ログインيزيد في بحثه فتتعثّر يديه بصندوق أسود يختلف عن صندوق المال. يفتحه، إن به ورق صغير مزقته يد بارعة إلى بطاقات ومعها قنّينة. يبدو عطرها مختلف. يسكب منها قليلا فإذ بسائل أصفر شبيه الزّعفران يواصل السّكب. بقرب القنينة كتاب صغير على غلافه طلاسم، ومصحف صغير ملفوف داخل قطعة قماش بيضاء، ومن تحته أجزاء من أقمشة وإبر وخيط.
-" إن لشيخنا كرامات."
كان مقصد أمهات حديثي الولادة عقدنا النية فهي كرامات تحلّ عند بشر مسيّر ليرفع سقم أو علّة.
يحدّث:
-"أتذكّر يومها كان طفلا محموما، تكسو جلده حمرة كثيفة، لا يقوى على الرّضاعة، يتقيّأ باستمرار. تبدو عليه ملامح إعياء فهو لا يقوى على الحركة. تأتي به الأم لشيخنا بدل ذهابها للطبيب الآتي من المدينة في مناسبات قليلة، وإن تكرر قدومه، فهي ستقصد الشيخ لأن الشفاء بيده وما عليها سوى التوكّل.
يفحص الشيخ الصبي وينظر إلى عينيه. "يبدو بها اصفرار". شاحب البشرة، يفرز رائحة تظهر علّته. يقترب ويوشوش في أذنيه واضعا يديه أعلى رأسه، ثم يضع على جبينه قطرات من الصبغ له رائحة طيبة. قطران معتّق عصارة الخشب والفحم، لينهي عمله بوصية تطبّقها الأم بإحكام حين عودتها. تشكره وتناوله قطعة نقدية يقدّمها للصبي بعد أخذها وتغادر نحو نسوة البيت تحاكيهن عن رحلتها ومصابها وخشيتها عن صغيرها، وعن دعاء يذكر فيه جميع الأسياد.
تطول قعدتها، ويطول مكوثه عمدا يرقب الصبي. يشاهده كيف يسير بخطاه نحو الزريبة، ويسمع صوت الأم تخبر بانخفاض حرارته، يعود طالبا حليبه فتفرح. تنتهي حينها غايته، لقد رأى شيئا لا يجد له تفسيرا، ماورائيات تضرب طروحات العلوم وتنسفها، وتساوي بين طبيب يفتح ألف كتاب وشيخ أخذ من مؤدب الحيّ كلمات قليلة وأحرف يكتبها معوجّة لا تخضع لقاعدة. ضحك وتفجّرت داخله أسئلة كثيرة ليسلّم بأن يدي الشيخ طيبة وبها من البركة ما يداوي المريض.
يعاوده الحنين لتلك السنين فيتذكّر حياة الريف، ويدرك أن كل الأمور تغيرت، فالريح ليست كريح الأمس العتيق، والجو الصحو لا يشبه صفاء الماضي البعيد. كان بالحي شيوخ بطعم الحياة، تسمع وقع حذاء أحدهم من بعيد، يمشي بتروّ كأنه يكتب درسا خفي المعاني سخي الحكم، متلحف بلحاف يغطّي رأسه توقيا من لسعة شمس، تلقي السلام بشدة وترقب البسمة لتعلم أنك نلت علامة تسجلها لغد قريب، هم أعمدة الحي، هم روح المساكن، هم مهجع السكينة إن طرقت بابهم لتشكو أو ترغب أو تناشد نصحا، هم أصل حكاية الحي الصغير، علم أن الكبير فيهم خال وعم، وأن فيهم من اعتقد أنه بالفعل خال وعم، وأنه شقيق الأب وأخ الأم، علم أنهم بمثابة عقد المرجان في جمعه وإحكامه، وأنهم كحبّ الرمان في دقة بنيانها، أدرك أن العقد أكلته السنون فسحبت بعضا من فصوله، وأن قشرة الرمان رفعت فتناثر بعض ما فيها، أدرك أن الوهن أخذ يأكل أطرافهم، وأن التعب أرهق مشيهم وأثقل حركتهم، فسأل بعضهم عن فتوتهم، عن شبابهم، عن سطوتهم، عن روح الفتى الحالم داخلهم. أدرك أنه شيّع بعضهم وأطبق عليهم أبواب منازلهم، أدرك أن بعض البيوت قد أقفلت فبدت كآثار بدو رحّل أكلتها السنون، أدرك أن الحي يتألم فما ظل إلا النزر القليل، فما عاد الزمان كالأمس البهيج ولا حلّة الدير بذات البريق، هم حكاية وإن بدت أحداثها صامتة، بعضها صورة من شيء، من رفقة، من ذكرى مفقودة...
عمّ الصمت وضاق صدره من العتمة، ومن دفاتر الذاكرة وشروخها. كسا فؤاده ثقل يكاد يزهق روحه. إن اللّيل يحطّ رحاله فلا هو بقادر على المضيّ نحو مقصده، ولا هو راغب في أن يظلّ محبوس زنزانته التي اختارها.
أبعد بعض الأمتعة ليؤثث مرقده، واستسلم لليل يمنّي النفس أن يهبه السكينة. إنه يطرد كوابيسا من عقله تشدّه ثانية إلى سرد قصة أو استحضار مغامرة، ونبش ترسبات تشبه كتلة حديد لا يقوى على حملها.
نام وهو مستلقيا على ظهره. العين مغمضة بشدة وكأنه يخاف فتحها غصبا، بعد برهة أخد يتقلّب وفي كل حركة تلفحه ريح دافئة تصعد إلى جسمه النحيف فتصيبه بشيء من الهزال. يفتح عينه بقوة فيلمس جبينه فإذ بشواظ من نار تلسع جلده، فيخر مهزوما مدحورا، ومن بعد يأخذ جسمه ينتفض وشيء من الماء يبلّل بعضه. تبدو قطرات باردة تصفع أطرافه ووجهه العجوز المستتر في جسد شاب. يستفيق متثاقلا وفي العين بقايا نوم عميق، يدنو إلى الباب الموصد يفتح قفله العتيق العنيد. يسرع نحو إبريق الماء يطلب ودّه في تذلل، فيجد قعره عاريا لا شيء فيه، يقف وهو مسهّد العينين يحاول فتحهما فيلمح قنينة الماء. يتناولها بنهم ويشرب ما تبقّى منها في نفس واحد، ثم يجلس مكانه دون حراك. يطيل المكوث وكأن أصفادا تشدّه إلى الأرض شدّا، أو عدوّا جاثما على الصّدر يهزّه هزّا فيجهز على بعضه المعتلّ المتهاوي المتنفس بتأني مسلّم لأمر بات مقضيّا. تستكين النفس وتستقر مجدّدا مكانها. مازال في العمر بقية، مازالت النفس تعبث بأقدار الشاب فتبحث له عن تتمة لحكايته الأولى. يخرج إلى حيث السماء بنجمها الوحيد، وحيث سواد الليل من بقايا شتاء عنيد، وأديم الأرض تفوح ريحه بين زهره وشجره وقطرات ندى تسيل فتبلّل تربة المكان. تجتث ريحه فيعلو حيث العبد الشاخص القابع دون حراك. يطيل النظر فإذ بنور يضيء الأفق بقوة. ترتعد الفرائس وتضيع الكلمات فاقدة لمعناها فتتجاوز الحلق مبعثرة متقطعة لا نظم تحكمها ولا قاعدة ترتّب شتاتها، فتستقر ترنيمة متلاطمة بين مخارج الصوت. حلقية، جوفية، تعانق اللّسان فوقه وأسفله. يصيح بقوة ما هو بمدركها، كأن ثقلا يطبق على صدره يكسّر أضلعه، أو وهن يسكن جوف نفسه يسكت فيه صرخة تعتصر تناجي الولادة فيئن ويتأوه ويسلّم. ينتظر ملك الموت لينزل به حكمه فينطق نصف أو ربع شهادة، فإذ بطيف يدنو رويدا ويقعد قعدة الرافع من السجدة يمدّ يده برفق ويطلب من الشاب في عمر الشيخ أن يتمنّى.
'تمنّ، لا تعجب وتمنّ، فالزمن زمنك قد عاد بعد غياب'.
'لعلّه دعاء سائل ذات عشي، أو جزاء ليلة لم تأت فيها فعلا منكرا، أو يد داع يسبّح لك يطلب من الإله ودا، تمنّى فعمرك اليوم يبدأ العدّ فلا تطل العدّ، فإن كان لك نصيب فأطلب وتمنّ'.
ضحك شيخ الشباب حتى أطال التبسّم ثم بكى حتى بدت نواجذه، ثم صاح صيحة تلتها تنهيدة ثقيلة ترسم ألم السنين. صمت دهرا وهمّ لينطق كفرا فأحجم واكتفى بنظرة تبدو فاترة مكابرة أو لعلّها ساخرة. لا مكر فيها لكنها للفعلة ناكرة، تلتها حركة باليد متثاقلة تقول:
-" فات الزمان وشاخ العمر وانقضى، ولا أرى للتمني بدا، ولا أبالي إن سكنت حالتي الأولى. هي سكن لي وأنا سكن لها، فدعني أستلّ باقي العمر بتلة تعقب بتلة، فالزمان سرد حكايتي وما أرى نهايتها في أن أتمنى، بل أراها في أن أفتكّ وأحيا وأمتّع النفس بالكسب حلالا كان أم محرّما، فلا أطلب للنفس ريحا ونسمة ولا أطلب لها نار ووهجا، بل أطلب دنيا فيها معاشا اغتصبته أيادي الظلاّم جمعا. "
يصيح صيحة فزعت لها الأموات ليستفيق متعرّقا:
- "إنه كابوس ثقيل كاد يهلكني،" قل أعوذ برب الفلق. " إنه ثقيل على صدري وإني سلمتك أمري. سأفرّ حيث الفيافي فإن عشت غدي شكرت، وإن مت تكون قبري، هي أرحم من كهف مظلم
منه ضاق صدري".
يدنو بعضهم... لا يكلّمني منهم أحد... طرحوني أرضا، ومدّدوني، وقوّمي اعوجاجي... ثم تدنو مني بعض النسوة تحمل كل منهنّ لحافا... لا تسمع لهم كلمة تعي بها مقصدا.... وبعدها حملوني وساروا في جوف اللّيل وعيني شاخصة أرقب حركة مسيرهم ووجهتهم... طابور يسير خلف حاملي جسدي، لا أحد يردّد قولا، ولا يخطئ صغيرهم فتصغي إلى قول مسروق، ولا ترى إشارة... لا بكاء أو تحصّرا وألما.... ولا شفقة.... ولا تذمّرا... ولا ابتسامة بريئة أو ساخرة أو ماكرة... لا دمعة تسيل... يختفي الإنشاد والذّكر وتحجب التعويذات... ويقبر حوار شبيه الإنسان بالسراب والأطياف والخيالات والجماد والحيوان.... مشيتهم منظّمة، لكنها ثقيلة...يلحق بهم صاحبي المجنون فيأخذ مكانه، نقلت نظري إليه أترقب جنونه... انتظرت أن يطلب سيجارة أو رغيف خبز أو يردّد أن لبّيك قادم...إنه لا ينطق... إن حاله أفضل... يواصل الحشد حملي... أطلق بصري للوراء فإذ بالكلب الأبيض يلحق من الخلف ومعه معشر الدود وكبيرهم... وعصا لا تبدو يابسة كآخر عهدي بها تسير محاذاتهم، وخيالات تحاذي أشجارا قرب المسلك تتراقص كعادتها.... وقطع متزاوجة بين بياض وسواد تفيض على المكان فتضيء بعضه وتزيد
-"وهل توقفوا؟ "_'لا بل زادوا... أخبروني أن الدّماء داخلي سائلة مميّعة، وأن تجمّدها سيريح وجعي، فوضعوني داخل مخزن تبريد به ثلج كثيف... أخرجوني مثل قطعة جليد، وأخبروني أن الماء السّاخن يريح علّتي ويعدل حالي، ففعلوا حتى اصطلى جسدي... ثم خرجت من عندهم إلى داري ...'-"وهل صرت على منهج غير ما تعلّمته؟ "_'قلّبت نظريتي غربيّها وشرقيّها، فوجدت الإنسان كيانا كادحا، يكافح لغاية مبدؤها ثروة وعدالة... '-"وكيف يحققها...؟"_'بثورة على الحاكم والكفر بمنهجه... '-"هي نفس الفكرة الأولى هل زاروك ثانية؟ ... "يطيل النظر إلى الفتى ويقول... _'نمت في زنازينهم ليالي، وأطعموني ماء مغلي ممزوجا بشيء مسموم، ورغيفا يابسا أو قل حجرا من سجّيل... وغطوني بلحاف من أشواك وعيون... ورأيت كرمهم حين تصافحني يد سجّان محكوم بنار حقد على كل مخالف بالعدل مسكون... ويلقي بي حيث سراديب بها عقارب وسموم تأكل من نصيبها علّي ألاقي سميعا عليما... ''أتعلم أنهم أعدموا أبنائي؟ '-"أي قسوة تلفّهم؟ كم أعمارهم؟ "_'منهم ابن البارحة، ومنهم من يبلغ المائتين أو تزيد ...'-"ماذا تقصد؟ "_'هي كتبي أعدموها، وجهل حارقها أنها محفورة في هذا الر
عاقل من ينعتك مجنون... فيصيب حزنك وشجونك...ويجبرك أن تختار بين جنونك...أو قطع رزق من يطعمونك"...ثم ينظر إلى تلك المصابيح فيحدّثه شيطانه أن يجمعها حيث ركن ويغطّيها فتذهب تلك الأجسام صاغرة يلفّها غطاء لا تبرق ولا ترقص فيه ولا تنشد... فيفعل ويغادر ضاحكا نحو غايته...***انشطر روح الحي نصفين... عتيق وجديد... بيوت بدأت تطلّ بجدرانها القديمة... تنسج خيوط الماضي بدقّة... إنها قصص منسيّة تعاند الأزمنة...تتدفّق فيه صورة نسيها وانسابت خواطره تتدافع... تفرّ من سكونها إلى حركتها...إنها ليست بالبيوت... إنها حياة... إنها أرواح وذوات بها عيون ووجوه وشفاه... إنها تنطق وتسمع... تكتم سرّا وتفصح حين السؤال وتريح عند الكدر... بيوت تداوي العلل وتشفي وتحيي...يعبر أزقتها... أي خراب قد أصابها؟ من شقّ جوفها؟ ...هذا بيت الطّيبة، وذاك منزل المؤذّن، وهناك بيت العلاّمة... وفي آخر الزقاق الأم الكبيرة... وفي الوسط بيت القائد هكذا كانت ألقابهم ...يقف عند بيت القائد ... بيت متواضع لدارس علم ومعرفة ومثقّف لا تملّ محاورته... يطرق فكرة فيسرد معناها، ويشرح جوهرها، ويعطي بديلها، ويستدلّ بحججه فتقنع... ثم يواصل فيبس
نلفّه بقبس ... ونخيطه دسائس... نلبسه وجه عابس... فلا تجزع إن أسرف... بضربك أو نهرك ... أو طردك من مجلس... أو قهرك عند المحن... أو دفعك بقسوة ... والشك فيه قابع ... يصفك بفاجر ..." تهفت قليلا وبه شكّ يحدّثه أن الإنشاد لحلقة ذكر هناك عند الحي وأنّ صداها يسمع.... تتدافع الأصوات كتدافع لعبة الأبيض والأسود المعلّقة أعلى قبر شيخ الكرامات فتقول محدثة بعضها... _'أتراه؟' 'لا هو في الجوار... ' _'اتسمع صوته؟ ' 'لا إنه أخرس... أو سكت كي لا يفتضح أمره ' يحدث نفسه سرا... -"إنها قطع من نور وظلمة وإنها ضريرة " يتواصل الحوار... _'أبه رائحة؟ ' 'أجل به، وإني عائد إلى حيث الكفن، لأسأل خالقي يدلني فالعطور تتشابه.... ' _'اذهب، ونحن هاهنا باقون وإن له لممسكين ' في سرّه مجددا... -"لقد اقلعت عن العطور مذ شددت الرحال إلى تلك المنازل.... هذه واحدة أغنمها بعد مشقّة... " تواصل تلك المصابيح رقصاتها وتواصل قطع السواد مناجاة رديفتها.... ليأتي مبعوثه حيث الكفن... _'نعم إن به رائحة... ' 'وكيف تكون؟ ' _'ليست عطرا... ولا مسكا ولا عود ندّ.... إن به عرقا' 'كيف يبدو؟ ' _'لم يفسد' 'وم
فعل فعلته، ومرّر عليها كبريته لتشتعل، فيسحب دخانها الكثيف متسلّلا إلى رئتيه فيطرب عقله.... يعيدها متواترة ... ينظّف ويلفّ، ويشعل ويسحب دخانها... ثم يكتفي... لقد صار أفضل... يواصل سيره بعد فسحة صغيرة، ويرقب صامتا تلك المسالك... إنه يطلب راحة... ليس التّعب بل شعور غريب بشيء تسلّل إلى أعماقه يقضمه.... يلوح في الجوار جدار قديم بزاويتين، تقدّم وآوى إلى ظلّه ينشد دواء... يتّكئ... ثم يتمدّد... به ثقل وارتعاش... يعاوده ألم الرأس، وفي عينيه دمع ساخن يخرج منسابا... أصابه تعرّقا زاده في ارتعاشه، فأخذ يطقطق أسنانه دون توقف.... يغفو أو ربما يكون قد أغمي عليه، فدنت منه غيبوبة لا يعرف مداها... إنه محموم من ليلة صقيع ممطرة... لا يد آدميّ تعالجه، ولا جار أو عابر سبيل يعثر على جثّته إن أخذته يد المنيّة غيلة.... يئنّ طويلا، ويخلد إلى كوابيسه اللّعينة وأضغاث أحلامه.... تمرّ أمامه أحداث متلاطمة تعيد شريطا من الحكايا إلى الوراء... يرى منها طيفا... وأحيانا يسمع كلمة، أو إشارة متكلّم ... يقف به حلمه الممزوج بالحمى عند ليل كسيح ... لا رغبة له في الأحلام.... فنفسه متثاقلة عزوف، وبعضه يأكل بعضه بلا شفقة،
-"بسطوة النار، وحكم لهيبها، وبحق الحقيقة، وصوت الحقيقة، لأجعل منك قصّة إنسان بدل شبيه إنسان...."تغرق نظراته في التحديق بالعاشقين.... إن بعينيه بريق تتدفّق منه نارا حامية، وإن بلسانه كلام يثقله شربه، وإن به حركة معطّلة يتربّص بها صائد ملذّة....تسري في هشيم وحطب، فتزيد توهّجا، تحرّكها ريح شرقية تأذن بليلة ملائكية.... تتراقص ألسنتها فتحرّك الأطياف الجاثمة القابعة على مقربة منه...فينطق مقاله ...- "لقد بدأت في الاحتفال... مرحى برفقة تؤنس جمودي... إني لا أبالي بقول شيخ يدّعي أنه حكيم... لن أقلع عن حديث الإنس والجن، وخلائق الأكوان صلبها ورخوها، فإني مثلهم جسد ينشد طرب النفس، فأكون ظالما إن تركت... لن أترك أمرا كنت له طالبا ولو صرت بدل المجنون ألف مجنون...""لن يعاتبني قريني، فإنّ به رغبة تسرق بعض من روحه... وتزرع نطفتها في غير ذي أديم، فتنبت بغير ذي جبلّة..."يستقيم ويبسط يداه مثل منشد... يطلق كلمات تدعو صحبه أن ...-"اجتمعوا... فلي قول إن حفظتموه سلمتم، وإن أدركتموه وتدبّرتم معانيه ملكتم أرواحكم وآمنتم قسمتها بين لصّ وحاقد وحاسد وظالم وواعظ ومرشد وصادق... وإن أنتم ردّدتم قولها في ليلكم ت
رمى متاعه وخرج باحثا عن طوق نجاة ليعانق سعة المكان، لم يعد يقدر على مجاراة قساوة الأحداث. في الخارج تنجيه برودة الطقس، فيعي أنه لم يخلد بعد في نار جهنّم. لم يعد أسيرا أسفل ركام، له أن يأوي إلى ركن به منافذ كثيرة تمرّ منها صدمات هواء. لن يشعل نارا هذه المرّة، لعله لا يريد زائرا، أو يفضّل مزيدا من ن
'ما أعجب له كيف قبلت به زوجا وهي الرّقيقة الصغيرة، وهو وحش متجبّر حين يزأر تفرّ منه الأنوثة أو تموت مكانها خوفا. إني أعجب إن كان قد أحب يوما أو نطق كلمة غزل... يبدو سليل آكلي لحم البشر تصالح مع الحضارة فهذّب من نفسه قليلا'يضحك طويلا ونضحك معه ثم يواصل.' ليلتها بقيت معلّقا وهو يراقب ملوّحا بعصاه ا
يغادر المكان، يعاند خطواته ليقف عند مفترق طريقين يعلمهما جيدا، أوله سهل منبسط مختصر يخلو من الالتواءات، وثانيه طويل، به مضيق مضن، وفيه تعرّجات تحاذي المنازل المتناثرة المتباعدة عندما تسلكها تقف عند بقايا آثار قديمة لأناس حيكت عنها أساطير تطرب الأسماع. لم يفكّر طويلا، إن به رغبة مبطنة تقف دونه وبلوغ
يخرج من البيت المتآكل ويشيّع بصره نحو جذع شجرة يابسة قست عليها الطبيعة منذ عقود ونخرها دود الفناء فأفسد عرقها واجتثّ نضارتها. اسودّت وتشقّقت وفتحت خدوشا تلفّها لفّا مميتا. كانت كذلك منذ زمن. لم تنبت يوما ولم يفكّر أهلها في اقتلاعها. هي شجرة عجوز سردت عنها حكايات غريبة عن حسناء ألفت لقاء وليفها خفية







