مشاركة

الفصل 6

last update تاريخ النشر: 2026-07-04 00:22:15

لم تكن خيوط الشمس الشاحبة التي تسللت عبر الضباب كافية لإذابة الجليد غير المرئي الذي جمد الممر الصخري الضيق؛ بل زادت الأجواء التواءً وغموضاً.

سار الثلاثة بمحاذاة المنحدر، وكان نادر ــ برغم المواجهة المشحونة السابقة ونظرات أدريان التي كانت تصوب نحوه كخناجر صامتة ــ يبدو بارد الطبع للغاية، غير مبالٍ بالعداء الصامت المحيط بهما.

لم يخلع قناعه الساخر والمرح للحظة واحدة، متعمداً ألا يترك ثغرة تلفت انتباه إيڤيلين.

على الجانب الآخر، كانت إيڤيلين تسير بينهما وقد غمرتها أوصالها راحة دافئة تفتقدها منذ ساعات؛ فكرة أنها لم تعد وحيدة في عتمة هذه المقاطعة الملعونة، وأنها باتت تتحرك ضمن مجموعة، منحتها شعوراً خالصاً بالأمان.

لاحظ نادر التغيير المفاجئ في حالة إيڤيلين، وظهور ملامح اللطافة والمرح عليها فور انضمام أدريان، مما أشعل حنقاً ومقتاً مكتوماً في صدره؛ لقد أزعجه بقوة كيف تبدلت الفتاة الشاحبة المذعورة إلى كائن مبهج بفضل وجود غريمه النبيل، لكنه التزاماً بشروط اللعبة التي صاغها بنفسه، كتم غيظه لكيلا يثير الريبة..

وعوضاً عن ذلك، بدأ يمارس هوايته في التهكم والمشاغبة، متقرباً منها بعفوية وبراءة مصطنعتين، جاعلاً إياها تبدو كفراشة غافلة تتحرك إلى جوار مفترس يتظاهر بالوداعة.

التفت نادر نحوها فجأة، وقال بنبرة حنونة وهو يعدل لها وشاحها الصوفي برقة مفرطة: «إيڤيلين.. إلى أين نذهب الأن؟».

كان سؤاله يبدو عبثياً ومباغتاً لأدريان الذي تحجرت ملامحه الأرستقراطية للحظة؛ إذ شعر برعب داخلي وهو يرى عزازيل يفتح الطريق أمام إيڤيلين لتقود اللعبة، كما لو كان يمنحها حقاً استثنائياً لم يسبق أن منحه لأحد في تاريخ عهوده القديمة.

تلفتت إيڤيلين من حولها، وأردفت بتوتر بريء: «الطرق تشعبت تماماً.. لم أعد مقتنعة بأي اتجاه، ولا أعلم أيها يقودنا للمرفأ حقاً».

كان نادر يتعامل طوال الوقت وكأن أدريان مجرد طيف لا وجود له، الأمر الذي استفز كبرياء أدريان. وقف الأخير على مسافة قريبة، خطواته مستقيمة وثابته، وعيناه المحتقنتان تراقبان حركات عزازيل ببرود مريب، محاولاً قراءة خطوته التالية وسبر أغواره الحافلة بالمكائد.

أدار نادر وجهه بغتة، ناظراً بطرف عينيه الرماديتين إلى أدريان، وتابع بنبرة مشاغبة ولطيفة تبطن رغبة صريحة في إظهار ضعف غريمه أمام الفتاة: «إذن.. سيد أدريان، لم تخبرنا حتى الآن، كيف نجوت من حراس عزازيل؟».

ثم نظر إليه متفحصاً بتهكم لاذع وهو ينظر نحوه من أعلى لأسفل بشيء من الازدراء والشفقة: «أعتقد أنك اعتدت الهرب، لذلك أصبح الفرار لك شيئاً غريزياً!».

تعمد عزازيل قول ذلك لأنه ظن أن انسحاب أدريان السريع في الكوخ وترك إيڤيلين لتهرب بمفردها قد خلق فجوة وجفاء بين الحبيبين.

إلا أن إيڤيلين فاجأته؛ إذ تقدمت بشكل مرح وأمسكت بذراع أدريان بقوة، وقالت وعيناها تلمعان بنبرة عميقة كلها حب: «أنت تقول هذا لأنك لم تعرف أدريان سابقاً يا نادر.. دائماً ما كان يتقدم بشجاعة ويحميني مهما كلفه الأمر».

مال إليها أدريان، وربت على رأسها برفق أزال كل ملامح خوفه السابقة: «يمكنكِ أن ترتكبي ما تشائين من الحماقات يا صغيرتي، فأنا دائماً سأكون موجوداً هنا لرعايتكِ».

في تلك اللحظة، انقبض وجه عزازيل تماماً وغلفه صقيع مرعب؛ غابت ابتسامه المشاغبة، ولم يعد يتحدث مرة اخرى، بل وضع يديه في جيب بنطاله وانزوى متحركاً إلى جوارهما بصمت مريب يفيض بالظلمة.

ثبّت أدريان نظراته الحادة في وجه عزازيل الذي انحسر عن الأنظار ولم يظهر منه سوى جانبه؛ وعلى الرغم من جبروته، كانت عيناه الرماديتان تلمعان بشكل غريب يحمل مسحة من الأسى.

في أعماق عزازيل، شعر برغبة في أن يحادث إيڤيلين ويمازحها، فأخذ ينظر إلى إيڤيلين بتوتر دافئ واضطراب حاد، يشعر تارة أن ما يحدث بينها وبين أدريان لا يعنيه في شيء، إلا أن قلبه الأسود لم يكن يستمع لمنطقه الصارم، مما أضفى على حركته والفتاته مسحة طفولية عفوية تخلو من المسؤولية والتحكم المعهود في تصرفاته.

لاحظ أدريان هذه الحالة النادرة التي تملكت من عزازيل بالكامل، فلم يعلق بكلمة، بل ظل ينتظر اللحظة التي سيبدأ فيها عزازيل الجزء التالي من اللعبة، مسدداً نحوه نظرات باردة ومترقبة.

وعندما التفت عزازيل فجأة ورأى كيف يبدو أدريان متماسكاً ومتحفظاً على هذا النحو، لم يستطع أن يمنع نفسه من إطلاق ضحكة خفيفة وعفوية انبعثت من حنجرته بيسر وسخرية، متطلعاً إلى إيڤيلين التي كانت تتابع الحوار المتقطع والرموز المبطنة بينهما بهدوء تام دون فهم.

فجأة، تطلعت إيڤيلين نحو الأفق، وتنبهت عيناها النقيتان لوجود شيء ما يلوح من بعيد وسط الضباب المكثف؛ كانت أطلالاً مهجورة وشاهقة لبقايا أبنية تشبه مدينة بعيدة، وبدا لهم كأن صدى صخب بشري خافت بدأ يصل إلى مسامعهم.

لوحت بيدها الصغيرة بحماس قائلة: «يا رفاق.. انظرا هناك! هل هذه حقاً.. مدينة؟».

توقف الرجلان معاً في ذات اللحظة، ونظرا باهتمام شديد نحو الأفق المجهول.

وفي جزء من الثانية، وبسبب حماستها الزائدة، خطت إيڤيلين خطوة غير محسوبة نحو حافة الممر الصخري الموحل.

انشق الطين تحت قدميها بلا إنذار، واختل توازنها تماماً لتطلق صرخة ذعر دوت في أرجاء المكان وهي تنزلق نحو الجرف السحيق.

تلاشت كل افكارهما في الحال؛ اندفع أدريان بمرونة، ملقياً بجسده الأرستقراطي على الأرض المبتلة ليقبض على معصمها الأيمن بقوة وثبات كأنه يتمسك بروحه، وفي ذات الوقت، وبسرعة خاطفة، وثب نادر ليمسك بكتفها بإحكام مستخدماً قوته الكامنة لئلا تفلت وتتهشم على الصخور الحادة بالأسفل.

تعلقت إيڤيلين في الهواء تتنفس بعنف، وانتفضت بشدة تصرخ بشكل عشوائي من هول الذهول: «يا إلهي! اسحباني!.. بسرعة.. بسرعة أرجوكما!».

بسبب هزالة جسدها النحيل وخفته، لم يكن رفعها أمراً صعباً في الحقيقة؛ كان الخوف كله يكمن في اللحاق بها قبل أن تبتلعها الهاوية. ب

وبعد أن عاد جسدها إلى الأرض الصلبة، لتسقط إيڤيلين على العشب وهي تلهث بعنف وجسدها يرتجف تماماً من أثر الصدمة.

بشكل ما، لمس أدريان بفطنته الأرستقراطية جانباً خفياً وعميقاً في اندفاع عزازيل المستميت لإنقاذها، وأدرك غريزياً أنه لن يؤذي إيڤيلين أو يتعجل قتلها، فاستعاد أدريان هدوءه النبيل واتزانه المعهود ممسكاً بزمام قلقه.

جثا أدريان على ركبتيه أمامها فوراً، ونبرة صوته تفيض بلهفة حقيقية وقلق مُحب: «إيڤيلين! هل أنتِ بخير؟ انظري إلي.. هل تأذيتِ في أي مكان؟».

وعلى نحو غير متوقع، جثا نادر بجانبه تماماً؛ تخلت ملامحه عن سخريتها، وامتدت أصابعه الباردة لتمسح وجنتها الشاحبة برقة مفرطة، وبنبرة حملت حناناً دافئاً غريباً امتزج بعتاب خفيف قال: «أيتها الصغيرة الساذجة.. ألا تجيدين إلا التعثر! تنفسي ببطء.. لا يؤلمكِ شيء، صحيح؟».

في تلك الأثناء، كان هناك إعصار عنيف من التضارب يمزق جوهر عزازيل المظلم، كان داخله يغلي بقسوة وهو يوبخ نفسه داخلياً: "ما الذي دهاك يا عزازيل؟! إن استمررت هكذا ستخسر قواعد لعبتك وتنزع قناعك".

لكن المشهد الأقسى على قلبه الأسود كان رؤية أدريان يقف إلى جوارها بنقاء، ونظرة الطمأنينة المتبادلة بينهما؛ فشعر بشعلة الغيرة الحارقة تأكل أطراف روحه مجدداً..

إحساس غريب بالرغبة في الامتلاك جعله يدرك رغماً عنه أنه لم يعد يرى فيها مجرد تسلية عابرة.. لقد أصبحت اللعبة تملكه هو بدلاً من أن يملكها.

إلا أنه لسبب ما غامض، شعر في تلك اللحظة المرعبة كما لو كانوا عائلة واحدة، وارتاح حقاً للفكرة؛ أراد في أعماقه أن يكون جزءاً من هذا الدفء.

وعلى الرغم من كرهه العميق لأدريان الذي لطالما رآه أحمقاً يركض وراء مشاعره دون تفكير، إلا أنه قرر أن يجرب بنفسه وطأة تلك الأحاسيس، وأن يستسلم بشكل مؤقت ليختبر هذا الشعور غير المألوف.

وبشكل غير متوقع، التفت نادر وربت على كتف أدريان مطمئناً إياه وهو يقول بخفة: «من الجيد أنك أيضاً لم تسقط!».

تجاهل نادر نظرة الذهول التي علت ملامح أدريان، وأكمل بابتسامة مشرقة جميلة وهو يميل بوجهه بشكل عفوي ويبتسم بصدق؛ مما لفت انتباه إيڤيلين التي كانت للتو قد استعادت أنفاسها وهدأ روعها.

نظرت إليه الفتاة ورأت كم يبدو جميلاً ووديعاً حقاً؛ فعلى الرغم من أن ملامحه كانت حادة وصارمة، إلا أنه ما إن يبتسم بنقاء حتى تظهر تقاسيمه وداعة بالغة لا تخلو من الهيبة الأرستقراطية.

جعل ذلك إيڤيلين تبتسم بتلقائية وامتنان، قائلة: «شكراً يا رفاق!..».

هز نادر كتفيه بشكل عفوي ومرح، ثم أشار بيده نحو المدينة البعيدة وقال بنبرة هادئة: «ما رأيكما أن نمضي قدماً؟».

نظر أدريان إليه بتمعن، وبدأ الشك القاتل يملأ قلبه؛ كان موقناً أن هذا المختل يحيك مكيدة وراء هذا القناع اللطيف..

وأن المدينة بالتأكيد جزء من الفخ المحكم الذي نصبه لهما، ولكنه برغم ذلك، لم يكن يملك خياراً سوى الانطلاق معه رغماً عنه..

فمهما كانت شرور عزازيل القادمة.. هذا هو طريق المرفأ الوحيد للنجاة.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • جزيرة "عزازيل"..    الفصل 22

    نهضت السيدة إيلين بوقار متغطرس، عاد معه البرود يكسو ملامحها الأرستقراطية. مشت بخطى واثقة خارج القصر، لكنها توقفت بهدوء عند عتبة الباب، والتفتت بنصف جسدها نحو الخادمة، وقالت بصوت رقيق: «سأمكث في هذا القصر.. جهزي لي جناحاً خاصاً فوراً.» علت علامات الحيرة والذهول وجه الخادمة العجوز، لكن سنوات الخدمة الطويلة علمتها ألا تبدي أي رد فعل سوى الطاعة المطلقة؛ فانحنت برأسها ومضت لتنفيذ الأمر. في تلك الأثناء، لم تفارق عينا إيڤيلين قوام تلك المرأة الجميلة وهي تبتعد، وشعرت بغموض يلف وجودها الغريب. مرّ ذلك اليوم برتابة غريبة وخانقة؛ كانت الساعات بطيئة للغاية، ومع مرور الوقت يزداد القصر صمتاً. شعرت إيڤيلين في تلك العزلة بوحشة تجتاح صدرها؛ فقد اعتادت طوال الأوقات الماضية على مشاكسات نادر التي كانت تضفي حيوية على أيامها، وعلى حنان أدريان الدافئ الذي كان يحيطها كدرع حامٍ. أما الآن.. فقد وجدت نفسها فجأة وحيدة تماماً، بلا أصدقاء يؤنسون غربتها، وبلا حب يلازم دقات قلبها المكسور. ولكن، وعلى الرغم من سوداوية الموقف، تذكرت ذلك الشاب ماريو. لقد امتدت يدٌ أخرى غريبة لتنقذها وتنتشلها من حزنها،

  • جزيرة "عزازيل"..    الفصل 21

    دخلت إيڤيلين إلى ذلك القصر الغامض، وما إن خطت عتبته حتى تقدمت نحوها خادمة عجوز ذات ملامح وقورة، وانحنت برأسها في هدوء وطاعة تامة، ثم قادتها بصمت عبر السلالم الرخامية العريضة إلى الطابق الرئيسي. كان الممر طويلاً ومهيباً، تتوزع على جانبيه أبواب لغرف مغلقة بإحكام، وفي نهايته استقرت غرفة النوم الرئيسية وجناح منفصل للاستحمام. وقفت الخادمة عند الباب، وقالت بصوت خفيض وناعم: «سيدتي.. هناك كل ما تحتاجين إليه في الغرفة، إذا أردتِ المساعدة في أي وقت ناديني فقط، وسألبي كل طلباتكِ.» تردد صدى الكلمة في مسامعها بشكل مريب، وهمهمت إيڤيلين في صدرها متسائلة: "سيدتي! أنا؟". لكنها لم تُظهر للخادمة أي أثر لحيرتها، بل اكتفت بشكرها بابتسامة باهتة ودخلت إلى دفء الغرفة الرئيسية مغلقة الباب خلفها. كانت تودّ لو تجلس لتجمع شتات أفكارها المبعثرة، إلا أن رأسها كان ثقيلاً للغاية، تشعر فيه بوخز عنيف جراء البكاء الطويل تحت المطر البارد. أدركتْ أن جسدها المتعب يطلب منها الراحة، وأنه سيكون من الحكمة أن تنال قسطاً من النوم قبل أن تفكر في خطوتها التالية في هذا العالم المجهول. اتجهت إلى الحمام، وملأت حوض ال

  • جزيرة "عزازيل"..    الفصل 20

    كان عزازيل يركض في تلك الأزقة المظلمة كالمجنون، يمزق الضباب المبلل بخطواته المتسارعة، حتى كادت أنفاسه المتقطعة تتوقف في صدره من شدة القلق. وما إن دار في الممرات الضيقة وشعر بأن هذه المدينة الحجرية الغامضة قد ابتلعت إيڤيلين في جوفها المظلم دون أثر، حتى أكل الغضب الأعمى قلبه. تفجرت في عروقه طاقة وحشية، وبدأ يضرب بجنون كل ما يقابله في طريقه؛ ركل الجدران الحجرية العتيقة، وضرب البوابات الخشبية بقبضتيه العاريتين حتى سالت منهما الدماء، دون أن يفكر للحظة إن كان ذلك سيؤذيه أو يكسر عظامه. لقد تبدل كل شيء في صدره الآن؛ فيما مضى، كان يرغب في إيڤيلين ويبحث عنها لأنه يحبها بصدق، أما الآن.. فقد تملكته رغبة سوداء عارمة في الانتقام من أدريان! لقد آذاها وجرح براءتها، وجعلها تفرّ هاربة رغم المطر الظلام، وعزازيل لن يغفر له ذلك أبداً، وسيجعله يدفع الثمن غالياً بلا شك. على الجانب الآخر من الشارع الغارق في الضباب، كان أدريان يقف متسمراً تحت المطر الغزير، وعيناه الزرقاوان تتسعان بذهول وانكسار مرير. من مسافة ليست ببعيدة، رأى إيڤيلين وهي تصعد تلك العربة الفارهة بمساعدة ذلك الشاب الأسمر الغريب. لم

  • جزيرة "عزازيل"..    الفصل 19

    في ردهة ذلك البيت الحجري الصامت، أمام الباب المفتوح، يقف أدريان متيبساً كتمثالٍ من الجليد، عيناه غائبتان في الفراغ وقد شلّته الصدمة. تلك الصغيرة.. متى كبرت وأصبحت تمتلك هذا الغضب، لاطالما تشاجرا معاً، لكنها رغم ذلك كانت مطيعة ورقيقة للغاية. لم يتحرك جسد أدريان من شدة صدمته، كان كمن انتُزعت روحه من جسده بغتة. على بُعد خطوات منه، كانت تقف جوانا والذهول يغمر عينيها، مذهولة من قسوة عزازيل الذي دفعها بجفاء باحثاً عن فتاة أخرى تحت المطر. أظلم وجه جوانا، وفكرت سريعاً فيما ستفعل، ثم وبذكائها الملتوي، لم تدع الصدمة تسيطر عليها طويلاً. أخذت الأفكار الشيطانية تدور في عقلها كخيوط العنكبوت؛ وتهمس لنفسها: "هل سيكون انتقاماً كافياً ومثالياً من تلك اللصة إيڤيلين أن أختطف منها حبيبها أدريان، كما فعلت هي واختطفتْ مني عزازيل؟". بدت لها هذه الفكرة كخطة عبقرية تستحق التنفيذ بكل جدية. لكن.. هل يمكنها استمالة أدريان؟ فتاة جميلة مثلها ذات قوام أنثوي مغري لابد أنها قادرة على فعل ذلك بالتأكيد! تحركت جوانا بخطوات متمهلة ومترنحة، تفيض بالأنوثة الطاغية. مرت بجانبه، وساقاها العاريتان الفاتنتان

  • جزيرة "عزازيل"..    الفصل 18

    ارتجفت شفتا إيڤيلين وهي تتراجع خطوة إضافية إلى الخلف، ونظرت إليه بعينين يشتعل فيهما مزيجٌ صارخ من الألم والإهانة، وقالت بنبرة حادة غاضبة قطعت سكون الغرفة: «ماذا تظن نفسك فاعلاً؟!» ابتعد عنها أدريان ببطء، وعيناه غائمتان بضبابٍ كثيف من الحب والشوق الذين عجز عن كبحهما. تطلع إليها بضياع، يرغب أن يعيدها إلى حضنه مرة أخرى، وقبل أن ينطق بأي كلمة، كانت صفعة إيڤيلين القوية قد دوت في أرجاء الغرفة الحجرية. ساد صمتٌ رهيب. مال رأس أدريان جانباً من أثر الصفعة، وما إن رفعه ببطء ونظر إليها، حتى رآها قد انتفضت واقفة والغضب يعصف بكيانها. تقدمت بخطوات متسارعة نحو الباب، وفتحته على مصراعيه، ثم أشارت بإصبع مرتجف إلى الخارج قائلة بنبرة آمرة تخنقها العبرات: «اخرج.. لو سمحت!» لم يتحرك أدريان من مكانه فوراً. حدق في الباب المفتوح، ثم نقل نظراته إليها. بدلاً من الانكسار، تملكه ذلك البرود العقلاني المستفز مجدداً كدرعٍ يحمي كبرياءه الجريح. تقدم نحوها بخطى بطيئة وهادئة للغاية، حتى أن ذلك جعله يبدو كشخص من الطبقة العليا.. مما جعلها تنتفض غضباً. هل يشعر أن بمقدوره استغلال حاجتها لحمايته! هل يعتق

  • جزيرة "عزازيل"..    الفصل 17

    على الجانب العلوي من ذلك البيت الحجري، حيث الممرات أشد عتمة وبرودة، كان أدريان يقف كتمثالٍ من الرخام أمام باب إيڤيلين المغلق. ساعاتٌ طوال مرت وهو مرابطٌ في مكانه، لم يتحرك خطوة واحدة بعيداً عن عتبتها. رغم أنه سمع قبل قليل صوت ارتطامٍ مكتوم لبعض الأغراض في الداخل—صوتٌ يوحي بأن روحها الصغيرة تتخبط في حزنها—إلا أنه لم يتجرأ على مد يده لفتح الباب. كان هناك صراعٌ مرير يمزق صدره؛ من جهة، كان كبرياؤه الجريح يكبله، مانعاً إياه من التقدم خوفاً من أن يتلقى صفعة الرفض للمرة الثانية، وهو الذي لم يعتد الرفض قط. ومن جهة أخرى، كان يخشى غضبه العارم؛ خائفاً عليها من ثورة مشاعره، مرعوباً من أن يفرغ شحنة ضيقه في وجهها الرقيق فيؤذيها دون قصد. مر الوقت ثقيلاً كأنه جبلٌ جاثم فوق أنفاسه، وشعر بصدره يضيق حتى كاد يختنق. في الخارج، بدأت الرياح تعبث بأغصان الأشجار بعنفٍ أكبر، محدثةً ضجةً مخيفة واصطداماً مرعباً بالزجاج، ضجة زادت من وحشة الممر وجعلت أدريان يشعر بوحدةٍ قاتلة تنهش روحه. اتكأ بظهره المتعب على باب غرفتها الخشبي الثقيل، ورفع رأسه ببطء يحدق في السقف المظلم المليء بالظلال. في تلك اللحظ

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status