Masukرمى متاعه وخرج باحثا عن طوق نجاة ليعانق سعة المكان، لم يعد يقدر على مجاراة قساوة الأحداث.
في الخارج تنجيه برودة الطقس، فيعي أنه لم يخلد بعد في نار جهنّم. لم يعد أسيرا أسفل ركام، له أن يأوي إلى ركن به منافذ كثيرة تمرّ منها صدمات هواء. لن يشعل نارا هذه المرّة، لعله لا يريد زائرا، أو يفضّل مزيدا من نسمات عليلة تنزع حرارة من جسمه. هو يرى نارا قريبة، هي حقيقة لا خيال، قرر السير إليها دونما اهتمام. لا يبالي إن ظنّه صاحبها أنه ضيف ثقيل الظل، ولا تعنيه إن كان فردا أو جماعة. ما يعنيه أن صاحب النار يشبهه.
يقترب منه ويحييّه، فيلوّح صاحبه بيده. صورته لا تبدو واضحة، سواد اللّيل ودخان متصاعد وألسنة لهب تحجب ملامحها. يقترب أكثر ويحدّق فيتبادلان الابتسامات. لقد علم من يكون، إنه "عُقَيْل" هكذا أسموه فتيان الحيّ تصغير لكلمة عقل. هو لا ينطق، ولا يسمع. يشير فيقنع ويصدر أصواته المتثاقلة ثقل لسانه فيفهمها من يصغي إليه، له عقل راجح عندما يومئ بحركاته يملي حكمته. ينطق وشغف يسكنه:
- "عُقَيْل، لازلت على قيد الحياة؟"
يحرك شفتاه ويطلق إشاراته المعتادة بحركة طويلة مكشرا عن أنيابه فتفهم قصده.
'عمر الأشقياء طويل'.
-"الحياة طويلة ورتيبة ومملّة".
يضحك ضحكته الساخرة ويفرق يداه يمينا وشمال ويخرج نباحا
- "فهمتك طول العمر للكلاب"
- "وماذا نفعل؟ "
يبسط يديه ويشير إلى الأعلى.
' روحنا عنده. '
-"هل تزوّجت؟ "
يضحك ويشير برأسه:
" نعم" ويستدرك بإشارة ثانية "في الخيال".
-" من تكون؟ "
يشير بسبّابته "لا" يأبى أن يخبرني.
-"وهل مازال لك أصدقاء من الماضي؟ "
يرمقني بنظرة حزينة ويخفّق مثل طائر يحرّك جناحيه.
' لقد حلّقوا بعيدا، فتفرّقوا. '
-" اليوم أنت وحيد".
يحرك رأسه" نعم"
-"هل لك بصحبتي هذه الليلة"؟
يردّ بصيحة" لا".
حينها يقف وينصرف مهرولا مخلّفا وراءه ناره. إنه يحمل من نقاء القلب الشيء الكثير.
-"هو صادق المشاعر لا يخون صحبة الأمس التي لم أكن منها".
حمل روحه على كفّه وسار وحيدا دون صديق صنعته الظروف وعجنته العزلة بعد سفر وهجران. رفضه لأنه يعلم أن الطّباع لا تعشق بعضها رغم الودّ. له فلسفة لا تشبهنا. وهبته الحياة صديقين لا علّة لديهما. صادقاه دون حسابات على سجيته، حادثاه وأصغيا إليه دون كلل. له حكاية تشيب لها الولدان. يشرد ذهنه ويحدث:
- "أيتها النار، هل لديك علم بصاحبك الذي أشعلك فبعث فيك الروح؟ إنه يتيم الأم فقير الحال، والده أجير يومه وليله، له أربعة آخرون هو أصغرهم. يحكى أن الأم قد أصيبت بمرض خبيث لا يستأذن الدخول، انتشر بسرعة مثلك حين تنفخين لهيبك في كوم قشّ شديد اليبس، لم يبلغ السنتين بعد.
ذات شتاء قاتم ريحه صرصر، مطره كثيفة لا يحمله ذاك البناء المتصدّع. الأكبر سنّا كان يعي ثقل الحياة ويدرك أنه سائر إلى الرجولة دون أن ينعم بطفولته المؤدة. تزيد العاصفة في إيقاعها، ترهقه قطرة الماء حين تنزل من شقوق البيت. يسمع صوتها ويرى تشكّلها. تأخذ صورة بركة صغيرة تنحصر في ركن الدار. قد ينفع إناء يحفظ سيلانها. لكن لا ينهي صوت سقوطها في ليل داكن بارد ريحه يحدث صفيرا يتسلل من بين أضلع نافذة أكل المسمار بعضها، هو صفير يسري داخل الجسد المستتر في جوف بعض من أغطية قسمت سنينها بين شتاء وصيف. يغيب النّعاس عن جسد مرتعش يعي أن ليلة الشتاء طويلة لكن يعقبها وجه الصباح البارد. هي ليلة تنقضي لتخرج بقايا نور شمس تختفي وراء غيمات. تمرّ نسمات تلطم تشقّق الأيادي، وتصفع بشدّة وجوها لا يزال يغطيها دفء المكان، يشدّ عقالها قرب موقد ناره قليلة يكاد دخانها يذهب لهيبها. تنفخ الأفواه بتعب لتوقد آخر أعواد الزيتون اليابسة فتأبى لغلبة فعل السيل طول ليل عنيد، لا بأس بشيء من ألسنة الدخان فهي شقيقة النار رديفة الدفء سليلة اللهب في وجهه الآخر، قد تكفي ما دامت الوجوه تحتاج شحنة صغيرة في فسحة قصيرة يعقبها نهار شاق ملامحه أشدّ وأعتى. تسير العقول والأجساد نصف حافية، في الثوب بعض العراء فهو يحمل توقيع السنين التي فاقت تصميم حائكه، صبرا فما هي إلا لطمة أولى تتلوها وخزة، فصفعة ريح، فتجد جسمك المبتلّ يتكيّف وجلدات الشتاء الثقيلة.
يوم ثقيل أتعبهم وليل جاثم على الصدور قادم. يدخل الصبية بنصف سلام لأب مغادر نحو رغيف يطلبه، وفي الجانب الأكثر ظلمة أم تصارع. تبدأ رحلة اللّيل للطّفل الرّجل بين وليمة خالية الدّسم ودواء أم تتألم وقطعة قماش توضع على جبين رضيع محموم. يغلبه النّعاس فيغرق في أحلامه المبتورة ينشد بدل الأمنية ألف أمنية ليستفيق على جسد هامد لا تسكنه روحا. وصغير مبيضّ العينين ينتفض حتى يهتز لحافه. يهرع إلى الجيران فزعا فتسمع صوت تحصّر على جارة من طينة الملائكة وصبيّ أصابته الحمّى يأمل الجمع أن يشفى. يقبل الطيّب الحزين يودّع صاحبته باكيا فعلى مثلها تبكي الرّجال وتألم. يشيّعها حيث دار أنقى من ديارنا ويعود وهو يحضنهم مثل فراخ يتيمة. يعتصر الدّمع عن فقيدة ويعتصر الدّم عن وليد سلب مسمعه ونطقه. لقد صار حاملا لإعاقة، إنّ به بركان أحزان، وبه أشلاء إنسان مكسور الوجدان، أوجع الحاضرين وهو يودّع شقيقة الروح وأوجعهم وهو يردد.
'أجرمت في حقك صغيري، نعم أجرمت وأنت بعد نطفة، وأنت بعد خفقة قلب صغير في أحشاء أجرمت بدورها في غفلة، ثم واصلت في جرمي حين خرجت لدنيا العذاب، حين صرخت بصوت عليل وعين دامعة تبلّل بعض اللّحاف يلفّ طفولتك لفّا، نعم أجرمت في حقّك صغيري لأن الطفولة في بلدك مضطهدة، هي هامش، هي لحظة عابرة، هي صوت يزمجر يخرج من فاه عليلة خائرة، أنت تحمل حكما نافذا وأنت لا تزال في غفوة حلمك بدمية، بصوت مزمار صغير، بقطعة حلوى بطعم السكّر ،بقطعة كعك تداعب أسنان الحليب، حكمك ثابت يسقط بعده التعقيب، فأنت أفسدت غفوة الكبار، وعكّرت مزاجا بات وخزه يشبه لدغ الصبّار، فأضنيت راحتهم وسلبت بقايا رغيف خبزهم فما سعدت بفتات الفم، وما قنع بكيل جاوز القنطار. نعم حكمك بات أعجز حجج الدفاع، ولم تعد تقنع من قرّر فحكم وعلى الورق خطّ وصاغ، وأذعن لقول رجيم حكم بالطول والعرض البلاد، فظلم وأطنب في الفساد، ولم تعد لبراءة الطفل مكان في الوطن ولا في الزمان، فحكم على الطفولة أن تحمل وزر الكساد، وأن تحمل طمع الظلاّم ومن خلفه من خطط ودبّر وفتح للفاسدين ألف باب.
نعم يا ولدي أني المجرم في حقك وبعد لم تبلغ الحلم لتحكم إن كنت أبا فاسدا أم صالحا، وأعلم أن سطوة الحكام ستغتال حلمك وأنت لا تزال ترى في صحن الحساء قصة عشق لم يخلق مثيلها في البلاد، وسينقرض نسلك وإن تسلل بعضه فسيخلق مشوها عليل البدن طيّع النفس، ضعيف الهمة فحاكمك لا يأبه بخلق يزعج حربه على طفل مثقل الهموم مشوش الفكر هائم في غير ذي بلاد'
يضرب بعصاه النار يفرّق حطبها ثم يصرخ في جوف اللّيل صرخة مقاتل ثائر.
يرفع رأسه عاليا ويردّد:
-" أقول" يطيلها ويضخّمها حين نطقها ويرددها
- "أقول هذه الحياة لا ترأف بالضعيف، هي زلزال يضرب فيحدث شرخا يدكّ المسحوق. قويّها من يخرج من تحت الرّكام متحدّيا عنادها.
يا ليل إني ممسكك فلا تستعجل، وإني لجاعل من سوادك بياضا، لست أنا من يسلّم. فإن لي في النزال عادة، إنّي القابض على الجمر عنوة، وإني المشيّد لسيادتي قصرا، فهرول فلست عليّ بمسيطر."
تختنق العبارة فتنحني هامته ليأوي إلى نار
صاحبه يجمع شتاتها ليكمل ليله.
رمى متاعه وخرج باحثا عن طوق نجاة ليعانق سعة المكان، لم يعد يقدر على مجاراة قساوة الأحداث. في الخارج تنجيه برودة الطقس، فيعي أنه لم يخلد بعد في نار جهنّم. لم يعد أسيرا أسفل ركام، له أن يأوي إلى ركن به منافذ كثيرة تمرّ منها صدمات هواء. لن يشعل نارا هذه المرّة، لعله لا يريد زائرا، أو يفضّل مزيدا من نسمات عليلة تنزع حرارة من جسمه. هو يرى نارا قريبة، هي حقيقة لا خيال، قرر السير إليها دونما اهتمام. لا يبالي إن ظنّه صاحبها أنه ضيف ثقيل الظل، ولا تعنيه إن كان فردا أو جماعة. ما يعنيه أن صاحب النار يشبهه.يقترب منه ويحييّه، فيلوّح صاحبه بيده. صورته لا تبدو واضحة، سواد اللّيل ودخان متصاعد وألسنة لهب تحجب ملامحها. يقترب أكثر ويحدّق فيتبادلان الابتسامات. لقد علم من يكون، إنه "عُقَيْل" هكذا أسموه فتيان الحيّ تصغير لكلمة عقل. هو لا ينطق، ولا يسمع. يشير فيقنع ويصدر أصواته المتثاقلة ثقل لسانه فيفهمها من يصغي إليه، له عقل راجح عندما يومئ بحركاته يملي حكمته. ينطق وشغف يسكنه:- "عُقَيْل، لازلت على قيد الحياة؟" يحرك شفتاه ويطلق إشاراته المعتادة بحركة طويلة مكشرا عن أنيابه فتفهم قصده. 'عمر الأشقياء طويل
يزيد في بحثه فتتعثّر يديه بصندوق أسود يختلف عن صندوق المال. يفتحه، إن به ورق صغير مزقته يد بارعة إلى بطاقات ومعها قنّينة. يبدو عطرها مختلف. يسكب منها قليلا فإذ بسائل أصفر شبيه الزّعفران يواصل السّكب. بقرب القنينة كتاب صغير على غلافه طلاسم، ومصحف صغير ملفوف داخل قطعة قماش بيضاء، ومن تحته أجزاء من أقمشة وإبر وخيط.-" إن لشيخنا كرامات."كان مقصد أمهات حديثي الولادة عقدنا النية فهي كرامات تحلّ عند بشر مسيّر ليرفع سقم أو علّة. يحدّث:-"أتذكّر يومها كان طفلا محموما، تكسو جلده حمرة كثيفة، لا يقوى على الرّضاعة، يتقيّأ باستمرار. تبدو عليه ملامح إعياء فهو لا يقوى على الحركة. تأتي به الأم لشيخنا بدل ذهابها للطبيب الآتي من المدينة في مناسبات قليلة، وإن تكرر قدومه، فهي ستقصد الشيخ لأن الشفاء بيده وما عليها سوى التوكّل.يفحص الشيخ الصبي وينظر إلى عينيه. "يبدو بها اصفرار". شاحب البشرة، يفرز رائحة تظهر علّته. يقترب ويوشوش في أذنيه واضعا يديه أعلى رأسه، ثم يضع على جبينه قطرات من الصبغ له رائحة طيبة. قطران معتّق عصارة الخشب والفحم، لينهي عمله بوصية تطبّقها الأم بإحكام حين عودتها. تشكره وتناوله قطعة نق
'ما أعجب له كيف قبلت به زوجا وهي الرّقيقة الصغيرة، وهو وحش متجبّر حين يزأر تفرّ منه الأنوثة أو تموت مكانها خوفا. إني أعجب إن كان قد أحب يوما أو نطق كلمة غزل... يبدو سليل آكلي لحم البشر تصالح مع الحضارة فهذّب من نفسه قليلا'يضحك طويلا ونضحك معه ثم يواصل.' ليلتها بقيت معلّقا وهو يراقب ملوّحا بعصاه التي اعتادت على لحمي الناشف. لم يستغرق الوقت كثيرا حتى يبدأ سقف البيت يتراقص من شخيره المتصاعد يحرّك كلّ السواكن.' يضحك ويطنب في المزاح.'يخرج الجار ويصيح يا فلان ارفق بنا فإن يومنا شاق وليلنا قصير فأوقف تشغيل المحرّك ليلا.حينها أعي أنه يغطّ في نومة عميقة فأميل نحو اليمين والشمال مخلّصا نفسي. انزل وأعود أدراجي حيث مرقدي في ركن الغرفة اليتيمة، فأسمع صوتا يشتم نفسه'.(ارقد يا ابن الكلب فإن باقي حسابك غدا...)'لا يعنيني كلامه بقدر ما شغلني كيف أوقف محرّكه الثائر وعاد من رقدته العنيفة بتلك الخفّة. 'سأله:-"هل تبت". ضحك بشدّة.'كررتها فوقعت في فخّه وعوقبت، وكررتها ونجوت وفي الغد ضربت، وتكررت أفعالي رغبة مني في أن يعتاد فلم يملّ. صدمت من صبره فهو لا يكلّ. تحدثني تلك الحنون فأضمها إلى صدري فتطمئ
يغادر المكان، يعاند خطواته ليقف عند مفترق طريقين يعلمهما جيدا، أوله سهل منبسط مختصر يخلو من الالتواءات، وثانيه طويل، به مضيق مضن، وفيه تعرّجات تحاذي المنازل المتناثرة المتباعدة عندما تسلكها تقف عند بقايا آثار قديمة لأناس حيكت عنها أساطير تطرب الأسماع. لم يفكّر طويلا، إن به رغبة مبطنة تقف دونه وبلوغ نهاية القصّة فسلك دون تردد أصعب الدروب وأطولها.البطن يشكو من شدّة الشّبع، والخطوة لا تشكو ترنّحا. أهي ساعة الطّرب بعد قرف، ولحظة ملهاة بعد مأساة؟ أم هي ريح المكان الآسرة والخضرة الساحرة؟ أم عبق التاريخ المنسيّ يعيد للنفس ألقها فيحدوها شوقا لمناجاة من سكنوا علو تلك الهضبة، وأناخوا نوقهم حذو الكلأ؟ لقد علم مسكنه ومستقرّه في ليلة تبدو أشدّ برودة. يصل البناء، يتمتم كأنه يسلّم. أو هي تعويذة يطرد بها كل الشياطين الهامّة وشرور ما أحاط بالمكان المهجور.يأوي إلى زاوية بها قوس. تحت القوس المحفور داخل الجدار يوجد ركن يطلّ على منخفض، هو يشبه المنارة دون ضوء، ترى المشهد بوضوح دون أن يراك صانعو المسرحيّة وممثّلوها.-"أأوقد نارا؟ ليس بعد يبدو الجو ممتعا" يرتّب فراشه ويجلس، يشعل سيجارة كأنها الأخيرة. ي
يخرج من البيت المتآكل ويشيّع بصره نحو جذع شجرة يابسة قست عليها الطبيعة منذ عقود ونخرها دود الفناء فأفسد عرقها واجتثّ نضارتها. اسودّت وتشقّقت وفتحت خدوشا تلفّها لفّا مميتا. كانت كذلك منذ زمن. لم تنبت يوما ولم يفكّر أهلها في اقتلاعها. هي شجرة عجوز سردت عنها حكايات غريبة عن حسناء ألفت لقاء وليفها خفية. هي شاهدة عن كلمات الغزل، وعن كلمات اللّحن الخالد، لحن ورثته الألسن وردّدته قائلة: "أراقص طيفا.ألاحق بين ثنايا المجاز رفيقا لطيفا.فأنحت حرفا.بخفقة قلب وصوت خفيف"وعبارات تتردّد من راغبة متمنّعة فتنشد: "أبقي هناك حيث أنت. دعني أقتات من روحي. دعني أقتات من جسدي. تذبل الوردة على وجنتيك. وتغادر بسمتي مع رفاتي."يفرّ النّصيب فيغنم غير المحب بحسناء سقت شجرتها فأنبتت زهرة. ذبلت الزهرة على يد من قطفها قبل تفتّحها فجنّت وغدت أسيرة ربوة وقرب الربوة صبية، وبيد الصبية عصيّ وقطع قصدير. تضرب العصيّ على قطع القصدير فتحدث صوتا يصدّع المسامع يتخلّلها ترديد كلمات جارحة: "المجنونة آتية بالرياح العاتية.مجنونة تلحق مجنون ونحن إليها سائرون. " تفرّ من شقاوتهم نحو الشجرة لتأمن فتجد روحها جفت ففي أسفلها
يسدل اللّيل ستاره... لم يحدّث جليسه هذه المرّة، فكلاهما مسافر يبحث عن رفقة ضائعة.صارت النّار رمادا. يمزّق قلبها بقايا دخان وقطعتين من الجمر تميلان للانطفاء. كأنّهما عينان أعيتهما الصّحوة الفاقدة للغفوة. نعم تبدو كذلك، يقلّبها فتتوارى ثم تعود لتظهر. تغمض وتفتح. يعيدها فتفعل ما فعلته في صنيعها الأوّل. إنّها تختفي ثم تظهر فيقول محدّثا:-"رفقة خير؟ أم شؤم؟"تهبّ ريح تعرّي بعض الرّماد فتظهر كأنّها تحدّق وتطيل النّظر. قد تكون الإجابة أو حديث لا يفهم.-"أنت صنيعة البشر؟ ففي بصرك شيء لا يفهم، لا أعي إن كنت أحدّث صنيع بشر أم شيطان من مارج من نار يخرج، ومن بين اليابس والأخضر! "تهبّ ريح ثانية تغطّي قطعتي الجمر وتعبر. -"لم يعجبكما كلامي! قد تكونان صنيع بشر، وفيكما سحر يؤثّر، أو طيف ملائكة، كيف لا وبي شيء من الدّفء يبعث في الرّوح فيأسر."تتعرّى إحداهما دون ريح ولم تحرّك رمادها يد بشر!يساوره الشّك فيدير بصره يرقب كلّ ما يحيط به. لا تظهر أيّ علامة تثير الغرابة ولا توجد حركة. سكون يخيّم على المكان. يعود إلى حيث ناره ورماده، يحدّق بتلك القطعة فإذ بنصفها مضيء ونصفها آفل، وقطعة أخرى لا تزال تحت ال
يعبر المنحدر ليجد نفسه وسط الوادي تحيطه شجيرات يانعة ريحها عطرة. تحرّكها نسمات تبدو باردة. لا تؤذي، باردة لا تقسو. ينزع الحذاء ويضرب بخفّيه الرّمال الرّاسبة. يتلذّذ وقعها ودغدغتها، كأنّه يريد أن يجذب الأحداث للوراء قليلا حيث الرّفقة الصغيرة وحيث لحن الطّفولة. اقترب من جرف به استدارة، لا يزال يحتفظ
تصديررواية تخاريف هي تعبير عن ذات تحمل في جوفها فكرة مجنونة وخيال جامح، وهواجس مثقلة. فتدكّ داخلها كلّ انتماء للواقع، وتفتكّ من بين قسوة الأيام ذكرى فيها سطور معلومة، وسطور متخفية، وسطور مجهولة. ومن السطور ترتسم الصورة تراوح بين الوضوح والعتمة، فتخال نصفها مرئي ونصف الآخر مستتر، في حين أن الصورة ك
يطيل النّظر والجلوس، فإذ به يلحظ خيط دخان. رفقة قادمة على عجل علّها تمسح غبار الطّريق، وتذيب جليدا كسى قلبا مكسورا، وتستلّ أشواك الدّرب المحفوف بالمخاطر والمطبّات. إنّه يدنو فيدنو، قد دنا. وقف وتسمّر، وحدّق فأطنب، ومال شدقيه قليلا ثم ضحك، ثمّ تكدّر، ثمّ قهقه، ثمّ نفخ في مزماره المصنوع من القصب، خرج







