LOGINلم تكن خيوط الشمس الشاحبة التي تسللت عبر الضباب كافية لإذابة الجليد غير المرئي الذي جمد الممر الصخري الضيق؛ بل زادت الأجواء التواءً وغموضاً.
سار الثلاثة بمحاذاة المنحدر، وكان نادر ــ برغم المواجهة المشحونة السابقة ونظرات أدريان التي كانت تصوب نحوه كخناجر صامتة ــ يبدو بارد الطبع للغاية، غير مبالٍ بالعداء الصامت المحيط بهما. لم يخلع قناعه الساخر والمرح للحظة واحدة، متعمداً ألا يترك ثغرة تلفت انتباه إيڤيلين. على الجانب الآخر، كانت إيڤيلين تسير بينهما وقد غمرتها أوصالها راحة دافئة تفتقدها منذ ساعات؛ فكرة أنها لم تعد وحيدة في عتمة هذه المقاطعة الملعونة، وأنها باتت تتحرك ضمن مجموعة، منحتها شعوراً خالصاً بالأمان. لاحظ نادر التغيير المفاجئ في حالة إيڤيلين، وظهور ملامح اللطافة والمرح عليها فور انضمام أدريان، مما أشعل حنقاً ومقتاً مكتوماً في صدره؛ لقد أزعجه بقوة كيف تبدلت الفتاة الشاحبة المذعورة إلى كائن مبهج بفضل وجود غريمه النبيل، لكنه التزاماً بشروط اللعبة التي صاغها بنفسه، كتم غيظه لكيلا يثير الريبة.. وعوضاً عن ذلك، بدأ يمارس هوايته في التهكم والمشاغبة، متقرباً منها بعفوية وبراءة مصطنعتين، جاعلاً إياها تبدو كفراشة غافلة تتحرك إلى جوار مفترس يتظاهر بالوداعة. التفت نادر نحوها فجأة، وقال بنبرة حنونة وهو يعدل لها وشاحها الصوفي برقة مفرطة: «إيڤيلين.. إلى أين نذهب الأن؟». كان سؤاله يبدو عبثياً ومباغتاً لأدريان الذي تحجرت ملامحه الأرستقراطية للحظة؛ إذ شعر برعب داخلي وهو يرى عزازيل يفتح الطريق أمام إيڤيلين لتقود اللعبة، كما لو كان يمنحها حقاً استثنائياً لم يسبق أن منحه لأحد في تاريخ عهوده القديمة. تلفتت إيڤيلين من حولها، وأردفت بتوتر بريء: «الطرق تشعبت تماماً.. لم أعد مقتنعة بأي اتجاه، ولا أعلم أيها يقودنا للمرفأ حقاً». كان نادر يتعامل طوال الوقت وكأن أدريان مجرد طيف لا وجود له، الأمر الذي استفز كبرياء أدريان. وقف الأخير على مسافة قريبة، خطواته مستقيمة وثابته، وعيناه المحتقنتان تراقبان حركات عزازيل ببرود مريب، محاولاً قراءة خطوته التالية وسبر أغواره الحافلة بالمكائد. أدار نادر وجهه بغتة، ناظراً بطرف عينيه الرماديتين إلى أدريان، وتابع بنبرة مشاغبة ولطيفة تبطن رغبة صريحة في إظهار ضعف غريمه أمام الفتاة: «إذن.. سيد أدريان، لم تخبرنا حتى الآن، كيف نجوت من حراس عزازيل؟». ثم نظر إليه متفحصاً بتهكم لاذع وهو ينظر نحوه من أعلى لأسفل بشيء من الازدراء والشفقة: «أعتقد أنك اعتدت الهرب، لذلك أصبح الفرار لك شيئاً غريزياً!». تعمد عزازيل قول ذلك لأنه ظن أن انسحاب أدريان السريع في الكوخ وترك إيڤيلين لتهرب بمفردها قد خلق فجوة وجفاء بين الحبيبين. إلا أن إيڤيلين فاجأته؛ إذ تقدمت بشكل مرح وأمسكت بذراع أدريان بقوة، وقالت وعيناها تلمعان بنبرة عميقة كلها حب: «أنت تقول هذا لأنك لم تعرف أدريان سابقاً يا نادر.. دائماً ما كان يتقدم بشجاعة ويحميني مهما كلفه الأمر». مال إليها أدريان، وربت على رأسها برفق أزال كل ملامح خوفه السابقة: «يمكنكِ أن ترتكبي ما تشائين من الحماقات يا صغيرتي، فأنا دائماً سأكون موجوداً هنا لرعايتكِ». في تلك اللحظة، انقبض وجه عزازيل تماماً وغلفه صقيع مرعب؛ غابت ابتسامه المشاغبة، ولم يعد يتحدث مرة اخرى، بل وضع يديه في جيب بنطاله وانزوى متحركاً إلى جوارهما بصمت مريب يفيض بالظلمة. ثبّت أدريان نظراته الحادة في وجه عزازيل الذي انحسر عن الأنظار ولم يظهر منه سوى جانبه؛ وعلى الرغم من جبروته، كانت عيناه الرماديتان تلمعان بشكل غريب يحمل مسحة من الأسى. في أعماق عزازيل، شعر برغبة في أن يحادث إيڤيلين ويمازحها، فأخذ ينظر إلى إيڤيلين بتوتر دافئ واضطراب حاد، يشعر تارة أن ما يحدث بينها وبين أدريان لا يعنيه في شيء، إلا أن قلبه الأسود لم يكن يستمع لمنطقه الصارم، مما أضفى على حركته والفتاته مسحة طفولية عفوية تخلو من المسؤولية والتحكم المعهود في تصرفاته. لاحظ أدريان هذه الحالة النادرة التي تملكت من عزازيل بالكامل، فلم يعلق بكلمة، بل ظل ينتظر اللحظة التي سيبدأ فيها عزازيل الجزء التالي من اللعبة، مسدداً نحوه نظرات باردة ومترقبة. وعندما التفت عزازيل فجأة ورأى كيف يبدو أدريان متماسكاً ومتحفظاً على هذا النحو، لم يستطع أن يمنع نفسه من إطلاق ضحكة خفيفة وعفوية انبعثت من حنجرته بيسر وسخرية، متطلعاً إلى إيڤيلين التي كانت تتابع الحوار المتقطع والرموز المبطنة بينهما بهدوء تام دون فهم. فجأة، تطلعت إيڤيلين نحو الأفق، وتنبهت عيناها النقيتان لوجود شيء ما يلوح من بعيد وسط الضباب المكثف؛ كانت أطلالاً مهجورة وشاهقة لبقايا أبنية تشبه مدينة بعيدة، وبدا لهم كأن صدى صخب بشري خافت بدأ يصل إلى مسامعهم. لوحت بيدها الصغيرة بحماس قائلة: «يا رفاق.. انظرا هناك! هل هذه حقاً.. مدينة؟». توقف الرجلان معاً في ذات اللحظة، ونظرا باهتمام شديد نحو الأفق المجهول. وفي جزء من الثانية، وبسبب حماستها الزائدة، خطت إيڤيلين خطوة غير محسوبة نحو حافة الممر الصخري الموحل. انشق الطين تحت قدميها بلا إنذار، واختل توازنها تماماً لتطلق صرخة ذعر دوت في أرجاء المكان وهي تنزلق نحو الجرف السحيق. تلاشت كل افكارهما في الحال؛ اندفع أدريان بمرونة، ملقياً بجسده الأرستقراطي على الأرض المبتلة ليقبض على معصمها الأيمن بقوة وثبات كأنه يتمسك بروحه، وفي ذات الوقت، وبسرعة خاطفة، وثب نادر ليمسك بكتفها بإحكام مستخدماً قوته الكامنة لئلا تفلت وتتهشم على الصخور الحادة بالأسفل. تعلقت إيڤيلين في الهواء تتنفس بعنف، وانتفضت بشدة تصرخ بشكل عشوائي من هول الذهول: «يا إلهي! اسحباني!.. بسرعة.. بسرعة أرجوكما!». بسبب هزالة جسدها النحيل وخفته، لم يكن رفعها أمراً صعباً في الحقيقة؛ كان الخوف كله يكمن في اللحاق بها قبل أن تبتلعها الهاوية. ب وبعد أن عاد جسدها إلى الأرض الصلبة، لتسقط إيڤيلين على العشب وهي تلهث بعنف وجسدها يرتجف تماماً من أثر الصدمة. بشكل ما، لمس أدريان بفطنته الأرستقراطية جانباً خفياً وعميقاً في اندفاع عزازيل المستميت لإنقاذها، وأدرك غريزياً أنه لن يؤذي إيڤيلين أو يتعجل قتلها، فاستعاد أدريان هدوءه النبيل واتزانه المعهود ممسكاً بزمام قلقه. جثا أدريان على ركبتيه أمامها فوراً، ونبرة صوته تفيض بلهفة حقيقية وقلق مُحب: «إيڤيلين! هل أنتِ بخير؟ انظري إلي.. هل تأذيتِ في أي مكان؟». وعلى نحو غير متوقع، جثا نادر بجانبه تماماً؛ تخلت ملامحه عن سخريتها، وامتدت أصابعه الباردة لتمسح وجنتها الشاحبة برقة مفرطة، وبنبرة حملت حناناً دافئاً غريباً امتزج بعتاب خفيف قال: «أيتها الصغيرة الساذجة.. ألا تجيدين إلا التعثر! تنفسي ببطء.. لا يؤلمكِ شيء، صحيح؟». في تلك الأثناء، كان هناك إعصار عنيف من التضارب يمزق جوهر عزازيل المظلم، كان داخله يغلي بقسوة وهو يوبخ نفسه داخلياً: "ما الذي دهاك يا عزازيل؟! إن استمررت هكذا ستخسر قواعد لعبتك وتنزع قناعك". لكن المشهد الأقسى على قلبه الأسود كان رؤية أدريان يقف إلى جوارها بنقاء، ونظرة الطمأنينة المتبادلة بينهما؛ فشعر بشعلة الغيرة الحارقة تأكل أطراف روحه مجدداً.. إحساس غريب بالرغبة في الامتلاك جعله يدرك رغماً عنه أنه لم يعد يرى فيها مجرد تسلية عابرة.. لقد أصبحت اللعبة تملكه هو بدلاً من أن يملكها. إلا أنه لسبب ما غامض، شعر في تلك اللحظة المرعبة كما لو كانوا عائلة واحدة، وارتاح حقاً للفكرة؛ أراد في أعماقه أن يكون جزءاً من هذا الدفء. وعلى الرغم من كرهه العميق لأدريان الذي لطالما رآه أحمقاً يركض وراء مشاعره دون تفكير، إلا أنه قرر أن يجرب بنفسه وطأة تلك الأحاسيس، وأن يستسلم بشكل مؤقت ليختبر هذا الشعور غير المألوف. وبشكل غير متوقع، التفت نادر وربت على كتف أدريان مطمئناً إياه وهو يقول بخفة: «من الجيد أنك أيضاً لم تسقط!». تجاهل نادر نظرة الذهول التي علت ملامح أدريان، وأكمل بابتسامة مشرقة جميلة وهو يميل بوجهه بشكل عفوي ويبتسم بصدق؛ مما لفت انتباه إيڤيلين التي كانت للتو قد استعادت أنفاسها وهدأ روعها. نظرت إليه الفتاة ورأت كم يبدو جميلاً ووديعاً حقاً؛ فعلى الرغم من أن ملامحه كانت حادة وصارمة، إلا أنه ما إن يبتسم بنقاء حتى تظهر تقاسيمه وداعة بالغة لا تخلو من الهيبة الأرستقراطية. جعل ذلك إيڤيلين تبتسم بتلقائية وامتنان، قائلة: «شكراً يا رفاق!..». هز نادر كتفيه بشكل عفوي ومرح، ثم أشار بيده نحو المدينة البعيدة وقال بنبرة هادئة: «ما رأيكما أن نمضي قدماً؟». نظر أدريان إليه بتمعن، وبدأ الشك القاتل يملأ قلبه؛ كان موقناً أن هذا المختل يحيك مكيدة وراء هذا القناع اللطيف.. وأن المدينة بالتأكيد جزء من الفخ المحكم الذي نصبه لهما، ولكنه برغم ذلك، لم يكن يملك خياراً سوى الانطلاق معه رغماً عنه.. فمهما كانت شرور عزازيل القادمة.. هذا هو طريق المرفأ الوحيد للنجاة.انتهى أدريان من اجتماعه الأخير أخيراً، عندها فقط تنفس رؤوف الصعداء، كان من الواضح بالنسبة له أن سيده لن يتردد في تدمير الشركة اليوم! لحسن الحظ أنه لم يفعل ذلك بعد. عندما خطت قدماه خارج الشركة كانت عقارب الساعة تشير إلى السادسة مساءً. الشمس تغرب بالفعل ملقية بظلالها الأخيرة على المدينة؛ السماء الأرجوانية الممتزجة بالغيوم الملبدة والضوء الخافت جعلت داخله يزداد كآبة واختناقاً. حتى أن خطواته غير المتزنة والمتأثرة جعلت طوله الشامخ يبدو مترنحاً. التفت إلى مساعده بنبرة حادة وصارمة تخفي خلفها قلباً يتمزق قلقاً: «رؤوف.. أرسل الحارس رامز إلى الجزيرة، ومعه عدد كبير من الحرس.» تردد رؤوف لبرهة وبدا الحذر واضحاً في صوته قبل أن يسأل: «سيدي.. هل هناك شيء محدد، أو.. شخص محدد يستقصي عنه؟» رد بجمود وغموض، هدوءه لم يترك مجالاً للنقاش: «لا.. فقط أريده أن يستطلع الوضع العام.» أراد رؤوف أن يقول شيئاً آخر، أن يجادله أو يناقشه، ولكنه لمح ملامح أدريان المظلمة المنعكسة في مرآة السيارة وقد غطى وجهه السواد، فابتلع لسانه والتزم الصمت. من الواضح تماماً أن سيده لا يزال متعلقاً بتلك الفتاة إلى حد
خرجت إيڤيلين من تلك الغرفة المظلمة بعد مدة طويلة من مغادرة السيد معتز؛ فقد أمضت الساعات تتصفح المخطوطة الخاصة بالتصميم، وتتفحص الأوراق الثمينة والرسومات المعمارية القديمة الموضوعة في كل مكان. ما أن فتحت الباب وخطت خارجاً، حتى وجدت الخادمة العجوز تقف أمام الباب في انتظارها، ويبدو واضحاً أنها كانت تقف هناك منذ مدة طويلة بصبر. قالت الخادمة بصوت خفيض ومهذب: «سيدتي الصغيرة.. الطعام جاهز.» كان السيد معتز رجلاً شديداً في كل شيء، صارماً إلى أبعد الحدود، ولكنه رغم قسوته وقوانينه الجافة كان يهتم حقاً بمن يكونون داخل محيطه وقصره؛ فلابد للجميع أن يتناولوا طعامهم بانتظام، ويرتاحوا، ويعيشوا بحرية نسبية داخل الممتلكات الخاصة بالعائلة دون تقصير. ردت إيڤيلين باعتذار وهي تفرك كفيها: «لكني لا أرغب في تناول الطعام الآن.. ربما بعد أن أتفرغ، فلدي شيء مهم للغاية أود القيام به.» أجابت الخادمة بنبرة يغلفها القلق والرجاء: «سيدتي، السيد معتز أمرنا بنفسه أن نحضر لأجلك بعض الأطباق الرئيسية التي لا يتم تحضيرها إلا لكبار العائلة، كما أن موعد الطعام هنا يعتبر أمراً مقدساً، كل المواعيد دقيقة للغاية في هذا ال
قاطعها الرجل بصوت هادئ للغاية يكاد لا يُسمع، وكأنما يخاطب طيفاً غائباً:«تغضب!.. مَن قد يعلم! ربما...»لم تفهم إيڤيلين شيئاً البتة، لكنها شعرت بيقين تام أن بين هذا الرجل العجوز وتلك السيدة ماري ماضياً مليئاً بالتضارب والمغامرات المعقدة، مما يجعله لا يعلم إن كانت ستغضب حقاً أم لا. عاد الصمت سريعاً ليخيم على المكان، ثقيلاً ومطبقاً. جعل ذلك الرجل العجوز الغارق في الذكريات يبدو أكثر كآبة وحنيناً.الضوء كان خافتاً في هذه الغرفة بشكل خاص، ويبدو أنها صُممت عمداً لتكون هكذا، ذات إضاءة باهتة وموحشة.أخذت إيڤيلين تتلفت حولها في سكون، تتأمل الزوايا المظلمة والنقوش الدقيقة الموجودة على الأسطح الرخامة العتيقة. الشكل الكلاسيكي ذا الطابع الفرنسي جعل الغرفة تبدو أكثر فخامة وهيبة، والتفاصيل الدقيقة ذات الألوان الخافتة الباهتة جعلت المكان يزداد كآبة وفخامة في ذات الوقت، كأنه متحف لذكريات منقرضة.لاحظ الرجل نظراتها الفاحصة فقال بنبرة هادئة:«صُمِم هذا المكان على يد ميخا أنتواني.. ربما سمعتِ عنه! فهو رجل زاهد للغاية، لا يهتم للمال أو المظاهر، ولا عجب في ذلك فهو ثري جداً، وكان يحب التصميم كهواية دافئة ت
خرجت إيلين من المكان وغادرت بخطى ثابتة وهادئة. في العادة، وبعد كل مرة يذكرها فيها الجد بقوانينه الصارمة، كان يغادر حالما تغادر هي، لذا لم تهتم كثيراً هذه المرة بعدم تحركه خلفها، فمضت في طريقها وهي مطمئنة تماماً على سلامة إيڤيلين.بينما في تلك اللحظة بالذات، حدث ما لم تكن تتوقعه؛ فقد وقف الرجل العجوز بثبات وهو يتطلع بتمعن نحو الفتاة الصغيرة ذات الشعر الكستنائي، ويبدو أنه لا ينوي المغادرة ببساطة هذه المرة.شعر فجأة وكأنه قد رأى هذا الوجه من قبل في مكان ما، لكن ذاكرته الخائنة لم تسعفه لتذكر أين ومتى. اتسعت عيناه قليلاً وهو يتفحص تفاصيل وجهها بدقة بالغة، ثم أشار بيده للخادمة بالمغادرة الفورية، فانحرفت الخادمة على عجل ومضت هاربة دون أن ترفع رأسها من شدة الخوف.هذا الرجل، بلحيته البيضاء وشعره الأبيض الكثيف، أصبحت ملامحه فجأة أكثر وقاراً وهيمنة. العمر المتقدم لم يستطع أن يخفي حقيقة وسامته المطلقة؛ ولابد أنه كان في شبابه شاباً بارع الجمال يخطف الأنفاس. لم تعلم إيڤيلين أبداً ما يدور في خلده ولا ما تخفيه تلك النظرات، لذلك قامت بسرعة لتلحق بإيلين وتغادر المكان، إلا أنها فور أن استقامت على قد
جلست الفتاتان معاً على العشب الرطب داخل الحديقة الخلفية، وكأن حاجز الجليد السميك الذي كان يلف شخصية السيدة إيلين قد بدأ بالذوبان تدريجياً. تدفقت الكلمات ببساطة، وسرعان ما صارتا تتعاملان بغير تكلف أو قيود خانقة. أصبحت ضحكاتهما الصافية ترتفع في الفراغ، فتضرب حائط القصر الحجري الضخم وتعود صدىً متردداً في الأرجاء. لكن، ووسط تلك اللحظات العابرة من البهجة، جعل ذلك الصدى المكان يبدو أكثر فراغاً ووحشة رغم كل الأزهار الجميلة المتفتحة والتفاصيل الساحرة المحيطة بهما.شعرت إيلين في أعماق روحها المتمردة بأن هذا المكان ينقصه ماريو، وكأن وجوده هو وحده القادر على منح هذه المساحات روحاً ومعنى.وفي ذات اللحظة، وفي خضم هذا الهدوء المخادع، شعرت إيڤيلين بحنين جارف ودفين إلى أدريان، حنين يمزق صدرها بصمت مطبق. لكن... لم تصرح أي منهما بمشاعرها الدفينة أو بما يدور في خلدهاظل كل شيء يبدو ساكناً على السطح، متخفياً خلف قناع من الهدوء والابتسامات المتبادلة، والحديث المرح.سرعان ما انقطع ذلك السكون بصوت خطوات ثقيلة متناسقة ومنتظمة، تخطو ببطء وثبات فوق الارض الرخاميةيبدو أن صاحبها ذو شأن عظيم وهيئة طاغية. ال
نهضت السيدة إيلين بوقار متغطرس، عاد معه البرود يكسو ملامحها الأرستقراطية. مشت بخطى واثقة خارج القصر، لكنها توقفت بهدوء عند عتبة الباب، والتفتت بنصف جسدها نحو الخادمة، وقالت بصوت رقيق: «سأمكث في هذا القصر.. جهزي لي جناحاً خاصاً فوراً.» علت علامات الحيرة والذهول وجه الخادمة العجوز، لكن سنوات الخدمة الطويلة علمتها ألا تبدي أي رد فعل سوى الطاعة المطلقة؛ فانحنت برأسها ومضت لتنفيذ الأمر. في تلك الأثناء، لم تفارق عينا إيڤيلين قوام تلك المرأة الجميلة وهي تبتعد، وشعرت بغموض يلف وجودها الغريب. مرّ ذلك اليوم برتابة غريبة وخانقة؛ كانت الساعات بطيئة للغاية، ومع مرور الوقت يزداد القصر صمتاً. شعرت إيڤيلين في تلك العزلة بوحشة تجتاح صدرها؛ فقد اعتادت طوال الأوقات الماضية على مشاكسات نادر التي كانت تضفي حيوية على أيامها، وعلى حنان أدريان الدافئ الذي كان يحيطها كدرع حامٍ. أما الآن.. فقد وجدت نفسها فجأة وحيدة تماماً، بلا أصدقاء يؤنسون غربتها، وبلا حب يلازم دقات قلبها المكسور. ولكن، وعلى الرغم من سوداوية الموقف، تذكرت ذلك الشاب ماريو. لقد امتدت يدٌ أخرى غريبة لتنقذها وتنتشلها من حزنها،







