LOGIN'ما أعجب له كيف قبلت به زوجا وهي الرّقيقة الصغيرة، وهو وحش متجبّر حين يزأر تفرّ منه الأنوثة أو تموت مكانها خوفا. إني أعجب إن كان قد أحب يوما أو نطق كلمة غزل... يبدو سليل آكلي لحم البشر تصالح مع الحضارة فهذّب من نفسه قليلا'
يضحك طويلا ونضحك معه ثم يواصل.
' ليلتها بقيت معلّقا وهو يراقب ملوّحا بعصاه التي اعتادت على لحمي الناشف. لم يستغرق الوقت كثيرا حتى يبدأ سقف البيت يتراقص من شخيره المتصاعد يحرّك كلّ السواكن.'
يضحك ويطنب في المزاح.
'يخرج الجار ويصيح يا فلان ارفق بنا فإن يومنا شاق وليلنا قصير فأوقف تشغيل المحرّك ليلا.
حينها أعي أنه يغطّ في نومة عميقة فأميل نحو اليمين والشمال مخلّصا نفسي. انزل وأعود أدراجي حيث مرقدي في ركن الغرفة اليتيمة، فأسمع صوتا يشتم نفسه'.
(ارقد يا ابن الكلب فإن باقي حسابك غدا...)
'لا يعنيني كلامه بقدر ما شغلني كيف أوقف محرّكه الثائر وعاد من رقدته العنيفة بتلك الخفّة. '
سأله:
-"هل تبت".
ضحك بشدّة.
'كررتها فوقعت في فخّه وعوقبت، وكررتها ونجوت وفي الغد ضربت، وتكررت أفعالي رغبة مني في أن يعتاد فلم يملّ. صدمت من صبره فهو لا يكلّ. تحدثني تلك الحنون فأضمها إلى صدري فتطمئن، فتأمن وما هي سوى برهة حتى تعلم أني غادرت حيث رفقة الشر هكذا أسماها ذاك الجبل الغليظ الذي يدعى والدي."
يحدثه المسافر تحت ذاك القوس فيقول:
-" لقد كبرت هل عدل على ضربك؟".
رد مقهقها 'بالأمس نلت نصيبي'.
-"من الشّتائم؟" يتساءل.
'من الشتائم يغلّفه الصفع والرّكل وبعض من العضّ. إنه يتذكّر نشأته الأولى قبل أن يتحوّل من غضنفر إلى إنسيّ. وبعد الكفّ عن ضربي هربت حيث رفقة السوء وفي العشيّ قبّلت ما يسمّيها باطلا يده'.
سأله:
- "أسامح وعفى"؟
يضحك، 'كلاّ استكبر وأبى، وعن تودّدي تصدّى. '
'قبّلته مجدّدا وانصرفت أرقبه من الخلف خفية فمسح الدمع. إنّ به إحساسا عن ناظري يخفى.
أأكذب عيني أم أصدق ما كشفت حين تخفيت عن ناظره فأخرج ما كمن داخل أعماقه!؟ طالما أنك تحمل ودا فلماذا تكرر فعلتك؟ عدت إليه عسى يحدّثني فأعي ما غفلت عنه فيأبى، إنه يتلوّن كالحرباء. لست أعي لماذا يفعل هذا؟ وقفت مقابلا إياه، حرّكت التراب كثيرا ثم تكلّمت "هل لي ببعض المال فإن لي مأربا، سفر حيث هدف أصيبه'...
يصمت.
'أأحدّث إنسيّا، أم أحدّث صخرة!! '
- "وماذا رد ساعتها"؟
' لوّح بكأس مملوء بشاي يغلي كوى ناظري فرددت:
لا بأس إنه استوى زده قليلا من السّكر تعدّل طعم الحنظل داخله'.
- "وماذا عن وقع الكأس حين أصابك"؟
يضحك طويلا ‘: هي مؤلمة قاتلة، لكن أردت استفزازه فطلبت بود أن تكون ضربته في المرة القادمة أقوى، أو يغير بدل الكأس قطعة نقود فوقعها أخطر وأشدّ بأسا'.
- "وماذا فعل؟"
وسط ضحكات منفلتة:
' همّ بالوقوف ليثأر فتعثّر فقلت ضاحكا "بركاتك يا أصحاب المقام"، فاستشاط غضبا، وقفز مثل ثور هائج لا يطلب ودا فهربت ألوّح بيدي مودّعا إيّاه مؤجّلا نصيبي من اللّكم للمساء فهو أخف وقعا، ودخلت الأزقة اطلب رفقة، تلك الرفقة.'
تتالت الحكايات والخرافات، كلّها طيبة خفيفة عن القلب لا تحمل من همّ الحياة شيئا، وهو مستغرق في الحديث عنه وعن سطوته كان أحد ندمائه قد غرق في نومه العميق فشخر بشدّة فزع خلالها وانتفض ينشد الباب. ضحك حتى سالت دموعه ولعن صديقه:
'اللعنة عليك لقد خلته لحقني وهو يغطّ في موسيقاه المرعبة'.
غمس يديه يسحب زجاجة يفتحها. ينفخ فيها ثم يجذب روحها فتعود السكينة إلى صدره وينشد:
'من غيرك أسكن إليها وأهجع بها أستل شكي وخوفي، ولها اشكي فتسمع. '
ويسافر في فلك أغنياته حتى يسمع صوت الدّاعي أن حيّا على الصلاة فيستغفرون، وينفضون غبار المكان ويجمعون ما تبقى ويميطون كلّ أذى فيفرغ صدر المهجع مما التهمت أفواههم لينصرفوا عائدين حيث دبيب الحياة الرتيبة.
***
يعلو صوت الأذان فتعود له الصحوة بعد شرود فيدرك أن ليلته انقضت رفقة أشقياء سافرت بهم الدنيا ولم يستقرّ لهم مقاما.
كأنه لم يغمض له جفن:
-"لست أدري إن كنت قد نمت أم بقيت صاحيا، كل ما أعلمه إني بلغت درجة في الشرب حدّ الثمالة وآنستني رفقة لم تطلب من الدنيا سوى ابتسامة، وهمسة طيبة، وكلمة دافئة تخرج من جوف صادق" هو لا يعي سوى أنه لا يشكو من أرق ولا قلق ولا ارهاقا. يستقيم نشيطا ويزور الأمكنة المكتنزة بالتاريخ داخل اقبية اثرية واعمدة منقوشة وجدران يعجز الخيال الجانح الجامح عن تخيّل العمالقة التي حملتها عن التربة الخصبة، وعن غدير كساها العشب الكثيف فصوّر أن بها عين تنزف. تبدو غائرة تتوارى خلف رملها وترابها، اختلطت أوراق الفصول لديه هو يعيش الربيع داخل شتاء شديد الصقيع. يلمح اطياف الزهر الملوّن يأخذ من فسيفساء المكان بعض صفاتها، لا الشمس بانت من تحت السحب ولا الحال ينبئ بيوم مطير.
تتدفق الحياة وتتطرب فيمتلئ المكان بدبيب الإنسان في شقّيه العامل الشّاقي، والزائر المطلّ الطالب ليوم نزهة... إنها لحظة تيه بديعة... تسمع فيها سلاما حارا فتأمن، كان أطيبها من ذوات رددت:
'سلام أيها العم'.
- "علمت أني كبرت وانعطفت إلى مسير يهزني هزا صوب المنحدر، زمني بدأ يتآكل قاصدا خريفا جديدا تصفرّ فيه الأفئدة وتنصرف عن عبق الحياة... أي أشكال الحياة سأختار، وأنا الذي لا يعي شكل الحياة التي كنت أحياها."
تتبدّل بي الأحوال فجأة.
-"إن الثمالة قد ذهب ريحها دون قهوة أتذوّقها دون سكّر لأرحل".
واصل سيره متّجها نحو متجر مختلط يأمل أن يظفر بفطيرة وعلبة سجائر وأغراض أخرى يحتاجها في طريقه، هو متجر بعيد عن الحيّ، عتيق المعمار يديره شيخ طيّب لا يحسن عدّ الدراهم، ولا يملك صبرا على الوقوف الدائم فيشير لك بالدخول لأخذ حاجتك، ووضع ثمنها في صندوق المال، يتساءل الكثير عن الرزق الوفير الذي يدرّه على الشيخ. متجر في أقصى الحي. مالكه يخطئ الحساب، و شياطين تقتني حاجتها وترحل دون الدفع ، بعضهم يردد أنه صديق لخزنة المال في الأرض السفلى، وأن رزقه من تلك الكنوز التي يهبونها له، وغيرهم يتحدّث على أن نيته الصادقة وفعله الحسن يكثر من ماله، وغيرهم يقول أنه يسكن مجاور طريق يرتاده باعة الممنوع فيسهّل لهم رحلة الانطلاق والعودة وكل خطوة بحساب،
هو على يقين أنه طيّب، وأنه المنقذ له زمن المحن، كان يناوله ليأكل، ويعطيه ليشرب، ويمكّنه من سجائر تعدل مزاجه كل ذلك مقابل وعد يقطع له أن ينجح في آخر المشوار. كان بعضا من ولده، يسلّم له مفتاح المتجر إن انشغل بلعبة مع شيوخ الحيّ، فيلعب دوره كتاجر شاطر يحسن الحساب ويفلح في الميزان. ويصبر على الوقوف وعلى التجوال بين بضاعة مكدّسة ليهب صاحب الحاجة حاجته على عجل. لا يكلّ من خدمة الشيخ صاحب المتجر، ولا يعطّله البيع عن القراءة. يدخل شيخ مازح يظفر بحاجته سريعا فيخاطب صاحبه مشيرا إلى الفتى "أحسنت صنعا أنك وظفت صانعا حاذقا يتقن عمله ويبتسم للحياة" يردد وفيه نبرة قوية تعطي انطباعا بفخر دفين:" إنه ابني الذي لم أنجبه"، كلمات حفرت في أغوار القلب وما يحمله من عاطفة والعقل وما يسطّره من منطق.
باب موصد، قفل حديده صدأ فأهترأ مثل المكان. يثبت، يتسمّر، يعلق فيه، ينشد أن يصبح بعض تفاصيله، بعض نباته، شيء من بنيانه.
البيت بجواره صار خرابا بدوره محكم الاغلاق، يتحدّث فيقول:
- "ينتابني فضول فأدنو من المتجر، أنظر من ثقب الباب المتهالك، إن بها روح الأمس. طفت بالمقام أبحث عن فتحة أو ممر لأعبر. ناديت عبثا فإني أعلم أن الشيخ قد رحل وأن الدير قد خلت من أهلها. النافذة تبدو متهالكة متصدّعة ينخرها السّوس فيقسمها نصفين، أسحبها فتأتي مطواعة. أصعد لألقي نظرة أولى ثم أكرر أتفحّص كل شبر بشيء من الجهد أدخله وأعيد غلق النافذة. الحال ظلام دامس. خيوط من نور تعبر من شقوق الباب المتآكل. إن به ريح الفطيرة، اشتمّ ريح زجاجة العطر الصغيرة، وأتذوّق طعم قطع الحلوى وبقايا الكعك المكسور، أشتمّ ريح الكراس والكتاب في الجانب الأيمن، وأتذكّر طعم الممحاة البيضاء حين ألتهم شطرها دون توقف. أتخيّل تلك الملابس تتدلّى من شريط يشقّ المتجر.
"إنه كبير،" ينطق والدي.
'لا بأس ننقص فيه قليلا. ‘يردّ الشّيخ.
"معي نصف ثمنه".
'ومن حادثك عن ثمنه، تعالى يا ولد خذها وأرحل ودعني مع هذا الخرف فلي معه حديث'
تنفلت الشجون وتشدو، إنّ به رتق لا يقوى على خياطته. إنه يمسك الماضي بيد الحاضر فتحاصره وتقف دونه والمضي نحو الآتي. استسلم لأمره وعزم على العيش لبرهة داخل هذا الفضاء، يستأنس بتلك الأشياء المبعثرة. أعيته الذاكرة ومحطاتها وساعاتها. إنه مكبّل لا يبرح أمسه. يريد أن يخلّص النفس فيعيش الواقع بصلفه وشحّه، وبجفائه وبروده.
يقلّب تلك الأمتعة فيعثر على ورق ممزّق يميل إلى صفرة تعقبها حمرة، بها أرقام تضخّمت أصفارها، يعلوها سطر يشطرها وعبارة تبرئ ذمة المدين والدائن.
يدنو بعضهم... لا يكلّمني منهم أحد... طرحوني أرضا، ومدّدوني، وقوّمي اعوجاجي... ثم تدنو مني بعض النسوة تحمل كل منهنّ لحافا... لا تسمع لهم كلمة تعي بها مقصدا.... وبعدها حملوني وساروا في جوف اللّيل وعيني شاخصة أرقب حركة مسيرهم ووجهتهم... طابور يسير خلف حاملي جسدي، لا أحد يردّد قولا، ولا يخطئ صغيرهم فتصغي إلى قول مسروق، ولا ترى إشارة... لا بكاء أو تحصّرا وألما.... ولا شفقة.... ولا تذمّرا... ولا ابتسامة بريئة أو ساخرة أو ماكرة... لا دمعة تسيل... يختفي الإنشاد والذّكر وتحجب التعويذات... ويقبر حوار شبيه الإنسان بالسراب والأطياف والخيالات والجماد والحيوان.... مشيتهم منظّمة، لكنها ثقيلة...يلحق بهم صاحبي المجنون فيأخذ مكانه، نقلت نظري إليه أترقب جنونه... انتظرت أن يطلب سيجارة أو رغيف خبز أو يردّد أن لبّيك قادم...إنه لا ينطق... إن حاله أفضل... يواصل الحشد حملي... أطلق بصري للوراء فإذ بالكلب الأبيض يلحق من الخلف ومعه معشر الدود وكبيرهم... وعصا لا تبدو يابسة كآخر عهدي بها تسير محاذاتهم، وخيالات تحاذي أشجارا قرب المسلك تتراقص كعادتها.... وقطع متزاوجة بين بياض وسواد تفيض على المكان فتضيء بعضه وتزيد
-"وهل توقفوا؟ "_'لا بل زادوا... أخبروني أن الدّماء داخلي سائلة مميّعة، وأن تجمّدها سيريح وجعي، فوضعوني داخل مخزن تبريد به ثلج كثيف... أخرجوني مثل قطعة جليد، وأخبروني أن الماء السّاخن يريح علّتي ويعدل حالي، ففعلوا حتى اصطلى جسدي... ثم خرجت من عندهم إلى داري ...'-"وهل صرت على منهج غير ما تعلّمته؟ "_'قلّبت نظريتي غربيّها وشرقيّها، فوجدت الإنسان كيانا كادحا، يكافح لغاية مبدؤها ثروة وعدالة... '-"وكيف يحققها...؟"_'بثورة على الحاكم والكفر بمنهجه... '-"هي نفس الفكرة الأولى هل زاروك ثانية؟ ... "يطيل النظر إلى الفتى ويقول... _'نمت في زنازينهم ليالي، وأطعموني ماء مغلي ممزوجا بشيء مسموم، ورغيفا يابسا أو قل حجرا من سجّيل... وغطوني بلحاف من أشواك وعيون... ورأيت كرمهم حين تصافحني يد سجّان محكوم بنار حقد على كل مخالف بالعدل مسكون... ويلقي بي حيث سراديب بها عقارب وسموم تأكل من نصيبها علّي ألاقي سميعا عليما... ''أتعلم أنهم أعدموا أبنائي؟ '-"أي قسوة تلفّهم؟ كم أعمارهم؟ "_'منهم ابن البارحة، ومنهم من يبلغ المائتين أو تزيد ...'-"ماذا تقصد؟ "_'هي كتبي أعدموها، وجهل حارقها أنها محفورة في هذا الر
عاقل من ينعتك مجنون... فيصيب حزنك وشجونك...ويجبرك أن تختار بين جنونك...أو قطع رزق من يطعمونك"...ثم ينظر إلى تلك المصابيح فيحدّثه شيطانه أن يجمعها حيث ركن ويغطّيها فتذهب تلك الأجسام صاغرة يلفّها غطاء لا تبرق ولا ترقص فيه ولا تنشد... فيفعل ويغادر ضاحكا نحو غايته...***انشطر روح الحي نصفين... عتيق وجديد... بيوت بدأت تطلّ بجدرانها القديمة... تنسج خيوط الماضي بدقّة... إنها قصص منسيّة تعاند الأزمنة...تتدفّق فيه صورة نسيها وانسابت خواطره تتدافع... تفرّ من سكونها إلى حركتها...إنها ليست بالبيوت... إنها حياة... إنها أرواح وذوات بها عيون ووجوه وشفاه... إنها تنطق وتسمع... تكتم سرّا وتفصح حين السؤال وتريح عند الكدر... بيوت تداوي العلل وتشفي وتحيي...يعبر أزقتها... أي خراب قد أصابها؟ من شقّ جوفها؟ ...هذا بيت الطّيبة، وذاك منزل المؤذّن، وهناك بيت العلاّمة... وفي آخر الزقاق الأم الكبيرة... وفي الوسط بيت القائد هكذا كانت ألقابهم ...يقف عند بيت القائد ... بيت متواضع لدارس علم ومعرفة ومثقّف لا تملّ محاورته... يطرق فكرة فيسرد معناها، ويشرح جوهرها، ويعطي بديلها، ويستدلّ بحججه فتقنع... ثم يواصل فيبس
نلفّه بقبس ... ونخيطه دسائس... نلبسه وجه عابس... فلا تجزع إن أسرف... بضربك أو نهرك ... أو طردك من مجلس... أو قهرك عند المحن... أو دفعك بقسوة ... والشك فيه قابع ... يصفك بفاجر ..." تهفت قليلا وبه شكّ يحدّثه أن الإنشاد لحلقة ذكر هناك عند الحي وأنّ صداها يسمع.... تتدافع الأصوات كتدافع لعبة الأبيض والأسود المعلّقة أعلى قبر شيخ الكرامات فتقول محدثة بعضها... _'أتراه؟' 'لا هو في الجوار... ' _'اتسمع صوته؟ ' 'لا إنه أخرس... أو سكت كي لا يفتضح أمره ' يحدث نفسه سرا... -"إنها قطع من نور وظلمة وإنها ضريرة " يتواصل الحوار... _'أبه رائحة؟ ' 'أجل به، وإني عائد إلى حيث الكفن، لأسأل خالقي يدلني فالعطور تتشابه.... ' _'اذهب، ونحن هاهنا باقون وإن له لممسكين ' في سرّه مجددا... -"لقد اقلعت عن العطور مذ شددت الرحال إلى تلك المنازل.... هذه واحدة أغنمها بعد مشقّة... " تواصل تلك المصابيح رقصاتها وتواصل قطع السواد مناجاة رديفتها.... ليأتي مبعوثه حيث الكفن... _'نعم إن به رائحة... ' 'وكيف تكون؟ ' _'ليست عطرا... ولا مسكا ولا عود ندّ.... إن به عرقا' 'كيف يبدو؟ ' _'لم يفسد' 'وم
فعل فعلته، ومرّر عليها كبريته لتشتعل، فيسحب دخانها الكثيف متسلّلا إلى رئتيه فيطرب عقله.... يعيدها متواترة ... ينظّف ويلفّ، ويشعل ويسحب دخانها... ثم يكتفي... لقد صار أفضل... يواصل سيره بعد فسحة صغيرة، ويرقب صامتا تلك المسالك... إنه يطلب راحة... ليس التّعب بل شعور غريب بشيء تسلّل إلى أعماقه يقضمه.... يلوح في الجوار جدار قديم بزاويتين، تقدّم وآوى إلى ظلّه ينشد دواء... يتّكئ... ثم يتمدّد... به ثقل وارتعاش... يعاوده ألم الرأس، وفي عينيه دمع ساخن يخرج منسابا... أصابه تعرّقا زاده في ارتعاشه، فأخذ يطقطق أسنانه دون توقف.... يغفو أو ربما يكون قد أغمي عليه، فدنت منه غيبوبة لا يعرف مداها... إنه محموم من ليلة صقيع ممطرة... لا يد آدميّ تعالجه، ولا جار أو عابر سبيل يعثر على جثّته إن أخذته يد المنيّة غيلة.... يئنّ طويلا، ويخلد إلى كوابيسه اللّعينة وأضغاث أحلامه.... تمرّ أمامه أحداث متلاطمة تعيد شريطا من الحكايا إلى الوراء... يرى منها طيفا... وأحيانا يسمع كلمة، أو إشارة متكلّم ... يقف به حلمه الممزوج بالحمى عند ليل كسيح ... لا رغبة له في الأحلام.... فنفسه متثاقلة عزوف، وبعضه يأكل بعضه بلا شفقة،
-"بسطوة النار، وحكم لهيبها، وبحق الحقيقة، وصوت الحقيقة، لأجعل منك قصّة إنسان بدل شبيه إنسان...."تغرق نظراته في التحديق بالعاشقين.... إن بعينيه بريق تتدفّق منه نارا حامية، وإن بلسانه كلام يثقله شربه، وإن به حركة معطّلة يتربّص بها صائد ملذّة....تسري في هشيم وحطب، فتزيد توهّجا، تحرّكها ريح شرقية تأذن بليلة ملائكية.... تتراقص ألسنتها فتحرّك الأطياف الجاثمة القابعة على مقربة منه...فينطق مقاله ...- "لقد بدأت في الاحتفال... مرحى برفقة تؤنس جمودي... إني لا أبالي بقول شيخ يدّعي أنه حكيم... لن أقلع عن حديث الإنس والجن، وخلائق الأكوان صلبها ورخوها، فإني مثلهم جسد ينشد طرب النفس، فأكون ظالما إن تركت... لن أترك أمرا كنت له طالبا ولو صرت بدل المجنون ألف مجنون...""لن يعاتبني قريني، فإنّ به رغبة تسرق بعض من روحه... وتزرع نطفتها في غير ذي أديم، فتنبت بغير ذي جبلّة..."يستقيم ويبسط يداه مثل منشد... يطلق كلمات تدعو صحبه أن ...-"اجتمعوا... فلي قول إن حفظتموه سلمتم، وإن أدركتموه وتدبّرتم معانيه ملكتم أرواحكم وآمنتم قسمتها بين لصّ وحاقد وحاسد وظالم وواعظ ومرشد وصادق... وإن أنتم ردّدتم قولها في ليلكم ت
رمى متاعه وخرج باحثا عن طوق نجاة ليعانق سعة المكان، لم يعد يقدر على مجاراة قساوة الأحداث. في الخارج تنجيه برودة الطقس، فيعي أنه لم يخلد بعد في نار جهنّم. لم يعد أسيرا أسفل ركام، له أن يأوي إلى ركن به منافذ كثيرة تمرّ منها صدمات هواء. لن يشعل نارا هذه المرّة، لعله لا يريد زائرا، أو يفضّل مزيدا من ن
يزيد في بحثه فتتعثّر يديه بصندوق أسود يختلف عن صندوق المال. يفتحه، إن به ورق صغير مزقته يد بارعة إلى بطاقات ومعها قنّينة. يبدو عطرها مختلف. يسكب منها قليلا فإذ بسائل أصفر شبيه الزّعفران يواصل السّكب. بقرب القنينة كتاب صغير على غلافه طلاسم، ومصحف صغير ملفوف داخل قطعة قماش بيضاء، ومن تحته أجزاء من أق
يخرج من البيت المتآكل ويشيّع بصره نحو جذع شجرة يابسة قست عليها الطبيعة منذ عقود ونخرها دود الفناء فأفسد عرقها واجتثّ نضارتها. اسودّت وتشقّقت وفتحت خدوشا تلفّها لفّا مميتا. كانت كذلك منذ زمن. لم تنبت يوما ولم يفكّر أهلها في اقتلاعها. هي شجرة عجوز سردت عنها حكايات غريبة عن حسناء ألفت لقاء وليفها خفية
يغادر المكان، يعاند خطواته ليقف عند مفترق طريقين يعلمهما جيدا، أوله سهل منبسط مختصر يخلو من الالتواءات، وثانيه طويل، به مضيق مضن، وفيه تعرّجات تحاذي المنازل المتناثرة المتباعدة عندما تسلكها تقف عند بقايا آثار قديمة لأناس حيكت عنها أساطير تطرب الأسماع. لم يفكّر طويلا، إن به رغبة مبطنة تقف دونه وبلوغ







