مين ده؟— مش عارفة.الظل

  • تحت سقف واحد   ٤٦

    الفصل 46: الذاكرة التي اختارت آسر— آسر!صرخت ليان وهي تندفع ناحيته، لكن قبل ما توصل له، اتقفل الباب الحديدي بينهم وبين باقي الغرفة بصوت عنيف.— ليان!ضرب آدم على الباب.— افتحي الباب!ردت عليه وهي بتحاول تمسك إيد آسر:— أنا مش قادرة!آسر كان واقف مكانه، عينه ثابتة على الشاشة اللي فوقه.الرقم 09 كان لسه منور.وتحته جملة واحدة:المرحلة الأخيرة بدأت.قال آسر بصوت واطي:— ليان... متلمسينيش.بصت له بخوف.— ليه؟— مش عارف.— إنت بتخوفني.رفع عينه لها.— أنا نفسي خايف.قربت منه خطوة.— إنت قلت إن الذاكرة الأولى جواك.— أيوه.— وإنت عارف يعني إيه ده؟— لا.— طب إزاي قلتها؟سكت آسر ثواني، وبعدين حط إيده على صدره.— عشان من ساعة ما الباب اتفتح وأنا حاسس بحاجة بتتحرك هنا.— في قلبك؟— مش بالظبط.— فين؟— في دماغي.ليان بصت له بتركيز.— بتسمع صوت؟هز راسه.— أيوه.— صوت مين؟آسر غمض عينه.— صوت طفل.ليان اتجمدت.— نفس الطفل؟— أعتقد.— بيقول إيه؟فتح عينه وبص لها.— اسمك.قربت منه.— بس؟— لأ.— بيقول إيه تاني؟ابتلع ريقه.— بيقول لي... سيبها.ليان اتراجعت.— سيب مين؟— إنتِ.— ليه؟— مش عارف.ف

  • تحت سقف واحد   ٤٥

    الفصل 45: الطفل الذي لم يولدلم تعرف ليان كم مضى من الوقت منذ سقطت على الأرض.كل ما كانت تسمعه هو ذلك البكاء.بكاء طفل صغير.قريب جدًا.ليس خلف باب.وليس في الغرفة.بل في داخل رأسها.فتحت عينيها ببطء، فرأت السقف يتحرك فوقها، والوجوه متجمعة حولها.كان آسر أول من انحنى نحوها.قال بصوت مرتجف:— ليان... اسمعيني.حاولت أن تجلس، لكنه منعها.— لا تتحركي.دفعت يده بعيدًا.— أين أمي؟نظر آسر إلى آدم.آدم لم يجب.رفعت ليان صوتها:— أين أمي؟!جاءها صوتها من خلف الباب السفلي، ضعيفًا لكنه واضح:— أنا هنا.شهقت ليان.— أمي!اندفعت نحو الباب، لكن آسر أمسك بذراعها.— لا.صرخت فيه:— اتركني!— الباب ليس آمنًا.— أمي خلفه!— وأنا أعرف.التفتت إليه بغضب.— إذن افتحه!ساد الصمت.تقدم سامح خطوة.— لا تفتحيه الآن.حدقت ليان فيه.— أنت قلت إنك جئت لتحميني.— وما زلت أريد حمايتك.— إذن لماذا تمنعني من أمي؟أجاب سامح:— لأن الباب لم يفتح لك وحدك.سأل آدم:— ماذا تقصد؟رفع سامح عينيه نحو لوحة النظام.كان الرقم 08 لا يزال مضاءً.قال:— منذ أن ظهرت الثمانية، لم يعد هذا المكان يميز بين الداخل والخارج.اقترب يزن م

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status