FAZER LOGINالفصل الرابع
الرجل الذي عاد من الماضي ظلّت ليان واقفة داخل الغرفة السرية، عاجزة عن الحركة. لم يكن صوت الرجل غريبًا تمامًا عليها. بل كان أسوأ من الغريب. كان مألوفًا بطريقة جعلت ذاكرتها ترتجف. صوت سمعته قبل سنوات. صوت ارتبط بليلة حاولت دفنها في أعماق عقلها. نظرت إلى آسر. كان وجهه قد تغير. لم يعد هادئًا. كانت عيناه مثبتتين على الباب الحديدي، وملامحه تقول إنه يعرف صاحب الصوت. همست: "مين؟" رفع إصبعه أمام فمه. ثم اقترب من الباب وأغلقه ببطء. أصبحا في ظلام شبه كامل. من خلف الباب، كانت الأصوات تصل مكتومة. قالت سعاد: "أنا قلت لك إن الموضوع مش سهل." جاء صوت الرجل: "أنا مش جاي أتكلم معاكي." ثم صمت. وبعد ثوانٍ: "أنا جاي أشوف ليان." ارتجفت ليان. اقترب آسر منها. همس: "إحنا لازم نخرج من هنا." "منين؟" أشار إلى الجدار الخلفي. كانت هناك فتحة ضيقة بالكاد تُرى. "الممر ده بيطلع للحديقة." "إنت كنت عارف عنه؟" "عرفته بعد ما بدأت أدور في أوراق والدك." "وليه ما قلتليش؟" "لأننا ما كناش وصلنا للنقطة دي." نظرت إليه. "إحنا لازم نعرف مين الراجل." "هنعرف." ثم أضاف: "لكن مش دلوقتي." أمسك المصباح الصغير وتقدم. سارت خلفه. كان الممر ضيقًا للغاية، واضطرت إلى وضع يدها على الحائط كي تحافظ على توازنها. وبينما كانا يبتعدان، سمعت صوتًا من خلفهما. طرق قوي على الباب الحديدي. توقفت. قال الرجل من الخارج: "أنا عارف إنكم جوه." نظر آسر إليها. "متوقفيش." واصلا السير. --- وصل الممر إلى باب خشبي صغير. فتح آسر الباب. خرج الاثنان إلى الحديقة الخلفية. كانت الأمطار قد خفت، لكن الأرض لا تزال مبللة. قالت ليان: "إحنا رايحين فين؟" "للمخزن القديم." "ليه؟" "لأن فيه عربية." نظرت إليه باستغراب. "عربية؟" "أيوه." "مين بتاعة؟" "والدك." توقفت. "بابا كان عنده عربية هنا؟" "مش عربية عادية." اتجه نحو مبنى صغير في نهاية الحديقة. أخرج مفتاحًا من جيبه. فتح الباب. كان المكان مظلمًا ومغطى بالغبار. وفي الداخل، ظهرت سيارة سوداء قديمة. شهقت ليان. اقتربت منها. "دي..." لم تكمل. كانت تتذكرها. ليس شكلها بالكامل. لكن اللون. اللمعان. المصابيح الأمامية. شيء ما في ذاكرتها تحرك. قال آسر: "هي دي العربية اللي اتذكرت في الرسالة." اقتربت ليان من الباب. وضعت يدها على المقبض. وفجأة جاءتها صورة خاطفة. هي تجلس داخل السيارة. المطر يضرب الزجاج. شخص يجلس خلف المقود. والدها يصرخ في مكان ما. ثم صوت رجل يقول: "ماتخافيش." سحبت يدها بسرعة. وضعت يدها على رأسها. "آسر..." اقترب منها. "إيه؟" "أنا كنت هنا." نظر إلى السيارة. "إنتِ متأكدة؟" "أيوه." أغمضت عينيها. "أنا كنت جوه العربية دي." "في نفس الليلة؟" أومأت. "أعتقد." ثم فتحت عينيها. "والرجل اللي كان بيسوق..." سكتت. "مين؟" وضعت يدها على صدرها. "أنا مش شايفة وشه." "حاولي تفتكري صوته." أغمضت عينيها. سمعته. مرة أخرى. الصوت نفسه. لكن هذه المرة كان أقرب. ثم فتحت عينيها فجأة. "مش هو." "مين؟" "مش الرجل اللي فوق." نظر إليها آسر بدهشة. "متأكدة؟" "أيوه." تنفست ببطء. "صوته مختلف." ظل آسر صامتًا. ثم قال: "يبقى فيه أكتر من شخص." --- في القصر، كانت سعاد تقف في الردهة وهي تحاول إخفاء توترها. الرجل الذي معها كان في منتصف الأربعينيات. طويلًا. شعره أسود تتخلله خصلات رمادية. ويرتدي معطفًا داكنًا. كان هادئًا بصورة غير مريحة. قال: "فين آسر؟" "مش عارفة." نظر حوله. "وليان؟" "فوق." صمت. ثم قال: "إنتِ متأكدة؟" "آه." ابتسم. "غريبة." "إيه الغريب؟" "إنك دايمًا بتقولي إنك مش عارفة." ارتبكت. "أنا فعلًا مش عارفة." اقترب منها. "سعاد..." خفض صوته. "إحنا اتفقنا من زمان إن الماضي يفضل مدفون." رفعت عينيها إليه. "أنا عملت اللي طلبته." "متأكدة؟" "أيوه." "حتى موضوع آسر؟" صمتت. فهم من صمتها. "إنتِ قلتي له؟" "لا." "كويس." استدار. ثم قال: "لكن ليان رجعت." "أيوه." "وده معناه إن الوقت خلص." نظرت إليه بخوف. "إنت مش هتأذيها، صح؟" توقف. ثم التفت إليها. "أنا مش عايز أأذي حد." "إذن ليه جاي؟" "علشان أخليها تسمع الحقيقة." "أي حقيقة؟" ابتسم. "الحقيقة اللي أبوها منعها عنها." --- في المخزن، كان آسر يفحص السيارة. فتح صندوقها الخلفي. وجد حقيبة جلدية قديمة. فتحها. كانت فارغة تقريبًا. إلا من دفتر صغير. أمسكته ليان. "ده بتاع بابا." "عارفة خطه؟" "أيوه." فتحت الدفتر. كانت معظم الصفحات ممزقة. لكن بقيت ثلاث صفحات. في الصفحة الأولى: 17 — المنزل في الثانية: سليم — لا يعمل وحده وفي الثالثة: ليان لا تعرف شيئًا. يجب أن تبقى هكذا حتى أجد الدليل. شعرت ليان بالغضب. "ليه كلهم كانوا بيقرروا عني؟" لم يرد آسر. قالت: "أنا كنت المفروض أعرف." "أيوه." "حتى أنت." "أيوه." نظرت إليه. "إنت نادم؟" "على حاجات كتير." "منها إنك خبيت الحقيقة؟" "أكتر حاجة." ساد الصمت. ثم قالت: "أنا عايزة أعرف إيه اللي حصل في الليلة دي." رفع عينيه إليها. "وأنا عايزك تعرفي." "إذن قول." أخذ نفسًا عميقًا. "بعد ما والدك اتصل بيا، جيت البيت." "أيوه." "لقيتك بتبكي." "ليه؟" "قلتي إنك شوفتي حد عند البوابة." "سليم؟" "مكنتيش عارفة." "وبعدين؟" "والدك وصل." توقفت. "بابا وصل هنا؟" "أيوه." "لكنه قال إنه كان في مكتبه." "كان بيحاول يوصلك بعيد." "وبعدين؟" "حصلت خناقة." "مع مين؟" "مع شخص تاني." "مين؟" تردد. ثم قال: "الرجل اللي كان مع سليم." حدقت فيه. "كان فيه شخص تاني؟" "أيوه." "مين؟" "ما عرفتوش." "وبعدين؟" "أبوك طلب مني آخدك وأخرج." "وأنت؟" "أخدتك." "فين؟" "للعربية." نظرت إلى السيارة. "العربية دي؟" أومأ. "وبعدين؟" "قبل ما أطلع، حصل انفجار." شهقت. "انفجار؟" "في المخزن القديم." "هل اتصاب بابا؟" "لا." "إذن؟" "الانفجار كان صغيرًا." صمت. "لكن لما رجعت أدور عليك..." توقف. "إيه؟" "العربية كانت اختفت." نظرت إلى السيارة. "لكنها هنا." "أيوه." "مين رجعها؟" "ما أعرفش." شعرت أن كل شيء أصبح أكثر تعقيدًا. "وأنا؟" "لقيتك بعد ساعات." "فين؟" "قدام محطة القطار." تراجعت. "إيه؟" "كنتِ لوحدك." "فاقدة الوعي؟" "لا." "كنتِ واعية؟" "أيوه." "وقلتي إيه؟" صمت طويل. ثم قال: "قلتي جملة واحدة." "إيه؟" نظر إليها. "قلتي: ما تقولش لحد إني كنت معاه." شعرت ليان بأن دمها تجمد. "مع مين؟" "ما قلتيش." "وإنت ما سألتش؟" "سألت." "وقلت لك إيه؟" "قلتي إنك لو قلت لحد، هتضيع." صمتت. ثم قالت: "مين كان هيضيع؟" "إنتِ." "ولا هو؟" لم يجب. نظرت إليه. "إنت كنت بتحميني فعلًا." "أيوه." "بس أنا ما فهمتش." "لأنك كنتِ خايفة." "من مين؟" قال: "من الشخص اللي كنتِ معاه." --- في تلك اللحظة، سمعا صوت سيارة تدخل الحديقة. نظر آسر إلى ليان. "مين؟" اقترب من النافذة الصغيرة. رأى سيارة سعاد. لكنها كانت تقف بعيدًا عن القصر. قال: "حد خرج من البيت." "مين؟" "سعاد والرجل اللي معاها." "إلى أين؟" "مش عارف." ثم رأى شيئًا آخر. رجل ثالث يقف بجوار السيارة. أخرج هاتفه. كان يتحدث مع شخص. ثم رفع رأسه. نظر مباشرة نحو المخزن. تراجع آسر عن النافذة. قال: "حد شافنا." أطفأ المصباح. أمسك بيد ليان. "لازم نخرج." "منين؟" "الباب الخلفي." "والسيارة؟" "نسيبها." "لكن الدليل—" "هنرجع له." خرجا من الباب الخلفي. لكن قبل أن يبتعدا، سمعا صوت محرك. السيارة التي كانت أمام القصر انطلقت. وبعد ثوانٍ... جاء صوت هاتف ليان. نظرت إلى الشاشة. رقم مجهول. ترددت. ثم أجابت. لم يتحدث أحد. قالت: "ألو؟" جاء صوت رجل. "أنتِ ليان؟" تجمدت. كان الصوت هادئًا. لكنها عرفته. لم تعرف من أين. قال الرجل: "متخافيش." ارتجفت. "مين؟" "الشخص الوحيد اللي يعرف اللي حصل لك فعلًا." "اسمك إيه؟" صمت. ثم قال: "اسألي آسر عن الليلة اللي اختفيتي فيها." "هو قال لي." "قال لك جزء." نظرت إلى آسر. "والباقي؟" "هتلاقيه في بيتك القديم." "فين؟" "في المكان اللي بدأ منه كل شيء." ثم أغلق الخط. ظلت تحدق في الهاتف. قال آسر: "مين؟" "ما أعرفش." "قال إيه؟" أخبرته. تغير وجهه. "بيتكم القديم." "أيوه." "مين يعرف المكان ده؟" "أنت." "وأبوك." "وأنا." "وسليم." صمتا. ثم قالت: "لازم نروح." "دلوقتي؟" "أيوه." "ده ممكن يكون فخ." "عارفة." "ليان." نظرت إليه. "أنا قضيت ثلاث سنين وأنا عايشة وسط كذبة. لو فيه فرصة أعرف الحقيقة، مش ههرب." نظر إليها طويلًا. ثم أومأ. "تمام." --- بعد أقل من نصف ساعة، كانت سيارة آسر تتحرك في شوارع القاهرة. كانت ليان تجلس بجواره. لم يتحدث أي منهما. كان الطريق مألوفًا لها. كل شارع يعيد ذكرى. كل إشارة. كل مبنى. حتى المقهى الصغير الذي كانا يجلسان فيه معًا. نظرت من النافذة. "كنت بحب المكان ده." قال آسر: "وأنا كنت عارف." "ليه كل حاجة بقت غريبة؟" "لأننا ما كناش نعرف الحقيقة." "يمكن لو عرفناها وقتها..." توقفت. قال: "كان كل شيء هيختلف." نظرت إليه. "لسه ممكن يختلف." التفت إليها للحظة. ثم أعاد عينيه إلى الطريق. "أيوه." وصلوا إلى الحي القديم. كان البيت مغلقًا منذ وفاة والدها. توقفت السيارة أمامه. نزلا. اقتربت ليان من البوابة. كانت يدها ترتجف. أخرجت المفتاح. فتحته. دخلت. الغبار يغطي كل شيء. رائحة المكان أعادت إليها طفولتها. لكنها لم تتوقف. اتجهت مباشرة إلى غرفة والدها. فتح آسر الباب. بدأا يبحثان. الأدراج. الخزائن. الكتب. حتى وصلت ليان إلى لوحة قديمة معلقة على الجدار. توقفت. كانت اللوحة عبارة عن صورة للعائلة. هي. والدها. وأمها. لكن في زاوية الصورة كان هناك شخص آخر. رجل يقف بعيدًا. اقترب آسر. "مين ده؟" حدقت ليان. ثم قالت: "مش عارفة." قلب آسر الصورة. وجد تاريخًا مكتوبًا خلفها. قبل ولادتي بسنة. قال: "إذن كان يعرف والدك قبل ما تولدي." تحت التاريخ كانت هناك كلمة واحدة: الراوي. توقفت ليان. "سليم." ثم لاحظت شيئًا آخر. كان خلف الصورة ظرف صغير. أخرجته. هذه المرة لم يكن اسمها مكتوبًا عليه. كان اسمًا آخر. إلى آسر. نظر إليها. ثم فتحه. كانت بداخله ورقة واحدة. قرأها. وتغير وجهه تمامًا. قالت: "إيه؟" لم يرد. "آسر." رفع عينيه إليها. "والدك كان عارف إنك هتتأذي." "يعني إيه؟" ناولها الورقة. قرأتها. وكانت الكلمات واضحة: "آسر، إذا وصلت إليك هذه الرسالة، فاعلم أنني أخفيت عنك حقيقة تخص والدك أنت، لا تخص سليم وحده. الشخص الذي تبحث عنه موجود داخل عائلتك." توقفت. نظرت إلى آسر. "والدك؟" لم يتكلم. أكملت قراءة السطر الأخير: "ولا تثق في الرجل الذي ستعتبره أخاك." رفع آسر عينيه إليها. كان وجهه شاحبًا. "أنا ما عنديش أخ." سقطت الكلمات بينهما. وفي الخارج، دوّى صوت سيارة توقفت أمام البيت. ثم سمعا بابها يُغلق. وتبع ذلك صوت خطوات تقترب من الباب. نظر آسر إلى ليان. ثم قال: "لكن أنا عندي أخ غير شقيق." تجمدت. "مين؟" وقبل أن يجيب... انفتح باب البيت ببطء. وظهر الرجل الذي كان مع سعاد. ابتسم. وقال: "وحشتيني يا ليان." رفعت ليان عينيها إليه. وفجأة عادت إليها ذكرى قديمة. صوت. سيارة. مطر. ثم وجه الرجل نفسه. شهقت. "أنت..." تراجع آسر خطوة. "سليم." ابتسم الرجل. "أخيرًا افتكرتيني."الفصل 50الصوت خرج من آخر الممر مرة تانية.— ليان...المرة دي كان أوضح.أقرب.كأن صاحبه واقف على بعد خطوات.ليان فضلت ثابتة مكانها، لكن وشها اتغير.آسر بص لها.— ليان... إنتِ متأكدة إن ده صوت يحيى؟ليان هزت رأسها ببطء.— أيوه.سامح قرب منها.— متتحركيش.— ليه؟— لأننا مش عارفين إيه اللي موجود ورا الباب.يوسف رد بهدوء:— أنا عارف.سامح بص له.— إنت عارف إيه؟— اللي ورا الباب مش يحيى كله.ليان قالت:— أمال مين؟يوسف بص ناحية الباب المفتوح.— جزء منه.آدم قال:— يعني إيه جزء منه؟ ما إحنا من شوية عرفنا إن الذاكرة متقسمة.يوسف رد:— يحيى كان أول واحد اتقسم بالطريقة دي.نجيب اقترب.— إنت كنت عارف ده من البداية؟يوسف بص له.— مش كل حاجة.— لكن كنت تعرف إن يحيى موجود.— أيوه.— وليه ما قلتش؟يوسف ابتسم بمرارة.— عشان كل مرة كنت بقول الحقيقة، حد كان بيحاول يموت عشانها.ليان قالت:— وإحنا مش هنموت.يوسف بص لها.— إنتِ متأكدة؟— أيوه.— حتى لو الحقيقة هتوجعك؟— حتى لو هتوجعني.آسر قال:— وأنا معاها.سامح تنهد.— وأنا كمان.آدم قال:— يبقى ندخل.نجيب اعترض:— لأ.آدم بص له.— ليه؟— لأن الباب رقم
الفصل 49— التجربة صفر... صحيت.الكلمة فضلت معلقة في الجو، كأن حتى الغرفة نفسها وقفت تستوعب معناها.ليان بصت لسامح.— يعني إيه التجربة صفر؟سامح ما ردش.— سامح، أنا سألتك.— يعني حاجة كان المفروض تفضل نايمة.— مين؟الصوت اللي جاي من ورا الباب رد بدلًا منه:— أنا.ظهر ظل المرأة أكتر.خطوة واحدة بس للأمام.ليان حسّت بقشعريرة في جسمها كله.الصوت كان أنثوي.هادئ.لكن فيه حاجة غريبة.حاجة خلت ليان تحس إنها سمعته قبل كده.قالت:— إنتِ مين؟المرأة ردت:— السؤال ده اتسأل قبل كده.— وإجابته؟— كل مرة كانت مختلفة.آسر وقف قدام ليان.— ابعدي عنها.المرأة ضحكت بهدوء.— دايمًا بتعمل كده.آسر عقد حواجبه.— بتعملي إيه؟— بتحاول تحميها.— وهفضل أحميها.— حتى لو كانت هي الخطر؟آسر ما اترددش.— حتى لو كانت هي الخطر.ليان بصت له.المرأة قالت:— عشان كده اختارتك.ليان سألت:— اختارتني ليه؟— عشان ما كنتش بتخاف منها.— هي كانت بتخاف مني؟— لأ.المرأة رفعت إيدها.— كانوا هما اللي خايفين.سامح قال:— كفاية.المرأة التفتت له.— إنت لسه بتخاف يا سامح؟سامح اتجمد.— أنا مش خايف.— كذاب.— إنتِ مش من حقك تتكلمي
الفصل 48انقفل الباب بعنف، لدرجة إن الصوت دوّى في السلم كله.ليان فضلت واقفة مكانها، مش قادرة تستوعب الجملة الأخيرة اللي سمعتها.— اهربي.صوت فؤاد.أبوها.الصوت اللي عمرها ما شكّت فيه.والصوت اللي كانت محتاجة تسمعه دلوقتي أكتر من أي وقت.آسر مسك إيدها.— ليان.هي ما ردتش.— ليان، بصيلي.بصت له.— ده صوت بابا.— عارف.— قال لي اهربي.— وهنعمل كده.— لأ.— إيه؟— مش قبل ما أعرف مين جوه.سامح قرب منهم.— ليان، لازم نرجع.لفت له.— إنت قلتلي قبل كده إنك بتحاول تحميني.— أيوه.— يبقى قولي الحقيقة.— مش هنا.— هنا بالذات.— ليان...— إنت كنت أول واحد شافني بعد ولادتي.سامح سكت.— وكنت عارف كل حاجة.— مش كل حاجة.— كنت عارف الذاكرة الأولى.— أيوه.— وكنت عارف آسر.— أيوه.— وكنت عارف الطفل.— أيوه.— وكنت عارف إن فؤاد مخبي عني حاجة.سامح ما ردش.صرخت:— رد!قال أخيرًا:— أيوه.ليان ضحكت بمرارة.— جميل.آدم قال:— سامح، كفاية ألغاز.سامح بص له.— أنا مش بخبي عشان أضايقكم.— أمال ليه؟— لأن بعض الحقائق لو اتقالت في الوقت الغلط، بتتحول لحكم.نجيب قال:— إحنا وصلنا لمرحلة مفيش فيها وقت.سامح بص
الفصل 47الظل الصغير كان واقف في آخر الممر.لا بيتحرك.ولا بيقرب.ولا حتى باين ملامحه.بس ليان كانت حاسة إنه بيبص لها.آسر شد إيدها.— متقربيش.ليان بصت له.— ليه؟— عشان سامح قال نخرج فورًا.— سامح مش هنا.— صوته كان واضح.— وصوته كان واضح قبل كده وهو بيخبي علينا حاجات.آسر سكت لحظة.— عندك حق.— يبقى لازم نعرف مين الطفل ده.— ولو كان فخ؟— هنعرف.— ولو مش فخ؟— برضه هنعرف.آسر بص للظل.— ليان...— نعم؟— أنا حاسس إني أعرفه.— منين؟— مش فاكر.— حاول.غمض عينه.— كان فيه مكان أبيض.— غرفة؟— لأ.— مستشفى؟— لأ.— طيب إيه؟— مش مكان أصلاً.فتح عينه.— كان إحساس.ليان عقدت حواجبها.— إحساس؟— أيوه... إحساس إني واقف قدام حد وأنا مستنيه.— مستني إيه؟— إنه يختار.— يختار إيه؟— مين يعيش.ليان سكتت.الظل الصغير رفع إيده.وبصوت ضعيف جدًا قال:— آسر.آسر تجمد.— سمعتي؟— أيوه.— ناداني.الطفل قال مرة تانية:— آسر.ثم أضاف:— متخليشهم ياخدوا ليان.آسر تقدم خطوة.— مين؟الطفل لم يرد.— مين اللي عايز ياخدها؟ظهر خلف الطفل ظل أكبر.ليان شهقت.— آسر.— شايفاه؟— أيوه.— مين ده؟— مش عارفة.الظل
الفصل 46: الذاكرة التي اختارت آسر— آسر!صرخت ليان وهي تندفع ناحيته، لكن قبل ما توصل له، اتقفل الباب الحديدي بينهم وبين باقي الغرفة بصوت عنيف.— ليان!ضرب آدم على الباب.— افتحي الباب!ردت عليه وهي بتحاول تمسك إيد آسر:— أنا مش قادرة!آسر كان واقف مكانه، عينه ثابتة على الشاشة اللي فوقه.الرقم 09 كان لسه منور.وتحته جملة واحدة:المرحلة الأخيرة بدأت.قال آسر بصوت واطي:— ليان... متلمسينيش.بصت له بخوف.— ليه؟— مش عارف.— إنت بتخوفني.رفع عينه لها.— أنا نفسي خايف.قربت منه خطوة.— إنت قلت إن الذاكرة الأولى جواك.— أيوه.— وإنت عارف يعني إيه ده؟— لا.— طب إزاي قلتها؟سكت آسر ثواني، وبعدين حط إيده على صدره.— عشان من ساعة ما الباب اتفتح وأنا حاسس بحاجة بتتحرك هنا.— في قلبك؟— مش بالظبط.— فين؟— في دماغي.ليان بصت له بتركيز.— بتسمع صوت؟هز راسه.— أيوه.— صوت مين؟آسر غمض عينه.— صوت طفل.ليان اتجمدت.— نفس الطفل؟— أعتقد.— بيقول إيه؟فتح عينه وبص لها.— اسمك.قربت منه.— بس؟— لأ.— بيقول إيه تاني؟ابتلع ريقه.— بيقول لي... سيبها.ليان اتراجعت.— سيب مين؟— إنتِ.— ليه؟— مش عارف.ف
الفصل 45: الطفل الذي لم يولدلم تعرف ليان كم مضى من الوقت منذ سقطت على الأرض.كل ما كانت تسمعه هو ذلك البكاء.بكاء طفل صغير.قريب جدًا.ليس خلف باب.وليس في الغرفة.بل في داخل رأسها.فتحت عينيها ببطء، فرأت السقف يتحرك فوقها، والوجوه متجمعة حولها.كان آسر أول من انحنى نحوها.قال بصوت مرتجف:— ليان... اسمعيني.حاولت أن تجلس، لكنه منعها.— لا تتحركي.دفعت يده بعيدًا.— أين أمي؟نظر آسر إلى آدم.آدم لم يجب.رفعت ليان صوتها:— أين أمي؟!جاءها صوتها من خلف الباب السفلي، ضعيفًا لكنه واضح:— أنا هنا.شهقت ليان.— أمي!اندفعت نحو الباب، لكن آسر أمسك بذراعها.— لا.صرخت فيه:— اتركني!— الباب ليس آمنًا.— أمي خلفه!— وأنا أعرف.التفتت إليه بغضب.— إذن افتحه!ساد الصمت.تقدم سامح خطوة.— لا تفتحيه الآن.حدقت ليان فيه.— أنت قلت إنك جئت لتحميني.— وما زلت أريد حمايتك.— إذن لماذا تمنعني من أمي؟أجاب سامح:— لأن الباب لم يفتح لك وحدك.سأل آدم:— ماذا تقصد؟رفع سامح عينيه نحو لوحة النظام.كان الرقم 08 لا يزال مضاءً.قال:— منذ أن ظهرت الثمانية، لم يعد هذا المكان يميز بين الداخل والخارج.اقترب يزن م







