Masukأشرقت الشمس أخيراً فوق المقاطعة الباردة، لكن ظهورها لم يكن يعني الدفء؛ فقد سقطت خيوطها الشاحبة لتصنع تناقضاً بصرياً غريباً.
كان الضوء يسقط فوق "نادر" فيبدو وكأن الظلمة تطوقه وتغطيه من شدة المكر والكتمان، بينما كانت "إيڤيلين" تسير بجانبه وهي تضم ذراعيها حول صدرها بحركة دفاعية، ترتجف بعنف ليس من صقيع الصباح، بل من شدة الخوف والصدمة مما عاشته بسبب القرويين. كانت الأجواء بينهما مشحونة، كئيبة، ومثقلة بأسئلة لم تُنطق بعد. ظلت إيڤيلين صامتة لخطوات طويلة، مطأطئة رأسها، غير مصدقة أن الوجوه الباسمة التي استقبلتها بالترحاب كانت تخبئ خلف أقنعتها أفكاراً وحيل مسمومة. أما نادر، فقد لزم صمتاً مهيباً، ممرراً نظراته الرمادية نحو الأشجار، كما لو كان يفكر فعلياً في الخطوة التالية، ويعيد ترتيب أوراق هذه اللعبة التي أخذت منحنى أكثر تشويقاً مما خطط له. عندما وصلا إلى ضفة نهرٍ صغير يتدفق ماؤه بنقاء بارد وسط الغابة، توقفت إيڤيلين بإنهاك. التفت إليها نادر، ملاحظاً الشحوب والوجوم الذين يكسوان ملامحها الرقيقة، فقرر أن يعود لقناعه الودود ليخفف من حدة توترها. خطا نحو الماء، وانحنى بجسده المهندم يغسل وجهه بالماء المثلج، ثم التفت إليها متبسماً ورش بعض قطرات الماء الصغيرة نحو قدمي إيڤيلين: «يا فتاة!.. ما هذا العبوس! لقد نجونا بالفعل بأعجوبة، الا يستحق ذلك أن تكوني سعيدة!» نظرت إليه إيڤيلين، ورغم قتامة مشاعرها، إلا أن غسيل وجهها بالماء البارد وابتسامته العذبة جعلاها تبتسم، شعر نادر أنه قد نجح بالفعل في كسر جمود الخوف. لاحظ أنه ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، ونفضت قطرات الماء عنها قائلة: «أنت رجل غريب يا نادر.. كدنا نُذبح قبل ساعة، وأنت لا تزال تجد متسعاً لتكون مرحاّ». «اعتقد أنه من الجيد أن يكون المرء مرحاً مهما حدث، هكذا حتى وإن مات لن يحمل في قلبه ندماً»، قالها بتهكم مبطن وهو يساعدها على النهوض لإكمال الطريق والسير عبر الغابة بسرعة قبل أن يحل الغروب وتتحول الأشجار إلى حصن للظلام. وفيما كانا يخترقان الممرات الضيقة الغامضة، اقترحت إيڤيلين بنبرة حذرة: «نادر.. إن حلّ الليل علينا ونحن في عمق هذه الأحراش، أقترح أن نجد مكاناً آمناً لنختبئ فيه حتى الصباح. لن أتحمل مفاجأة أخرى كقرية الصيادين». التفت إليها بمرونة كاملة، وأجابها بنبرة تفيض بالدلال المصطنع: «كما تشائين يا زوجتي». توقفت إيڤيلين فجأة، واشتعلت وجنتاها بحمرة الغضب. التفتت إليه ورفعت يدها لتلكمه على كتفه بقوة غير متوقعة: «إياك أن تدعوني بهذا الاسم مجدداً! لقد صمتُّ أمام القرويين احتراماً للموقف، لكننا هنا وحدنا.. لستُ زوجتك!» تراجع نادر خطوة، وفرك كتفه بيده وهو يشعر بألم حقيقي وصادم سرى في عظامه. اتسعت عيناه مذهولاً من جرأتها؛ وقرّر في قرارة نفسه، خلف قناعه البارد، أنه لن يعيد مناداتها بذلك، ليس احتراماً لها، بل لأنها تبدو في ظاهرها لطيفة ورقيقة كأرنب بري، لكنها في الواقع شرسة للغاية ومفاجئة إذا ما تم استفزازها. بينما كانا يواصلان السير والصمت يعود تدريجياً، تناهى إلى مسامعهما صوت حفيف مريب؛ خطوات حذرة وتكسر لبعض الأغصان الجافة تحت قدم أحدهم في الأحراش القريبة، حتى أنها بدأت تحتهم. التفت نادر نحو إيڤيلين بسرعة، وهمس بحدة: «كوني حريصة.. ولا تصدري صوتاً بقدميكِ اللتين تتعثران دائماً!»، ظناً منه أن خلخلة خطواتها هي صاحبة الصوت. لكن إيڤيلين نظرت إليه بوجل وثبات، وهمست في وجهه: «الصوت ليس مني يا نادر.. إنه قادم من ناحيتك أنت، الصوت بالتأكيد ليس صادراً عني!» توقف الاثنان في ذهول كامل، يحدق كل منهما في عيني الآخر بعدم تصديق. وفي لحظة ما، اندفع شخص ما فجأة من بين الشجيرات الكثيفة! كان رجلاً مبعثر الشعر، يترنح، ويحمل في يده عصاً ذهبية مدببة الأطراف، يلوح بها بجنون واندفاع. قفزت إيڤيلين برعب نحو الخلف، بينما أصيب نادر بصدمة حقيقية جمدت أطرافه؛ إنه لا يعلم حقيقة ما يحدث! كيف يمكن لأحد أن يجرؤ على مهاجمته بداخل املاكه أو التحرك بحرية دون إذنه؟ حدث ما لم يكن يتوقعه إطلاقاً في أرضه! عجيب حقاً.. «اللعنة!» صرخ نادر بصوت غاضب ومرتفع وهو يقفز مذهولاً متفادياً ضربة العصا. وفي لحظة تالية، سكنت الحركة فجأة، ووقف الثلاثة ينظرون لبعضهم البعض تحت ضوء شمس الغابة المتسلل. تلاقت الأعين في مثلث من عدم التصديق الصادم.. عزازيل، إيڤيلين، ادريان! لم تصدق إيڤيلين عينيها؛ انطلقت كالسهم، وركضت بكامل شوقها وخوفها لترتمي في حضن أدريان بسعادة بالغة لا توصف. تشبثت به وهي تبكي وتضحك في آن واحد: «أيها الأحمق.. لقد أخفتنا! لكنني سعيدة حقاً برؤيتك.. ظننت أنني فقدتك ولن أراك مجدداً!» ثم ابتعدت عنه مسافة قصيرة، وأمسكت بيديه متفحصة إياه بقلق: «هل أنت بخير؟ لم يصبك مكروه من رجال عزازيل، صحيح؟ أخبرني!» كانت عينا ادريان متحجرتين تماماً كالرصاص. كان جسده يرتجف، ليس من الخوف الذي كاد يقتله، بل من التوتر والذهول والرعب الخالص وهو ينظر نحو "عزازيل" الواقف أمامه بكامل أناقته وبروده. خطا عزازيل نحو أدريان ببطء، وفي عينيه الرماديتين انبعثت ظلمة حالكة، ومكر لا قاع له. مَد يده الطويلة نحو أدريان ليصافحه، وقال بنبرة تفيض بالبرود القاتل: «مرحباً.. أنا نادر!» تسمر أدريان في مكانه. وفي تلك اللحظة المريرة، تذكر بوضوح شروط اللعبة الصارمة؛ القوانين القديمة المبرمة بينه وبين عزازيل. طالما بدأت اللعبة، لا يمكنه الإفصاح عن الأسرار أو البوح بهوية عزازيل، وإلا خسر الأرض وحياة إيڤيلين فوراً. أدرك أدريان بكامل وعية وشدة ملاحظته أن عزازيل قد عثر على إيڤيلين منذ زمن، بل وبدأ يعبث بعقلها ويتسلى بخوفها تحت اسم مستعار. كان الخوف ينهش قلب أدريان ويحرق جوفه، ولكنه بشكل ما تمالك نفسه بصعوبة بالغة. مد يده المرتجفة وصافح عزازيل، ضاغطاً على أسنانه وقرر في أعماقه أنه حتى لو لم يتمكن من البوح لإيڤيلين بحقيقة هذا الوحش، فإنه سيحميها منه مهما كلفه الأمر ومهما كانت شروط العهد قاسية. على الجانب الآخر، كان عزازيل ينظر إلى أدريان المحطم بازدراء واضح، لكن في زاوية خفية من عينيه عكست نظراته شيئاً غريباً.. شيئاً يشبه الغيرة الحارقة وهو يرى إيڤيلين ترتمي في حضن غريمه بتلك التلقائية والنقاء. وبخ عزازيل نفسه داخلياً بقسوة: "لا تكن احمقاً! إنه فقط اندفاعكِ لقتلها وجعلها فريسة في لعبتك هو ما خلط مشاعرك.. بالتأكيد سينتهي كل هذا الوهم مع نهاية اللعبة وسحقهما معاً". كان عزازيل لا ينوي قتل أدريان في بادئ الأمر، هو فقط أراد ذلك الأرنب الهارب، إلا أنه بعدما قابله هنا، ورأى كيف اندفعت نحوه إيڤيلين، حتى تملك الغضب العارم من قلبه، وأصبح يشبه شعلة من النار الملتهبة، تأكل بعضها بشكل جنوني، وعلى الرغم من أنه لم يفهم سبب إحساسه بالغضب، إلا أنه وبشكل ما انساق رغماً عنه، وبدأ كما لو أنه استسلم تماماً لهذه الكراهية. التفتت إيڤيلين متطلعةً إليهما، دون أن تدري أن خط النيران قد اشتعل تماماً بين الرجلين تحت ظلال أشجار الغابة الباردة.نهضت السيدة إيلين بوقار متغطرس، عاد معه البرود يكسو ملامحها الأرستقراطية. مشت بخطى واثقة خارج القصر، لكنها توقفت بهدوء عند عتبة الباب، والتفتت بنصف جسدها نحو الخادمة، وقالت بصوت رقيق: «سأمكث في هذا القصر.. جهزي لي جناحاً خاصاً فوراً.» علت علامات الحيرة والذهول وجه الخادمة العجوز، لكن سنوات الخدمة الطويلة علمتها ألا تبدي أي رد فعل سوى الطاعة المطلقة؛ فانحنت برأسها ومضت لتنفيذ الأمر. في تلك الأثناء، لم تفارق عينا إيڤيلين قوام تلك المرأة الجميلة وهي تبتعد، وشعرت بغموض يلف وجودها الغريب. مرّ ذلك اليوم برتابة غريبة وخانقة؛ كانت الساعات بطيئة للغاية، ومع مرور الوقت يزداد القصر صمتاً. شعرت إيڤيلين في تلك العزلة بوحشة تجتاح صدرها؛ فقد اعتادت طوال الأوقات الماضية على مشاكسات نادر التي كانت تضفي حيوية على أيامها، وعلى حنان أدريان الدافئ الذي كان يحيطها كدرع حامٍ. أما الآن.. فقد وجدت نفسها فجأة وحيدة تماماً، بلا أصدقاء يؤنسون غربتها، وبلا حب يلازم دقات قلبها المكسور. ولكن، وعلى الرغم من سوداوية الموقف، تذكرت ذلك الشاب ماريو. لقد امتدت يدٌ أخرى غريبة لتنقذها وتنتشلها من حزنها،
دخلت إيڤيلين إلى ذلك القصر الغامض، وما إن خطت عتبته حتى تقدمت نحوها خادمة عجوز ذات ملامح وقورة، وانحنت برأسها في هدوء وطاعة تامة، ثم قادتها بصمت عبر السلالم الرخامية العريضة إلى الطابق الرئيسي. كان الممر طويلاً ومهيباً، تتوزع على جانبيه أبواب لغرف مغلقة بإحكام، وفي نهايته استقرت غرفة النوم الرئيسية وجناح منفصل للاستحمام. وقفت الخادمة عند الباب، وقالت بصوت خفيض وناعم: «سيدتي.. هناك كل ما تحتاجين إليه في الغرفة، إذا أردتِ المساعدة في أي وقت ناديني فقط، وسألبي كل طلباتكِ.» تردد صدى الكلمة في مسامعها بشكل مريب، وهمهمت إيڤيلين في صدرها متسائلة: "سيدتي! أنا؟". لكنها لم تُظهر للخادمة أي أثر لحيرتها، بل اكتفت بشكرها بابتسامة باهتة ودخلت إلى دفء الغرفة الرئيسية مغلقة الباب خلفها. كانت تودّ لو تجلس لتجمع شتات أفكارها المبعثرة، إلا أن رأسها كان ثقيلاً للغاية، تشعر فيه بوخز عنيف جراء البكاء الطويل تحت المطر البارد. أدركتْ أن جسدها المتعب يطلب منها الراحة، وأنه سيكون من الحكمة أن تنال قسطاً من النوم قبل أن تفكر في خطوتها التالية في هذا العالم المجهول. اتجهت إلى الحمام، وملأت حوض ال
كان عزازيل يركض في تلك الأزقة المظلمة كالمجنون، يمزق الضباب المبلل بخطواته المتسارعة، حتى كادت أنفاسه المتقطعة تتوقف في صدره من شدة القلق. وما إن دار في الممرات الضيقة وشعر بأن هذه المدينة الحجرية الغامضة قد ابتلعت إيڤيلين في جوفها المظلم دون أثر، حتى أكل الغضب الأعمى قلبه. تفجرت في عروقه طاقة وحشية، وبدأ يضرب بجنون كل ما يقابله في طريقه؛ ركل الجدران الحجرية العتيقة، وضرب البوابات الخشبية بقبضتيه العاريتين حتى سالت منهما الدماء، دون أن يفكر للحظة إن كان ذلك سيؤذيه أو يكسر عظامه. لقد تبدل كل شيء في صدره الآن؛ فيما مضى، كان يرغب في إيڤيلين ويبحث عنها لأنه يحبها بصدق، أما الآن.. فقد تملكته رغبة سوداء عارمة في الانتقام من أدريان! لقد آذاها وجرح براءتها، وجعلها تفرّ هاربة رغم المطر الظلام، وعزازيل لن يغفر له ذلك أبداً، وسيجعله يدفع الثمن غالياً بلا شك. على الجانب الآخر من الشارع الغارق في الضباب، كان أدريان يقف متسمراً تحت المطر الغزير، وعيناه الزرقاوان تتسعان بذهول وانكسار مرير. من مسافة ليست ببعيدة، رأى إيڤيلين وهي تصعد تلك العربة الفارهة بمساعدة ذلك الشاب الأسمر الغريب. لم
في ردهة ذلك البيت الحجري الصامت، أمام الباب المفتوح، يقف أدريان متيبساً كتمثالٍ من الجليد، عيناه غائبتان في الفراغ وقد شلّته الصدمة. تلك الصغيرة.. متى كبرت وأصبحت تمتلك هذا الغضب، لاطالما تشاجرا معاً، لكنها رغم ذلك كانت مطيعة ورقيقة للغاية. لم يتحرك جسد أدريان من شدة صدمته، كان كمن انتُزعت روحه من جسده بغتة. على بُعد خطوات منه، كانت تقف جوانا والذهول يغمر عينيها، مذهولة من قسوة عزازيل الذي دفعها بجفاء باحثاً عن فتاة أخرى تحت المطر. أظلم وجه جوانا، وفكرت سريعاً فيما ستفعل، ثم وبذكائها الملتوي، لم تدع الصدمة تسيطر عليها طويلاً. أخذت الأفكار الشيطانية تدور في عقلها كخيوط العنكبوت؛ وتهمس لنفسها: "هل سيكون انتقاماً كافياً ومثالياً من تلك اللصة إيڤيلين أن أختطف منها حبيبها أدريان، كما فعلت هي واختطفتْ مني عزازيل؟". بدت لها هذه الفكرة كخطة عبقرية تستحق التنفيذ بكل جدية. لكن.. هل يمكنها استمالة أدريان؟ فتاة جميلة مثلها ذات قوام أنثوي مغري لابد أنها قادرة على فعل ذلك بالتأكيد! تحركت جوانا بخطوات متمهلة ومترنحة، تفيض بالأنوثة الطاغية. مرت بجانبه، وساقاها العاريتان الفاتنتان
ارتجفت شفتا إيڤيلين وهي تتراجع خطوة إضافية إلى الخلف، ونظرت إليه بعينين يشتعل فيهما مزيجٌ صارخ من الألم والإهانة، وقالت بنبرة حادة غاضبة قطعت سكون الغرفة: «ماذا تظن نفسك فاعلاً؟!» ابتعد عنها أدريان ببطء، وعيناه غائمتان بضبابٍ كثيف من الحب والشوق الذين عجز عن كبحهما. تطلع إليها بضياع، يرغب أن يعيدها إلى حضنه مرة أخرى، وقبل أن ينطق بأي كلمة، كانت صفعة إيڤيلين القوية قد دوت في أرجاء الغرفة الحجرية. ساد صمتٌ رهيب. مال رأس أدريان جانباً من أثر الصفعة، وما إن رفعه ببطء ونظر إليها، حتى رآها قد انتفضت واقفة والغضب يعصف بكيانها. تقدمت بخطوات متسارعة نحو الباب، وفتحته على مصراعيه، ثم أشارت بإصبع مرتجف إلى الخارج قائلة بنبرة آمرة تخنقها العبرات: «اخرج.. لو سمحت!» لم يتحرك أدريان من مكانه فوراً. حدق في الباب المفتوح، ثم نقل نظراته إليها. بدلاً من الانكسار، تملكه ذلك البرود العقلاني المستفز مجدداً كدرعٍ يحمي كبرياءه الجريح. تقدم نحوها بخطى بطيئة وهادئة للغاية، حتى أن ذلك جعله يبدو كشخص من الطبقة العليا.. مما جعلها تنتفض غضباً. هل يشعر أن بمقدوره استغلال حاجتها لحمايته! هل يعتق
على الجانب العلوي من ذلك البيت الحجري، حيث الممرات أشد عتمة وبرودة، كان أدريان يقف كتمثالٍ من الرخام أمام باب إيڤيلين المغلق. ساعاتٌ طوال مرت وهو مرابطٌ في مكانه، لم يتحرك خطوة واحدة بعيداً عن عتبتها. رغم أنه سمع قبل قليل صوت ارتطامٍ مكتوم لبعض الأغراض في الداخل—صوتٌ يوحي بأن روحها الصغيرة تتخبط في حزنها—إلا أنه لم يتجرأ على مد يده لفتح الباب. كان هناك صراعٌ مرير يمزق صدره؛ من جهة، كان كبرياؤه الجريح يكبله، مانعاً إياه من التقدم خوفاً من أن يتلقى صفعة الرفض للمرة الثانية، وهو الذي لم يعتد الرفض قط. ومن جهة أخرى، كان يخشى غضبه العارم؛ خائفاً عليها من ثورة مشاعره، مرعوباً من أن يفرغ شحنة ضيقه في وجهها الرقيق فيؤذيها دون قصد. مر الوقت ثقيلاً كأنه جبلٌ جاثم فوق أنفاسه، وشعر بصدره يضيق حتى كاد يختنق. في الخارج، بدأت الرياح تعبث بأغصان الأشجار بعنفٍ أكبر، محدثةً ضجةً مخيفة واصطداماً مرعباً بالزجاج، ضجة زادت من وحشة الممر وجعلت أدريان يشعر بوحدةٍ قاتلة تنهش روحه. اتكأ بظهره المتعب على باب غرفتها الخشبي الثقيل، ورفع رأسه ببطء يحدق في السقف المظلم المليء بالظلال. في تلك اللحظ