INICIAR SESIÓNجلست سيلا قرب النافذة، تفكر في عقد ركان.لماذا أراد منها توقيعه بهذه السرعة؟ولماذا لم يغضب عندما رفضت؟كلما فكرت في الأمر، شعرت بأن هناك شيئًا يخفيه عنها.التفتت إلى إيفي، التي كانت تجلس على الطرف الآخر من الغرفة وتراجع خريطة صغيرة للقصر.قالت سيلا:ـ إيفي... لم أعد أحتمل البقاء هنا.رفعت إيفي عينيها إليها.ـ ماذا تقصدين؟اقتربت سيلا وجلست بجانبها.ـ أريد الخروج. ولو حتى ساعات قليلة. أريد أن أرى الناس والشارع مرة أخرى... أن أشعر أنني حرة.ـ سيلا، هذا ليس وقتًا مناسبًا.ـ أعرف.صمتت لحظة، ثم قالت:ـ لكنني لا أستطيع البقاء مختبئة هنا وهذه الأفكار تأكل عقلي.نظرت إليها إيفي بصمت.ـ ألكسندر يبحث عنكِ في كل مكان.ـ وهل سأبقى هنا إلى الأبد؟لم تجد إيفي جوابًا.تابعت سيلا:ـ منذ خرجت من القصر وأنا لا أشعر أنني حرة. والآن لا أعرف إن كنت هربت من ألكسندر... أم وقعت في يد ركان.تغيرت ملامح إيفي عند سماع اسمه.ـ لا تفكري أو تقولي هكذا عن ركان يا سيلا.ـ حاولت.تنهدت إيفي.ـ حسنًا. سنخرج.رفعت سيلا رأسها بسرعة.ـ حقًا؟ـ نعم، لكننا لن نبتعد عن المدينة.ابتسمت سيلا.ـ أعدكِ.ارتديتا عباءتين داكنتي
أشرقت شمس الصباح ببطء فوق قصر ألكسندر، بينما ظل شيء ثقيل يخيّم على الممرات. لم يكن الهدوء هذه المرة علامة على الأمان، بل بدا كأن القصر نفسه يحبس أنفاسه انتظاراً لشيء لا يعرف موعده أحد.فتحت إيفي عينيها على صوت العصافير. بقيت للحظات تحدق في السقف، ثم عادت إليها تفاصيل الليلة الماضية؛ اللقاء السري مع خليل، والكلمات التي تبادلاها، والوعد الذي قطعه كل منهما للآخر بأن تنتهي هذه اللعبة قريباً. ابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم نهضت سريعاً. لم يعد لديها وقت للأحلام. كانت تعرف أن أي تأخير قد يمنح ألكسندر فرصة لإغلاق كل الأبواب في وجوههم.ارتدت ثوبها البسيط، وربطت شعرها إلى الخلف، ثم خرجت من جناحها دون أن تلفت انتباه. سلكت الممر الخلفي حتى وصلت إلى البوابة الجانبية. كان خليل ينتظرها في الظل، وما إن التقت عيناه بعينيها حتى اكتفى بإيماءة قصيرة.فتح لها الممر السري، وعبرت منه بسرعة، ثم تابعت طريقها نحو منزل ركان عبر الأزقة البعيدة عند الطرق.لكن ما إن وصلت حتى شعرت بأن شيئاً غير طبيعي ينتظرها.فتح ركان الباب بنفسه.وتنحى جانباً لتدخل، ثم أغلق الباب خلفها.لم تتوقف إيفي لتسأله عن سبب وجوده وحده عند المدخل،
في تلك الأثناء، حل الظلام على أسوار قصر ألكسندر العالية، والمشاعل المعلقة على الجدران الحجرية تحترق بصمت وتبعث أضواءً قاسية تتراقص مع ظلال الحراس. كان القصر يعيش حالة من الاستنفار الشديد؛ الحراسات مكثفة في كل زاوية، والخطوات الثقيلة تحوم حول الممرات والأسوار دون أن تهدأ. وفي وسط كل هذا الخطر، وصلت إيفي إلى السور الخلفي للقصر بخطوات حذرة، وأنفاسها متلاحقة من السرعة، وعيناها تتفحصان الممر المظلم بحذر شديد.كانت تدرك أن خطأً واحداً قد ينهي كل شيء، وأن مجرد الشك في أمرهما سيكلفهما حياتهما. لكن الشوق والحرارة اللذين كانا ينبضان في أعماقها لرؤية الحارس خليل اذابت كل الخوف بداخله.ومع اقترابها من الممر المظلم المؤدي للمخزن، ومن بين الظلال العتمة فجأة ظهر خليل بزيّه الداكن. كان يمسك بيده مقبض سلاحه بقلق، والتوتر بادٍ على ملامحه الرجولية إثر المراقبة الصارمة التي فرضت على القصر طوال اليوم. وبمجرد أن لمح خيال إيفي ينزلق نحو الزاوية، انقبض قلبه بلهفة وخوف، وتسلل نحوها، ثم شدها بسرعة نحو عمق المخزن المعتم، متفادياً إضاءة الفناء المكشوفة.أغلق الباب الثقيل ببطء، وهمس خليل بصوت مرتجف يفيض بالخوف
انفتح باب الغرفة بهدوء ليدخل منه ركان ، الذي توقف في مكانه لثوانٍ معدودة. و اتسعت عيناه بشغف و إعجاب شديد وهو ينظر إلى سيلا وهي في أبهى صورهاكانت تقف بذاك الثوب الوردي المطرز بالخيوط الذهبية البراقة وكأنها زهرة نادرة تفتحت بعد عاصفة طويلة من الظلام والخوف.اقترب ركان منها بخطوات هادئة ممتلئة ب الحب والشوق المكتوم ، وانحنى بجسده ليمسك يدها الناعمة المرتجفة برفق، ثم طبع على ظهر كفها قبلة دافئة طويلة. ولم يكتفِ بذلك، بل مرر كفه الأخرى بشغف نحو بطنها البارزة ، يداعب الجنين بلمسات يملؤها الدفء والحنان.رفع عينيه اللامعتين نحو عينيها ، وهمس بصوت يفيض بالحب والعاطفة:ـ سيلا.. تبدين كالملكة الليلة. هذا الجمال وهذا الدفء هو كل ما كنت أعيش لأجله..ابتسمت سيلا بحياء، فمسك يدها برفق وقادها نحو السرير، ليجلسها عليه بكل حنية ورقة وهو يمسك بكفيها بين يديه القويتين. ساد الهدوء لبرهة قصيرة، استشعرت فيها سيلا دفء وجوده وأمان حمايته، لكن السكون لم يدم طويلاً.سحب ركان إحدى يديه فجأة، وأدخلها في الجيب الداخلي لسترته السوداء، ليخرج أوراقاً مطوية بعناية.بسط ركان العقد على ركبتيه أمامها، ونظر إلى عينيها
عادت إيفي وسيلا إلى المنزل ، و ضحكاتهما الخفيفة تسبق خطواتهما الشغوفة إلى منزل ركان. كانت الأكياس والحقائب الفاخرة تتعب إيفي ، لكن عيني سيلا كانتا تلمعان بنور استثنائي لم يسبق لها أن رأته فيهما منذ أن خُطفت من القصر المظلم. وضعت إيفي الحقائب على الفراش ، ثم التفتت نحو سيلا ونظرت إلى الساعة الرخامية المعلقة على الحائط. غابت الابتسامة تدريجياً عن وجهها ليحل محلها قلق خاطف، وشحبت ملامحها وهي تدرك تسارع الثواني واقتراب المساء. أمسكت إيفي بيدي سيلا وضغطت عليهما بلهفة: ـ سيلا.. يجب أن أعود فوراً إلى القصر! غيابي طال ، ورجال ألكسندر قد يلاحظون اختفائي في أي لحظة. فزعت سيلا وتمسكت بثوبها بامتنان وخوف: ـ أرجوكِ يا إيفي.. انتبهي لنفسك، أخشى عليكِ من بطش ألكسندر وجنونه! ابتسمت إيفي لتطمينها ، وطبعت قبلة دافئة على جبينها: ـ لا تخافي يا ملكتي.. خليل يترقب عودتي و سيؤمن لي الطريق من جديد. استمتعي بحريتكِ وبفساتينكِ الجديدة ، وغداً صباحاً سأكون عندكِ مجدداً لنكمل ترتيبات خطة الخزنة والعقود.. أعدكِ بذلك! ودعتها إيفي بلمسة حانية وخرجت متسللة كالعادة بخطوات حذرة ، تاركة سيلا في الغرفة بمفرده
خرجت إيفي إلى الصالة الخارجية حيث كان ركان يراجع بعض الأوراق. توقفت أمامه بثبات، وقالت بنبرة واثقة تحمل إصراراً لا يقبل النقاش: ـ ركان، سيلا تحتاج للخروج الآن إلى السوق.. ثيابها لا تليق بها، وهي بحاجة لأن تتنفس الهواء النقي وترى الحياة بعيداً عن هذه الجدران. رفع ركان رأسه ونظر إليها بحدة، وانقبضت ملامحه للحظة بدافع الخوف والقلق على سيلا: ـ خروج إلى السوق؟! هل جننت يا إيفي؟ القصر يغلي وألكسندر يقلب المدينة بحثاً عنها، أي مخاطرة هذه؟! ابتسمت إيفي بذكاء وهدوء: ـ اطمئن، لن نبتعد، وسنرتدي عباءات تغطي ملامحنا.. ألكسندر يبحث عنها في المدن والمحطات، ولن يخطر بباله أبداً أن سيلا تتجول بوسط السوق التجاري بكل ثقة. سيلا بحاجة لهذه اللحظة يا ركان لتسترد روحها. تنهد ركان بعمق وهو يدرك صحة كلامها، ثم هز رأسه بالموافقة. عادت إيفي إلى الغرفة تزف الموافقه لسيلا، والتي شعرت ب موجة من الفرح والخوف المتداخلين. ثم ارتديتا عباءتين ناعمتين، وخرجتا بخطوات متسارعة. وما إن وطأت قدم سيلا أرض الشارع الرئيسي، حتى شعرت بقشعريرة سرت في سائر جسدها. كانت الشمس تصب أضواءها الدافئة على الممرات، وصوت المارة وح







