LOGINلم يعد رودريغيز يتحرك.كان يحدّق في والده بنظرة لم يسبق لهنري أن رآها في عينيه. وكأنه كان يبحث في ذلك الوجه المألوف عن الرجل الذي عرفه طوال حياته.— كنت تعرف أن هناك تهديدًا ضدي... ولم تخبرني بشيء؟خفض هنري عينيه ببطء.— كنت أعتقد أنني أستطيع حل الأمر قبل أن يصبح الوضع خطيرًا.أطلق رودريغيز ضحكة قصيرة خالية تمامًا من الفرح.— وفشلت.كان صوته يرتجف.كان الغضب واضحًا، لكن خلفه كان هناك خوف أكبر، خوف ظل يخفيه في أعماقه لسنوات طويلة.— كادت جوليا أن تموت!أغمض هنري عينيه.ظل صامتًا لعدة ثوانٍ قبل أن يجيب:— أعرف.— لا. أنت لا تعرف.أمسك رودريغيز بالملف الموضوع على الطاولة، ثم ضرب به أمام والده بعنف.— أنت لا تعرف ما رأيته في ذلك اليوم. لا تعرف ما شعرت به عندما ألقت بنفسها أمام تلك السيارة.كانت يداه لا تزالان ترتجفان بمجرد التفكير في الأمر.لم يرد هنري.خطا رودريغيز بضع خطوات داخل الغرفة، ثم استدار فجأة.— لماذا؟ثبت نظره في عيني والده.— لماذا أراد أحدهم قتلي؟أخذ هنري نفسًا عميقًا.وبدا وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة.— لأن بعض الأشخاص لم يكونوا يريدونك أن تتولى مكاني.عقد رودريغيز حاجب
ظلّ رودريغيز جالسًا في سيارته لعدة دقائق طويلة.كان الملف لا يزال مستقرًا على ركبتيه، مفتوحًا على الصفحة نفسها. ورغم أنه أعاد قراءتها مرارًا، فإن الاسم المكتوب عليها لم يتغير.هنري نل.والده.مرّر يده على وجهه، وكأنه يأمل أن تجعل هذه الحركة البسيطة ما اكتشفه للتو يختفي.— هذا مستحيل…ارتجف صوته قليلًا.أمسك هاتفه واتصل بكلود.تم الاتصال بعد عدة رنات.— أريدك أن تتحقق من جميع المعاملات المالية المرتبطة بوالدي في الفترة المحيطة بتاريخ الحادث.ساد الصمت في الطرف الآخر من الخط.— رودريغيز، هل أنت متأكد من أنك تريد الذهاب إلى هذا الحد؟— بالتأكيد.تردد كلود مرة أخرى.— حتى لو كان الأمر يتعلق بعائلتك؟خفض رودريغيز عينيه نحو الملف.ظل صامتًا للحظة قبل أن يجيب:— خصوصًا إذا كان الأمر يتعلق بعائلتي.ثم أغلق الخط.هذه المرة، لم يبقَ جالسًا يفكر.شغّل السيارة.---في الشقة، لم تستطع جوليا النوم.كانت مستلقية على الأريكة، تحدق في السقف وسط الظلام. وكانت إحدى يديها مستندة على بطنها، بينما كانت أفكارها تدور بلا توقف.منذ أن عرف رودريغيز بأمر الطفل، لم تعد قادرة على الاسترخاء.كانت خائفة.ليس من رود
الفصل الثالث والعشرونأغلق سام الباب خلفه بهدوء.لعدة ثوانٍ، لم يتحدث أحد.انتقلت عيناه بين جوليا ورودريغيز. شعر فورًا بالتوتر الذي يملأ الغرفة، رغم أن أياً منهما لم يقل شيئًا.— لم أكن أعلم أن لديكِ ضيفًا، قال بهدوء.ابتسمت له جوليا ابتسامة صغيرة.— كان رودريغيز على وشك المغادرة.أدار رودريغيز رأسه ببطء نحوها.كانت تلك الكلمات أكثر إيلامًا مما توقع.كان على وشك المغادرة.ومع ذلك، كان زوجها منذ أربع سنوات.أربع سنوات قضياها تحت سقف واحد، يحملان الاسم نفسه، ويعيشان حياة واحدة.والآن، في هذه الشقة التي أصبحت ملكًا لجوليا، شعر وكأنه مجرد غريب.— أردت فقط أن أطمئن عليكِ، أجاب.عقد سام ذراعيه أمام صدره.— إنها بخير.اشتدت نظرة رودريغيز.— لم أسألك.— يكفي، تدخلت جوليا.لم يكن صوتها مرتفعًا، لكنه كان كافيًا لإسكات الرجلين.استدارت نحو رودريغيز.— كنت تريد التحدث معي. وقد فعلت.ظل رودريغيز صامتًا.كان يتمنى لو كان لديه شيء آخر يقوله. سبب يجعله يبقى لبضع دقائق إضافية. لكنه كان يعلم أنه لم يعد له مكان هنا.وبعد لحظة، أومأ برأسه.— سأغادر.اتجه نحو الباب.كانت يده قد لامست المقبض عندما توقف.اس
غادر رودريغيز مقر مجموعة NLE وفكرة واحدة فقط تسيطر على ذهنه.كان عليه أن يكتشف الحقيقة.بعد أن جلس في سيارته، وضع ظرف ديانا على المقعد المجاور له. ومع ذلك، لم يشغّل المحرك فورًا.ظلت يداه فوق عجلة القيادة.كانت الصورة تعود إلى ذهنه مرارًا.جوليا.كان لا يزال يتذكر ذلك اليوم. لقد رأت السيارة تندفع نحوه، ومن دون أن تمنح نفسها وقتًا للتفكير، أسرعت لتحميه.في ذلك الوقت، لم يرَ في تصرفها سوى شجاعة امرأة.أما اليوم، فلم يعد قادرًا على التفكير في الأمر بالطريقة نفسها.ماذا لو لم يكن ما حدث مجرد صدفة؟رن هاتفه فجأة.أجاب رودريغيز على الفور.— كلود.— هل وجدت شيئًا؟ سأل رودريغيز.كان صوته متوترًا.— ليس بعد. لكنني تمكنت من العثور على اسم المالك الأصلي للسيارة.اعتدل رودريغيز في مقعده.— من هو؟صمت كلود للحظات قصيرة.— شركة أمن كانت تعمل سابقًا لصالح مجموعة NLE.عقد رودريغيز حاجبيه.— شخص من شركتي؟— هذا بالضبط ما أحاول التأكد منه.ظل رودريغيز يحدق في الطريق أمامه دون أن يراه حقًا.فكر لبضع ثوانٍ قبل أن يجيب:— افعل ذلك بسرية.— مفهوم.انتهت المكالمة.ظل رودريغيز جالسًا دون حراك للحظات، ثم وضع
بعد بضع دقائق، وصل رودريغيز إلى مقر مجموعة NLE.انفتحت أبواب المصعد على ممر هادئ في الطابق الأخير. لم يحتج حتى إلى البحث عنها.كانت ديانا تنتظره بالفعل.كانت ترتدي فستانًا أسود أنيقًا، وتدير هاتفها بين أصابعها بلا اهتمام. وما إن رأته حتى رفعت رأسها.— لقد أتيت.لم يتوقف رودريغيز.— قلتِ إن لديك شيئًا تريدين إخباري به عن جوليا.كان صوته جافًا. ومن الواضح أنه لم يأتِ لإضاعة الوقت.لحقت به ديانا.— نعم.دخلا إلى مكتبها. أغلق رودريغيز الباب خلفهما قبل أن يلتفت إليها.— تكلمي.ظلت ديانا صامتة للحظة.بدت وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة. وأخيرًا، وضعت هاتفها على المكتب وأظهرت صورة.ألقى رودريغيز نظرة على الشاشة.ثم تجمد في مكانه.تغيرت ملامح وجهه فورًا.هذه الصورة…كان يعرفها.التُقطت قبل أربع سنوات، في يوم الحادث.كانت جوليا تظهر فيها بالقرب من سيارتها، قبل دقائق فقط من تعريض حياتها للخطر لإنقاذه.اقترب رودريغيز من الشاشة.— أين وجدتِ هذه الصورة؟— وصلتني بالأمس.رفع عينيه إليها بسرعة.— ممن؟أخذت ديانا نفسًا عميقًا.— من شخص كان موجودًا هناك في ذلك اليوم.لم يقل رودريغيز شيئًا.تابعت ديانا
أسبوعان.لقد مرّ بالفعل أسبوعان منذ أن غادرت جوليا المنزل.وخلال تلك الأيام الأربعة عشر، اكتشف رودريغيز حقيقة لم يكن يرغب أبدًا في مواجهتها.أصبح المنزل هادئًا بشكل مخيف.في المساء، عندما كان يعود إلى المنزل، كانت عيناه تتجهان من تلقاء نفسيهما نحو غرفة المعيشة. ولثوانٍ قليلة، كان يتوقع أن يراها جالسة على كرسيها، وكتاب مفتوح بين يديها.ثم كان يتذكر.جوليا لم تعد هنا.كان غيابها قد استقر في كل زاوية من أركان المنزل.في المطبخ، حيث اعتادت ماريا إعداد فطوره.في غرفتهما، حيث كان عطرها لا يزال عالقًا في الهواء بشكل خفيف.وحتى في الحديقة، ذلك المكان الذي كانت جوليا تذهب إليه كثيرًا عندما تحتاج إلى البقاء وحدها.كان رودريغيز يتوقف أحيانًا أمام الباب دون سبب.وينظر حوله.ومهما حاول إقناع نفسه بأن الأمر لا يتجاوز كونه منزلًا، كان يعرف أن ذلك غير صحيح.لقد تركت جوليا فراغًا.فراغًا لم يكن يعرف كيف يملؤه.وبمرور الوقت، بدأ يفهم المكانة الحقيقية التي كانت تحتلها في حياته.لكن هذا الإدراك جاء متأخرًا جدًا.---في هذه الأثناء، كانت جوليا تمضي قدمًا.لقد عادت إلى العمل في وكالة صغيرة للتصميم الداخلي.







