/ الآخر / تخاريف / الفصل 6

공유

الفصل 6

last update 게시일: 2026-06-18 05:12:59

يغادر المكان، يعاند خطواته ليقف عند مفترق طريقين يعلمهما جيدا، أوله سهل منبسط مختصر يخلو من الالتواءات، وثانيه طويل، به مضيق مضن، وفيه تعرّجات تحاذي المنازل المتناثرة المتباعدة عندما تسلكها تقف عند بقايا آثار قديمة لأناس حيكت عنها أساطير تطرب الأسماع. لم يفكّر طويلا، إن به رغبة مبطنة تقف دونه وبلوغ نهاية القصّة فسلك دون تردد أصعب الدروب وأطولها.

البطن يشكو من شدّة الشّبع، والخطوة لا تشكو ترنّحا. أهي ساعة الطّرب بعد قرف، ولحظة ملهاة بعد مأساة؟ أم هي ريح المكان الآسرة والخضرة الساحرة؟ أم عبق التاريخ المنسيّ يعيد للنفس ألقها فيحدوها شوقا لمناجاة من سكنوا علو تلك الهضبة، وأناخوا نوقهم حذو الكلأ؟ 

لقد علم مسكنه ومستقرّه في ليلة تبدو أشدّ برودة. يصل البناء، يتمتم كأنه يسلّم. أو هي تعويذة يطرد بها كل الشياطين الهامّة وشرور ما أحاط بالمكان المهجور.

يأوي إلى زاوية بها قوس. تحت القوس المحفور داخل الجدار يوجد ركن يطلّ على منخفض، هو يشبه المنارة دون ضوء، ترى المشهد بوضوح دون أن يراك صانعو المسرحيّة وممثّلوها.

-"أأوقد نارا؟ 

ليس بعد يبدو الجو ممتعا" 

يرتّب فراشه ويجلس، يشعل سيجارة كأنها الأخيرة. يجذبها بنهم حتى أنّت من قسوته. ليس هناك ما يشغله، هو خالي الذّهن من عبارات الحاضر وقصص الأمس وأحداث اليوم. إنه خارج سيطرة الوعي، إنه بلا عقل، خفيف لا يشكو علّة. يسحب دخان سيجارته مجددا لتصحبها قطرة تعانق قطرة فتدوي دون رعدها. بدأ السيل ينهمر،إنها مطر رضيّة خفيفة الوقع غزيرة الفائدة تداعب بود تربة مشتاقة لدغدغة نقراتها . لا تبدو مطرا ساخطة غاضبة، تضرب الأرض فتخرج أديمها وتعرّي تربتها فتفقرها. هي بين بين. جحود مثل عدو لدود، ولطيفة وخزتها تطرب الأفئدة، فإن نزلت على الأرض الجحود أنزلت ثمرتها وأزهقت تورّدها، وإن هي نزلت في غير ذي أرض انسابت ظريفة تداوي علّة الزرع وتكسو الأرض خضرة بعد بوار. تبدو مثل حوار بين ذوات فرّقتهم فكرة لا يقدر على تقديرها الإنسان.

أطفأ السيجارة محتفظا بها داخل العلبة مؤجلا نهايتها. وانساب مسلّما لزخات المطر في ليلته الطويلة ملطّفة لتلك النسمات الباردة المتسلّلة لعظم تضايقه لسعات الصقيع. تعود الروح إلى مسكنها مجددا لترحل إلى تاريخ المكان تفتّش عن حقائب المارّين من هنا. لقد كان مزارا للصبية، ومقصدا للطلاّب والباحثين، وملتقى للعشاق. وللشيوخ والعجائز في ذاك المكان مآرب أخرى. الكل يسافر إلى هناك يقصد حاجته، يذكر ابن العقدين من العمر هوسه بالتاريخ في جغرافية البلاط المهجور. بحث عن أشباح أفلت لعله يعثر عن علامات. يسمع لكبار الحي وحكاياتهم عن جمال سيّدة صاحبة الشعر المتدلّي يصيب الأرض تاركا أثر طيبه، وعن استدارة وجهها ولعس خدّيها يرتسم فيأسر ذاك المحب العنيف الحامل لصخرة لا يقدر عشرة على تحريكها. يتباهى بقوة ربانية تزعزع الأرض فتركع له ذوي الشوارب تخدمه بإخلاص. وحكايات عن آخر حجر يصعد به أعلى قصره معلنا عن نهاية الرحلة نحو بداية النّسل، وعن عيش سلالة من العمالقة حكموا دون ظلم، وعن نهاية أسطورة شجاع نازل أشدّ الرجال لتغلبه أرضة صغيرة تسللت لجسده فطحنت ما بجوفه ليرحل حيث الخلود مخلفا رواء ظهره نصفه المشرد فعلا والمطرود غصبا من الجماعة لأنها خيّرته عنهم.

يفرّ حيث تلك الأسطورة فإذ بها تدنو تطلب سترا من وقع قطرات المطر. شطح خياله بعيدا فصنع من الخرافة حقيقة، هي بجواره يحادثها وتحادثه. 

سألها:

- "تبدو حسناء"... 

ردت فقالت:

'لست شاعرية بما يكفي، لقد فقدت أنوثتي منذ عقود. إنّ بي إعياء مقرفا، وصَدْعا يسلب آدميتي فيُبقي منها الجزء البيولوجي. في الصّوت حشرجة أو خشونة، هو أقرب إلى كلمات يطلقها بائع السمك بحيّنا الشعبي، تدوّي فتصيب، يدي متيبّسة تعلوها بقايا تشقّقات أشبه بحراشف الحوت، وفي الوجه علامات تشهد على أني لست من فصيلة جنسي. تصمت قليلا ثم تطلق تنهيدة عميقة وتنظر إلى حائط المنزل الملطّخ بالطين، وتواصل في سرد الحكاية.

"أنا يا ولدي شيء من طين فاسد خلط بماء آسن، علق به غبار المكان فزاد في تغيّر لونه، وعُجن مع حبات حصى أفسدت ليونته فأنبتت نتوءات شتّى.

نظر إلى كل ركن من حولهما وتأمل ثم نهض واستدار فلم يجد في المكان غيره والعجوز ذات الملامح الفاتنة المعاندة لثقل السنين، هي قطعة سكّر حين تنظم كلمات تعبّر فتُطرب. عن أي خشونة والصوت مثل زخّات مطر تنزل على مهل، أو صوت العنادل تغنّي موشّحها اللّيلي فتسمع من به ألم فيكفّ عن التأوّه ويسْلم فيأمن فيسترخي، بها تجاعيد خفيفة تروي سيل أحداث لا تبدو ثقيلة، هي قدّت من طين صاف بماء عذب مصفّى لا شيء فيه.

-"أليس الوصف لغائب راودتك ذكراه؟" سألها ثم أحجم عن الكلام

 تناولت عكّازها وهمّت بالوقوف، استقامت ونظرت لشجرة التين حيث شجيرة الزقّوم قرب جدار البلاط المحطّم نبتت أشجاره متطفّلة على المكان. ثمّ قالت:

'إني أحدّثك عن داخلي يا ولدي، عن أعماق نفسي، وعن وجع متخفّ يطبق ويترك فلا خلّصني وشفاني من مرض الحياة، ولا أعتقني فصرت خلف ملذّاتها. إني يا ولدي ركام أجترّ حاضري بقلب الماضي. '

تزيد المطر في إيقاعها فيعود إلى واقعه. لا تبدو هناك بوادر رفقة، فذاك الكلب الأبيض والمجنون الحكيم وجمرتان من نار قد خلّفهم في بداية المنحدر وبعده. لا يخامره الذّهن أن يحلّ أحدهم حيث محطّته الجديدة. وأسوء ما في الحكاية أنه أطال في نومه فأخذ جرعة زائدة. أدرك أن ليله سيطول فخرج يطلب حطبا تحت سيل مدرار. كل الأشياء مبلّلة، يحاول بجهد الظفر بشيء منها ليسامر لهيبا ودخانا. يشعل ناره حيث يرقد، لكنّها استعصت وأبت وغالبت وعاندت نفخاته حتى بعثت فيها الروح الملطّخة ببعض الدّخان المتصاعد بين ألسنة اللّهب. لم يقدر على الهرب بخياله هذه المّرة، إنه يرغب في رفقة حقيقية لا ترحل. لا يهم إن كانت سيّئة أو حسنة، فهو لا يقوى على الوحدة.

يوصي النفس أن تصبر فقد تتوقف قطرات المطر ويحلّ الضّيف، أيقن أخيرا أنه كان يهرب منهم. لم يكن يريد أن يستحضرهم، وأن يقف عند بابهم، وأن يجمعهم في نفس القبو الصغير، وأن يروي ما حصل ليلتها. يحاول أن يكفّ عن تذكّر الواقعة، والعودة بالذاكرة إلى زمن متشرّد لا يكتب فيه سطرا يصالحه مع الحياة الجادّة. إنها تدنو منه، تكتمل الصورة بقدومهم. رفقة الأمس الشّقية.

- "هل أحضرت الشواء؟"

-" وأنت، ضع العلب هناك حيث ظلّ الجدار حتّى نفرغ من إشعال النار ثم نقضي ليلتنا في إشعال عقولنا حدّ التسليم أو الجنون". 

تعلو الضحكات، وتتردد مواويل طويلة وأغاني تغري سامعها بالتمايل مع إيقاعها. تبدأ رحلة الانقضاض على المؤنسة الصافية. صهباء ذات خدود ذهبية، فعلها كقهوة تقبر هموما علقت دهرا وترسّبت، وصوتها نسيم، إذا تنفّستها تنشقّ الصدور لتحيي سقيم متكدّر. إنها ليلة بهية الطلعة، صافية مثل صحبة لا تنقطع. لا تسمع فيها لغو الكلام ولا عتابا، ولا يطربك سوى صوت الرّضا عن نديم ينطق حكمة في زمن اختار الصّحو فنطق بالكفر وحدّث فكذب، إنها لحظة الهروب حيث المتعة أين الوجه الآخر من الدّنيا، أين سلامة العقل، فيها الكؤوس تغازل الزّجاجة فتغري جليسا ألف مراودتها فيعلق فيها ويذوب. إنه يلاطفها كأنها حبيبة تتمنّع، أو يحملها برفق كبعض ولده فيقبّلها ويسقي من رحيقها فتبتلّ العروق فيسعد. أو يضعها فوق الرأس تاجا ويرقص خفيف الرّوح يحتفل بولادته، فالعمر بدأ العدّ حين جالسها ليس إلا. لم تتكدّر الأنفس ولم تنطق سوى حلو الكلام. لم تتخاصم، ولا تسمع لها لوما أو سخطا على معيش مضني، لا يشغل بالهم ليلا ينجلي وصبحا يحلّ. 

إنّهم هناك حيث الجنان لا تألم الرّوح من صنائع البشر ولا من صنائع القدر. يعجبهم صاحبهم حين يردد شعرا فيتغزّل أو يمازح بكلمات تشتم بعضها. يؤلفها سجع يخفي عللها، ويطلق نغمات ترددها أفواههم برفق، عيون مفتوحة ووجوه ضاحكة وعقول مغمضة تلفّ تلك المنازل المقرفة. إنها لحظة الصّخب يرددها نديم ألف الفاكهة. يحادثك عن نفسه كيف غامر ونازل الشيطان فغلبه، ونازل والده فعاد مذموما مدحورا. يحكي كيف يتسحّب ليلا وهو يزحف كجنديّ يقطع حقل ألغام ليصل آخره فيصيده أحدهم. يزحف حتى يصل حيث النجاة لتصيبه يد لا تشبه الأيادي الآدميّة تتناوله مثل قطعة قماش فيعلّقها أعلى الباب الخشبي فتتدلّى ساقاه ويرفع بصره فإذا بشارب أشبه بشريط خشن صنعته يد ماهر من سعف الحلفاء اليابس شديد الأشواك، وفي الأعلى حاجبان تعانقا وتزاوجا فزادت وفرة نسليهما حتى بدت أشبه بكثبان رمال قرب سباسب يانعة

 'هل هما شفتان، أم مدخل جهنّم حين يفتحهما للزائر الضّال؟' 

'وأي صوت إذا حدّث كأنه يخاطب قوما تفصله عنهم مسير يوم وليلة. أعي يقينا أني مسافر إلى غيبوبة ففي تلك الأكف الوحشية مخدّر يهوي بك إلى الدرك الأسفل فتغادر دنيا لست عليها بمبال. ومن الخلف أم تترجى في أغوار نفسها ولا تصدر صوت الرجاء. '

이 작품을 무료로 읽으실 수 있습니다
QR 코드를 스캔하여 앱을 다운로드하세요

최신 챕터

  • تخاريف    تخاريف الفصل 22

    يدنو بعضهم... لا يكلّمني منهم أحد... طرحوني أرضا، ومدّدوني، وقوّمي اعوجاجي... ثم تدنو مني بعض النسوة تحمل كل منهنّ لحافا... لا تسمع لهم كلمة تعي بها مقصدا.... وبعدها حملوني وساروا في جوف اللّيل وعيني شاخصة أرقب حركة مسيرهم ووجهتهم... طابور يسير خلف حاملي جسدي، لا أحد يردّد قولا، ولا يخطئ صغيرهم فتصغي إلى قول مسروق، ولا ترى إشارة... لا بكاء أو تحصّرا وألما.... ولا شفقة.... ولا تذمّرا... ولا ابتسامة بريئة أو ساخرة أو ماكرة... لا دمعة تسيل... يختفي الإنشاد والذّكر وتحجب التعويذات... ويقبر حوار شبيه الإنسان بالسراب والأطياف والخيالات والجماد والحيوان.... مشيتهم منظّمة، لكنها ثقيلة...يلحق بهم صاحبي المجنون فيأخذ مكانه، نقلت نظري إليه أترقب جنونه... انتظرت أن يطلب سيجارة أو رغيف خبز أو يردّد أن لبّيك قادم...إنه لا ينطق... إن حاله أفضل... يواصل الحشد حملي... أطلق بصري للوراء فإذ بالكلب الأبيض يلحق من الخلف ومعه معشر الدود وكبيرهم... وعصا لا تبدو يابسة كآخر عهدي بها تسير محاذاتهم، وخيالات تحاذي أشجارا قرب المسلك تتراقص كعادتها.... وقطع متزاوجة بين بياض وسواد تفيض على المكان فتضيء بعضه وتزيد

  • تخاريف    تخاريف الفصل 21

    -"وهل توقفوا؟ "_'لا بل زادوا... أخبروني أن الدّماء داخلي سائلة مميّعة، وأن تجمّدها سيريح وجعي، فوضعوني داخل مخزن تبريد به ثلج كثيف... أخرجوني مثل قطعة جليد، وأخبروني أن الماء السّاخن يريح علّتي ويعدل حالي، ففعلوا حتى اصطلى جسدي... ثم خرجت من عندهم إلى داري ...'-"وهل صرت على منهج غير ما تعلّمته؟ "_'قلّبت نظريتي غربيّها وشرقيّها، فوجدت الإنسان كيانا كادحا، يكافح لغاية مبدؤها ثروة وعدالة... '-"وكيف يحققها...؟"_'بثورة على الحاكم والكفر بمنهجه... '-"هي نفس الفكرة الأولى هل زاروك ثانية؟ ... "يطيل النظر إلى الفتى ويقول... _'نمت في زنازينهم ليالي، وأطعموني ماء مغلي ممزوجا بشيء مسموم، ورغيفا يابسا أو قل حجرا من سجّيل... وغطوني بلحاف من أشواك وعيون... ورأيت كرمهم حين تصافحني يد سجّان محكوم بنار حقد على كل مخالف بالعدل مسكون... ويلقي بي حيث سراديب بها عقارب وسموم تأكل من نصيبها علّي ألاقي سميعا عليما... ''أتعلم أنهم أعدموا أبنائي؟ '-"أي قسوة تلفّهم؟ كم أعمارهم؟ "_'منهم ابن البارحة، ومنهم من يبلغ المائتين أو تزيد ...'-"ماذا تقصد؟ "_'هي كتبي أعدموها، وجهل حارقها أنها محفورة في هذا الر

  • تخاريف    تخاريف الفصل 20

    عاقل من ينعتك مجنون... فيصيب حزنك وشجونك...ويجبرك أن تختار بين جنونك...أو قطع رزق من يطعمونك"...ثم ينظر إلى تلك المصابيح فيحدّثه شيطانه أن يجمعها حيث ركن ويغطّيها فتذهب تلك الأجسام صاغرة يلفّها غطاء لا تبرق ولا ترقص فيه ولا تنشد... فيفعل ويغادر ضاحكا نحو غايته...***انشطر روح الحي نصفين... عتيق وجديد... بيوت بدأت تطلّ بجدرانها القديمة... تنسج خيوط الماضي بدقّة... إنها قصص منسيّة تعاند الأزمنة...تتدفّق فيه صورة نسيها وانسابت خواطره تتدافع... تفرّ من سكونها إلى حركتها...إنها ليست بالبيوت... إنها حياة... إنها أرواح وذوات بها عيون ووجوه وشفاه... إنها تنطق وتسمع... تكتم سرّا وتفصح حين السؤال وتريح عند الكدر... بيوت تداوي العلل وتشفي وتحيي...يعبر أزقتها... أي خراب قد أصابها؟ من شقّ جوفها؟ ...هذا بيت الطّيبة، وذاك منزل المؤذّن، وهناك بيت العلاّمة... وفي آخر الزقاق الأم الكبيرة... وفي الوسط بيت القائد هكذا كانت ألقابهم ...يقف عند بيت القائد ... بيت متواضع لدارس علم ومعرفة ومثقّف لا تملّ محاورته... يطرق فكرة فيسرد معناها، ويشرح جوهرها، ويعطي بديلها، ويستدلّ بحججه فتقنع... ثم يواصل فيبس

  • تخاريف    تخاريف الفصل 19

    نلفّه بقبس ... ونخيطه دسائس... نلبسه وجه عابس... فلا تجزع إن أسرف... بضربك أو نهرك ... أو طردك من مجلس... أو قهرك عند المحن... أو دفعك بقسوة ... والشك فيه قابع ... يصفك بفاجر ..." تهفت قليلا وبه شكّ يحدّثه أن الإنشاد لحلقة ذكر هناك عند الحي وأنّ صداها يسمع.... تتدافع الأصوات كتدافع لعبة الأبيض والأسود المعلّقة أعلى قبر شيخ الكرامات فتقول محدثة بعضها... _'أتراه؟' 'لا هو في الجوار... ' _'اتسمع صوته؟ ' 'لا إنه أخرس... أو سكت كي لا يفتضح أمره ' يحدث نفسه سرا... -"إنها قطع من نور وظلمة وإنها ضريرة " يتواصل الحوار... _'أبه رائحة؟ ' 'أجل به، وإني عائد إلى حيث الكفن، لأسأل خالقي يدلني فالعطور تتشابه.... ' _'اذهب، ونحن هاهنا باقون وإن له لممسكين ' في سرّه مجددا... -"لقد اقلعت عن العطور مذ شددت الرحال إلى تلك المنازل.... هذه واحدة أغنمها بعد مشقّة... " تواصل تلك المصابيح رقصاتها وتواصل قطع السواد مناجاة رديفتها.... ليأتي مبعوثه حيث الكفن... _'نعم إن به رائحة... ' 'وكيف تكون؟ ' _'ليست عطرا... ولا مسكا ولا عود ندّ.... إن به عرقا' 'كيف يبدو؟ ' _'لم يفسد' 'وم

  • تخاريف    تخاريف الفصل 18

    فعل فعلته، ومرّر عليها كبريته لتشتعل، فيسحب دخانها الكثيف متسلّلا إلى رئتيه فيطرب عقله.... يعيدها متواترة ... ينظّف ويلفّ، ويشعل ويسحب دخانها... ثم يكتفي... لقد صار أفضل... يواصل سيره بعد فسحة صغيرة، ويرقب صامتا تلك المسالك... إنه يطلب راحة... ليس التّعب بل شعور غريب بشيء تسلّل إلى أعماقه يقضمه.... يلوح في الجوار جدار قديم بزاويتين، تقدّم وآوى إلى ظلّه ينشد دواء... يتّكئ... ثم يتمدّد... به ثقل وارتعاش... يعاوده ألم الرأس، وفي عينيه دمع ساخن يخرج منسابا... أصابه تعرّقا زاده في ارتعاشه، فأخذ يطقطق أسنانه دون توقف.... يغفو أو ربما يكون قد أغمي عليه، فدنت منه غيبوبة لا يعرف مداها... إنه محموم من ليلة صقيع ممطرة... لا يد آدميّ تعالجه، ولا جار أو عابر سبيل يعثر على جثّته إن أخذته يد المنيّة غيلة.... يئنّ طويلا، ويخلد إلى كوابيسه اللّعينة وأضغاث أحلامه.... تمرّ أمامه أحداث متلاطمة تعيد شريطا من الحكايا إلى الوراء... يرى منها طيفا... وأحيانا يسمع كلمة، أو إشارة متكلّم ... يقف به حلمه الممزوج بالحمى عند ليل كسيح ... لا رغبة له في الأحلام.... فنفسه متثاقلة عزوف، وبعضه يأكل بعضه بلا شفقة،

  • تخاريف    تخاريف الفصل 17

    -"بسطوة النار، وحكم لهيبها، وبحق الحقيقة، وصوت الحقيقة، لأجعل منك قصّة إنسان بدل شبيه إنسان...."تغرق نظراته في التحديق بالعاشقين.... إن بعينيه بريق تتدفّق منه نارا حامية، وإن بلسانه كلام يثقله شربه، وإن به حركة معطّلة يتربّص بها صائد ملذّة....تسري في هشيم وحطب، فتزيد توهّجا، تحرّكها ريح شرقية تأذن بليلة ملائكية.... تتراقص ألسنتها فتحرّك الأطياف الجاثمة القابعة على مقربة منه...فينطق مقاله ...- "لقد بدأت في الاحتفال... مرحى برفقة تؤنس جمودي... إني لا أبالي بقول شيخ يدّعي أنه حكيم... لن أقلع عن حديث الإنس والجن، وخلائق الأكوان صلبها ورخوها، فإني مثلهم جسد ينشد طرب النفس، فأكون ظالما إن تركت... لن أترك أمرا كنت له طالبا ولو صرت بدل المجنون ألف مجنون...""لن يعاتبني قريني، فإنّ به رغبة تسرق بعض من روحه... وتزرع نطفتها في غير ذي أديم، فتنبت بغير ذي جبلّة..."يستقيم ويبسط يداه مثل منشد... يطلق كلمات تدعو صحبه أن ...-"اجتمعوا... فلي قول إن حفظتموه سلمتم، وإن أدركتموه وتدبّرتم معانيه ملكتم أرواحكم وآمنتم قسمتها بين لصّ وحاقد وحاسد وظالم وواعظ ومرشد وصادق... وإن أنتم ردّدتم قولها في ليلكم ت

  • تخاريف    تخاريف الفصل 9

    رمى متاعه وخرج باحثا عن طوق نجاة ليعانق سعة المكان، لم يعد يقدر على مجاراة قساوة الأحداث. في الخارج تنجيه برودة الطقس، فيعي أنه لم يخلد بعد في نار جهنّم. لم يعد أسيرا أسفل ركام، له أن يأوي إلى ركن به منافذ كثيرة تمرّ منها صدمات هواء. لن يشعل نارا هذه المرّة، لعله لا يريد زائرا، أو يفضّل مزيدا من ن

  • تخاريف    تخاريف الفصل 8

    يزيد في بحثه فتتعثّر يديه بصندوق أسود يختلف عن صندوق المال. يفتحه، إن به ورق صغير مزقته يد بارعة إلى بطاقات ومعها قنّينة. يبدو عطرها مختلف. يسكب منها قليلا فإذ بسائل أصفر شبيه الزّعفران يواصل السّكب. بقرب القنينة كتاب صغير على غلافه طلاسم، ومصحف صغير ملفوف داخل قطعة قماش بيضاء، ومن تحته أجزاء من أق

  • تخاريف    تخاريف الفصل 7

    'ما أعجب له كيف قبلت به زوجا وهي الرّقيقة الصغيرة، وهو وحش متجبّر حين يزأر تفرّ منه الأنوثة أو تموت مكانها خوفا. إني أعجب إن كان قد أحب يوما أو نطق كلمة غزل... يبدو سليل آكلي لحم البشر تصالح مع الحضارة فهذّب من نفسه قليلا'يضحك طويلا ونضحك معه ثم يواصل.' ليلتها بقيت معلّقا وهو يراقب ملوّحا بعصاه ا

  • تخاريف    تخاريف الفصل 5

    يخرج من البيت المتآكل ويشيّع بصره نحو جذع شجرة يابسة قست عليها الطبيعة منذ عقود ونخرها دود الفناء فأفسد عرقها واجتثّ نضارتها. اسودّت وتشقّقت وفتحت خدوشا تلفّها لفّا مميتا. كانت كذلك منذ زمن. لم تنبت يوما ولم يفكّر أهلها في اقتلاعها. هي شجرة عجوز سردت عنها حكايات غريبة عن حسناء ألفت لقاء وليفها خفية

더보기
좋은 소설을 무료로 찾아 읽어보세요
GoodNovel 앱에서 수많은 인기 소설을 무료로 즐기세요! 마음에 드는 작품을 다운로드하고, 언제 어디서나 편하게 읽을 수 있습니다
앱에서 작품을 무료로 읽어보세요
앱에서 읽으려면 QR 코드를 스캔하세요.
DMCA.com Protection Status