LOGINالتفت يوسف إليه ببطء، وبدت على وجهه ملامح استنكار مسرحي، ثم وضع يده على صدره وقال: "أرى أنكما قررتما اليوم أن تتحدا ضدي. حسنًا، لا بأس، سأحتفظ بهذه الملاحظات في ذاكرتي، وسأنتظر اللحظة المناسبة لأرد إليكما كل كلمة. لكنني أريد أن أوضح أمرًا واحدًا، وهو أنني أتكلم كثيرًا لأنني أحرص على التواصل الفعال داخل الفريق، وليس لأنني عاجز عن الصمت."ضحكت إيلين، بينما هز آدم رأسه باستسلام مصطنع وعاد إلى عمله، ولم يكد يوسف يستعد لإضافة تعليق جديد حتى سُمع طرق خفيف على باب المكتب، أعقبه صوت مالك يستأذن في الدخول. رفعت إيلين رأسها نحو الباب وقالت: "تفضل بالدخول "دخل مالك وهو يحمل جهازًا لوحيًا في يده وملفًا إلكترونيًا مفتوحًا على شاشته، وكانت ملامحه تجمع بين الحماس والتركيز. أغلق الباب خلفه، ثم تقدم نحو المكتب ووضع الجهاز أمام إيلين قائلًا: "وصلت النتائج الأخيرة للاختبارات الخاصة بالمعلمين، وهناك تطور يستحق أن نطلعكم عليه. أحد المتقدمين نجح في حل الخوارزمية المعقدة التي وضعوها ضمن مراحل التقييم، مع أنني عندما راجعت تفاصيلها للمرة الأولى لم أتصور أن أحدًا سيتمكن من الوصول إلى الحل
نظرت إيلين إلى جدول الأعمال المفتوح أمامها، ثم أجابت بنبرة مهذبة: "أقدر رغبة نرمين في اللقاء، ويسعدني اهتمامها، لكن اليوم مزدحم بالفعل، ولا أعتقد أنني سأتمكن من تخصيص وقت مناسب لاستقبالها. لدي عدد من الالتزامات في الشركة، كما أنني سأذهب إلى جامعة أوريليا الوطنية اليوم برفقة آدم لحضور محاضرة إيلورا ڤيل، ولذلك سيكون من الصعب ترتيب لقاء خلال الساعات القادمة."لم يبدُ على نديم أي انزعاج من اعتذارها، بل قال بتفهم: "أتفهم ذلك تمامًا، وأعرف أن مشروع إيثر 9 سيشغلكِ كثيرًا خلال الفترة المقبلة، خصوصًا بعد الاهتمام الذي أثاره الإعلان. لا أريد أن أضيف إلى جدولكِ ما يزيد من ضغطكِ، لكنني أود أن أعرف، إن لم يكن في ذلك إزعاج، إلى أي مدى سيظل جدولكِ مزدحمًا اليوم؟ أعلم أن لديكِ التزامات كثيرة، وأنا أقدر ذلك، لكنني أرغب أيضًا في مناقشة أمر معكِ يتعلق بشراكة محتملة."توقفت إيلين عن تقليب الأوراق أمامها، ورفعت عينيها نحو آدم الذي كان قد لاحظ تغير نبرة المكالمة، ثم عادت بتركيزها إلى صوت نديم. لم يكن طلبه مجرد رغبة في زيارة عابرة، فقد اختار كلماته بعناية حين ذكر الشراكة، وأراد أن يوضح أن لدي
رفع يوسف رأسه عن الملفات وسأل: "هل كان سيف الدمنهوري؟"أومأ آدم، ثم قال: "نعم. أبدى اهتمامًا جادًا بالمشروع، ويرغب في مناقشة بعض التفاصيل العلمية مع إيلين، كما أنه مهتم بالدخول في شراكة عندما تطرح الحكومة المشروع رسميًا."صفّر يوسف بخفة، ثم نظر إلى إيلين قائلًا: "يبدو أن مشروعنا لم يكتفِ بإفساد نومنا الليلة الماضية، بل قرر أيضًا أن يحرمنا من الهدوء خلال الأيام القادمة. لم نصل حتى إلى مرحلة الإجراءات الرسمية، ومع ذلك بدأت طلبات الشراكة تتوالى."أجابت إيلين وهي تراجع إحدى الرسائل: "هذا أمر متوقع، ولا يعني أن علينا قبول كل عرض يصل إلينا. الاهتمام شيء، والقدرة على التعاون ضمن إطار مناسب شيء آخر. سنستمع إلى الجميع عندما يحين الوقت، ثم نختار ما يتوافق مع احتياجات المشروع وشروطه."قال آدم مبتسمًا: "أعتقد أن هذه الجملة وحدها كافية لتوضيح سبب عدم قدرتنا على الاسترخاء. أنتِ تتعاملين مع كل هذه الاتصالات باعتبارها جدولًا إضافيًا من المهام، بينما يحاول يوسف إقناعي بأن القهوة أصبحت حقًا أساسيًا من حقوق الموظفين."اعترض يوسف فورًا: "إنها ليست مجرد قهوة، بل ضرورة تشغيلية للحفاظ
أجابه آدم وهو يتصفح تقريرًا آخر: "الاهتمام مفهوم، لكن علينا أن نفرق بين من يريد التعاون في إطار رسمي واضح، ومن يحاول الحصول على تفاصيل لا تدخل ضمن المعلومات المتاحة للجمهور. لن نرفض الاستفسارات لمجرد أنها كثيرة، لكننا لن نسمح أيضًا بأن يتحول الزخم الإعلامي إلى سبب للكشف عن معلومات لم يحن وقت إعلانها."رفعت إيلين عينيها عن الشاشة وقالت: "هذا ما ينبغي أن نفعله. لا نحتاج إلى التعامل مع كل اتصال باعتباره محاولة للوصول إلى أسرار المشروع، كما لا ينبغي أن نفترض أن كل جهة ترغب في التعاون تمتلك النوايا نفسها. دعوا الفرق المختصة تجمع الاستفسارات وتصنفها بحسب طبيعتها، وسنراجع الطلبات التي تستحق المتابعة قبل تحديد أي لقاءات. أما ما يتعلق بالمعلومات الفنية، فسيبقى ضمن الحدود التي أُعلنت رسميًا."أومأ آدم موافقًا، ثم أضاف: "سأطلب من إدارة العلاقات المؤسسية إعداد تقرير موحد بدلًا من ترك كل إدارة تتعامل مع الاستفسارات بمعزل عن الأخرى. بهذه الطريقة سنعرف من تواصل، وما الذي طلبه تحديدًا، وما إذا كان هناك تكرار غير معتاد في الأسئلة أو اهتمام يتركز على جانب بعينه."قال يوسف وهو يغلق أحد الم
أومأ آدم بجدية، وقال: "أفهم ما تقصده، وسأكون منتبهًا. لن أتعامل مع الأمر باعتباره تهديدًا مؤكدًا، لكنني لن أسمح أيضًا بأن تمر أي إشارة غير معتادة من دون متابعة. وسأحرص على ألا يتحول وجودي معها إلى عائق أمام عملها أو سبب لإثارة الانتباه."أجابه كاظم: "هذا ما أريده تحديدًا. لا أريد أن تتحول حمايتك لها إلى قيود تفرضها عليها، ولا أن تتصرف باندفاع كلما شعرت بالقلق. عليك أن تكون يقظًا، وأن تعرف متى تتدخل ومتى تترك لها مساحة الحركة التي تحتاج إليها. والأهم ألا تنسى أن ثقتنا بها لا تعني أن نتركها تواجه كل شيء بمفردها."تأملت إيلين وجه كاظم، ثم قالت بهدوء: "أنا بخير يا أبي، ولا داعي لأن تقلق إلى هذا الحد. نحن نعرف أن الإعلان عن مشروع بهذا الحجم سيجذب الانتباه، وقد حسبنا حسابًا لذلك منذ البداية."التفت إليها كاظم، وكانت نظرته تحمل حنانًا واضحًا، لكنه لم يسمح لذلك الحنان بأن يخفف من جدية كلماته. قال: "أعرف أنكِ حسبتِ حسابًا لكثير من الأمور، وأعرف أنكِ لا تتخذين خطواتكِ من دون تفكير، لكن هذا لا يعني أنني سأتوقف عن القلق عليكِ. هناك فرق بين أن تكوني مستعدة لمواجهة المخاطر، وبين
إنتهت جولة التريض الصباحية التى أقتراحها آدم ومع بزوغ الشمس، أخذ الضوء الذهبي يتسلل عبر النوافذ الواسعة لفيلا النويهي، ويلقي بظلاله الهادئة فوق الأثاث الأنيق وحديقة الفيلا التي بدأت تستيقظ على حركة الصباح. كانت رائحة القهوة الطازجة تملأ غرفة الطعام، فيما اجتمع إيلين وآدم ويوسف والبروفيسور كاظم حول المائدة لتناول الإفطار قبل انطلاقهم إلى أعمالهم. بدت إيلين أكثر هدوءًا مما كانت عليه خلال الساعات الأخيرة، وإن بقي الإرهاق ظاهرًا في عينيها، بينما كان آدم يتابعها بين الحين والآخر محاولًا التأكد من أنها استعادت قدرًا كافيًا من نشاطها بعد الكابوس الذي أيقظهم قبيل الفجر. أما يوسف، فقد بدا مصممًا على استعادة أجواء الصباح المعتادة، وكأن أفضل طريقة لمواجهة يوم مزدحم هي أن يبدأه ببعض المزاح الذي يزعج الجميع بقدر ما يخفف عنهم.وضع البروفيسور كاظم فنجانه على المائدة، ثم التفت إلى آدم بنظرة جادة لم تمنعه من الاحتفاظ بقدر من الدعابة في صوته، وقال: "أريدك أن تنتبه إلى إيلين اليوم، وألا تسمح لها بإهمال راحتها أو تحميل نفسها أكثر مما تحتمل. أعلم أن لديها أعمالًا كثيرة، وأنه
لم يكن في العودة من المقابر ما يشبه الرجوع العادي.الطريق نفسه بدا أطول، أو ربما كانت المسافة هذه المرة تُقاس بما تُرك خلفهم لا بما ينتظرهم. جلست إيلين في المقعد الخلفي، ساكنة على نحو لا يُفسَّر بالهدوء، بل بشيء أقرب إلى الحسم. لم تكن تنظر إلى الخارج بقدر ما كانت تنظر إلى الداخل، إلى نقط
لم يكد صندوق المخمل يُغلق حتى تغيّر إيقاع الجلسة بالكامل، كأن اللحظة نفسها قررت أن تعلن عن معناها الحقيقي دون مواربة. لم يعد الأمر مجرد هدية فاخرة أو لفتة عابرة، بل بدا وكأنه إعلان صامت عن شيء أكبر، شيء فهمه الحاضرون جميعًا دون أن يُقال صراحة.كانت الأنظار تتنقل بين العقد المستقر حول عنق
“إيلين؟” توقّف يوسف في مكانه، وعيناه متسعتان بوضوح كأنه غير مصدق لما يراه. “أأنتِ حقًا؟” أومأت بهدوء: “نعم.” تحرّك نحوها بسرعة، لكنه توقّف فجأة قبل أن يقترب أكثر. ملامحه تغيّرت؛ الدهشة لم تختفِ… لكنها تحوّلت إلى شيء أثقل: “متى عدتِ؟” “اليوم.” سكت لحظة… ثم ضحك ضحكة قصيرة لم تكن مريحة: “
لم يكن الصباح مختلفًا في شكله… لكنه كان مختلفًا في معناه. جلست إيلين الشهاب أمام مكتب خشبي أنيق داخل غرفة هادئة، تتوسطها طاولة زجاجية واسعة. أمامها وُضعت عدة أوراق مرتبة بعناية، كل صفحة تحمل بنودًا واضحة، محددة… ونهائية. لم تمد يدها فورًا. فقط نظرت اسمها لم يكن في الأعلى هذه المرة… بل في الأسف







