LOGINالفصل الثاني: ما لا يُقال على المائدة
في المساء، تغير وجه المنزل. في النهار، كان القصر يبدو هادئًا ومفتوحًا، كأن كل شيء فيه مصمم ليبعث على الراحة. أما بعد غروب الشمس، فقد أصبح أكثر صمتًا. الممرات الطويلة أُضيئت بمصابيح دافئة، والموظفون تحركوا بهدوء أكبر، حتى صوت خطواتهم فوق الأرضية الخشبية كان بالكاد يُسمع. وعندما دخلت غرفة الطعام، فهمت السبب. لم أكن وحدي هذه المرة. كان معظم أفراد العائلة موجودين. في صدر الطاولة جلس "ريتشارد بليك". وعلى يمينه "أدريان". أما الرجل الجالس في الجهة المقابلة، فعرفت فورًا أنه "جوناثان بليك". والد "أدريان". لم أره من قبل إلا في الصور. لكن بعض الوجوه لا تحتاج إلى تعريف. كان يحمل الملامح نفسها التي رأيتها في الصورة المعلقة في غرفة الجلوس، وإن كانت أكثر قسوة الآن. جلست في المكان المخصص لي بجانب "أدريان". لم يقل شيئًا. ولا أنا. بدأ العشاء بهدوء. أسئلة بسيطة. من أين درست؟ ماذا كنت أعمل؟ هل اعتدت لندن؟ أجبت بهدوء، دون أن أعطي تفاصيل أكثر مما يلزم. كنت أترك لهم ما يكفي ليشعروا أنهم يعرفونني، دون أن يعرفوا شيئًا مهمًا فعلًا. ثم قال "جوناثان": "أدريان أخبرني أنك درستِ علم النفس." "صحيح." نظر إليّ للحظة. "مهنة غريبة." ابتسمت ابتسامة صغيرة. "ربما." "هل تستطيعين معرفة ما يفكر فيه الناس؟" رفعت عيني إليه. "لو كان الأمر بهذه السهولة، لما احتاج الناس إلى الكذب." ساد صمت قصير. ثم ضحك "ريتشارد" ضحكة خفيفة. أما "أدريان" فلم يتغير تعبيره. أكملت تناول طعامي. لم أكن أعرف إن كانت إجابة جيدة. لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا: لن أسمح لهم بتحويلي إلى موضوع للتسلية على مائدة العشاء. بعد دقائق، تحول الحديث إلى الأعمال. كان "جوناثان" يتحدث عن إحدى شركات المجموعة، ثم التفت إلى "أدريان". "كان من الأفضل أن تنتظر قبل اتخاذ قرار الاستحواذ." رفع "أدريان" عينيه. "لم يكن هناك سبب للانتظار." "السوق غير مستقر." "ولهذا اتخذت القرار الآن." بدت نبرة "جوناثان" أكثر حدة. "أنت تتصرف أحيانًا وكأنك الوحيد الذي يفهم ما يحدث." توقفت يدي للحظة. كنت أراقب. ليس تدخلي. مجرد مراقبة. قال "أدريان" بهدوء: "لم أقل ذلك." "لكن تصرفاتك تقول." قبل أن يستمر النقاش، وضع "ريتشارد" أدواته على الطاولة. "كفى." ساد الصمت. نظر إلى ابنه. ثم إلى "أدريان". وقال بوضوح: "أنا أثق بقرارات أدريان." لم يتحدث أحد. أضاف: "وإذا كان قد اتخذ القرار، فغالبًا لديه سبب." نظر "جوناثان" إلى والده. "أبي..." قاطعه "ريتشارد": "إذا كان لديك اعتراض على عمله، ناقشه معه. لا تتصرف وكأن عليه أن يحصل على إذنك في كل خطوة." كان الأمر واضحًا. "ريتشارد" يقف إلى جانب "أدريان". ليس مرة واحدة. بل بشكل طبيعي، وكأنه اعتاد فعل ذلك. نظرت إلى "أدريان". لم يبدُ متفاجئًا. كأنه يعرف مسبقًا أن جده سيدافع عنه. وهذا بحد ذاته كان مثيرًا للاهتمام. العائلة لم تكن بالبساطة التي توقعتها. --- انتهى العشاء بعد وقت قصير. غادر "أدريان" أولًا. أما أنا فبقيت للحظات، أتحدث مع إحدى العاملات عن بعض التفاصيل الخاصة بالمنزل. ثم، وأنا في طريقي إلى الطابق العلوي، مررت بالقرب من مكتب "ريتشارد". كان الباب غير مغلق تمامًا. سمعت صوت "جوناثان". توقفت. لم أقترب أكثر. لم أكن أريد أن أسمع ما لا ينبغي لي سماعه. لكن بعض الكلمات وصلتني رغم ذلك. "...كان يجب أن تمنحه فرصة." جاء صوت "ريتشارد" باردًا. "أنا أعطيته فرصًا أكثر مما أعطيتك." صمت. ثم قال: "على الأقل أنا لا أضطر إلى إصلاح أخطائه خلفه مثلك." تجمدت للحظة. أخطائه؟ أي أخطاء؟ ثم سمعت حركة داخل المكتب. ابتعدت فورًا. لم ألتفت إلى الخلف. تابعت السير وكأنني لم أسمع شيئًا. لكن الجملة بقيت في رأسي. إصلاح الأخطاء خلفه. ماذا كان يقصد؟ وما الخطأ الذي ارتكبه "جوناثان" حتى يحتاج "ريتشارد" إلى إصلاحه؟ لم أملك إجابة. ولم أكن سأخترع واحدة. ليس بعد. الصورة التي كنت أملكها عن هذه العائلة بدأت تتغير. وهذا لم يعجبني. لأنني عندما بدأت خطتي، كنت أظن أنني أعرف جيدًا من هو الظالم ومن هو الضحية. لكن كلما اقتربت منهم... أصبح الخط الفاصل أقل وضوحًا. --- دخلت غرفتي وأغلقت الباب خلفي. خلعت حذائي، وجلست أمام المرآة للحظات. لم أكن متعبة. كنت أفكر. في "ريتشارد". في "جوناثان". في "أدريان". وفي تلك الجملة التي لم أستطع إخراجها من رأسي. ثم سمعت طرقًا على الباب. رفعت رأسي. طرقة واحدة. ثم ثانية. وقفت. فتحت الباب. كان "أدريان" يقف أمامي. لم يكن يحمل شيئًا. ولم يكن يبدو غاضبًا. فقط هادئًا كعادته. نظر إليّ لثوانٍ، ثم قال: "نحتاج أن نتحدث." نظرت إليه. للحظة، فكرت في كل الاحتمالات. هل أخبره "ريتشارد" بشيء؟ هل طلب منه أن يضع حدودًا لزوجته الجديدة؟ أم أن هناك قاعدة أخرى في هذا البيت لم يخبرني بها أحد؟ أفسحت له المجال قليلًا. "عن ماذا؟" لكنه لم يجب. وبقي واقفًا أمامي. أما أنا، فلم أعرف أن هذا الرجل دخل الغرفة وهو يحمل سؤالًا... ولا أن إجابته ستغير الكثير مما ظننته عن هذا الزواج.الفصل السابع عشر: ما وراء البابفتحت "كلارا" عينيها على ضوء الصباح المتسلل من بين الستائر، وبقيت مستلقية للحظات قبل أن تتذكر سبب وجودها في هذا الوضع بالذات.أدارت رأسها نحو الأريكة.كان "أدريان" لا يزال نائمًا عليها، مستلقيًا على جانبه، وإحدى ذراعيه تحت رأسه. بدا هادئًا على نحو مستفز، وكأن النوم على أريكة لا تكاد تتسع لشخص واحد قرار منطقي تمامًا، لا اختيارًا اتخذه رجل يملك نصف الأثاث الفاخر الذي يمكن أن يحلم به المرء.تأملته لثوانٍ، ثم سحبت الغطاء عنها ونهضت.رائع. يبدو أن المال لا يشتري الحكمة، ولا حتى مرتبة مريحة.دخلت الحمام، وحين خرجت كانت قد ارتدت ملابسها ورتبت شعرها. توقعت أن تجده قد استيقظ، لكنها فوجئت به يفتح عينيه في اللحظة التي اتجهت فيها نحو الباب.رفع رأسه قليلًا، ثم نظر إلى الساعة.«صباح الخير.»«صباح الخير.»نهض وجلس على طرف الأريكة، يفرك وجهه بيده قبل أن يمرر أصابعه في شعره. لم يبدُ عليه أي انزعاج من نومه، ولم يشر إلى ما حدث في الليلة الماضية، وكأنهما لم يتبادلا حديثًا طويلًا عن
الفصل السادس عشر: حدود العقد لم يتحرك "أدريان" نحو الباب.بدلًا من ذلك، اتجه نحوها بخطوات هادئة، حتى لم تعد المسافة بينهما تتسع إلا لأنفاس قليلة.تراجعت "كلارا" بظهرها إلى حافة الطاولة، رافعةً ذقنها قليلًا كي لا تمنحه متعة رؤية ارتباكها. كان قريبًا بما يكفي لتلمح انعكاس صورتها في عينيه، ولتسمع انتظام أنفاسه وسط صمت الغرفة.انحنى نحوها، وأخذ يتفحص وجهها بدقة أربكتها أكثر مما أرادت الاعتراف به. لم تكن نظرته فضولًا عابرًا؛ كانت أشبه بمحاولة قراءة شيء مخفي خلف ملامحها، حتى خُيّل إليها أنه لا ينظر إلى وجهها، بل يحاول النفاذ إلى ما تحته.وماذا لو اقترب أكثر؟لم تكن تخشى قربه بقدر ما كانت تكره المواقف التي لا تستطيع التحكم في نتائجها.إن رفضته، فقد يبتعد وينتهي الأمر عند هذا الحد، وقد يصرّ على موقفه ويحوّل زواجهما إلى عقبة لم تحسب حسابها. وفي الحالتين، لن يخدم ذلك خطتها.لكنها لم تكن تعرف ما الذي يريده فعلًا.لنرَ ما الذي سيفعله.قد تشك في دوافعه، وقد تخطئ في تفسير صمته، لكنها كانت واثقة من أمر واحد
الفصل الخامس عشر: مساحة خاصة عاد الهدوء إلى القصر تدريجيًا بعد يوم طويل في لندن. وفي أثناء العشاء، جلست "كلارا" قبالة "ريتشارد"، بينما انشغل "أدريان" بتفقد بعض الرسائل على هاتفه. رفع "ريتشارد" نظره إليها. — هل اتخذتِ قراركِ بشأن المشروع البحثي؟ وضعت "كلارا" أدوات الطعام جانبًا. — ليس بعد. أحتاج إلى مراجعة الملفات أولًا، ثم سأقرر إن كان يستحق وقتي. أومأ "ريتشارد" بهدوء. — جيد. لا فائدة من اتخاذ قرار قبل أن تتضح الصورة كاملة. ثم عاد إلى طعامه دون أن يضغط عليها بأسئلة أخرى. بعد لحظة، قالت "كلارا": — أحتاج أيضًا إلى مكتب خاص أستطيع العمل فيه دون مقاطعات. — طلب منطقي. سأطلب منهم تجهيز مكان مناسب لكِ. — شكرًا. لم تضف شيئًا، ولم يحاول هو معرفة تفاصيل خططها. في صباح اليوم التالي، وجدت "كلارا" حركة غير معتادة قرب المكتبة الخاصة. كان بعض العاملين ينقلون الصناديق ويوصلون الأجهزة إلى الجناح المجاور. توقف "أدريان" خلفها، مستعدًا للخروج. — صباح الخير. أرى أنكِ وجدتِ مكتبكِ. التفتت إليه وهي تتأمل الحركة حولها. — للحظة، حسبت أن الرومان دخلوا علينا. نظر إلى العمال
### الفصل الرابع عشر: ما لا يمحوه الضوءفي الطابق العلوي من مبنى الأبحاث، كان البروفيسور "أليستر كرو" يراجع مجموعة من الأوراق حين طرق الدكتور "دانيال موريس" الباب ودخل، حاملًا ملف الاجتماع.— انتهى اللقاء، كما طلبت. الدكتورة "بينيت" تريد الاطلاع على البروتوكولات كاملة قبل اتخاذ قرارها.لم يرفع "كرو" عينيه عن الورقة.— جيد. أرسلها إليها كاملة.تردد "دانيال" قليلًا قبل أن يسأل:— هل تعرفها من قبل، سيدي؟رفع البروفيسور نظره إليه أخيرًا.— لماذا تسأل؟— لأنك طلبت أن تُمنح كل التفاصيل، حتى تلك التي لا نشاركها عادةً مع المرشحين قبل توقيعهم. كما أنك قرأت أطروحتها بنفسك، وأصررت على حضورها هذا الاجتماع. ظننت أن هناك سببًا آخر.أغلق "كرو" الملف أمامه، ثم شبك أصابعه فوق المكتب.— وهل تحتاج إلى سبب آخر كي تنفذ ما أطلبه؟— لا، بالطبع. لكنني لم أعتد اهتمامك الشخصي بمرشح لم تقابله من قبل.ظل البروفيسور ينظر إليه لحظات، ثم قال:— أنت تعرف ما يكفي عن عملها لتدرك أنها ليست مرش
الفصل الثالث عشر: صفقة وغائبكان الدكتور "دانيال موريس" ينتظرهما عند مدخل القاعة المخصصة للاجتماعات البحثية. صافح "كلارا" أولًا، ثم التفت إلى "أدريان" بابتسامة مهنية.— سيد "بليك"، يسعدني لقاؤك مجددًا. سمعت أنكم أنهيتم صفقة مجموعة "هاريسون" أسرع مما توقع الجميع.صافحه "أدريان" بهدوء.— كانت النقاط الأساسية واضحة. احتجنا فقط إلى الاتفاق على طريقة التنفيذ.— وهذا أصعب جزء عادةً.— حين يعرف الطرفان ما يريدانه، يصبح الأمر أقل تعقيدًا.قادَهما "دانيال" إلى الداخل، حيث جلس الثلاثة حول طاولة تتوسطها مجموعة من الملفات. بدأ يشرح تفاصيل العرض البحثي المقدم إلى "كلارا"، موضحًا أن المشروع يركز على الوظائف التنفيذية واتخاذ القرار تحت الضغط، مع دراسة الفروق بين الأداء المعرفي الفعلي والطريقة التي يفسر بها الأفراد قراراتهم.تصفحت "كلارا" الوثائق باهتمام.— هل ستعتمد الدراسة على البيانات التجريبية السابقة فقط، أم ستشمل حالات جديدة؟— سنستخدم النوعين. نريد توسيع نطاق التحليل، خصوصًا في ما يتعلق بالذاكرة العامل
الفصل الثاني عشر: لم تكن هارفارد أقل ازدحامًا مما توقعت "كلارا بينيت". تحرك الطلاب والباحثون بين المباني العريقة، وتوزعت الأحاديث بلغات مختلفة في الممرات، فيما اختلطت خطوات الزوار بأصوات النقاشات التي لم تتوقف حتى في الساحات الخارجية. أشارت اللافتات المعلقة إلى مؤتمر أكاديمي يجمع باحثين من جامعات عدة، بينما اصطف الحضور أمام طاولات التسجيل، يحملون ملفاتهم وأكواب القهوة ويبدون كأنهم يتسابقون مع الوقت. سارت "كلارا" إلى جانب "أدريان بليك"، مرتدية بدلة بلون عاجي هادئ، بقصّة دقيقة أبرزت أناقتها دون مبالغة. حملت حقيبتها الجلدية الصغيرة بيد، بينما كانت تراجع جدول اللقاءات في هاتفها باليد الأخرى. أما "أدريان"، فكان يسير بجانبها ببدلته الداكنة المعتادة، ويداه في جيبي سرواله. لم يكن بحاجة إلى بذل جهد كي يلفت الانتباه؛ يكفي أن يمر حتى تلتفت إليه بعض الوجوه، ثم تتظاهر صاحباتها بأنهن لم يفعلن. قال وهو ينظر إلى هاتفها: — هل ستقرئين الجدول كاملًا قبل أن نصل، أم ستمنحينني فرصة لمعرفة سبب وجودي هنا؟ رفعت عينيها إليه. — ظننت أنك جئت لدعمي. — هذا ما قيل لي. — ومن قال لك ذلك؟ — زوجتي.