LOGINاتسعت ابتسامة إيڤيلين وسحبت نادر من يده نحو ذلك الرجل القروي، كلما اقتربت منه شعرت بمدى كونه ودوداً، أسرها ذلك الاحساس وألقت التحية بأدب، قادهم الرجل نحو بيت خشبي فارغ ليمكثوا فيه الليلة.
كان البيت الخشبي الذي قادهما إليه ذلك الرجل ذو الشعلة ينضح برائحة حطب قديم مبلل بالرطوبة. في الداخل، كانت الجدران مغطاة بجلود حيوانات برية، تتدلى برؤوسها الجافة نحو المقاعد الحجرية المحيطة بمدفأة حجرية ضخمة يتراقص فيها لهب أحمر كثيف. كان الدفء هنا يحمل ثقلاً غريباً، ثقلاً يجعل الهواء يلتصق بالرئتين عوضاً عن إنعاشهما. تنحنح صاحب البيت، وهو رجل عجوز انحنى ظهره كجذع شجرة عتيقة، وملأت تقاسيم وجهه بتجاعيد عميقة تلتوي مع كل ابتسامة يوزعها. نظر إلى يد نادر التي كانت لا تزال تحيط بخصر إيڤيلين بحرص بالغ، ثم قال بنبرة غليظة لكنها مغلفة بترحيب مفرط: «مرحباً بكما في أطراف المقاطعة المنسية.. ليلنا قاسٍ، ولا ينجو منه سوى من يملك بيتاً دافئاً، أو زوجة صالحة تعينه على الصقيع. تفضلا بالجلوس أيها الزوجان العزيزان». شحب وجه إيڤيلين قليلاً، وشعرت بإحراج شديد يسري في أوصالها من هذه التسمية العفوية. نظرت إلى الأرض الموحلة، وحاولت التراجع خطوة لتتخلص من قبضة نادر، هامسة بصوت خفيض تشوبه اللباقة: «في الواقع.. نحن لسنا..». لكن نادر لم يمنحها فرصة لإكمال الكلمة. ضغط على خصرها النحيل برقة مفرطة، وأرسل نحوها تلك الابتسامة الغامضة التي أسرتها في الحال، ثم التفت نحو العجوز قائلاً بنبرة رنانة تحمل مزيجاً عبقرياً من النبل الأرسطوقراطي والامتنان الزائف: «أشكرك على كرمك الصادق يا سيدي. ليل المقاطعة كان طويلاً، وزوجتي كادت تفقد أنفاسها من شدة البرد. وجودنا تحت سقفك هو فضل لن ننساه». نظرت إليه إيڤيلين بذهول مكتوم، وعيناها الصافيتان تتساءلان بعتاب، لكنها فضلت الصمت إحجاماً عن إثارة ريبتهم، وانصياعاً للموقف الحرج الذي يفرض عليهما التماسك كجبهة واحدة أمام هؤلاء الغرباء. ابتسم العجوز ثم انصرف بلطف بالغ، ولم تمضِ دقائق حتى بدأ باب الكوخ الخشبي المتهالك للبيت يطرق بتناوب مريب. كان سكان الأكواخ المجاورة يدخلون واحداً تلو الآخر، بملابسهم الرثة ووجوههم الشاحبة التي تحمل ابتسامات مبالغاً في اتساعها، كأقنعة شمعية ذائبة. لم يأتِ أي منهم بأيدي فارغة؛ الأول دخل حاملاً وعاءً فخارياً تصعد منه أبخرة حساء سميك مائل للخضرة، والثاني قدم طبقاً من الفطائر المحشوة باللحم المجفف التي تفوح منها رائحة التوابل النفاذة، والثالث وضع إبريقاً من النبيذ المعتق ذي اللون القرمزي الداكن. انبهرت إيڤيلين بهذا المشهد؛ لمعت عيناها بطيبة ساذجة وهي ترى كرم هؤلاء الفقراء الذين يتناوبون على مضايفتهم بما يملكون. التفتت نحو نادر وهمست بابتسامة حقيقية: «نادر.. انظر إلى طيبتهم! لقد كنا نخشى أن يكونوا قتلة، بينما هم يقاسموننا طعامهم القليل بكل سخاء. هذا المأوى هو أماننا حتى الغد». ظلّ نادر صامتاً. لم يتحرك إنشاً واحداً نحو الأطباق، بل كان يجلس بظهر مستقيم وهيبة كلاسيكية متصلبة. عيناه الرماديتان الباردتان كانت تراقبان مكر الوجوه المحيطة بهما؛ كان يرى كيف تترقب أعين القرويين حركة أيديهم نحو الطعام، وكيف يتبادلون نظرات خاطفة تفيض بنوايا مظلمة خلف ملامحهم الودودة. وعندما مدت إيڤيلين يدها المرتجفة من الجوع لتأخذ قطعة من الفطير الدافئ، امتدت أصابع نادر الطويلة ذات المفاصل الواضحة بسرعة خاطفة، وقبضت على معصمها بقوة. «لا تلمسيه»، قال نادر بصوت منخفض، حاد وحاسم، غابت عنه كل نبرة تودد. نظرت إليه إيڤيلين بامتعاض وغضب واضحين، وحاولت سحب يدها قائلة بنبرة حادة مكتومة: «ماذا تفعل يا نادر؟ الرجال يضيفونا بكرم، وأنا أموت جوعاً وبرداً. أين رأفتك!» «قلتُ لا تلمسيه»، أعاد نادر كلماته بذات البرود الوحشي، وثبت عينيه الثاقبتين في عينيها حتى شعرت بقشعريرة رعب تحذيرية تجتاح صدرها. تابع بهمس لا يسمعه سواها: «الحسناء التي تخشى على أنفها من الكسر في الطين، يجب أن تخشى على حياتها من أطباق مسمومة تقدم في عتمة الليل. انصاعي لكلامي دون نقاش إن كنتِ ترغبين في رؤية لندن». رغم الغضب والضيق الذي ملأ صدر إيڤيلين، ورغم رغبتها في توبيخه على شكوكه المريضة، إلا أن نظرة الشر الكامنة في عينيه والخوف المبهم من طبيعة هذا المكان الغامض أجبراها على الانصياع. سحبت يدها ببطء، وتظاهرت بأنهاء لن تستطيع أكل المزيد مدعية التعب المفرط. انسحب القرويون تدريجياً بعد أن أظهر نادر وإيڤيلين أنهما شبعا من النظر وتناول اللقيمات (بخدعة بصرية أتقنها نادر بنقل الطعام إلى جيبه وإخفائه). ساد الهدوء البيت لربع ساعة، وظنت إيڤيلين أن الليل سيمر بسلام، لكن نادر أشار إليها بإصبعه نحو الباب. بدأت أصوات حثيثة تقترب من الخارج؛ وقع خطوات ثقيلة، حفيف ملابس، وهمسات خبيثة متداخلة. كان القرويون يقفون خلف الباب مباشرة، معتقدين أن السم قد سرى في عروق ضيوفهم وأن الوقت قد حان للإجهاز عليهم. «لقد أكلا من الفطير بالتأكيد.. السم سريع، لن يستطيعا المقاومة»، همس صوت العجوز من الخارج بنبرة غابت عنها كل رقة وحلت محلها وحشية متعطشة للدماء. «أحضروا الأسلحة والمشاعل.. سنقتحم الآن ونأخذ كل ما معهما من ثياب فاخرة ونرسل جثثهم للساحل». اتسعت عينا إيڤيلين برعب حقيقي، وشعرت بجسدها يتخشب تماماً وهي تسمع مؤامرة ذبحهما تحاك خلف الباب. نظرت إلى نادر، فوجدته هادئاً، بل إن ابتسامة ساخرة للغاية كانت تشق وجهه الأرسطوقراطي، وكأنه يرى في خطة الاقتحام مسرحية هزلية. «إذن.. انتهت فترة الضيافة»، قال نادر بتهكم. سحبها بسرعة فائقة نحو النافذة الخلفية المطلة على المنحدر الغابي. فتح الضفتين الخشبيتين بهدوء، ثم قفز بمرونة ووداعة إلى الأسفل وسط الأعشاب المبتلة. التفت نحوها، ومَد يديه الطويلتين نحو الأعلى مشجعاً إياها: «اقفزي يا زوجتي!.. الوقت لا ينتظر، هناك قرويين مجانين خلف الباب تماماً». كانت إيڤيلين ترتجف من شدة الخوف مما جعلها لا تلاحظ ما قاله، تنظر إلى الارتفاع وإلى الظلام بالأسفل بخوف شلّ حركتها، لكن صوت تحطم الخشب الخارجي وبدء اقتحام القرويين أعطاها شجاعة اليأس. قفزت مغمضة العينين، لتجد نفسها تسقط مباشرة في حضن نادر الدافئ والبارد في آن واحد. تمسكت بعنقه بقوة، وشعرت بضربات قلبه المنتظمة التي لم تهتز للحظة، بينما كان هو يثبتها بذراعيه لثانية إضافية، متلذذاً برعبها الخالص. «والآن.. اركضي!» قال نادر وهو يطلق يدها ويبدأ في الركض بمحاذاتها وسط الممرات الضيقة للقرية الملعونة. لم يكد ضوء الفجر يشق الضباب تماماً حتى لاحظهم القرويون من النوافذ. انطلقت صيحات وحشية، وركض وراءهم عشرات الرجال والنساء يحملون المشاعل وأدوات حادة، وينعتونهم بأبشع الألفاظ النابية وشتائم المقاطعات القاسية: «أيها اللصوص.. يا حثالة المدن.. لن تخرجوا من هنا أحياء!» كانت أنفاس إيڤيلين تتقطع، وقدميها تتعثران في الطين والثلج الذائب، والخيبة تأكل قلبها الساذج الذي صدق كرمهم. ظلا يركضان والغوغاء خلفهم يملأون الليل ضجيجاً مرعباً، حتى وصلا إلى خط وهمي معين؛ حدود جغرافية تفصل بين بيوت الطين وبين الممر المؤدي لعمق المقاطعة. فجأة، وتزامناً مع تخطيهما هذا الخط، توقفت المطاردة تماماً كما لو أن جداراً غير مرئي قد منع القرويين من التقدم. كانت إيڤيلين تركض بجانبه مذهولة، تلهث بعنف وتبكي من الصدمة، فلم تلاحظ ما حدث. لكن نادر التفت ببطء إلى الخلف؛ رأى حشود القرويين الغاضبين يقفون عند تلك الحدود بدقة شديدة.. خمدت نيران مشاعلهم، واختفت نظراتهم الوحشية، وبدا وكأن هناك أمراً صارماً يمنعهم من تخطي شبر واحد إضافي. نظروا جميعاً نحو نادر، وتحت ضوء الصباح الشاحب، ارتسمت على وجوههم ملامح طاعة عمياء خاضعة. انحنوا له جميعاً بشكل مهيب، انحناءة أرسطوقراطية تليق بملك أو سيد مطلق، احترماً لحضوره الطاغي الذي يدير المقاطعة من خلف قناعه الغريب. أدار نادر وجهه سريعاً متصنعاً الركض وراءها، وابتسامته الماكرة تتسع خلف الضباب، مستمتعاً بجهل إيڤيلين التي كانت تعتقد أنها تفر من الموت بجانب رجل يحميها، بينما هي تتوغل أكثر في عمق فخه المحكم الذي صممه لكسر جناحها.انتهى أدريان من اجتماعه الأخير أخيراً، عندها فقط تنفس رؤوف الصعداء، كان من الواضح بالنسبة له أن سيده لن يتردد في تدمير الشركة اليوم! لحسن الحظ أنه لم يفعل ذلك بعد. عندما خطت قدماه خارج الشركة كانت عقارب الساعة تشير إلى السادسة مساءً. الشمس تغرب بالفعل ملقية بظلالها الأخيرة على المدينة؛ السماء الأرجوانية الممتزجة بالغيوم الملبدة والضوء الخافت جعلت داخله يزداد كآبة واختناقاً. حتى أن خطواته غير المتزنة والمتأثرة جعلت طوله الشامخ يبدو مترنحاً. التفت إلى مساعده بنبرة حادة وصارمة تخفي خلفها قلباً يتمزق قلقاً: «رؤوف.. أرسل الحارس رامز إلى الجزيرة، ومعه عدد كبير من الحرس.» تردد رؤوف لبرهة وبدا الحذر واضحاً في صوته قبل أن يسأل: «سيدي.. هل هناك شيء محدد، أو.. شخص محدد يستقصي عنه؟» رد بجمود وغموض، هدوءه لم يترك مجالاً للنقاش: «لا.. فقط أريده أن يستطلع الوضع العام.» أراد رؤوف أن يقول شيئاً آخر، أن يجادله أو يناقشه، ولكنه لمح ملامح أدريان المظلمة المنعكسة في مرآة السيارة وقد غطى وجهه السواد، فابتلع لسانه والتزم الصمت. من الواضح تماماً أن سيده لا يزال متعلقاً بتلك الفتاة إلى حد
خرجت إيڤيلين من تلك الغرفة المظلمة بعد مدة طويلة من مغادرة السيد معتز؛ فقد أمضت الساعات تتصفح المخطوطة الخاصة بالتصميم، وتتفحص الأوراق الثمينة والرسومات المعمارية القديمة الموضوعة في كل مكان. ما أن فتحت الباب وخطت خارجاً، حتى وجدت الخادمة العجوز تقف أمام الباب في انتظارها، ويبدو واضحاً أنها كانت تقف هناك منذ مدة طويلة بصبر. قالت الخادمة بصوت خفيض ومهذب: «سيدتي الصغيرة.. الطعام جاهز.» كان السيد معتز رجلاً شديداً في كل شيء، صارماً إلى أبعد الحدود، ولكنه رغم قسوته وقوانينه الجافة كان يهتم حقاً بمن يكونون داخل محيطه وقصره؛ فلابد للجميع أن يتناولوا طعامهم بانتظام، ويرتاحوا، ويعيشوا بحرية نسبية داخل الممتلكات الخاصة بالعائلة دون تقصير. ردت إيڤيلين باعتذار وهي تفرك كفيها: «لكني لا أرغب في تناول الطعام الآن.. ربما بعد أن أتفرغ، فلدي شيء مهم للغاية أود القيام به.» أجابت الخادمة بنبرة يغلفها القلق والرجاء: «سيدتي، السيد معتز أمرنا بنفسه أن نحضر لأجلك بعض الأطباق الرئيسية التي لا يتم تحضيرها إلا لكبار العائلة، كما أن موعد الطعام هنا يعتبر أمراً مقدساً، كل المواعيد دقيقة للغاية في هذا ال
قاطعها الرجل بصوت هادئ للغاية يكاد لا يُسمع، وكأنما يخاطب طيفاً غائباً:«تغضب!.. مَن قد يعلم! ربما...»لم تفهم إيڤيلين شيئاً البتة، لكنها شعرت بيقين تام أن بين هذا الرجل العجوز وتلك السيدة ماري ماضياً مليئاً بالتضارب والمغامرات المعقدة، مما يجعله لا يعلم إن كانت ستغضب حقاً أم لا. عاد الصمت سريعاً ليخيم على المكان، ثقيلاً ومطبقاً. جعل ذلك الرجل العجوز الغارق في الذكريات يبدو أكثر كآبة وحنيناً.الضوء كان خافتاً في هذه الغرفة بشكل خاص، ويبدو أنها صُممت عمداً لتكون هكذا، ذات إضاءة باهتة وموحشة.أخذت إيڤيلين تتلفت حولها في سكون، تتأمل الزوايا المظلمة والنقوش الدقيقة الموجودة على الأسطح الرخامة العتيقة. الشكل الكلاسيكي ذا الطابع الفرنسي جعل الغرفة تبدو أكثر فخامة وهيبة، والتفاصيل الدقيقة ذات الألوان الخافتة الباهتة جعلت المكان يزداد كآبة وفخامة في ذات الوقت، كأنه متحف لذكريات منقرضة.لاحظ الرجل نظراتها الفاحصة فقال بنبرة هادئة:«صُمِم هذا المكان على يد ميخا أنتواني.. ربما سمعتِ عنه! فهو رجل زاهد للغاية، لا يهتم للمال أو المظاهر، ولا عجب في ذلك فهو ثري جداً، وكان يحب التصميم كهواية دافئة ت
خرجت إيلين من المكان وغادرت بخطى ثابتة وهادئة. في العادة، وبعد كل مرة يذكرها فيها الجد بقوانينه الصارمة، كان يغادر حالما تغادر هي، لذا لم تهتم كثيراً هذه المرة بعدم تحركه خلفها، فمضت في طريقها وهي مطمئنة تماماً على سلامة إيڤيلين.بينما في تلك اللحظة بالذات، حدث ما لم تكن تتوقعه؛ فقد وقف الرجل العجوز بثبات وهو يتطلع بتمعن نحو الفتاة الصغيرة ذات الشعر الكستنائي، ويبدو أنه لا ينوي المغادرة ببساطة هذه المرة.شعر فجأة وكأنه قد رأى هذا الوجه من قبل في مكان ما، لكن ذاكرته الخائنة لم تسعفه لتذكر أين ومتى. اتسعت عيناه قليلاً وهو يتفحص تفاصيل وجهها بدقة بالغة، ثم أشار بيده للخادمة بالمغادرة الفورية، فانحرفت الخادمة على عجل ومضت هاربة دون أن ترفع رأسها من شدة الخوف.هذا الرجل، بلحيته البيضاء وشعره الأبيض الكثيف، أصبحت ملامحه فجأة أكثر وقاراً وهيمنة. العمر المتقدم لم يستطع أن يخفي حقيقة وسامته المطلقة؛ ولابد أنه كان في شبابه شاباً بارع الجمال يخطف الأنفاس. لم تعلم إيڤيلين أبداً ما يدور في خلده ولا ما تخفيه تلك النظرات، لذلك قامت بسرعة لتلحق بإيلين وتغادر المكان، إلا أنها فور أن استقامت على قد
جلست الفتاتان معاً على العشب الرطب داخل الحديقة الخلفية، وكأن حاجز الجليد السميك الذي كان يلف شخصية السيدة إيلين قد بدأ بالذوبان تدريجياً. تدفقت الكلمات ببساطة، وسرعان ما صارتا تتعاملان بغير تكلف أو قيود خانقة. أصبحت ضحكاتهما الصافية ترتفع في الفراغ، فتضرب حائط القصر الحجري الضخم وتعود صدىً متردداً في الأرجاء. لكن، ووسط تلك اللحظات العابرة من البهجة، جعل ذلك الصدى المكان يبدو أكثر فراغاً ووحشة رغم كل الأزهار الجميلة المتفتحة والتفاصيل الساحرة المحيطة بهما.شعرت إيلين في أعماق روحها المتمردة بأن هذا المكان ينقصه ماريو، وكأن وجوده هو وحده القادر على منح هذه المساحات روحاً ومعنى.وفي ذات اللحظة، وفي خضم هذا الهدوء المخادع، شعرت إيڤيلين بحنين جارف ودفين إلى أدريان، حنين يمزق صدرها بصمت مطبق. لكن... لم تصرح أي منهما بمشاعرها الدفينة أو بما يدور في خلدهاظل كل شيء يبدو ساكناً على السطح، متخفياً خلف قناع من الهدوء والابتسامات المتبادلة، والحديث المرح.سرعان ما انقطع ذلك السكون بصوت خطوات ثقيلة متناسقة ومنتظمة، تخطو ببطء وثبات فوق الارض الرخاميةيبدو أن صاحبها ذو شأن عظيم وهيئة طاغية. ال
نهضت السيدة إيلين بوقار متغطرس، عاد معه البرود يكسو ملامحها الأرستقراطية. مشت بخطى واثقة خارج القصر، لكنها توقفت بهدوء عند عتبة الباب، والتفتت بنصف جسدها نحو الخادمة، وقالت بصوت رقيق: «سأمكث في هذا القصر.. جهزي لي جناحاً خاصاً فوراً.» علت علامات الحيرة والذهول وجه الخادمة العجوز، لكن سنوات الخدمة الطويلة علمتها ألا تبدي أي رد فعل سوى الطاعة المطلقة؛ فانحنت برأسها ومضت لتنفيذ الأمر. في تلك الأثناء، لم تفارق عينا إيڤيلين قوام تلك المرأة الجميلة وهي تبتعد، وشعرت بغموض يلف وجودها الغريب. مرّ ذلك اليوم برتابة غريبة وخانقة؛ كانت الساعات بطيئة للغاية، ومع مرور الوقت يزداد القصر صمتاً. شعرت إيڤيلين في تلك العزلة بوحشة تجتاح صدرها؛ فقد اعتادت طوال الأوقات الماضية على مشاكسات نادر التي كانت تضفي حيوية على أيامها، وعلى حنان أدريان الدافئ الذي كان يحيطها كدرع حامٍ. أما الآن.. فقد وجدت نفسها فجأة وحيدة تماماً، بلا أصدقاء يؤنسون غربتها، وبلا حب يلازم دقات قلبها المكسور. ولكن، وعلى الرغم من سوداوية الموقف، تذكرت ذلك الشاب ماريو. لقد امتدت يدٌ أخرى غريبة لتنقذها وتنتشلها من حزنها،