Share

الفصل 3

Author: واهبة النور
التفتت منى إلى ظافر الجالس باسترخاء، وقالت بتعابير فاترة: "لا شيء، لم أكن أفكر في شيء."

اتسعت ابتسامة ظافر قليلا، وقال بنبرة بدت غير جادة، لكنها تنطوي على تلميح واضح: "منى، أنت تكذبين، وأنا أعرف ذلك، ماذا هناك؟ هل كنت للتو تخبرين أخي عن سر لا يمكن كشفه؟ حتى أنا لا يحق لي سماعه؟"

أجابته منى ببرود: "أنت تبالغ في ظنونك."

ابتسم ظافر ابتسامة توحي بالكثير: "أحقا أبالغ في ظنوني، أم أنك تتعمدين تضليلي؟"

شعرت منى بشيء من التوتر لشدة تحديقه بها، فتناولت المستندات التي كانت قد أعدتها مسبقا، لتغير مجرى الحديث بسلاسة: "اكتملت خطة الاستحواذ الشاملة على مجموعة شركات النهضة التابعة لعائلة الراجحي، وقد أرسلت الإدارة العامة ملفات تقييم المخاطر وقيم الأصول، وهم الآن بانتظار أن تطلع عليها وتوقعها."

وسط عائلة السباعي، كانت منى أخته اسميا، أما في الشركة فكانت مساعدته الخاصة الأكثر كفاءة في العمل.

لكن ظافر لم يعترف يوما أنها أخته، بل ثار غضبه ذات مرة لمجرد أنها نادته بأخي، أما بالنسبة لكونها مساعدته الخاصة، فلم يكن يقدرها كذلك.

بدأت منى تشرح له الوضع الحالي بهدوء: "إن فريق إدارة الأزمات الإعلامية لدى شركة الراجحي لا يجرؤ على تولي هذه المهمة حاليا، ورغم سلاسة سير مشروع المنطقة الغربية، إلا أن رئيس عائلة الراجحي لم يوافق بعد على رغبتك في الاستحواذ على حصص سوقية أكبر..."

قاطعها ظافر بنفاد صبر، إذ لم يرغب في تكرار الهراء نفسه للمرة الثالثة: "فكري في حيلة لتأجيج الأزمة لديهم قبل احتواء قضية عائلة الراجحي."

كانت منى تعرف طبعه الحاد، فأومأت برأسها موافقة: "فهمت، سأبلغ الموظفين بذلك."

وعندما ظنت أن الحديث انتهى عند هذا الحد، سألها ظافر بهدوء: "سمعت أن أخي أصبح على علاقة وثيقة بعائلة الراجحي مؤخرا، هل كنت تعلمين ذلك؟"

ظل يعبث بلا مبالاة بمسبحة خشبية كان يرتديها حول معصمه دون أن يرفع عينيه عنها.

ساد الصمت للحظة، اضطرب قلب منى فجأة، فقد كانت تعلم أنها لن تستطيع إخفاء الأمر عن ظافر، لكنها حافظت على هدوء ملامحها: "سمعت شيئا كهذا."

ابتسم ظافر ابتسامة تضمر تهديدا: "لماذا لم تخبريني إذن؟"

وأثناء صمتها، اقترب منها ظافر بوجهه الوسيم حتى أصبح أمام وجهها.

"ما الأمر؟ أما زلت تنحازين إليه في داخلك؟ أتريدين التعاون معه ضدي؟"

عندما سمعت ذلك، شعرت بالعرق يتصبب من كفيها وهي تقبض على عجلة القيادة.

"لا."

أمسك ظافر بيدها، ومرر أطراف أصابعه فوق راحة يدها.

"أما زلت تجرؤين على إنكار ذلك وأنت تتصببين عرقا هكذا؟"

سحبت يدها بقوة، بينما أخرج ظافر هاتفه.

"بالنسبة لذلك الشخص الذي باع أسراري التجارية للمنافسين آخر مرة... انفوه إلى معاقل العصابات."

انتفض قلب منى، واشتدت قبضتها حتى ابيضت مفاصل أصابعها، فقد كانت تعلم بطبيعة الحال أن ظافر يتعمد التلميح إليها.

أسند ظافر يده إلى باب السيارة، ليندفع الهواء البارد إلى داخل السيارة، ثم نظر إلى تقاطع الإشارة المرورية أمامهما. "انعطفي يسارا."

"ماذا هناك؟"

استغربت منى، وتساءلت في داخلها عما دهاه هذه المرة، فنبهته قائلة: "لا بد أن ننعطف يمينا للذهاب إلى مقر الشركة."

أخرج ظافر سيجارة، أخذ منها نفسا عميقا ثم نفث دخانا كثيفا.

"لن نذهب إلى الشركة، بل سنعود إلى مجمع الشمس."

عقدت منى حاجبيها الرفيعين، وقالت بنبرة تنم عن نفاد صبر: "ألم تقل على مائدة الطعام للتو إن عليك تسوية بعض الشؤون في الشركة؟"

أخذ طرف السيجارة المتقد يحترق شيئا فشيئا حتى خمد، وتجلت في عيني ظافر مشاعر مبهمة يصعب تفسيرها.

"يا لك من ساذجة! أتظنين أننا كنا سنتمكن من المغادرة في منتصف الوليمة لو لم أقل ذلك؟"

توقفت منى للحظة.

"ولماذا فعلت ذلك؟"

ابتسم لها، وقال بغطرسة وكأنه السيد المتحكم في كل شيء: "لأنني أرغب في ذلك."

كان الضباب الخفيف يطوق السيارة من الخارج، ويصطدم الهواء البارد بزجاج النافذة المتجمد، ليكسوه بطبقة ضبابية رقيقة، فبدا وكأنه يعزل الأجواء المشحونة بينهما عن العالم الخارجي تماما.

لم ينطق أي منهما بكلمة طوال الطريق، وكأن كل منهما ينافس الآخر بصمته.

لم تمض بضع دقائق، حتى بادر ظافر بكسر الصمت بينهما: "ألا تريدين أن تسألي عن هوية العروس التي اختارها لي جدي؟"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ثلاثة أعوام من الغياب، أفقدت ظافر عقله تمامًا   الفصل 100

    ظل ظافر يحدق في المصاصة التي كانت في فم منى، وقد بدت شديدة اللمعان تحت الضوء الخافت: "الوزير الحكيم يختار سيده الذي يخدمه؟ لماذا أشعر من كلامك أنك تريدين تغيير عملك؟"منى: "لو كان بإمكاني، لغيرت عملي منذ وقت طويل."نظر إليها ظافر بنصف ابتسامة، مع نظرة ذات مغزى عميق: "أنا فضولي للغاية، ما الطريقة التي استخدمتها للوصول إلى صفي، حتى إنه لم يتردد في معاداة عائلة وفيق لمساعدتك؟"نظرت منى إلى تلك النظرات التي يصعب وصفها في عينيه، وفهمت على الفور المعنى الخفي وراء كلماته، فتغير لون وجهها قليلا، وأصبح صوتها باردا: "ماذا تقصد؟"ضحك ظافر ضحكة ساخرة، وأخذ نفسا عميقا من سيجارته، ثم أمال رأسه إلى الخلف ونفث الدخان في الهواء: "أنت ذكية إلى هذا الحد، فكيف يمكن ألا تفهمي ما أقصده؟"كادت منى أن تسحق المصاصة بين أسنانها، وامتلأت عيناها بمرارة لا حدود لها: "ظافر، أي نوع من النساء تظنني؟ هل أبيع نفسي؟"ارتسمت على زاوية شفتي ظافر الرفيعتين ابتسامة خفيفة، وبدا أن سؤال منى لم يحرك فيه أدنى قدر من الاضطراب.نهض من الكرسي، واتجه نحو منى وهو يقول: "يبدو صفي في ظاهره نبيلا ونقيا، لكنه في الحقيقة حذر وعميق، لا يظ

  • ثلاثة أعوام من الغياب، أفقدت ظافر عقله تمامًا   الفصل 99

    توقفت منى: "هل قال ما الأمر؟""لا." هزت فريدة رأسها، ثم عقدت حاجبيها وقالت بصوت منخفض: "لكني لاحظت أن ملامح وجهه لا تبدو على ما يرام."خفق قلب منى بقوة، وهي في الحقيقة لم تكن بحاجة إلى أن تسأل لتعرف أن الأمر يتعلق بمنصب المسؤولة.فكيف يمكن لظافر أن يسمح بأن تظلم حبيبته عبير!فريدة: "آنسة منى، هل هناك مشكلة؟"هزت منى رأسها مبتسمة: "لا شيء، اذهبي إلى عملك الآن، وسأذهب لأرى ما الأمر."في رحلة حياتها، كانت القاعدة الراسخة التي تسير عليها هي القضاء على كل من يقف في طريقها، فحتى ظافر نفسه عليه أن يفسح لها المجال.وقبل أن تدخل، أخرجت منى من جيبها مصاصة بنكهة الفراولة، ووضعتها في فمها، واختارت أن تطرق الباب مرتين قبل أن تدفعه وتدخل، ثم تغلقه.ولم تكد أن تستدير، حتى سمعت صوت ظافر الساخر يطن في أذنها: "أنت بهذه البراعة، فما حاجتك إلى طرق الباب؟ ربما بعد فترة، سأتنازل لك عن منصبي، وستجلسين بمكاني أنا أيضا."التفتت منى، بنبرة تجمع بين عزة النفس والتواضع: "إن كنت ترغب في التنازل عن منصبك، فتنازل الآن. دعك من منصبك هذا، فأنا لدي القدرة على أن أثبت نفسي في أي منصب، مهما كان شاغله."نظر إليها ظافر با

  • ثلاثة أعوام من الغياب، أفقدت ظافر عقله تمامًا   الفصل 98

    كانت تعلم أن عبير تتعمد ذلك، ولم يكن الأمر نابعا من مدى سماحتها، بل فقط للحفاظ على مظهرها.انتهى الاجتماع، وترك موعد توقيع العقد لوقت لاحق. وتعمد ظافر أن يجعل منى ترافق صفي إلى الطابق السفلي.في المصعد الزجاجي، كانت نبرة صفي تحمل ابتسامة، لكن دون سخرية: "ألم تتوقعي نتيجة اليوم؟"رفعت منى عينيها، فوجدت صفي يميل برأسه وينظر إليها.ابتسمت ابتسامة خفيفة: "كانت النتيجة غير متوقعة، وعلى أي حال، يكفي أنني حققت هدفي.""هكذا أصبح منصب المسؤولة من نصيبك بعدما تنازلت عنه عبير."كانت منى تضع إحدى يديها في جيب البدلة، واليد الأخرى مستندة بها إلى المسند خلفها، بجسد مائل قليلا في وقفة تنضح بالجرأة واللامبالاة: "فلتتنازل، فهي ابنة عائلة وفيق، وعلى أي حال، مهما فعلت، فلن أكون في نظر الجميع أفضل منها."رأى صفي في منى ظل ظافر، فضحك وعيناه تنظران إليها باهتمام، محدقا في عنقها النحيل: "أنت أفضل امرأة رأيتها في حياتي، لا تستهيني بنفسك أبدا، ففي نظري، أنت أقوى من عبير."وبينما كانت تستمع إلى كلمات صفي المجاملة والمواسية، لم تر منى في عينيه أي أثر لذلك، بل بدت وكأنها كلمات صادرة من القلب.ابتسمت منى بلا مبالا

  • ثلاثة أعوام من الغياب، أفقدت ظافر عقله تمامًا   الفصل 97

    ما إن قيلت تلك الكلمات، حتى وقعت أنظار الجميع في آن واحد على منى، فقد كان عرض الآنسة عبير مثاليا، فلماذا أصر السيد صفي على أن تعرض المساعدة منى خطتها أيضا؟ ثم كيف يمكن لمساعدة، مهما بلغت كفاءتها، أن تتفوق على عرض الآنسة عبير التي لا غبار عليها؟كان لا بد أن يثير الأمر الشكوك ما لم يقدم صفي سببا مقنعا: "يتردد في الأوساط أن المساعدة منى أكثر مساعدي السيد ظافر كفاءة، كما أنها كانت المسؤولة عن هذا المشروع سابقا. أعتقد أنها لا يمكن الاستهانة بها، أنا رجل أعمال، ومن الطبيعي أن تكون المصلحة في المقام الأول."ابتسم صفي ببراءة: "هل لدى السيد ظافر والآنسة عبير أي اعتراض؟"رفع ظافر عينيه ببرود: "بما أن السيد صفي طلب منك أن تتحدثي، فتحدثي."ولتظهر عبير سعة صدرها، سارعت إلى مجاراته: "أجل يا منى، لا داعي للقلق، قولي ما تريدين قوله، فأنا أيضا لدي بعض القصور."لم تتردد منى، بل صعدت إلى المنصة بثقة، وتسلطت الأضواء عليها. كانت ترتدي اليوم بدلة سوداء بالكامل، يحدد خصرها النحيل حزام مطلي بالذهب، وقد شمرت أكمامها حتى المرفقين كعادتها، كاشفة عن ساعدين أبيضين نحيلين، بينما ربطت شعرها المتموج كسنابل القمح في

  • ثلاثة أعوام من الغياب، أفقدت ظافر عقله تمامًا   الفصل 96

    كانت منى تمرر أصابعها على عضلات صدر ظافر القوية، وتشعر بوضوح بالقبضة التي اشتدت فجأة حول خصرها، وبأنفاس ظافر المضطربة: "هل يمكن للمال أن يشتري أي شيء حقا؟"أمسك ظافر بيدها التي تعبث به وطبع قبلة على راحة يدها: "المال لا يمكنه شراء كل شيء، ولكن من دونه، لا يمكن شراء أي شيء.""أنت محق."ثم سألته على سبيل الاستطلاع: "لو أنني لم آت اليوم، أو لم أجد الدليل الذي يثبت براءة فريدة، ماذا كنت ستفعل؟"كان ظافر يقبل عنقها، دافعا ذقنها إلى الأعلى تدريجيا، حتى اضطرت إلى إمالة رأسها للخلف.سمعته يقول بجانب أذنها: "منى، ينبغي أن تكوني على علم تام بأن مجموعة السباعي، وإن كانت لا ترغب في وجود أشخاص دنيئين مثل ليلى، فإنها أيضا لا تتساهل مع عديمي الكفاءة."تنفست منى بصعوبة: "فريدة ليست عديمة الكفاءة." ابتسم ظافر ابتسامة خفيفة: "إن لم تكن كذلك، فكيف عجزت حتى عن إنقاذ نفسها؟ حتى لو كنت أعلم أنها بريئة، فما دامت عاجزة عن إثبات براءتها بنفسها، فلن أبقيها. شخص بهذه الدرجة من الغباء لن يجلب سوى الضرر إلى إرث عائلة السباعي الممتد منذ مئة عام. وبالطبع، لا مكان إلى جانبي لمن لا فائدة منه."خفضت منى رأسها، وعضت تف

  • ثلاثة أعوام من الغياب، أفقدت ظافر عقله تمامًا   الفصل 95

    "كثيرة الكلام، ومزعجة."ألقى ظافر جملته، وكأنها أمر مباشر، فسارع أفراد الأمن إلى تنفيذها. وفي اللحظة التي كادت فيها فضيحة أخرى أن تندلع، توقفت، لكن الجميع سمع بوضوح مدى استياء ليلى في النهاية.انتهى الأمر، وكان كل من احتشدوا في الجوار على قدر كبير من النباهة وحسن التصرف، فسرعان ما انصرفوا بكل احترام.أما عبير، فبدت هادئة نسبيا، ولم تظهر عليها أي علامات ذعر، لكنها ألقت نظرة سريعة تحمل شيئا من تأنيب الضمير على منى.ابتسمت منى ابتسامة خفيفة، لكنها لم تقل شيئا.في هذا الوسط، أبناء العائلات العريقة وأصحاب النفوذ لا يلوثون أيديهم أبدا عندما يريدون فعل شيء ما، فهناك دائما الكثيرون ممن يتسابقون إلى التضحية بأنفسهم من أجلهم. وطالما ظلت عبير تحمل لقب ابنة عائلة وفيق، وطالما ظلت عائلة وفيق شامخة لم تسقط، فلن تتمكن منى من فعل شيء حيالها.تقدمت عبير نحوها: "منى، لقد تحملت أنت وفريدة الظلم بسبب ما حدث اليوم."التقطت منى السوار المسروق، كان مصنوعا من الذهب الخالص ومرصع بالأحجار الخمسة، وكان يعكس وميضا ساطعا، ثم رفعت يد عبير: "سأساعدك على ارتدائه بنفسي يا زوجة أخي."وكما تمكنت من إلباس عبير هذا السوا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status