LOGINيغادر المكان، يعاند خطواته ليقف عند مفترق طريقين يعلمهما جيدا، أوله سهل منبسط مختصر يخلو من الالتواءات، وثانيه طويل، به مضيق مضن، وفيه تعرّجات تحاذي المنازل المتناثرة المتباعدة عندما تسلكها تقف عند بقايا آثار قديمة لأناس حيكت عنها أساطير تطرب الأسماع. لم يفكّر طويلا، إن به رغبة مبطنة تقف دونه وبلوغ نهاية القصّة فسلك دون تردد أصعب الدروب وأطولها.
البطن يشكو من شدّة الشّبع، والخطوة لا تشكو ترنّحا. أهي ساعة الطّرب بعد قرف، ولحظة ملهاة بعد مأساة؟ أم هي ريح المكان الآسرة والخضرة الساحرة؟ أم عبق التاريخ المنسيّ يعيد للنفس ألقها فيحدوها شوقا لمناجاة من سكنوا علو تلك الهضبة، وأناخوا نوقهم حذو الكلأ؟
لقد علم مسكنه ومستقرّه في ليلة تبدو أشدّ برودة. يصل البناء، يتمتم كأنه يسلّم. أو هي تعويذة يطرد بها كل الشياطين الهامّة وشرور ما أحاط بالمكان المهجور.
يأوي إلى زاوية بها قوس. تحت القوس المحفور داخل الجدار يوجد ركن يطلّ على منخفض، هو يشبه المنارة دون ضوء، ترى المشهد بوضوح دون أن يراك صانعو المسرحيّة وممثّلوها.
-"أأوقد نارا؟
ليس بعد يبدو الجو ممتعا"
يرتّب فراشه ويجلس، يشعل سيجارة كأنها الأخيرة. يجذبها بنهم حتى أنّت من قسوته. ليس هناك ما يشغله، هو خالي الذّهن من عبارات الحاضر وقصص الأمس وأحداث اليوم. إنه خارج سيطرة الوعي، إنه بلا عقل، خفيف لا يشكو علّة. يسحب دخان سيجارته مجددا لتصحبها قطرة تعانق قطرة فتدوي دون رعدها. بدأ السيل ينهمر،إنها مطر رضيّة خفيفة الوقع غزيرة الفائدة تداعب بود تربة مشتاقة لدغدغة نقراتها . لا تبدو مطرا ساخطة غاضبة، تضرب الأرض فتخرج أديمها وتعرّي تربتها فتفقرها. هي بين بين. جحود مثل عدو لدود، ولطيفة وخزتها تطرب الأفئدة، فإن نزلت على الأرض الجحود أنزلت ثمرتها وأزهقت تورّدها، وإن هي نزلت في غير ذي أرض انسابت ظريفة تداوي علّة الزرع وتكسو الأرض خضرة بعد بوار. تبدو مثل حوار بين ذوات فرّقتهم فكرة لا يقدر على تقديرها الإنسان.
أطفأ السيجارة محتفظا بها داخل العلبة مؤجلا نهايتها. وانساب مسلّما لزخات المطر في ليلته الطويلة ملطّفة لتلك النسمات الباردة المتسلّلة لعظم تضايقه لسعات الصقيع. تعود الروح إلى مسكنها مجددا لترحل إلى تاريخ المكان تفتّش عن حقائب المارّين من هنا. لقد كان مزارا للصبية، ومقصدا للطلاّب والباحثين، وملتقى للعشاق. وللشيوخ والعجائز في ذاك المكان مآرب أخرى. الكل يسافر إلى هناك يقصد حاجته، يذكر ابن العقدين من العمر هوسه بالتاريخ في جغرافية البلاط المهجور. بحث عن أشباح أفلت لعله يعثر عن علامات. يسمع لكبار الحي وحكاياتهم عن جمال سيّدة صاحبة الشعر المتدلّي يصيب الأرض تاركا أثر طيبه، وعن استدارة وجهها ولعس خدّيها يرتسم فيأسر ذاك المحب العنيف الحامل لصخرة لا يقدر عشرة على تحريكها. يتباهى بقوة ربانية تزعزع الأرض فتركع له ذوي الشوارب تخدمه بإخلاص. وحكايات عن آخر حجر يصعد به أعلى قصره معلنا عن نهاية الرحلة نحو بداية النّسل، وعن عيش سلالة من العمالقة حكموا دون ظلم، وعن نهاية أسطورة شجاع نازل أشدّ الرجال لتغلبه أرضة صغيرة تسللت لجسده فطحنت ما بجوفه ليرحل حيث الخلود مخلفا رواء ظهره نصفه المشرد فعلا والمطرود غصبا من الجماعة لأنها خيّرته عنهم.
يفرّ حيث تلك الأسطورة فإذ بها تدنو تطلب سترا من وقع قطرات المطر. شطح خياله بعيدا فصنع من الخرافة حقيقة، هي بجواره يحادثها وتحادثه.
سألها:
- "تبدو حسناء"...
ردت فقالت:
'لست شاعرية بما يكفي، لقد فقدت أنوثتي منذ عقود. إنّ بي إعياء مقرفا، وصَدْعا يسلب آدميتي فيُبقي منها الجزء البيولوجي. في الصّوت حشرجة أو خشونة، هو أقرب إلى كلمات يطلقها بائع السمك بحيّنا الشعبي، تدوّي فتصيب، يدي متيبّسة تعلوها بقايا تشقّقات أشبه بحراشف الحوت، وفي الوجه علامات تشهد على أني لست من فصيلة جنسي. تصمت قليلا ثم تطلق تنهيدة عميقة وتنظر إلى حائط المنزل الملطّخ بالطين، وتواصل في سرد الحكاية.
"أنا يا ولدي شيء من طين فاسد خلط بماء آسن، علق به غبار المكان فزاد في تغيّر لونه، وعُجن مع حبات حصى أفسدت ليونته فأنبتت نتوءات شتّى.
نظر إلى كل ركن من حولهما وتأمل ثم نهض واستدار فلم يجد في المكان غيره والعجوز ذات الملامح الفاتنة المعاندة لثقل السنين، هي قطعة سكّر حين تنظم كلمات تعبّر فتُطرب. عن أي خشونة والصوت مثل زخّات مطر تنزل على مهل، أو صوت العنادل تغنّي موشّحها اللّيلي فتسمع من به ألم فيكفّ عن التأوّه ويسْلم فيأمن فيسترخي، بها تجاعيد خفيفة تروي سيل أحداث لا تبدو ثقيلة، هي قدّت من طين صاف بماء عذب مصفّى لا شيء فيه.
-"أليس الوصف لغائب راودتك ذكراه؟" سألها ثم أحجم عن الكلام
تناولت عكّازها وهمّت بالوقوف، استقامت ونظرت لشجرة التين حيث شجيرة الزقّوم قرب جدار البلاط المحطّم نبتت أشجاره متطفّلة على المكان. ثمّ قالت:
'إني أحدّثك عن داخلي يا ولدي، عن أعماق نفسي، وعن وجع متخفّ يطبق ويترك فلا خلّصني وشفاني من مرض الحياة، ولا أعتقني فصرت خلف ملذّاتها. إني يا ولدي ركام أجترّ حاضري بقلب الماضي. '
تزيد المطر في إيقاعها فيعود إلى واقعه. لا تبدو هناك بوادر رفقة، فذاك الكلب الأبيض والمجنون الحكيم وجمرتان من نار قد خلّفهم في بداية المنحدر وبعده. لا يخامره الذّهن أن يحلّ أحدهم حيث محطّته الجديدة. وأسوء ما في الحكاية أنه أطال في نومه فأخذ جرعة زائدة. أدرك أن ليله سيطول فخرج يطلب حطبا تحت سيل مدرار. كل الأشياء مبلّلة، يحاول بجهد الظفر بشيء منها ليسامر لهيبا ودخانا. يشعل ناره حيث يرقد، لكنّها استعصت وأبت وغالبت وعاندت نفخاته حتى بعثت فيها الروح الملطّخة ببعض الدّخان المتصاعد بين ألسنة اللّهب. لم يقدر على الهرب بخياله هذه المّرة، إنه يرغب في رفقة حقيقية لا ترحل. لا يهم إن كانت سيّئة أو حسنة، فهو لا يقوى على الوحدة.
يوصي النفس أن تصبر فقد تتوقف قطرات المطر ويحلّ الضّيف، أيقن أخيرا أنه كان يهرب منهم. لم يكن يريد أن يستحضرهم، وأن يقف عند بابهم، وأن يجمعهم في نفس القبو الصغير، وأن يروي ما حصل ليلتها. يحاول أن يكفّ عن تذكّر الواقعة، والعودة بالذاكرة إلى زمن متشرّد لا يكتب فيه سطرا يصالحه مع الحياة الجادّة. إنها تدنو منه، تكتمل الصورة بقدومهم. رفقة الأمس الشّقية.
- "هل أحضرت الشواء؟"
-" وأنت، ضع العلب هناك حيث ظلّ الجدار حتّى نفرغ من إشعال النار ثم نقضي ليلتنا في إشعال عقولنا حدّ التسليم أو الجنون".
تعلو الضحكات، وتتردد مواويل طويلة وأغاني تغري سامعها بالتمايل مع إيقاعها. تبدأ رحلة الانقضاض على المؤنسة الصافية. صهباء ذات خدود ذهبية، فعلها كقهوة تقبر هموما علقت دهرا وترسّبت، وصوتها نسيم، إذا تنفّستها تنشقّ الصدور لتحيي سقيم متكدّر. إنها ليلة بهية الطلعة، صافية مثل صحبة لا تنقطع. لا تسمع فيها لغو الكلام ولا عتابا، ولا يطربك سوى صوت الرّضا عن نديم ينطق حكمة في زمن اختار الصّحو فنطق بالكفر وحدّث فكذب، إنها لحظة الهروب حيث المتعة أين الوجه الآخر من الدّنيا، أين سلامة العقل، فيها الكؤوس تغازل الزّجاجة فتغري جليسا ألف مراودتها فيعلق فيها ويذوب. إنه يلاطفها كأنها حبيبة تتمنّع، أو يحملها برفق كبعض ولده فيقبّلها ويسقي من رحيقها فتبتلّ العروق فيسعد. أو يضعها فوق الرأس تاجا ويرقص خفيف الرّوح يحتفل بولادته، فالعمر بدأ العدّ حين جالسها ليس إلا. لم تتكدّر الأنفس ولم تنطق سوى حلو الكلام. لم تتخاصم، ولا تسمع لها لوما أو سخطا على معيش مضني، لا يشغل بالهم ليلا ينجلي وصبحا يحلّ.
إنّهم هناك حيث الجنان لا تألم الرّوح من صنائع البشر ولا من صنائع القدر. يعجبهم صاحبهم حين يردد شعرا فيتغزّل أو يمازح بكلمات تشتم بعضها. يؤلفها سجع يخفي عللها، ويطلق نغمات ترددها أفواههم برفق، عيون مفتوحة ووجوه ضاحكة وعقول مغمضة تلفّ تلك المنازل المقرفة. إنها لحظة الصّخب يرددها نديم ألف الفاكهة. يحادثك عن نفسه كيف غامر ونازل الشيطان فغلبه، ونازل والده فعاد مذموما مدحورا. يحكي كيف يتسحّب ليلا وهو يزحف كجنديّ يقطع حقل ألغام ليصل آخره فيصيده أحدهم. يزحف حتى يصل حيث النجاة لتصيبه يد لا تشبه الأيادي الآدميّة تتناوله مثل قطعة قماش فيعلّقها أعلى الباب الخشبي فتتدلّى ساقاه ويرفع بصره فإذا بشارب أشبه بشريط خشن صنعته يد ماهر من سعف الحلفاء اليابس شديد الأشواك، وفي الأعلى حاجبان تعانقا وتزاوجا فزادت وفرة نسليهما حتى بدت أشبه بكثبان رمال قرب سباسب يانعة
'هل هما شفتان، أم مدخل جهنّم حين يفتحهما للزائر الضّال؟'
'وأي صوت إذا حدّث كأنه يخاطب قوما تفصله عنهم مسير يوم وليلة. أعي يقينا أني مسافر إلى غيبوبة ففي تلك الأكف الوحشية مخدّر يهوي بك إلى الدرك الأسفل فتغادر دنيا لست عليها بمبال. ومن الخلف أم تترجى في أغوار نفسها ولا تصدر صوت الرجاء. '
رمى متاعه وخرج باحثا عن طوق نجاة ليعانق سعة المكان، لم يعد يقدر على مجاراة قساوة الأحداث. في الخارج تنجيه برودة الطقس، فيعي أنه لم يخلد بعد في نار جهنّم. لم يعد أسيرا أسفل ركام، له أن يأوي إلى ركن به منافذ كثيرة تمرّ منها صدمات هواء. لن يشعل نارا هذه المرّة، لعله لا يريد زائرا، أو يفضّل مزيدا من نسمات عليلة تنزع حرارة من جسمه. هو يرى نارا قريبة، هي حقيقة لا خيال، قرر السير إليها دونما اهتمام. لا يبالي إن ظنّه صاحبها أنه ضيف ثقيل الظل، ولا تعنيه إن كان فردا أو جماعة. ما يعنيه أن صاحب النار يشبهه.يقترب منه ويحييّه، فيلوّح صاحبه بيده. صورته لا تبدو واضحة، سواد اللّيل ودخان متصاعد وألسنة لهب تحجب ملامحها. يقترب أكثر ويحدّق فيتبادلان الابتسامات. لقد علم من يكون، إنه "عُقَيْل" هكذا أسموه فتيان الحيّ تصغير لكلمة عقل. هو لا ينطق، ولا يسمع. يشير فيقنع ويصدر أصواته المتثاقلة ثقل لسانه فيفهمها من يصغي إليه، له عقل راجح عندما يومئ بحركاته يملي حكمته. ينطق وشغف يسكنه:- "عُقَيْل، لازلت على قيد الحياة؟" يحرك شفتاه ويطلق إشاراته المعتادة بحركة طويلة مكشرا عن أنيابه فتفهم قصده. 'عمر الأشقياء طويل
يزيد في بحثه فتتعثّر يديه بصندوق أسود يختلف عن صندوق المال. يفتحه، إن به ورق صغير مزقته يد بارعة إلى بطاقات ومعها قنّينة. يبدو عطرها مختلف. يسكب منها قليلا فإذ بسائل أصفر شبيه الزّعفران يواصل السّكب. بقرب القنينة كتاب صغير على غلافه طلاسم، ومصحف صغير ملفوف داخل قطعة قماش بيضاء، ومن تحته أجزاء من أقمشة وإبر وخيط.-" إن لشيخنا كرامات."كان مقصد أمهات حديثي الولادة عقدنا النية فهي كرامات تحلّ عند بشر مسيّر ليرفع سقم أو علّة. يحدّث:-"أتذكّر يومها كان طفلا محموما، تكسو جلده حمرة كثيفة، لا يقوى على الرّضاعة، يتقيّأ باستمرار. تبدو عليه ملامح إعياء فهو لا يقوى على الحركة. تأتي به الأم لشيخنا بدل ذهابها للطبيب الآتي من المدينة في مناسبات قليلة، وإن تكرر قدومه، فهي ستقصد الشيخ لأن الشفاء بيده وما عليها سوى التوكّل.يفحص الشيخ الصبي وينظر إلى عينيه. "يبدو بها اصفرار". شاحب البشرة، يفرز رائحة تظهر علّته. يقترب ويوشوش في أذنيه واضعا يديه أعلى رأسه، ثم يضع على جبينه قطرات من الصبغ له رائحة طيبة. قطران معتّق عصارة الخشب والفحم، لينهي عمله بوصية تطبّقها الأم بإحكام حين عودتها. تشكره وتناوله قطعة نق
'ما أعجب له كيف قبلت به زوجا وهي الرّقيقة الصغيرة، وهو وحش متجبّر حين يزأر تفرّ منه الأنوثة أو تموت مكانها خوفا. إني أعجب إن كان قد أحب يوما أو نطق كلمة غزل... يبدو سليل آكلي لحم البشر تصالح مع الحضارة فهذّب من نفسه قليلا'يضحك طويلا ونضحك معه ثم يواصل.' ليلتها بقيت معلّقا وهو يراقب ملوّحا بعصاه التي اعتادت على لحمي الناشف. لم يستغرق الوقت كثيرا حتى يبدأ سقف البيت يتراقص من شخيره المتصاعد يحرّك كلّ السواكن.' يضحك ويطنب في المزاح.'يخرج الجار ويصيح يا فلان ارفق بنا فإن يومنا شاق وليلنا قصير فأوقف تشغيل المحرّك ليلا.حينها أعي أنه يغطّ في نومة عميقة فأميل نحو اليمين والشمال مخلّصا نفسي. انزل وأعود أدراجي حيث مرقدي في ركن الغرفة اليتيمة، فأسمع صوتا يشتم نفسه'.(ارقد يا ابن الكلب فإن باقي حسابك غدا...)'لا يعنيني كلامه بقدر ما شغلني كيف أوقف محرّكه الثائر وعاد من رقدته العنيفة بتلك الخفّة. 'سأله:-"هل تبت". ضحك بشدّة.'كررتها فوقعت في فخّه وعوقبت، وكررتها ونجوت وفي الغد ضربت، وتكررت أفعالي رغبة مني في أن يعتاد فلم يملّ. صدمت من صبره فهو لا يكلّ. تحدثني تلك الحنون فأضمها إلى صدري فتطمئ
يغادر المكان، يعاند خطواته ليقف عند مفترق طريقين يعلمهما جيدا، أوله سهل منبسط مختصر يخلو من الالتواءات، وثانيه طويل، به مضيق مضن، وفيه تعرّجات تحاذي المنازل المتناثرة المتباعدة عندما تسلكها تقف عند بقايا آثار قديمة لأناس حيكت عنها أساطير تطرب الأسماع. لم يفكّر طويلا، إن به رغبة مبطنة تقف دونه وبلوغ نهاية القصّة فسلك دون تردد أصعب الدروب وأطولها.البطن يشكو من شدّة الشّبع، والخطوة لا تشكو ترنّحا. أهي ساعة الطّرب بعد قرف، ولحظة ملهاة بعد مأساة؟ أم هي ريح المكان الآسرة والخضرة الساحرة؟ أم عبق التاريخ المنسيّ يعيد للنفس ألقها فيحدوها شوقا لمناجاة من سكنوا علو تلك الهضبة، وأناخوا نوقهم حذو الكلأ؟ لقد علم مسكنه ومستقرّه في ليلة تبدو أشدّ برودة. يصل البناء، يتمتم كأنه يسلّم. أو هي تعويذة يطرد بها كل الشياطين الهامّة وشرور ما أحاط بالمكان المهجور.يأوي إلى زاوية بها قوس. تحت القوس المحفور داخل الجدار يوجد ركن يطلّ على منخفض، هو يشبه المنارة دون ضوء، ترى المشهد بوضوح دون أن يراك صانعو المسرحيّة وممثّلوها.-"أأوقد نارا؟ ليس بعد يبدو الجو ممتعا" يرتّب فراشه ويجلس، يشعل سيجارة كأنها الأخيرة. ي
يخرج من البيت المتآكل ويشيّع بصره نحو جذع شجرة يابسة قست عليها الطبيعة منذ عقود ونخرها دود الفناء فأفسد عرقها واجتثّ نضارتها. اسودّت وتشقّقت وفتحت خدوشا تلفّها لفّا مميتا. كانت كذلك منذ زمن. لم تنبت يوما ولم يفكّر أهلها في اقتلاعها. هي شجرة عجوز سردت عنها حكايات غريبة عن حسناء ألفت لقاء وليفها خفية. هي شاهدة عن كلمات الغزل، وعن كلمات اللّحن الخالد، لحن ورثته الألسن وردّدته قائلة: "أراقص طيفا.ألاحق بين ثنايا المجاز رفيقا لطيفا.فأنحت حرفا.بخفقة قلب وصوت خفيف"وعبارات تتردّد من راغبة متمنّعة فتنشد: "أبقي هناك حيث أنت. دعني أقتات من روحي. دعني أقتات من جسدي. تذبل الوردة على وجنتيك. وتغادر بسمتي مع رفاتي."يفرّ النّصيب فيغنم غير المحب بحسناء سقت شجرتها فأنبتت زهرة. ذبلت الزهرة على يد من قطفها قبل تفتّحها فجنّت وغدت أسيرة ربوة وقرب الربوة صبية، وبيد الصبية عصيّ وقطع قصدير. تضرب العصيّ على قطع القصدير فتحدث صوتا يصدّع المسامع يتخلّلها ترديد كلمات جارحة: "المجنونة آتية بالرياح العاتية.مجنونة تلحق مجنون ونحن إليها سائرون. " تفرّ من شقاوتهم نحو الشجرة لتأمن فتجد روحها جفت ففي أسفلها
يسدل اللّيل ستاره... لم يحدّث جليسه هذه المرّة، فكلاهما مسافر يبحث عن رفقة ضائعة.صارت النّار رمادا. يمزّق قلبها بقايا دخان وقطعتين من الجمر تميلان للانطفاء. كأنّهما عينان أعيتهما الصّحوة الفاقدة للغفوة. نعم تبدو كذلك، يقلّبها فتتوارى ثم تعود لتظهر. تغمض وتفتح. يعيدها فتفعل ما فعلته في صنيعها الأوّل. إنّها تختفي ثم تظهر فيقول محدّثا:-"رفقة خير؟ أم شؤم؟"تهبّ ريح تعرّي بعض الرّماد فتظهر كأنّها تحدّق وتطيل النّظر. قد تكون الإجابة أو حديث لا يفهم.-"أنت صنيعة البشر؟ ففي بصرك شيء لا يفهم، لا أعي إن كنت أحدّث صنيع بشر أم شيطان من مارج من نار يخرج، ومن بين اليابس والأخضر! "تهبّ ريح ثانية تغطّي قطعتي الجمر وتعبر. -"لم يعجبكما كلامي! قد تكونان صنيع بشر، وفيكما سحر يؤثّر، أو طيف ملائكة، كيف لا وبي شيء من الدّفء يبعث في الرّوح فيأسر."تتعرّى إحداهما دون ريح ولم تحرّك رمادها يد بشر!يساوره الشّك فيدير بصره يرقب كلّ ما يحيط به. لا تظهر أيّ علامة تثير الغرابة ولا توجد حركة. سكون يخيّم على المكان. يعود إلى حيث ناره ورماده، يحدّق بتلك القطعة فإذ بنصفها مضيء ونصفها آفل، وقطعة أخرى لا تزال تحت ال
يعبر المنحدر ليجد نفسه وسط الوادي تحيطه شجيرات يانعة ريحها عطرة. تحرّكها نسمات تبدو باردة. لا تؤذي، باردة لا تقسو. ينزع الحذاء ويضرب بخفّيه الرّمال الرّاسبة. يتلذّذ وقعها ودغدغتها، كأنّه يريد أن يجذب الأحداث للوراء قليلا حيث الرّفقة الصغيرة وحيث لحن الطّفولة. اقترب من جرف به استدارة، لا يزال يحتفظ
يطيل النّظر والجلوس، فإذ به يلحظ خيط دخان. رفقة قادمة على عجل علّها تمسح غبار الطّريق، وتذيب جليدا كسى قلبا مكسورا، وتستلّ أشواك الدّرب المحفوف بالمخاطر والمطبّات. إنّه يدنو فيدنو، قد دنا. وقف وتسمّر، وحدّق فأطنب، ومال شدقيه قليلا ثم ضحك، ثمّ تكدّر، ثمّ قهقه، ثمّ نفخ في مزماره المصنوع من القصب، خرج
تصديررواية تخاريف هي تعبير عن ذات تحمل في جوفها فكرة مجنونة وخيال جامح، وهواجس مثقلة. فتدكّ داخلها كلّ انتماء للواقع، وتفتكّ من بين قسوة الأيام ذكرى فيها سطور معلومة، وسطور متخفية، وسطور مجهولة. ومن السطور ترتسم الصورة تراوح بين الوضوح والعتمة، فتخال نصفها مرئي ونصف الآخر مستتر، في حين أن الصورة ك







