เข้าสู่ระบบوقفت سيلا مرة أخرى تحت رذاذ الدش البارد هذه المرة محاولةً إنعاش جسدها المنهك وإطفاء تلك الحرارة المتفقدة في أعماقها.
كانت القطرات تتساقط على بشرتها الدافئة لتوقظ فيها سيلًا من أفكارٍ متضاربة، متداخلة ومربكة. انزلقت بظهرها ببطء على الجدار الرخامي، و رفعت يدها المرتجفة لتمسح البخار المتبقي على زجاج المرآة، تنظر إلى انعكاس عينيها التائهتين.. عيون امرأة لا تملك من ماضيها شيئاً سوى ما يمليه عليها الآخرون. عادت بذاكرتها إلى ذلك اليوم الشاحب، قبل ثلاثة أشهر فقط ، عندما فتحت عينيها لأول مرة داخل مستشفى خاص ، لتجد أمامها وجه ألكسندر؛ الرجل ذو الملامح الحادة و النفوذ الطاغي. تتذكر كيف انحنى عليها بجسده المخيف ، يمسك يدها بحنان مفرط ، ويخبرها بنبرة هادئة وثابتة أن اسم زوجها هو "ألكسندر" ، و أنها تعرضت لحادث سير مروع على الطريق الساحلي أفقادها الذاكرة كلياً. كان ألكسندر يقنعها يومياً بأنه ينفذ كل ما في وسعه لحمايتها؛ فعمله كرئيس لمجموعة استثمارية ضخمة يجعله محاطاً بالأعداء والمنافسين. شرح لها أن احتجازها داخل هذا القصر الفخم المعزول ، وإحاطتها بفرق حراسة مشددة تصحب بكل خطواتها ، ليس إلا دليلا على حبه الشديد و خوفه القاتل عليها من أن تُستهدف أو تحل بها أي صدمة جديدة قد تضر بعقلها الضعيف. ومع أنه يغمرها بكل سبل الرفاهية والسلطة ، إلا أن سياج الأمان الذي وضعه حولها كان يبدو لها في كثير من الأحيان قفصاً ذهبياً يمنعها حتى من رؤية الشمس. ولكن.. كيف توازن بين رواية زوجها الشرعي، و بين ذالك الرجل الآخر راكان؟ انتابتها قشعريرة دافئة عندما تذكرت ملمس يديه منذ دقائق. راكا ن، هذا الرجل المتمرد والخاطف ، الذي اقتحم حصن ألكسندر المنيع لأول مرة منذ أسابيع سرًا عبر الممرات الخفية. تتذكر كيف همس لها في لقائهما الأول بكلمات زلزلت كيانها ، مكسراً كل ما شيده ألكسندر؛ إذ أقسم لها بكل ثقة أنها لم تكن زوجة ألكسندر قط، بل كانت معشوقته وزوجته الحقيقية التي انتُزعت منه قسراً في الماضي، و أن ألكسندر استغل حادثة فقدانها للذاكرة ليصنع تاريخاً مزيفا معها و ليحتجزها و يستمتع بامتلاكها باسم القانون. تنهدت سيلا بعمق وهي تلمس شفتيها اللتين ما زالتا تشتعلان بأثر قبلات راكان. لم تكن تعرف أياً منهما يقول الحقيقة ، لكن جسدها كان يحسم الصراع بطريقة مفضوحة؛ فبينما تعيش مع ألكسندر حياة قائمة على الطاعة والتسليم للواجب الزوجي و ممارساته ، كانت مع راكان تشعر بثورة مشاعر نارية ، و جرأة و حرية تلامس روحها. كانت تجد في أحضان راكان شغفاً مجنوناً يحرك أنوثتها الحقيقية ، بينما تظل في نظر ألكسندر التحفة الثمينة التي يجب التحفظ عليها. مرت نصف ساعة كاملة وهي غارقة في هذه الدوامة النفسية داخل عتمة الحمام ، تحاول تجميع شتات عقلها المبعثر بين رجل يمنحها الأمان والأسر ، وآخر يقدم لها الشغف والخطر. استجمعت سيلا ما تبقى من قواها، وشطفت جسدها بسرعة تحت الماء الجاري لتمسح أي أثر لممارسة راكان وعطر ه، ثم جففت بشرتها بنعومة. ارتدت روب نوم مكشوف طويل ورقيق بلون عنابي داكن ينسدل على انحناءات جسدها بفتحة جريئة ، ولفّت الحزام حول خصرها بتأني. ثم فتحت باب الحمام الضبابي بخطوات هادئة ، لتخرج إلى عتمة غرفة النوم الفسيحة ، حيث استقبلتها الإضاءة الخافتة وصوت خطوت ألكسندر وهو يدخل أجنحة القصر ويستعد لرؤيتها.عاد ألكسندر إلى القصر متأخراً، تسبقه خطاه الثقيلة وترفرف خلفه عباءته المظلمة. كان صوت الهدوء المخيف يخيم على أروقة المكان، لكن قلبه الحاسد لم يكن يهيأ له سوى الريبة. انفتح باب الجناح الملكي ببطء، ليجد سيلا تجلس على طرف الفراش الفسيح، ترتدي ثوبها الأبيض، وعيناها تتيهان في أبعاد الغرفة باضطراب لا تُخطئه عيناه. كانت أنفاسها متسارعة، وصدرها يعلو ويهبط؛ فاقتحام ركان لجناحها، ورؤية ذلك الغريب الذي يدعي حبه لها، تركا في عقلها المخدر أثراً زلقاً من الخوف الشديد، دون أن تستوعب عقلانياً سبب هذه الفزعة التي ترتجف لها. اقترب ألكسندر بخطوات واثقة، ووقف أمامها يتأمل وجنتيها الشاحبتين. ضيق عينيه بشك حاد، وانحنى ليضع سبابته تحت ذقنها، رافعاً وجهها ونظراتها الخاوية نحو عينيه المظلمتين: ـ ما بال هذا الارتعاش الذي يرتج في جسدكِ يا سيلا؟ ولماذا أرى الخوف يسكن عينيك في غيابي؟ جلست سيلا مطأطأة الرأس، ونطقت بصوت خفيض ونبرة مطيعة تحت تأثير المخدر البطيء: ـ لا شيء يا سيدي.. إنه مجرد كابوس مزعج داهم نومي وأفزعني، ولا أجد الراحة إلا بالقرب منك. اتسعت ابتسامة ألكسندر، غير أن شعلة الغيرة والسيادة السا
تراجعت أقدام ركان إلى الخلف بخطوات ثقيلة ومضطربة، وكأن كل خطوة تبتعد بها عن الفراش تقتطع قطعة من روحه. كانت كلمات سيلا الباردة والقاسية تتكرر في رأسه. نظرتها الجافة، ودفعتها القوية ليديه، ونداؤها باسم ألكسندر لحمايتها، كل ذلك نزل على قلبه كجمرة من نار. انسحب ركان من الجناح وعيناه لا تفارقان وجهها الشاحب. خرج إلى الممر الداخلي المظلم، يترنح بجسده المنهك وصدره يعلو ويهبط بأنسام خنقها الذهول. كيف لسيلا، المرأة التي اقتسم معها أنفاسها ولياليها الدافئة، أن تنظر في عينيه وتسأله ببرود: من أنت؟! تسلل عبر الممرات الفرعية متجهاً نحو الحديقة الخلفية، والأفكار السوداء تتصارع في رأسه. كان الجنون يدق أبواب عقله، والغيرة الحارقة تأكل أحشاءه؛ هل نسيت كل شيء حقاً؟ أم أنها استسلمت لألكسندر ورضيت بأن تكون معه في قصره وتنسى حبهما وتنسب طفلها لقاتلها؟فجأة.. عند زاوية الحديقة المعتمة، بين ظلال الأشجار العالية، قفزت إيفي من بين الأشجار وحجبت طريقه بسرعة. كانت إيفي تتابع المشهد بينهما من خلف الستار، ورأت انكساره القاتل وهي تدرك حجم الكارثة. مسكت إيفي ذراعه بقوة وهي تنظر حولها برعب وتهمس بصوت مرتجف: ـ ر
كانت ظلمة الليل تبتلع القصر في صمت مهيب تتراقص على جدرانه الرخامية كأشباح حارسة. في تلك اللحظات، كان ركان يندفع عبر الممر السري الخلفي، وقلبه يدق كالطبول. لم تعد عيناه ترى سوى السطور القاتلة التي قرأها في رسالة إيفي؛ سيلا حامل، والطفل ينمو في أحشائها في أسابيع سريعة ومربكة. تسلل ركان بخفة ظل واثقة، يتفادى نظرات الحراس المشدودة على البوابات الرئيسية. كان يعرف ممرات هذا القصر وثغراته، واستغل خروج ألكسندر لمتابعة اجتماع طارئ في المدينة، ليخترق الحصن المنيع الذي يحتجز فيه حبيبته. وصل ركان إلى الباب الخلفي للجناح الملكي. فتح المقبض برفق شديد، ودخل كالنسمة إلى الغرفة المظلمة التي لا يضيئها سوى شعاع باهت من نور القمر المتسلل عبر الستائر الحريرية. هناك، على طرف الفراش الفسيح، كانت سيلا تستلقي بثوبها الأبيض الخفيف. كان جسدها يبدو ناعماً وضئيلاً تحت الأغطية، وملامحها الشاحبة توحي بنوم عميق. اقترب ركان منها بخطوات مرتجفة، والدموع تحرق عينيه. جثا على ركبتيه بجانب الفراش، ومد يده المرتجفة ليلمس شعرها الناعم على الوسادة. سرت قشعريرة دافئة في جسده بمجرد أن لامست أصابعه بشرتها الناعمة، واشتعل في
لم يكد الصباح يشرق حتى كان الطبيب الخاص يترجل من سيارته أمام باب القصر الرئيسي، بطلب عاجل من ألكسندر. كان الجو داخل الجناح مشحوناً بأجواء الصمت والترقب، بينما تجلس سيلا على طرف الفراش بثوبها الأبيض الناعم، وملامحها الغائبة تشبه تمثالاً ينفذ الأوامر دون أن يشعر بوجوده. وقف ألكسندر بالقرب من النافذة، يطالع الحديقة بعينين شاردتين ونظرات مظلمة تحترق بالشك المكتوم. كانت أفكاره تتضارب في رأسه؛ الفرح بالوريث، يتقاطع مع ديدان الشك التي بدأت تأكل عقله منذ الليلة الماضية.. هل هذا الطفل ابنه حقاً، أم أنه أثر خيانة قديمة تسللت إلى قصره قبل أن يسلبها ذكرياتها؟ تقدم الطبيب بخطوات رزينة نحو سيلا، وفحصها بدقة بوجود إيفي التي كانت تقف بعيداً، تعتصر أطراف ثوبها بأصابع ترتعد، وتدعو في سرها ألا تنكشف تفاصيل سرها. أنهى الطبيب فحصه، والتفت نحو ألكسندر الذي خطى نحوه بخطوات ثقيلة ونبرة متسلطة: ـ أخبرني يا دكتور.. ما هي النتيجة بالضبط؟ ومتى حدث هذا الحمل؟ ابتسم الطبيب بنبرة مطمئنة وهو يدون ملاحظاته: ـ مبارك يا سيدي، السيدة سيلا حامل بالفعل في أسابيعها الأولى.. الفحوصات تؤكد تماماً أن الحمل حصل في
أخفت إيفي اختبار الحمل في جيب ثوبها بسرعة، والدموع تحرق عينيها. نظرت إلى سيلا التي كانت تقف مستسلمة أمام الحوض، تحاول استيعاب الدوار الذي يلف رأسها دون جدوى. ساعدتها إيفي على الخروج من الحمام بخطوات ثقيلة، وأجلستها على طرف الفراش الفسيح وهي تلف الرداء الحريري الأبيض المبلل حول جسدها الشاحب. كانت إيفي تحاول امتصاص الصدمة، وتفكر بقلب محروق في كيفية التعامل مع هذا السر المظلم والمرعب. كيف يمكن لسيلا أن تكون حاملاً في هذه الظروف الشائكة؟ وكيف ستستمر في العيش في هذا القصر وهي مسلوبة الإرادة والعقل؟ وفجأة، دون أي سابق إنذار، انفتح باب الجناح ببطء وحزم. دخل ألكسندر بهيبته المظلمة وخطواته الواثقة، ترتسم على وجهه حزم الملوك وسيادتهم. كانت عيناه الثاقبتان ترصدان كل تفصيلة في الغرفة، حتى استقرتا على سيلا المستلقية بضعف وعلى وجه إيفي الشاحب. ضيّق ألكسندر عينيه بشك حاد، واقترب بخطوات متزنة حاسمة، ثم وقف أمام الفراش ونظر إلى سيلا متسائلاً بنبرة جافة وممتلئة بالريبة: ـ ما بال وجهكِ مخضوض هكذا يا إيفي؟ ولماذا تلتف سيلا برداء الاستحمام المبلل في مثل هذا الوقت وتستلقي في الفراش؟ تسمرت إيفي واقفة
خرجت إيفي من الجناح بأقدام مضطربة وجسدها يرتجف بعد ان سمعت خطوات ألكسندر وهو يخرج من الحمام، وقلبها يخفق بقوة من الهول الذي رأته. كانت الصور تتصارع في رأسها؛ سيلا الغارقة في الغيبوبة، وذلك البروز الصغير في أسفل بطنها، يطاردانها ككابوس في كل خطوة. لم تنتظر إيفي طويلاً، بل اتجهت نحو الممرات الخلفية حيث يجلس حارسها. استغلت شغف الحارس خليل بها ونظراته المشتعلة نحوها، وقفت أمامه بدلال ورقة، وهمست له بكلمات ناعمة جعلته ينصاع لأمرها فوراً. تسلل خليل خارج أسوار القصر بصمت، وعاد بعد فترة قصيرة ومعه علبة صغيرة تحتوي على أشرطة اختبار الحمل واعطاها لها. انتظرت إيفي بخوف حارق حتى خرج ألكسندر من القصر لمتابعة أعماله. وما إن خلت الساحة، حتى دخلت الجناح بسرعة وأغلقت الباب خلفها. كانت سيلا تقف بالقرب من الحمام، ترتدي رداءً حريرياً أبيض خفيفاً، وتبدو عليها أعراض التعب والشحوب الشديد. اقتربت إيفي منها ببطء، ورأت الدوخة تصيب سيلا وتجعلها تستند على العتبة الرخامي بضعف وهي تحاول دخول الحمام لتستحم. تسللت إيفي خلفها داخل الحمام، وأغلقت الباب برفق. اقتربت من ظهر سيلا الملتوي، ووضعت كفيها الدافئتين على خص







