Share

الفصل 4

last update Tanggal publikasi: 2026-07-02 20:17:40

اتسعت ابتسامة إيڤيلين وسحبت نادر من يده نحو ذلك الرجل القروي، كلما اقتربت منه شعرت بمدى كونه ودوداً، أسرها ذلك الاحساس وألقت التحية بأدب، قادهم الرجل نحو بيت خشبي فارغ ليمكثوا فيه الليلة.

كان البيت الخشبي الذي قادهما إليه ذلك الرجل ذو الشعلة ينضح برائحة حطب قديم مبلل بالرطوبة. في الداخل، كانت الجدران مغطاة بجلود حيوانات برية، تتدلى برؤوسها الجافة نحو المقاعد الحجرية المحيطة بمدفأة حجرية ضخمة يتراقص فيها لهب أحمر كثيف. كان الدفء هنا يحمل ثقلاً غريباً، ثقلاً يجعل الهواء يلتصق بالرئتين عوضاً عن إنعاشهما.

تنحنح صاحب البيت، وهو رجل عجوز انحنى ظهره كجذع شجرة عتيقة، وملأت تقاسيم وجهه بتجاعيد عميقة تلتوي مع كل ابتسامة يوزعها. نظر إلى يد نادر التي كانت لا تزال تحيط بخصر إيڤيلين بحرص بالغ، ثم قال بنبرة غليظة لكنها مغلفة بترحيب مفرط: «مرحباً بكما في أطراف المقاطعة المنسية.. ليلنا قاسٍ، ولا ينجو منه سوى من يملك بيتاً دافئاً، أو زوجة صالحة تعينه على الصقيع. تفضلا بالجلوس أيها الزوجان العزيزان».

شحب وجه إيڤيلين قليلاً، وشعرت بإحراج شديد يسري في أوصالها من هذه التسمية العفوية. نظرت إلى الأرض الموحلة، وحاولت التراجع خطوة لتتخلص من قبضة نادر، هامسة بصوت خفيض تشوبه اللباقة: «في الواقع.. نحن لسنا..».

لكن نادر لم يمنحها فرصة لإكمال الكلمة. ضغط على خصرها النحيل برقة مفرطة، وأرسل نحوها تلك الابتسامة الغامضة التي أسرتها في الحال، ثم التفت نحو العجوز قائلاً بنبرة رنانة تحمل مزيجاً عبقرياً من النبل الأرسطوقراطي والامتنان الزائف: «أشكرك على كرمك الصادق يا سيدي. ليل المقاطعة كان طويلاً، وزوجتي كادت تفقد أنفاسها من شدة البرد. وجودنا تحت سقفك هو فضل لن ننساه».

نظرت إليه إيڤيلين بذهول مكتوم، وعيناها الصافيتان تتساءلان بعتاب، لكنها فضلت الصمت إحجاماً عن إثارة ريبتهم، وانصياعاً للموقف الحرج الذي يفرض عليهما التماسك كجبهة واحدة أمام هؤلاء الغرباء.

ابتسم العجوز ثم انصرف بلطف بالغ، ولم تمضِ دقائق حتى بدأ باب الكوخ الخشبي المتهالك للبيت يطرق بتناوب مريب. كان سكان الأكواخ المجاورة يدخلون واحداً تلو الآخر، بملابسهم الرثة ووجوههم الشاحبة التي تحمل ابتسامات مبالغاً في اتساعها، كأقنعة شمعية ذائبة. لم يأتِ أي منهم بأيدي فارغة؛ الأول دخل حاملاً وعاءً فخارياً تصعد منه أبخرة حساء سميك مائل للخضرة، والثاني قدم طبقاً من الفطائر المحشوة باللحم المجفف التي تفوح منها رائحة التوابل النفاذة، والثالث وضع إبريقاً من النبيذ المعتق ذي اللون القرمزي الداكن.

انبهرت إيڤيلين بهذا المشهد؛ لمعت عيناها بطيبة ساذجة وهي ترى كرم هؤلاء الفقراء الذين يتناوبون على مضايفتهم بما يملكون. التفتت نحو نادر وهمست بابتسامة حقيقية: «نادر.. انظر إلى طيبتهم! لقد كنا نخشى أن يكونوا قتلة، بينما هم يقاسموننا طعامهم القليل بكل سخاء. هذا المأوى هو أماننا حتى الغد».

ظلّ نادر صامتاً. لم يتحرك إنشاً واحداً نحو الأطباق، بل كان يجلس بظهر مستقيم وهيبة كلاسيكية متصلبة. عيناه الرماديتان الباردتان كانت تراقبان مكر الوجوه المحيطة بهما؛ كان يرى كيف تترقب أعين القرويين حركة أيديهم نحو الطعام، وكيف يتبادلون نظرات خاطفة تفيض بنوايا مظلمة خلف ملامحهم الودودة.

وعندما مدت إيڤيلين يدها المرتجفة من الجوع لتأخذ قطعة من الفطير الدافئ، امتدت أصابع نادر الطويلة ذات المفاصل الواضحة بسرعة خاطفة، وقبضت على معصمها بقوة.

«لا تلمسيه»، قال نادر بصوت منخفض، حاد وحاسم، غابت عنه كل نبرة تودد.

نظرت إليه إيڤيلين بامتعاض وغضب واضحين، وحاولت سحب يدها قائلة بنبرة حادة مكتومة: «ماذا تفعل يا نادر؟ الرجال يضيفونا بكرم، وأنا أموت جوعاً وبرداً. أين رأفتك!»

«قلتُ لا تلمسيه»، أعاد نادر كلماته بذات البرود الوحشي، وثبت عينيه الثاقبتين في عينيها حتى شعرت بقشعريرة رعب تحذيرية تجتاح صدرها. تابع بهمس لا يسمعه سواها: «الحسناء التي تخشى على أنفها من الكسر في الطين، يجب أن تخشى على حياتها من أطباق مسمومة تقدم في عتمة الليل. انصاعي لكلامي دون نقاش إن كنتِ ترغبين في رؤية لندن».

رغم الغضب والضيق الذي ملأ صدر إيڤيلين، ورغم رغبتها في توبيخه على شكوكه المريضة، إلا أن نظرة الشر الكامنة في عينيه والخوف المبهم من طبيعة هذا المكان الغامض أجبراها على الانصياع. سحبت يدها ببطء، وتظاهرت بأنهاء لن تستطيع أكل المزيد مدعية التعب المفرط.

انسحب القرويون تدريجياً بعد أن أظهر نادر وإيڤيلين أنهما شبعا من النظر وتناول اللقيمات (بخدعة بصرية أتقنها نادر بنقل الطعام إلى جيبه وإخفائه). ساد الهدوء البيت لربع ساعة، وظنت إيڤيلين أن الليل سيمر بسلام، لكن نادر أشار إليها بإصبعه نحو الباب.

بدأت أصوات حثيثة تقترب من الخارج؛ وقع خطوات ثقيلة، حفيف ملابس، وهمسات خبيثة متداخلة. كان القرويون يقفون خلف الباب مباشرة، معتقدين أن السم قد سرى في عروق ضيوفهم وأن الوقت قد حان للإجهاز عليهم.

«لقد أكلا من الفطير بالتأكيد.. السم سريع، لن يستطيعا المقاومة»، همس صوت العجوز من الخارج بنبرة غابت عنها كل رقة وحلت محلها وحشية متعطشة للدماء. «أحضروا الأسلحة والمشاعل.. سنقتحم الآن ونأخذ كل ما معهما من ثياب فاخرة ونرسل جثثهم للساحل».

اتسعت عينا إيڤيلين برعب حقيقي، وشعرت بجسدها يتخشب تماماً وهي تسمع مؤامرة ذبحهما تحاك خلف الباب. نظرت إلى نادر، فوجدته هادئاً، بل إن ابتسامة ساخرة للغاية كانت تشق وجهه الأرسطوقراطي، وكأنه يرى في خطة الاقتحام مسرحية هزلية.

«إذن.. انتهت فترة الضيافة»، قال نادر بتهكم. سحبها بسرعة فائقة نحو النافذة الخلفية المطلة على المنحدر الغابي. فتح الضفتين الخشبيتين بهدوء، ثم قفز بمرونة ووداعة إلى الأسفل وسط الأعشاب المبتلة.

التفت نحوها، ومَد يديه الطويلتين نحو الأعلى مشجعاً إياها: «اقفزي يا زوجتي!.. الوقت لا ينتظر، هناك قرويين مجانين خلف الباب تماماً».

كانت إيڤيلين ترتجف من شدة الخوف مما جعلها لا تلاحظ ما قاله، تنظر إلى الارتفاع وإلى الظلام بالأسفل بخوف شلّ حركتها، لكن صوت تحطم الخشب الخارجي وبدء اقتحام القرويين أعطاها شجاعة اليأس.

قفزت مغمضة العينين، لتجد نفسها تسقط مباشرة في حضن نادر الدافئ والبارد في آن واحد. تمسكت بعنقه بقوة، وشعرت بضربات قلبه المنتظمة التي لم تهتز للحظة، بينما كان هو يثبتها بذراعيه لثانية إضافية، متلذذاً برعبها الخالص.

«والآن.. اركضي!» قال نادر وهو يطلق يدها ويبدأ في الركض بمحاذاتها وسط الممرات الضيقة للقرية الملعونة.

لم يكد ضوء الفجر يشق الضباب تماماً حتى لاحظهم القرويون من النوافذ. انطلقت صيحات وحشية، وركض وراءهم عشرات الرجال والنساء يحملون المشاعل وأدوات حادة، وينعتونهم بأبشع الألفاظ النابية وشتائم المقاطعات القاسية: «أيها اللصوص.. يا حثالة المدن.. لن تخرجوا من هنا أحياء!»

كانت أنفاس إيڤيلين تتقطع، وقدميها تتعثران في الطين والثلج الذائب، والخيبة تأكل قلبها الساذج الذي صدق كرمهم. ظلا يركضان والغوغاء خلفهم يملأون الليل ضجيجاً مرعباً، حتى وصلا إلى خط وهمي معين؛ حدود جغرافية تفصل بين بيوت الطين وبين الممر المؤدي لعمق المقاطعة.

فجأة، وتزامناً مع تخطيهما هذا الخط، توقفت المطاردة تماماً كما لو أن جداراً غير مرئي قد منع القرويين من التقدم.

كانت إيڤيلين تركض بجانبه مذهولة، تلهث بعنف وتبكي من الصدمة، فلم تلاحظ ما حدث. لكن نادر التفت ببطء إلى الخلف؛ رأى حشود القرويين الغاضبين يقفون عند تلك الحدود بدقة شديدة.. خمدت نيران مشاعلهم، واختفت نظراتهم الوحشية، وبدا وكأن هناك أمراً صارماً يمنعهم من تخطي شبر واحد إضافي.

نظروا جميعاً نحو نادر، وتحت ضوء الصباح الشاحب، ارتسمت على وجوههم ملامح طاعة عمياء خاضعة. انحنوا له جميعاً بشكل مهيب، انحناءة أرسطوقراطية تليق بملك أو سيد مطلق، احترماً لحضوره الطاغي الذي يدير المقاطعة من خلف قناعه الغريب.

أدار نادر وجهه سريعاً متصنعاً الركض وراءها، وابتسامته الماكرة تتسع خلف الضباب، مستمتعاً بجهل إيڤيلين التي كانت تعتقد أنها تفر من الموت بجانب رجل يحميها، بينما هي تتوغل أكثر في عمق فخه المحكم الذي صممه لكسر جناحها.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • جزيرة "عزازيل"..    الفصل 22

    نهضت السيدة إيلين بوقار متغطرس، عاد معه البرود يكسو ملامحها الأرستقراطية. مشت بخطى واثقة خارج القصر، لكنها توقفت بهدوء عند عتبة الباب، والتفتت بنصف جسدها نحو الخادمة، وقالت بصوت رقيق: «سأمكث في هذا القصر.. جهزي لي جناحاً خاصاً فوراً.» علت علامات الحيرة والذهول وجه الخادمة العجوز، لكن سنوات الخدمة الطويلة علمتها ألا تبدي أي رد فعل سوى الطاعة المطلقة؛ فانحنت برأسها ومضت لتنفيذ الأمر. في تلك الأثناء، لم تفارق عينا إيڤيلين قوام تلك المرأة الجميلة وهي تبتعد، وشعرت بغموض يلف وجودها الغريب. مرّ ذلك اليوم برتابة غريبة وخانقة؛ كانت الساعات بطيئة للغاية، ومع مرور الوقت يزداد القصر صمتاً. شعرت إيڤيلين في تلك العزلة بوحشة تجتاح صدرها؛ فقد اعتادت طوال الأوقات الماضية على مشاكسات نادر التي كانت تضفي حيوية على أيامها، وعلى حنان أدريان الدافئ الذي كان يحيطها كدرع حامٍ. أما الآن.. فقد وجدت نفسها فجأة وحيدة تماماً، بلا أصدقاء يؤنسون غربتها، وبلا حب يلازم دقات قلبها المكسور. ولكن، وعلى الرغم من سوداوية الموقف، تذكرت ذلك الشاب ماريو. لقد امتدت يدٌ أخرى غريبة لتنقذها وتنتشلها من حزنها،

  • جزيرة "عزازيل"..    الفصل 21

    دخلت إيڤيلين إلى ذلك القصر الغامض، وما إن خطت عتبته حتى تقدمت نحوها خادمة عجوز ذات ملامح وقورة، وانحنت برأسها في هدوء وطاعة تامة، ثم قادتها بصمت عبر السلالم الرخامية العريضة إلى الطابق الرئيسي. كان الممر طويلاً ومهيباً، تتوزع على جانبيه أبواب لغرف مغلقة بإحكام، وفي نهايته استقرت غرفة النوم الرئيسية وجناح منفصل للاستحمام. وقفت الخادمة عند الباب، وقالت بصوت خفيض وناعم: «سيدتي.. هناك كل ما تحتاجين إليه في الغرفة، إذا أردتِ المساعدة في أي وقت ناديني فقط، وسألبي كل طلباتكِ.» تردد صدى الكلمة في مسامعها بشكل مريب، وهمهمت إيڤيلين في صدرها متسائلة: "سيدتي! أنا؟". لكنها لم تُظهر للخادمة أي أثر لحيرتها، بل اكتفت بشكرها بابتسامة باهتة ودخلت إلى دفء الغرفة الرئيسية مغلقة الباب خلفها. كانت تودّ لو تجلس لتجمع شتات أفكارها المبعثرة، إلا أن رأسها كان ثقيلاً للغاية، تشعر فيه بوخز عنيف جراء البكاء الطويل تحت المطر البارد. أدركتْ أن جسدها المتعب يطلب منها الراحة، وأنه سيكون من الحكمة أن تنال قسطاً من النوم قبل أن تفكر في خطوتها التالية في هذا العالم المجهول. اتجهت إلى الحمام، وملأت حوض ال

  • جزيرة "عزازيل"..    الفصل 20

    كان عزازيل يركض في تلك الأزقة المظلمة كالمجنون، يمزق الضباب المبلل بخطواته المتسارعة، حتى كادت أنفاسه المتقطعة تتوقف في صدره من شدة القلق. وما إن دار في الممرات الضيقة وشعر بأن هذه المدينة الحجرية الغامضة قد ابتلعت إيڤيلين في جوفها المظلم دون أثر، حتى أكل الغضب الأعمى قلبه. تفجرت في عروقه طاقة وحشية، وبدأ يضرب بجنون كل ما يقابله في طريقه؛ ركل الجدران الحجرية العتيقة، وضرب البوابات الخشبية بقبضتيه العاريتين حتى سالت منهما الدماء، دون أن يفكر للحظة إن كان ذلك سيؤذيه أو يكسر عظامه. لقد تبدل كل شيء في صدره الآن؛ فيما مضى، كان يرغب في إيڤيلين ويبحث عنها لأنه يحبها بصدق، أما الآن.. فقد تملكته رغبة سوداء عارمة في الانتقام من أدريان! لقد آذاها وجرح براءتها، وجعلها تفرّ هاربة رغم المطر الظلام، وعزازيل لن يغفر له ذلك أبداً، وسيجعله يدفع الثمن غالياً بلا شك. على الجانب الآخر من الشارع الغارق في الضباب، كان أدريان يقف متسمراً تحت المطر الغزير، وعيناه الزرقاوان تتسعان بذهول وانكسار مرير. من مسافة ليست ببعيدة، رأى إيڤيلين وهي تصعد تلك العربة الفارهة بمساعدة ذلك الشاب الأسمر الغريب. لم

  • جزيرة "عزازيل"..    الفصل 19

    في ردهة ذلك البيت الحجري الصامت، أمام الباب المفتوح، يقف أدريان متيبساً كتمثالٍ من الجليد، عيناه غائبتان في الفراغ وقد شلّته الصدمة. تلك الصغيرة.. متى كبرت وأصبحت تمتلك هذا الغضب، لاطالما تشاجرا معاً، لكنها رغم ذلك كانت مطيعة ورقيقة للغاية. لم يتحرك جسد أدريان من شدة صدمته، كان كمن انتُزعت روحه من جسده بغتة. على بُعد خطوات منه، كانت تقف جوانا والذهول يغمر عينيها، مذهولة من قسوة عزازيل الذي دفعها بجفاء باحثاً عن فتاة أخرى تحت المطر. أظلم وجه جوانا، وفكرت سريعاً فيما ستفعل، ثم وبذكائها الملتوي، لم تدع الصدمة تسيطر عليها طويلاً. أخذت الأفكار الشيطانية تدور في عقلها كخيوط العنكبوت؛ وتهمس لنفسها: "هل سيكون انتقاماً كافياً ومثالياً من تلك اللصة إيڤيلين أن أختطف منها حبيبها أدريان، كما فعلت هي واختطفتْ مني عزازيل؟". بدت لها هذه الفكرة كخطة عبقرية تستحق التنفيذ بكل جدية. لكن.. هل يمكنها استمالة أدريان؟ فتاة جميلة مثلها ذات قوام أنثوي مغري لابد أنها قادرة على فعل ذلك بالتأكيد! تحركت جوانا بخطوات متمهلة ومترنحة، تفيض بالأنوثة الطاغية. مرت بجانبه، وساقاها العاريتان الفاتنتان

  • جزيرة "عزازيل"..    الفصل 18

    ارتجفت شفتا إيڤيلين وهي تتراجع خطوة إضافية إلى الخلف، ونظرت إليه بعينين يشتعل فيهما مزيجٌ صارخ من الألم والإهانة، وقالت بنبرة حادة غاضبة قطعت سكون الغرفة: «ماذا تظن نفسك فاعلاً؟!» ابتعد عنها أدريان ببطء، وعيناه غائمتان بضبابٍ كثيف من الحب والشوق الذين عجز عن كبحهما. تطلع إليها بضياع، يرغب أن يعيدها إلى حضنه مرة أخرى، وقبل أن ينطق بأي كلمة، كانت صفعة إيڤيلين القوية قد دوت في أرجاء الغرفة الحجرية. ساد صمتٌ رهيب. مال رأس أدريان جانباً من أثر الصفعة، وما إن رفعه ببطء ونظر إليها، حتى رآها قد انتفضت واقفة والغضب يعصف بكيانها. تقدمت بخطوات متسارعة نحو الباب، وفتحته على مصراعيه، ثم أشارت بإصبع مرتجف إلى الخارج قائلة بنبرة آمرة تخنقها العبرات: «اخرج.. لو سمحت!» لم يتحرك أدريان من مكانه فوراً. حدق في الباب المفتوح، ثم نقل نظراته إليها. بدلاً من الانكسار، تملكه ذلك البرود العقلاني المستفز مجدداً كدرعٍ يحمي كبرياءه الجريح. تقدم نحوها بخطى بطيئة وهادئة للغاية، حتى أن ذلك جعله يبدو كشخص من الطبقة العليا.. مما جعلها تنتفض غضباً. هل يشعر أن بمقدوره استغلال حاجتها لحمايته! هل يعتق

  • جزيرة "عزازيل"..    الفصل 17

    على الجانب العلوي من ذلك البيت الحجري، حيث الممرات أشد عتمة وبرودة، كان أدريان يقف كتمثالٍ من الرخام أمام باب إيڤيلين المغلق. ساعاتٌ طوال مرت وهو مرابطٌ في مكانه، لم يتحرك خطوة واحدة بعيداً عن عتبتها. رغم أنه سمع قبل قليل صوت ارتطامٍ مكتوم لبعض الأغراض في الداخل—صوتٌ يوحي بأن روحها الصغيرة تتخبط في حزنها—إلا أنه لم يتجرأ على مد يده لفتح الباب. كان هناك صراعٌ مرير يمزق صدره؛ من جهة، كان كبرياؤه الجريح يكبله، مانعاً إياه من التقدم خوفاً من أن يتلقى صفعة الرفض للمرة الثانية، وهو الذي لم يعتد الرفض قط. ومن جهة أخرى، كان يخشى غضبه العارم؛ خائفاً عليها من ثورة مشاعره، مرعوباً من أن يفرغ شحنة ضيقه في وجهها الرقيق فيؤذيها دون قصد. مر الوقت ثقيلاً كأنه جبلٌ جاثم فوق أنفاسه، وشعر بصدره يضيق حتى كاد يختنق. في الخارج، بدأت الرياح تعبث بأغصان الأشجار بعنفٍ أكبر، محدثةً ضجةً مخيفة واصطداماً مرعباً بالزجاج، ضجة زادت من وحشة الممر وجعلت أدريان يشعر بوحدةٍ قاتلة تنهش روحه. اتكأ بظهره المتعب على باب غرفتها الخشبي الثقيل، ورفع رأسه ببطء يحدق في السقف المظلم المليء بالظلال. في تلك اللحظ

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status