LOGINرفع رامي حاجبه وقال بسخرية: "إذا كنتِ مبتدئة، فلماذا أتيتِ أصلًا؟"
نظر إليه يوسف فورًا وقال: "لأنها لا تحتاج إلى أن تكون محترفة حتى تأتي إلى مكان."قال آدم بهدوء: "وأعتقد أن من يأتي إلى هنا للعب لا يحتاج إلى اجتياز اختبار قبول قبل أن يمسك المضرب."ثم واصل كلامه بهدوء شديد: "وأعتقد أن السؤال الأفضل هو: لماذا يشغلك مستوى شخص أعلن منذ البداية أنه مبتدئ؟"ساد صمت قصير ثم تابع بابتسامة مهذبة: "لكن لا بأس، يمكنك مشاهدة الجولة وستعرف بنفسك."لم يجد رامي ما يقوله، فاكتفى بنظرة ضيكان مدير التحليل الاستخباراتي يتابع النقاش بصمت، وعيناه تنتقلان بين التقرير المعروض وملاحظات كتبها أمامه. وحين وجد فرصة للكلام، أغلق قلمه ووضعه فوق الملف، ثم قال: "أرى أن الخطر المحتمل لا يكمن في إيثر 9 وحده، بل في القدرة التي قد تكون أوريون نوفا طورتها أثناء العمل عليه. نحن نعرف أسماء بعض الفرق البحثية، ونعرف المجالات التي أعلنت الشركة عن تقدمها فيها، لكننا لا نعرف بعد كيف تُتخذ القرارات البحثية داخلها، ومن يحدد العلاقة بين هذه التخصصات، ولا ما إذا كانت الشركة تمتلك بنية بحثية تسمح لها بتكرار هذا المستوى من التكامل في مشروعات أخرى."التفت إليه المستشار التقني وسأله: "هل تقصد أن المشروع قد يكون نموذجًا لأسلوب تطوير يمكن استخدامه في مجالات أخرى؟"أجاب مدير التحليل: "هذا أحد الاحتمالات، إذا كانت الشركة قادرة على جمع الهندسة والمواد والذكاء الاصطناعي والاتصالات والطاقة داخل منظومة واحدة، فإن قيمتها لا تُقاس بالمشروع الحالي وحده. ما يهمنا هو معرفة ما إذا كانت تمتلك قدرة مؤسسية مستدامة على إنتاج هذا النوع من المشروعات، أم أن إيثر 9 استثناء ارتبط بظروف وفريق محددين.
توقف معد التقرير عند هذه الفقرة، ثم أضاف ملاحظة منفصلة بخط مختلف عن بقية النص، أشار فيها إلى أن الحفل لم يقدم دليلًا كافيًا على كل القدرات المعلنة، وأن بعض التفاصيل ما زالت بحاجة إلى تحقق مستقل. لكنه شدد في المقابل على أن غياب التفاصيل الكاملة لا ينبغي أن يُفسر باعتباره دليلًا على غياب الإنجاز، خاصة أن المشروع حظي باهتمام مباشر من قيادات عسكرية رفيعة، وأن الإعلان جاء ضمن مناسبة شهدت حضور شخصيات تمتلك القدرة على تقييم قيمة المشروعات ذات الصلة بالأمن القومي.لم يكن التقرير طويلًا بصورة استثنائية، لكن صياغته بدت محسوبة بعناية. لم يحاول العقرب أن يثبت ما لا يعرفه، ولم يملأ الفراغات بتخمينات قاطعة، بل فصل بوضوح بين المعلومات المعلنة والاستنتاجات المحتملة والأسئلة التي لم تُحسم بعد. وفي نهايته، وردت توصية مقتضبة: "لا يُنصح بالتعامل مع إيثر 9 باعتباره مشروعًا منفردًا قبل التحقق من نطاق التكامل الذي أعلنته أوريون نوفا. ينبغي توسيع جمع المعلومات ليشمل البنية البحثية والتنظيمية المحيطة بالمشروع، مع الحفاظ على سرية الاهتمام به وتجنب أي إجراء قد يلفت انتباه الجهة المستهدفة."
لم يكن أحد في الفيلا يعرف إلى من أرسل مختار رسالته، ولا ما الذي ينتظره في المقابل، كما لم يكن أحد يعرف أن إعلان إيثر 9 قد دفعه إلى إعادة النظر في بعض الحسابات التي ظن أنه أحكم إغلاقها. لكن الرسالة خرجت بالفعل، والملفات فُتحت، وما بدأ في تلك الليلة داخل المكتب لم يكن أمرًا يمكن التراجع عنه بمجرد أن يقرر صاحبه تغيير رأيه.لم يكن حفل افتتاح جراند ڤيل قد انتهى تمامًا حتى بدأت أصداؤه تتجاوز حدود الدولة، حاملةً معها اسمًا واحدًا أثار اهتمام الدوائر العلمية والعسكرية والاستخباراتية على نحو لم يكن متوقعًا بهذه السرعة: إيثر 9.ففي الوقت الذي انشغلت فيه وسائل الإعلام بتحليل تصريحات إيلين الشهاب، وتناقلت المنصات مقتطفات من إعلان أوريون نوفا عن مشروعها الجديد، كانت التقارير الأكثر أهمية تسلك طرقًا مختلفة تمامًا عن تلك التي تصل إلى الجمهور. لم تكن تلك التقارير تعتمد على الصور المنشورة أو التصريحات العلنية وحدها، بل جمعت بين ما أمكن رصده خلال الحفل، والمعلومات السابقة عن أوريون نوفا، وتحركات الشخصيات التي حضرت الإعلان، فضلًا عن طبيعة الاهتمام الاستثنائي الذي أبدته القيادات العسك
لكنها لم تكن تعرف أن والدها لم يعد ينظر إلى ما حدث باعتباره منافسة بين امرأتين، بل باعتباره إشارة إلى مشروع قد يحمل في داخله فرصًا ومخاطر أكبر مما تستطيع هي تخيله.إتجه مختار نحو مكتبه ثم أخرج هاتفه من جيبه، وألقى نظرة سريعة على شاشته قبل أن يعيد وضعه في جيب سترته، وتابع طريقه إلى المكتب. دخل مختار مكتبه وأغلق الباب خلفه، ثم اتجه إلى مكتبه العريض وجلس على مقعده، الجلدي، وأسند ظهره إليهلم يشعل الإضاءة الجانبية فورًا، بل بقي للحظات في ضوء المصباح الرئيسي، يطرق بأصابعه على سطح المكتب طرقات متباعدة، وكأنه يحاول ترتيب أفكاره قبل أن يتخذ خطوة جديدة. كان اسم إيثر تسعة يتردد في ذهنه، ومعه وصف ابنته للمنظومة التي يمكن أن تمنح الطيران العسكري قدرة مختلفة، لكن ما شغله أكثر كان السؤال الذي لم تستطع ميرال الإجابة عنه: كيف تمكنت أوريون نوفا من الوصول إلى هذه المرحلة في هذا الوقت؟لم يكن مشروع إيثر 9 هو ما يشغله وحده، وإن كان قد أعاد إلى ذهنه أسئلة لم يكن قد وجد لها إجابات واضحة. كان هناك أمر آخر يريد التأكد منه، وخطوة لا يمكن اتخاذها قبل أن يعرف إلى أي مدى تطورت الأمور
قالت ميرال وهى تعتدل في جلستها "هذا ما فهمته من حديثهم بعد العرض. إيلين تحدثت مع سامر وسراج ورائف، وكان واضحًا أنهم يعرفون أن هناك مرحلة أخرى من المشروع لم تُعرض في الحفل."بقي مختار صامتًا لثوانٍ، ثم نهض من مقعده ببطء. لم يعد غضب ميرال أو اتهاماتها لإيلين هما ما يشغلانه، بل أصبح يفكر في احتمال أن تكون أوريون نوفا قد أنجزت بالفعل مشروعًا بهذه الضخامة، وأن ما ظهر في الحفل لم يكن سوى الجزء المعلن منه. وإذا كان الأمر كذلك، فإن تجاهل المشروع أو التقليل من شأنه سيكون خطأً لا يمكنه تحمل عواقبه.رفع مختار يده إلى ذقنه، وأخذ يفركها ببطء بينما اتجهت عيناه إلى نقطة بعيدة في الغرفة. لم يكن متأكدًا من حجم ما أنجزته الشركة فعلًا، لكنه أدرك أن الاستخفاف بالمشروع لمجرد أن إيلين كانت في واجهة الإعلان سيكون خطأً فادحًا. فحتى لو كان البروفيسور كاظم هو العقل العلمي المشرف، وحتى لو أسهمت فرق متخصصة في كل جزء من أجزائه، فإن الوصول إلى نتيجة متكاملة بهذا الحجم يعني أن هناك عملًا جادًا يقف خلف الكلمات التي قيلت على المنصة.قال أخيرًا بصوت هادئ، لكنه كان يحمل قدرًا واضحًا من التفكير:
لم تنتبه ميرال إلى أن والدها، مختار السهيلي، كان قد دخل إلى المنزل قبل دقائق، وأنه توقف في الممر حين سمع اسم المشروع. كان ينوي المرور بغرفة المعيشة قبل التوجه إلى مكتبه، لكنه ما إن التقط عبارة "إيثر 9 " حتى تباطأت خطواته، ثم وقف خلف المدخل دون أن يقاطع الحديث. لم يكن اسم المشروع مألوفًا له، لكن طريقة نطق ابنته له، وما صاحبها من انفعال، جعلته يدرك أن ما حدث في الحفل يستحق أن يستمع إليه قبل أن يقرر رأيه.قال مختار وهو يدخل الغرفة: "أعيدي ما قلتِه."التفتت ميرال إليه، وفوجئت بوجوده، ثم قالت: "أبي، لم أسمعك تدخل."لم يهتم بتعليقها، بل اتجه إلى مقعد قريب وجلس، ثم ثبت عينيه عليها. "قلتِ إنهم أعلنوا مشروعًا اسمه إيثر 9 ، وإنه متعلق بالطيران العسكري. أريد أن أعرف ما الذي أعلنوه تحديدًا، وما أهمية المشروع."تغيرت ملامح ميرال قليلًا. كانت تعرف أن والدها لا يهتم بالتفاصيل العلمية لمجرد الفضول، وأن أي مشروع بهذا الحجم قد يلفت انتباهه لأسباب تتجاوز ما يثير اهتمامها هي. جلست باعتدال وبدأت تشرح له ما تذكره من العرض، مع حرصها على ألا تبدو وكأنها تقلل من أهمية المشروع نفسه، حتى
لم يكد صندوق المخمل يُغلق حتى تغيّر إيقاع الجلسة بالكامل، كأن اللحظة نفسها قررت أن تعلن عن معناها الحقيقي دون مواربة. لم يعد الأمر مجرد هدية فاخرة أو لفتة عابرة، بل بدا وكأنه إعلان صامت عن شيء أكبر، شيء فهمه الحاضرون جميعًا دون أن يُقال صراحة.كانت الأنظار تتنقل بين العقد المستقر حول عنق
“إيلين؟” توقّف يوسف في مكانه، وعيناه متسعتان بوضوح كأنه غير مصدق لما يراه. “أأنتِ حقًا؟” أومأت بهدوء: “نعم.” تحرّك نحوها بسرعة، لكنه توقّف فجأة قبل أن يقترب أكثر. ملامحه تغيّرت؛ الدهشة لم تختفِ… لكنها تحوّلت إلى شيء أثقل: “متى عدتِ؟” “اليوم.” سكت لحظة… ثم ضحك ضحكة قصيرة لم تكن مريحة: “
لم يكن الصباح مختلفًا في شكله… لكنه كان مختلفًا في معناه. جلست إيلين الشهاب أمام مكتب خشبي أنيق داخل غرفة هادئة، تتوسطها طاولة زجاجية واسعة. أمامها وُضعت عدة أوراق مرتبة بعناية، كل صفحة تحمل بنودًا واضحة، محددة… ونهائية. لم تمد يدها فورًا. فقط نظرت اسمها لم يكن في الأعلى هذه المرة… بل في الأسف
لم يكن في العودة من المقابر ما يشبه الرجوع العادي.الطريق نفسه بدا أطول، أو ربما كانت المسافة هذه المرة تُقاس بما تُرك خلفهم لا بما ينتظرهم. جلست إيلين في المقعد الخلفي، ساكنة على نحو لا يُفسَّر بالهدوء، بل بشيء أقرب إلى الحسم. لم تكن تنظر إلى الخارج بقدر ما كانت تنظر إلى الداخل، إلى نقط







