مشاركة

الفصل 2

مؤلف: واهبة النور
عندما أعلن خلال مأدبة العائلة أن ظافر على وشك الزواج، لم تتفاجأ منى على الإطلاق، فقد توقعت حدوث ذلك.

إلا أن الجد سباعي تعمد إبقاء الجميع في حالة ترقب، فلم يكشف عن هوية العروس حينها.

أخذ الجميع يهنئون ظافر على مائدة الطعام، لكن لم يظهر على وجهه أي انفعال، بل ظل على هيئته المعتادة، مسترخيا وغير مكترث.

"بالمناسبة، ما زال علي إنهاء بعض الأمور في الشركة، لذا أستأذنكم."

ألقى ظافر نظرة على منى، ففهمت قصده على الفور، فنهضت خلفه، استأذنت الحاضرين ثم غادرت.

وما إن سارت منى بضع خطوات خارج منزل العائلة، حتى لحق بها أحدهم.

"منى..."

ما إن سمعت صوته، حتى سارعت إلى التحكم في انفعالاتها، فقد أدركت أن من لحق بها هو يامن السباعي، الشقيق الأكبر لظافر.

"منى... هل أنت بخير؟"

تناهى إلى أذنيها صوت يامن ممزوجا بشيء من القلق، فأخذت نفسا عميقا، ثم استدارت لمواجهته، بابتسامة على وجهها وملامح مسترخية.

"أنا بخير."

بدت ملامح يامن حنونة، وصوته هادئا ولطيفا. تردد قليلا قبل أن يقول: "منى، لا بد أنك سمعت ما قيل على مائدة الطعام قبل قليل، لقد اختار الجد سباعي بالفعل عروسا لظافر، بالنسبة لما بينك وبين ظافر... فإن التردد في حسم ما ينبغي حسمه لن يجلب إلا المشاكل، وأنا أعتبرك أختي الصغرى، لذلك من الأفضل أن تتخذي قرارك في أقرب وقت."

أظلمت عينا منى قليلا، ولم تبد حماسا كبيرا في ردها.

"حسنا، شكرا لك يا أخي على تنبيهي، سأفكر في الأمر مليا."

لاحظ يامن ترددها، فشعر بشيء من الشفقة تجاهها.

"منى، أعلم بوجود علاقة بينك وبين أخي... لكن أما زلت ترغبين في البقاء معه بعدما عاملك بهذه الطريقة؟"

أصابت كلماته جرحا قديما في قلب منى دون أن يدرك، فتلاشت ابتسامتها، ثم ظهر في عينيها شيء من السخرية.

"لا بد أنك أكثر من يعرف سبب بقائي معه، أليس كذلك؟"

أرادت أن ترسم حدا فاصلا بينها وبين يامن.

"كنت أول شخص لجأت إليه حينها."

بعد وفاة السيد ماجد السباعي المفاجئة، قرر الجد سباعي طردها هي ووالدتها من عائلة السباعي.

من بين جميع أفراد العائلة، كان يامن أقربهم إليها آنذاك، لكن عندما قصدته طالبة منه العون، رفض مساعدتها.

ولهذا... لم يسعها سوى اختيار ظافر.

عندما تطرقت إلى ذكر الماضي، لم يحتمل يامن سماعها، فمد يده فاقدا رباطة جأشه.

"منى، في الحقيقة كنت حينها..."

لكن لم تسنح له فرصة إكمال جملته، فقد انبعث ضوء سيارة ساطع نحوهما، مصيبا عيني يامن بوخز.

أدركت منى أن ظافر قد وصل.

"أخي، ادخل الآن، لا تعطل نفسك من أجلي."

لكن يامن ظل يحدق في السيارة القادمة دون أن يتحرك.

توقفت السيارة أمامهما، ثم انخفض زجاج نافذة السيارة، فرفع ظافر ذقنه.

"اركبي السيارة."

"سأغادر الآن يا أخي."

ودعت منى يامن، وما إن همت بالجلوس في مقعد الراكب الأمامي، حتى فتح ظافر باب السيارة لينزل منها.

"أنت من ستقودين السيارة."

ما إن تخرج من بوابة منزل عائلة السباعي، حتى تعود إلى كونها موظفة لدى ظافر، وهذه الأمور من صميم عملها.

دارت منى إلى الجهة الأخرى من السيارة، وعندما مر ظافر بجانب يامن، تبادلا نظرة أوشكت أن تشعل شرارة بينهما.

أثناء قيادتها السيارة، ظلت منى تفكر فيما قاله يامن منذ قليل، ترقرقت الدموع في مقلتيها، ربما بالنسبة لظافر قد تكون العلاقة بينهما مجرد صفقة، لكن ما لا يعلمه هو أنها...

كانت تعرف ظافر قبل انضمامها إلى عائلة السباعي، فقد كانا في المدرسة الثانوية نفسها، لكنه كان يكبرها بعامين دراسيين. كان ظافر آنذاك نجما خاطفا للأنظار، وبعيد المنال، بينما لم تكن هي سوى فتاة مغمورة لا يلتفت إليها أحد.

من السهل جدا الوقوع في الحب في سن السابعة عشرة، فقد كان ظافر مفعما بالحيوية والثقة حينها، أما اليوم فقد أصبح لعوبا، قليل الوفاء.

قاطع صوت فرقعة أصابعه شرودها: "فيم تفكرين؟"

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • ثلاثة أعوام من الغياب، أفقدت ظافر عقله تمامًا   الفصل 100

    ظل ظافر يحدق في المصاصة التي كانت في فم منى، وقد بدت شديدة اللمعان تحت الضوء الخافت: "الوزير الحكيم يختار سيده الذي يخدمه؟ لماذا أشعر من كلامك أنك تريدين تغيير عملك؟"منى: "لو كان بإمكاني، لغيرت عملي منذ وقت طويل."نظر إليها ظافر بنصف ابتسامة، مع نظرة ذات مغزى عميق: "أنا فضولي للغاية، ما الطريقة التي استخدمتها للوصول إلى صفي، حتى إنه لم يتردد في معاداة عائلة وفيق لمساعدتك؟"نظرت منى إلى تلك النظرات التي يصعب وصفها في عينيه، وفهمت على الفور المعنى الخفي وراء كلماته، فتغير لون وجهها قليلا، وأصبح صوتها باردا: "ماذا تقصد؟"ضحك ظافر ضحكة ساخرة، وأخذ نفسا عميقا من سيجارته، ثم أمال رأسه إلى الخلف ونفث الدخان في الهواء: "أنت ذكية إلى هذا الحد، فكيف يمكن ألا تفهمي ما أقصده؟"كادت منى أن تسحق المصاصة بين أسنانها، وامتلأت عيناها بمرارة لا حدود لها: "ظافر، أي نوع من النساء تظنني؟ هل أبيع نفسي؟"ارتسمت على زاوية شفتي ظافر الرفيعتين ابتسامة خفيفة، وبدا أن سؤال منى لم يحرك فيه أدنى قدر من الاضطراب.نهض من الكرسي، واتجه نحو منى وهو يقول: "يبدو صفي في ظاهره نبيلا ونقيا، لكنه في الحقيقة حذر وعميق، لا يظ

  • ثلاثة أعوام من الغياب، أفقدت ظافر عقله تمامًا   الفصل 99

    توقفت منى: "هل قال ما الأمر؟""لا." هزت فريدة رأسها، ثم عقدت حاجبيها وقالت بصوت منخفض: "لكني لاحظت أن ملامح وجهه لا تبدو على ما يرام."خفق قلب منى بقوة، وهي في الحقيقة لم تكن بحاجة إلى أن تسأل لتعرف أن الأمر يتعلق بمنصب المسؤولة.فكيف يمكن لظافر أن يسمح بأن تظلم حبيبته عبير!فريدة: "آنسة منى، هل هناك مشكلة؟"هزت منى رأسها مبتسمة: "لا شيء، اذهبي إلى عملك الآن، وسأذهب لأرى ما الأمر."في رحلة حياتها، كانت القاعدة الراسخة التي تسير عليها هي القضاء على كل من يقف في طريقها، فحتى ظافر نفسه عليه أن يفسح لها المجال.وقبل أن تدخل، أخرجت منى من جيبها مصاصة بنكهة الفراولة، ووضعتها في فمها، واختارت أن تطرق الباب مرتين قبل أن تدفعه وتدخل، ثم تغلقه.ولم تكد أن تستدير، حتى سمعت صوت ظافر الساخر يطن في أذنها: "أنت بهذه البراعة، فما حاجتك إلى طرق الباب؟ ربما بعد فترة، سأتنازل لك عن منصبي، وستجلسين بمكاني أنا أيضا."التفتت منى، بنبرة تجمع بين عزة النفس والتواضع: "إن كنت ترغب في التنازل عن منصبك، فتنازل الآن. دعك من منصبك هذا، فأنا لدي القدرة على أن أثبت نفسي في أي منصب، مهما كان شاغله."نظر إليها ظافر با

  • ثلاثة أعوام من الغياب، أفقدت ظافر عقله تمامًا   الفصل 98

    كانت تعلم أن عبير تتعمد ذلك، ولم يكن الأمر نابعا من مدى سماحتها، بل فقط للحفاظ على مظهرها.انتهى الاجتماع، وترك موعد توقيع العقد لوقت لاحق. وتعمد ظافر أن يجعل منى ترافق صفي إلى الطابق السفلي.في المصعد الزجاجي، كانت نبرة صفي تحمل ابتسامة، لكن دون سخرية: "ألم تتوقعي نتيجة اليوم؟"رفعت منى عينيها، فوجدت صفي يميل برأسه وينظر إليها.ابتسمت ابتسامة خفيفة: "كانت النتيجة غير متوقعة، وعلى أي حال، يكفي أنني حققت هدفي.""هكذا أصبح منصب المسؤولة من نصيبك بعدما تنازلت عنه عبير."كانت منى تضع إحدى يديها في جيب البدلة، واليد الأخرى مستندة بها إلى المسند خلفها، بجسد مائل قليلا في وقفة تنضح بالجرأة واللامبالاة: "فلتتنازل، فهي ابنة عائلة وفيق، وعلى أي حال، مهما فعلت، فلن أكون في نظر الجميع أفضل منها."رأى صفي في منى ظل ظافر، فضحك وعيناه تنظران إليها باهتمام، محدقا في عنقها النحيل: "أنت أفضل امرأة رأيتها في حياتي، لا تستهيني بنفسك أبدا، ففي نظري، أنت أقوى من عبير."وبينما كانت تستمع إلى كلمات صفي المجاملة والمواسية، لم تر منى في عينيه أي أثر لذلك، بل بدت وكأنها كلمات صادرة من القلب.ابتسمت منى بلا مبالا

  • ثلاثة أعوام من الغياب، أفقدت ظافر عقله تمامًا   الفصل 97

    ما إن قيلت تلك الكلمات، حتى وقعت أنظار الجميع في آن واحد على منى، فقد كان عرض الآنسة عبير مثاليا، فلماذا أصر السيد صفي على أن تعرض المساعدة منى خطتها أيضا؟ ثم كيف يمكن لمساعدة، مهما بلغت كفاءتها، أن تتفوق على عرض الآنسة عبير التي لا غبار عليها؟كان لا بد أن يثير الأمر الشكوك ما لم يقدم صفي سببا مقنعا: "يتردد في الأوساط أن المساعدة منى أكثر مساعدي السيد ظافر كفاءة، كما أنها كانت المسؤولة عن هذا المشروع سابقا. أعتقد أنها لا يمكن الاستهانة بها، أنا رجل أعمال، ومن الطبيعي أن تكون المصلحة في المقام الأول."ابتسم صفي ببراءة: "هل لدى السيد ظافر والآنسة عبير أي اعتراض؟"رفع ظافر عينيه ببرود: "بما أن السيد صفي طلب منك أن تتحدثي، فتحدثي."ولتظهر عبير سعة صدرها، سارعت إلى مجاراته: "أجل يا منى، لا داعي للقلق، قولي ما تريدين قوله، فأنا أيضا لدي بعض القصور."لم تتردد منى، بل صعدت إلى المنصة بثقة، وتسلطت الأضواء عليها. كانت ترتدي اليوم بدلة سوداء بالكامل، يحدد خصرها النحيل حزام مطلي بالذهب، وقد شمرت أكمامها حتى المرفقين كعادتها، كاشفة عن ساعدين أبيضين نحيلين، بينما ربطت شعرها المتموج كسنابل القمح في

  • ثلاثة أعوام من الغياب، أفقدت ظافر عقله تمامًا   الفصل 96

    كانت منى تمرر أصابعها على عضلات صدر ظافر القوية، وتشعر بوضوح بالقبضة التي اشتدت فجأة حول خصرها، وبأنفاس ظافر المضطربة: "هل يمكن للمال أن يشتري أي شيء حقا؟"أمسك ظافر بيدها التي تعبث به وطبع قبلة على راحة يدها: "المال لا يمكنه شراء كل شيء، ولكن من دونه، لا يمكن شراء أي شيء.""أنت محق."ثم سألته على سبيل الاستطلاع: "لو أنني لم آت اليوم، أو لم أجد الدليل الذي يثبت براءة فريدة، ماذا كنت ستفعل؟"كان ظافر يقبل عنقها، دافعا ذقنها إلى الأعلى تدريجيا، حتى اضطرت إلى إمالة رأسها للخلف.سمعته يقول بجانب أذنها: "منى، ينبغي أن تكوني على علم تام بأن مجموعة السباعي، وإن كانت لا ترغب في وجود أشخاص دنيئين مثل ليلى، فإنها أيضا لا تتساهل مع عديمي الكفاءة."تنفست منى بصعوبة: "فريدة ليست عديمة الكفاءة." ابتسم ظافر ابتسامة خفيفة: "إن لم تكن كذلك، فكيف عجزت حتى عن إنقاذ نفسها؟ حتى لو كنت أعلم أنها بريئة، فما دامت عاجزة عن إثبات براءتها بنفسها، فلن أبقيها. شخص بهذه الدرجة من الغباء لن يجلب سوى الضرر إلى إرث عائلة السباعي الممتد منذ مئة عام. وبالطبع، لا مكان إلى جانبي لمن لا فائدة منه."خفضت منى رأسها، وعضت تف

  • ثلاثة أعوام من الغياب، أفقدت ظافر عقله تمامًا   الفصل 95

    "كثيرة الكلام، ومزعجة."ألقى ظافر جملته، وكأنها أمر مباشر، فسارع أفراد الأمن إلى تنفيذها. وفي اللحظة التي كادت فيها فضيحة أخرى أن تندلع، توقفت، لكن الجميع سمع بوضوح مدى استياء ليلى في النهاية.انتهى الأمر، وكان كل من احتشدوا في الجوار على قدر كبير من النباهة وحسن التصرف، فسرعان ما انصرفوا بكل احترام.أما عبير، فبدت هادئة نسبيا، ولم تظهر عليها أي علامات ذعر، لكنها ألقت نظرة سريعة تحمل شيئا من تأنيب الضمير على منى.ابتسمت منى ابتسامة خفيفة، لكنها لم تقل شيئا.في هذا الوسط، أبناء العائلات العريقة وأصحاب النفوذ لا يلوثون أيديهم أبدا عندما يريدون فعل شيء ما، فهناك دائما الكثيرون ممن يتسابقون إلى التضحية بأنفسهم من أجلهم. وطالما ظلت عبير تحمل لقب ابنة عائلة وفيق، وطالما ظلت عائلة وفيق شامخة لم تسقط، فلن تتمكن منى من فعل شيء حيالها.تقدمت عبير نحوها: "منى، لقد تحملت أنت وفريدة الظلم بسبب ما حدث اليوم."التقطت منى السوار المسروق، كان مصنوعا من الذهب الخالص ومرصع بالأحجار الخمسة، وكان يعكس وميضا ساطعا، ثم رفعت يد عبير: "سأساعدك على ارتدائه بنفسي يا زوجة أخي."وكما تمكنت من إلباس عبير هذا السوا

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status