Share

الفصل 6

Author: واهبة النور
عندما وصلت منى إلى مقر الشركة، استقبلتها فريدة بحماس، بل بدا عليها السرور أكثر من منى.

"منى، لو كنا نعلم أن السيد ظافر سينتقم لك، لما تكبدنا عناء التواصل مع الصحف، حتى أنك تساهلت معها من قبل، لكن انظري ماذا حدث بمجرد تدخل السيد ظافر، لقد دمر مستقبل شيرين تماما."

حتى فريدة ظنت أن ظافر هو من دبر الأمر في الخفاء، فكيف ببقية الناس؟

لم توضح لها منى الحقيقة، فبما أن ظافر لم ينو مساعدة شيرين، فلا بأس أن يظن الجميع أن ظافر دافع عنها.

هكذا ستقل مضايقات الآخرين لها، إذن لم لا تستفيد من ذلك؟

كان الطقس كئيبا باردا فوق العادة، فقد بدت الغيوم الكثيفة وكأنها ستبتلع كل شيء.

بعد خروج ظافر من منزل العائلة، بدت تعابيره أسوأ مما كانت عليه قبل دخوله.

كان من النادر أن يظهر ظافر تعابيرا كهذه بطبيعته المستهترة والمتمردة والمتغطرسة.

أخرج سيجارة ووضعها بين شفتيه، فأطرق برأسه ليشعلها بعد أن هب لهيب الشعلة، وتصاعد الدخان الرمادي ليلتف حوله، بينما احترق طرف السيجارة شيئا فشيئا.

في تلك اللحظة، توقفت إلى جواره سيارة برتقالية فاخرة، ثم انخفض زجاج نافذة مقعد السائق ببطء، كاشفا عن وجه شريف هاني الوسيم، الذي يحمل ملامح الاستهتار والتهور.

"ذهبت إلى الشركة لأراك، لكن لم أتوقع ألا أراك هناك."

ألقى عليه ظافر نظرة عابرة والسيجارة لا تزال بين شفتيه، وضع يديه على خصره بلا اكتراث، ثم قال بكلمات خرجت غير واضحة: "لماذا أردت رؤيتي؟"

أمسك شريف المقود بإحدى يديه، وأسند الأخرى إلى حافة باب السيارة، متكئا باسترخاء.

"ألا يمكنني رؤيتك بلا سبب؟ أتيت لأشرب معك بالطبع."

فتح ظافر باب السيارة وجلس بداخلها.

سأله شريف: "سمعت أنك ستتزوج، أهذا صحيح؟"

ضم ظافر السيجارة بين شفتيه، وأرخى جفنيه، وبدا مسترخيا باردا.

"من أخبرك؟ يامن؟"

"ومن غيره؟"

ارتفع صوت محرك السيارة في الخارج، ارتسمت ملامح الفضول على وجه شريف.

"لكن لماذا قررت الزواج فجأة؟ ومن هي العروس؟"

لم يجب ظافر هذه المرة.

"وماذا عن منى؟ ماذا تنوي أن تفعل بشأنها بعد أن ظلت معك طوال تلك السنوات."

ومن بين دائرة معارفه، كان شريف وحده من يجرؤ على التحدث بصراحة عن علاقته بمنى.

تدلت خصلات شعر ظافر السوداء على جبينه، وبدت رموشه في مثل سواد ريش الغراب.

وخلال اندفاع السيارة بسرعة هائلة، تعاقبت خطوط الضوء والظل على وجهه، لتبرز ملامحه المنحوتة بدقة، بينما ظل صامتا كالتمثال.

نظر شريف إلى صديقه المقرب، فأدرك أن هذا أمر حساس، ولام نفسه على تسرعه في الكلام دون تفكير، فحك أنفه بحرج، ثم غير الموضوع بهدوء.

"سمعت أن عبير وفيق ستعود من إنجلترا، لم نرها منذ سنوات، ويقال إنها كبرت وأصبحت جميلة، ورائعة القوام، ألا يجدر بنا أن نقيم لها حفلة استقبال بحكم صداقتنا القديمة؟"

بدا ظافر هادئا متزنا، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة غامضة.

"سنرى ذلك لاحقا."

واصل شريف القيادة بسلاسة، فضغط بطرف لسانه على باطن خده.

"يا لك من بارد! ألا تذكر ليلة سفر عبير إلى الخارج؟ شربت حتى أصبت بنزيف في المعدة، وفي النهاية نقلت إلى المستشفى لإنقاذك."

وعندما تطرق إلى تلك الفترة من الماضي، ازدادت نظرات ظافر برودة، فأدرك شريف أنه قد نبش جرحا قديما لديه، لذلك لم يعد يتحدث عنها...

توجه كلاهما إلى جناح خاص في ملهى الإمبراطور لاحتساء الشراب، وبعد أن ظهر مفعول النبيذ على شريف، عاد يتحدث عن منى مرة أخرى.

"بالمناسبة، كنت أظن أن منى ستتزوج أخاك الأكبر يامن، فقد لاحظت أنها تكن المشاعر تجاهه."

ما إن سمع ظافر ذلك، حتى انعكس بريق بارد من زر كمه المصنوع من الألماس، وشد مفاصل أصابعه لتظهر عروقه بوضوح.

وتحت ظل الضوء الخافت، وضع كأسه على الطاولة بقوة، فدوى صوت ارتطام قوي، حتى إن شريف استفاق من سكره لشدة صدمته.

ما الذي أثار غضبه فجأة؟

كان شريف على وشك أن يسأله عن خطبه، لكنه رأى ظافر يأخذ سترته ليغادر الجناح الخاص بنظرات مكفهرة...

انسل الظلام عبر الواجهات الزجاجية التي لم تحجبها الستائر الشفافة، وفي الخارج لم تنقطع الحركة على الجسر العلوي، الذي امتد متعرجا حتى البحر، وكأنه بلا نهاية.

وعندما عاد ظافر من ملهى الإمبراطور، كانت منى قد غرقت في النوم.

نظر إلى موضعها تحت الغطاء على السرير الكبير، ثم خلع سترته وألقاها جانبا بإهمال.

صعد إلى الفراش، احتضنها من الخلف بينما كانت نائمة على جانبها، وألصق شفتيه الدافئتين بعنقها، فاستيقظت منى مذعورة.

"أهذا أنت... يا ظافر؟"

"من سيكون إذن؟، أيكون يامن؟"

بدأ ظافر يتشبث بأفكاره المتعنتة

"أتمنيت أن يكون يامن؟"

استفاقت منى تماما هذه المرة، حاولت أن تستدير، لكنه ثبتها.

"لا تتحركي... دعيني أضمك قليلا."

لفحت وجهها رائحة الكحول، فعقدت حاجبيها.

"هل شربت؟"

لكن ظافر تجاهل سؤالها، كان عنيدا للغاية، عض شحمة أذنها بخفة، ثم شدها بأسنانه برفق.

"لطالما كنت تحبين يامن، أليس كذلك؟"

"أنت ثمل."

ضمها ظافر بقوة، وزاد من إحكام عناقه لها.

"أريدك أن تجيبي عن سؤالي."

عندما كانت في منزل عائلة السباعي، كان يامن هو الأقرب إليها، لكن كان ذلك قبل وقوع تلك الحادثة فقط...

كان الجو مشحونا بالتوتر والخوف في الخارج، أما في الداخل، فلم تكن هناك سوى مشاعر ملتهبة.

وفي منتصف الليل، حين يكون العقل في أبطأ حالاته، استنزف ظافر آخر ما تبقى من صبرها، فبدأت تتحدث دون حذر مصممة على معاندته.

"نعم، أنا أحب يامن... لطالما أحببته، أهذا يكفي؟ هل أصبحت راضيا الآن؟"

ثبتها ظافر تحته، فاستقرت ساقاه على جانبي خصرها النحيل، فقال بصوت حاد كسكين صقلت بالثلج القارس: "صحيح أنني لعوب مستهتر، لكن أتظنين أن يامن رجل فاضل؟ إنه ليس برجل صالح، ومن المحال أن تجمع بينكما أي علاقة."

اعتادت منى على نوبات جنون ظافر التي تنتابه بين الحين والآخر، لكن كلما واجهتها، تألمت رغما عنها.

إن استحالت علاقتها بيامن، فإن استحالة علاقتها بظافر أكبر.

أدركت حينها أن علاقتها بظافر قد شارفت على الانتهاء، فقد انتهت تلك الليلة بشجار شديد بينهما.

عندما استيقظت منى في الصباح، كان المكان المجاور لها في السرير فارغا، وقد كان باردا عندما لمسته.

وجدت ورقة لاصقة عند رأس السرير، كتب عليها بضع كلمات حازمة ومقتضبة: "سأكون في رحلة عمل."

كانت منى أكثر من يعرف جدول أعمال ظافر، ولم يتضمن أي رحلة عمل بحسب ما تتذكر، بدا لها أن طباع النجل الثري المدلل قد عادت لتظهر من جديد.

مزقت منى اللاصقة إلى قطع صغيرة، ثم ألقتها في سلة المهملات.

بعد ساعة، وما إن وصلت منى إلى مقر الشركة، حتى سارعت فريدة باستقبالها، واقتربت منها لتهمس في أذنها.

"منى، السيد يامن عضو مجلس الإدارة وصل، وهو الآن في مكتب السيد ظافر."

كان يامن أحد مساهمي المجموعة وعضوا في مجلس إدارتها، لذلك كان الجميع في الشركة ينادونه بالسيد يامن عضو مجلس الإدارة.

انتاب منى شيء من القلق في لحظة، فقد أتى يامن بمجرد مغادرة ظافر.

"هل تعرفين سبب قدومه؟"

هزت فريدة رأسها نافية.

"لا أعرف."

ربتت منى على كتفها.

"حضري فنجانا من القهوة."

لم تمض سوى لحظات حتى أصبحت القهوة جاهزة، أخذت منى الفنجان ودخلت إلى مكتب الرئيس التنفيذي.

كان يجلس على الكرسي مديرا ظهره إليها، ممسكا بكتاب يطالعه، أما سترته فكانت معلقة على ظهر الكرسي، وكان يرتدي قميصا رسميا.

ولو لم يكن أحد يعرف حقيقة الأمر، لظن أن يامن هو صاحب هذا المكتب.

تماسكت منى، ولم يظهر على وجهها أي انفعال.

"ما الذي أتى بك أخي يامن؟"

استدار يامن، ووضع الكتاب الذي كان بيده جانبا، وارتسمت على وجهه الوسيم الهادئ ابتسامة رقيقة.

"ألن ترحبي بي؟"

"وكيف لا؟"

وضعت فنجان القهوة إلى جواره، ثم جلست على المقعد المقابل له، ودخلت في صلب الموضوع.

"ما الأمر يا يامن؟"

"سمعت أن ظافر سافر إلى مهمة عمل، فأتيت لألقي نظرة لا أكثر."

لم تتوقع منى أن يعترف بذلك بهذه الصراحة، يبدو أنه لا يوجد شخص سهل المراس في عائلة السباعي.

حتى يامن، الذي كان يوما ما أقرب شخص إليها، اتضح أن حسن خلقه ورقيه وبعده عن الصراعات وكل صفاته تلك لم تكن سوى قناع يتخفى وراءه.

ارتشف يامن رشفة من القهوة، فأخذ يمدحها بسخاء.

"القهوة التي تعدينها يا منى لا تزال رائعة كما كانت في الماضي..."

تلاشت ابتسامة منى، فقد كانت تدرك أن يامن لم يأت لمجرد أن يثني على قهوتها.

"كان ظافر يصطحبك معه كلما سافر في مهمة عمل، أما هذه المرة..."

بينما راح يامن يلمح لها دون تصريح، بدت منى غير مكترثة.

"يعود ذلك إليه."

ظل يامن يحدق فيها، وكأنه يحاول أن يستشف الحقيقة من عينيها.

ثم وضع فنجان القهوة، وذكر الأمر على نحو يوحي بعفويته.

"كيف تسير صفقة الاستحواذ على شركة النهضة؟"

خفت بريق عيني منى، كما توقعت... أتى بسبب صفقة الاستحواذ.

"كل شيء يسير على ما يرام حتى الآن."

شبك يامن أصابع يديه ووضعهما على الطاولة.

"من المرجح أن يتم استبدال المسؤول عن هذا المشروع."

ما إن سمعت ذلك حتى تجمدت ملامح منى للحظة، وقبضت على أصابعها، وتذكرت ما قاله سمير بالأمس...

"هل هذه معلومة مؤكدة؟"

لم يرد يامن أن يخفي عنها شيئا، فقال بعد أن فكر قليلا: "أغلب الظن أن هذا قرار جدي، وقد رشح شخصا آخر لهذا المنصب من جهته."

انعقدت ملامح منى قليلا، فإذا صح ذلك، فسيتعين عليها التخلي عن منصبها لشخص آخر، إلا إذا دافع عنها ظافر وأصر على الإبقاء عليها.

كانت الغاية من زيارة يامن هي إبلاغها بهذا الخبر، لكنه لم يغادر بعد ذلك، بل أصر على انتظار انتهاء دوامها، ليدعوها إلى تناول العشاء.

فشعرت منى أنه ليس من اللائق رفض دعوته، فذهبا معا لتناول الطعام في مطعم ما.

لاحظت منى تردده في الحديث، فقد بدا وكأنه يريد أن يقول لها شيئا ما، لكن بدا مترددا، لذلك ظل صامتا ولم ينطق به، وهي لم ترغب في سؤاله أيضا.

وعندما غادرا المطعم، كان برد الربيع لا يزال قارسا، وكانت الرياح الباردة تعصف بقوة.

ولأن منى كانت ترتدي ثوبا خفيفا، خلع يامن سترته ووضعها على كتفيها، تساءلت إن كان ذلك مجرد وهم منها، لكن بدا لها أن يامن في تلك الليلة أكثر لطفا واهتماما بها من أي وقت مضى.

لم يسيرا سوى بضع خطوات حتى تعثرت منى دون قصد، لكن لحسن حظها، سندها يامن في الوقت المناسب، لكنها سقطت بين ذراعيه عن غير قصد.

وفي تلك اللحظة... التقطت كاميرا كانت على مقربة منهما هذا المشهد خلسة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ثلاثة أعوام من الغياب، أفقدت ظافر عقله تمامًا   الفصل 100

    ظل ظافر يحدق في المصاصة التي كانت في فم منى، وقد بدت شديدة اللمعان تحت الضوء الخافت: "الوزير الحكيم يختار سيده الذي يخدمه؟ لماذا أشعر من كلامك أنك تريدين تغيير عملك؟"منى: "لو كان بإمكاني، لغيرت عملي منذ وقت طويل."نظر إليها ظافر بنصف ابتسامة، مع نظرة ذات مغزى عميق: "أنا فضولي للغاية، ما الطريقة التي استخدمتها للوصول إلى صفي، حتى إنه لم يتردد في معاداة عائلة وفيق لمساعدتك؟"نظرت منى إلى تلك النظرات التي يصعب وصفها في عينيه، وفهمت على الفور المعنى الخفي وراء كلماته، فتغير لون وجهها قليلا، وأصبح صوتها باردا: "ماذا تقصد؟"ضحك ظافر ضحكة ساخرة، وأخذ نفسا عميقا من سيجارته، ثم أمال رأسه إلى الخلف ونفث الدخان في الهواء: "أنت ذكية إلى هذا الحد، فكيف يمكن ألا تفهمي ما أقصده؟"كادت منى أن تسحق المصاصة بين أسنانها، وامتلأت عيناها بمرارة لا حدود لها: "ظافر، أي نوع من النساء تظنني؟ هل أبيع نفسي؟"ارتسمت على زاوية شفتي ظافر الرفيعتين ابتسامة خفيفة، وبدا أن سؤال منى لم يحرك فيه أدنى قدر من الاضطراب.نهض من الكرسي، واتجه نحو منى وهو يقول: "يبدو صفي في ظاهره نبيلا ونقيا، لكنه في الحقيقة حذر وعميق، لا يظ

  • ثلاثة أعوام من الغياب، أفقدت ظافر عقله تمامًا   الفصل 99

    توقفت منى: "هل قال ما الأمر؟""لا." هزت فريدة رأسها، ثم عقدت حاجبيها وقالت بصوت منخفض: "لكني لاحظت أن ملامح وجهه لا تبدو على ما يرام."خفق قلب منى بقوة، وهي في الحقيقة لم تكن بحاجة إلى أن تسأل لتعرف أن الأمر يتعلق بمنصب المسؤولة.فكيف يمكن لظافر أن يسمح بأن تظلم حبيبته عبير!فريدة: "آنسة منى، هل هناك مشكلة؟"هزت منى رأسها مبتسمة: "لا شيء، اذهبي إلى عملك الآن، وسأذهب لأرى ما الأمر."في رحلة حياتها، كانت القاعدة الراسخة التي تسير عليها هي القضاء على كل من يقف في طريقها، فحتى ظافر نفسه عليه أن يفسح لها المجال.وقبل أن تدخل، أخرجت منى من جيبها مصاصة بنكهة الفراولة، ووضعتها في فمها، واختارت أن تطرق الباب مرتين قبل أن تدفعه وتدخل، ثم تغلقه.ولم تكد أن تستدير، حتى سمعت صوت ظافر الساخر يطن في أذنها: "أنت بهذه البراعة، فما حاجتك إلى طرق الباب؟ ربما بعد فترة، سأتنازل لك عن منصبي، وستجلسين بمكاني أنا أيضا."التفتت منى، بنبرة تجمع بين عزة النفس والتواضع: "إن كنت ترغب في التنازل عن منصبك، فتنازل الآن. دعك من منصبك هذا، فأنا لدي القدرة على أن أثبت نفسي في أي منصب، مهما كان شاغله."نظر إليها ظافر با

  • ثلاثة أعوام من الغياب، أفقدت ظافر عقله تمامًا   الفصل 98

    كانت تعلم أن عبير تتعمد ذلك، ولم يكن الأمر نابعا من مدى سماحتها، بل فقط للحفاظ على مظهرها.انتهى الاجتماع، وترك موعد توقيع العقد لوقت لاحق. وتعمد ظافر أن يجعل منى ترافق صفي إلى الطابق السفلي.في المصعد الزجاجي، كانت نبرة صفي تحمل ابتسامة، لكن دون سخرية: "ألم تتوقعي نتيجة اليوم؟"رفعت منى عينيها، فوجدت صفي يميل برأسه وينظر إليها.ابتسمت ابتسامة خفيفة: "كانت النتيجة غير متوقعة، وعلى أي حال، يكفي أنني حققت هدفي.""هكذا أصبح منصب المسؤولة من نصيبك بعدما تنازلت عنه عبير."كانت منى تضع إحدى يديها في جيب البدلة، واليد الأخرى مستندة بها إلى المسند خلفها، بجسد مائل قليلا في وقفة تنضح بالجرأة واللامبالاة: "فلتتنازل، فهي ابنة عائلة وفيق، وعلى أي حال، مهما فعلت، فلن أكون في نظر الجميع أفضل منها."رأى صفي في منى ظل ظافر، فضحك وعيناه تنظران إليها باهتمام، محدقا في عنقها النحيل: "أنت أفضل امرأة رأيتها في حياتي، لا تستهيني بنفسك أبدا، ففي نظري، أنت أقوى من عبير."وبينما كانت تستمع إلى كلمات صفي المجاملة والمواسية، لم تر منى في عينيه أي أثر لذلك، بل بدت وكأنها كلمات صادرة من القلب.ابتسمت منى بلا مبالا

  • ثلاثة أعوام من الغياب، أفقدت ظافر عقله تمامًا   الفصل 97

    ما إن قيلت تلك الكلمات، حتى وقعت أنظار الجميع في آن واحد على منى، فقد كان عرض الآنسة عبير مثاليا، فلماذا أصر السيد صفي على أن تعرض المساعدة منى خطتها أيضا؟ ثم كيف يمكن لمساعدة، مهما بلغت كفاءتها، أن تتفوق على عرض الآنسة عبير التي لا غبار عليها؟كان لا بد أن يثير الأمر الشكوك ما لم يقدم صفي سببا مقنعا: "يتردد في الأوساط أن المساعدة منى أكثر مساعدي السيد ظافر كفاءة، كما أنها كانت المسؤولة عن هذا المشروع سابقا. أعتقد أنها لا يمكن الاستهانة بها، أنا رجل أعمال، ومن الطبيعي أن تكون المصلحة في المقام الأول."ابتسم صفي ببراءة: "هل لدى السيد ظافر والآنسة عبير أي اعتراض؟"رفع ظافر عينيه ببرود: "بما أن السيد صفي طلب منك أن تتحدثي، فتحدثي."ولتظهر عبير سعة صدرها، سارعت إلى مجاراته: "أجل يا منى، لا داعي للقلق، قولي ما تريدين قوله، فأنا أيضا لدي بعض القصور."لم تتردد منى، بل صعدت إلى المنصة بثقة، وتسلطت الأضواء عليها. كانت ترتدي اليوم بدلة سوداء بالكامل، يحدد خصرها النحيل حزام مطلي بالذهب، وقد شمرت أكمامها حتى المرفقين كعادتها، كاشفة عن ساعدين أبيضين نحيلين، بينما ربطت شعرها المتموج كسنابل القمح في

  • ثلاثة أعوام من الغياب، أفقدت ظافر عقله تمامًا   الفصل 96

    كانت منى تمرر أصابعها على عضلات صدر ظافر القوية، وتشعر بوضوح بالقبضة التي اشتدت فجأة حول خصرها، وبأنفاس ظافر المضطربة: "هل يمكن للمال أن يشتري أي شيء حقا؟"أمسك ظافر بيدها التي تعبث به وطبع قبلة على راحة يدها: "المال لا يمكنه شراء كل شيء، ولكن من دونه، لا يمكن شراء أي شيء.""أنت محق."ثم سألته على سبيل الاستطلاع: "لو أنني لم آت اليوم، أو لم أجد الدليل الذي يثبت براءة فريدة، ماذا كنت ستفعل؟"كان ظافر يقبل عنقها، دافعا ذقنها إلى الأعلى تدريجيا، حتى اضطرت إلى إمالة رأسها للخلف.سمعته يقول بجانب أذنها: "منى، ينبغي أن تكوني على علم تام بأن مجموعة السباعي، وإن كانت لا ترغب في وجود أشخاص دنيئين مثل ليلى، فإنها أيضا لا تتساهل مع عديمي الكفاءة."تنفست منى بصعوبة: "فريدة ليست عديمة الكفاءة." ابتسم ظافر ابتسامة خفيفة: "إن لم تكن كذلك، فكيف عجزت حتى عن إنقاذ نفسها؟ حتى لو كنت أعلم أنها بريئة، فما دامت عاجزة عن إثبات براءتها بنفسها، فلن أبقيها. شخص بهذه الدرجة من الغباء لن يجلب سوى الضرر إلى إرث عائلة السباعي الممتد منذ مئة عام. وبالطبع، لا مكان إلى جانبي لمن لا فائدة منه."خفضت منى رأسها، وعضت تف

  • ثلاثة أعوام من الغياب، أفقدت ظافر عقله تمامًا   الفصل 95

    "كثيرة الكلام، ومزعجة."ألقى ظافر جملته، وكأنها أمر مباشر، فسارع أفراد الأمن إلى تنفيذها. وفي اللحظة التي كادت فيها فضيحة أخرى أن تندلع، توقفت، لكن الجميع سمع بوضوح مدى استياء ليلى في النهاية.انتهى الأمر، وكان كل من احتشدوا في الجوار على قدر كبير من النباهة وحسن التصرف، فسرعان ما انصرفوا بكل احترام.أما عبير، فبدت هادئة نسبيا، ولم تظهر عليها أي علامات ذعر، لكنها ألقت نظرة سريعة تحمل شيئا من تأنيب الضمير على منى.ابتسمت منى ابتسامة خفيفة، لكنها لم تقل شيئا.في هذا الوسط، أبناء العائلات العريقة وأصحاب النفوذ لا يلوثون أيديهم أبدا عندما يريدون فعل شيء ما، فهناك دائما الكثيرون ممن يتسابقون إلى التضحية بأنفسهم من أجلهم. وطالما ظلت عبير تحمل لقب ابنة عائلة وفيق، وطالما ظلت عائلة وفيق شامخة لم تسقط، فلن تتمكن منى من فعل شيء حيالها.تقدمت عبير نحوها: "منى، لقد تحملت أنت وفريدة الظلم بسبب ما حدث اليوم."التقطت منى السوار المسروق، كان مصنوعا من الذهب الخالص ومرصع بالأحجار الخمسة، وكان يعكس وميضا ساطعا، ثم رفعت يد عبير: "سأساعدك على ارتدائه بنفسي يا زوجة أخي."وكما تمكنت من إلباس عبير هذا السوا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status