Home / الرومانسية / حارة العاشقين / الليلة الثالثة

Share

الليلة الثالثة

last update publish date: 2026-10-10 06:55:51

تسمّرت قدما «سليم» في مكانهما، وقد غشيته سحابةُ خيبةٍ مريرة حين أبصر «الحاجة فاطمة» تنفضّ من حوله وتتخلّى عن نصرته. وتمكّنت منه لوعةٌ على أمٍّ سيعتصر الحزنُ قلبها كمداً عليه، في الوقت الذي انطلقت فيه نظرات الزهو والانتصار من عيون زوجة عمّه الراحل وبناتها، يرمقنه بها ويُجهزن بها على ما بقي من كرامته. وفي تلك السكينة الموتورة، انسلّ كلبُ «سليم» من غياهب الغرفة واقتحم الردهة، فارتجّ المكان بصرخةٍ فزعت لها «صافي» وقفزت فوق المقعد بهلعٍ طفولي. انحنى «سليم» بجسده اليافع يربّت على رأس أليفه في هدوء، وحرّك حدقتيه في نظراتٍ ذات مغزى استقرّت عند عيني «صافي» الواجفتين.

هتفت «الحاجة فاطمة» بنبرةٍ آمرة:

«اربط الكلب يا سليم.»

فلاعب «سليم» حاجبيه باستهانةٍ ومرح، وهتف مشاكساً:

«هو ده اللي هيربّيها.»

وعلى عتبة المستودع الغارق في عتمته، وقف «صخر» شامخاً بملامح وقورة، وقال بجديّةٍ قاطعة:

«خلّينا نتكلم في المستودع أحسن.»

وما إن دلف ودخلت خلفه «مياسين» وبناتها الثلاث بخطىً مثقلة بالريبة، حتى صدح صوته ينادي والده. فخرج الشيخ الكبير من جوف الشادر المنصوب للعزاء، وقد ارتسمت على وجهه علامات الاستفهام، وسأل باستغرابٍ جليّ:

«في إيه يا صخر؟»

استدارت «مياسين» نحوهما، وخرج صوتها الرخيم ناضحاً بتحدٍّ صريح وكبرياءٍ أنثويّ لا يلين:

«أنا مياسين مرات كريم الجبالي، وبناته من حقهم يحضروا جنازة أبوهم.»

هبطت الكلمات كالصاعقة، فخرقت الصمت، وسادت دهشةٌ طاغية على ملامح الحاضرين، ولا سيّما الأب الذي تيبّست أطرافه وهو يكتشف أنّ ابنه الراحل عاش عمراً موازياً وراء ظهورهم، متزوجاً في الخفاء، وأباً لثلاث بنات. تهاوى جسد «الحاج صالح» الواهن، فاستند بثقله المتعب إلى سطح المكتب الخشبي القائم خلف «صخر»، وصرخ بنبرةٍ يتردّد فيها صدى الإنكار وعدم التصديق:

«إنتِ بتقولي إيه؟!»

ردّت «مياسين» بحدّةٍ تقطع الشكّ باليقين، نافيةً عن نفسها تهمة العَوَز:

«اوعى تفتكر إني جاية طمعانة في ميراث كريم... اتجوزني وهو عارف إني مش محتاجة فلوسه، لأن عيلتي غطّت خسارة الشركة بنسبة ستين في المية، وهو كان أربعين في المية بس.»

تراجع «الحاج صالح» خطوةً وجلس على المقعد واهناً، بينما استند «صخر» بظهره إلى مسند الكرسي، متصنّعاً أريحيةً يخفي وراءها اضطراب ظنونه، وسألها بهدوءٍ متحفّظ يترقّب الجواب:

«وليه ما قلتيلناش إنك متجوزة ومخلّفة منه؟»

فجاءه الجواب ليزيد المشهد تعقيداً:

«لأني اتجوزت كريم في إنجلترا، ولمّا عرفت بوفاته قلت إن من حقكم تعرفوا إن عنده بنات، ومن حقهم يعيشوا في حماية جدّهم وعمّهم.»

ثم لوّحت بكفّها الأيمن بنفاد صبرٍ جاف، بعد أن نبشت حقيبتها وأخرجت شهادات الميلاد ووثيقة الزواج الرسمية، ووضعتها على سطح المكتب ليتناولها «صخر» ويفحصها، وأردفت:

«أنا مش عايزة منكم حاجة، وهرجّع البنات إنجلترا بعد ما نتيجة التحليل تظهر... أنا ما كنتش عايزة بنات كريم يعيشوا في مجتمع منفتح.»

وما إن لملمت شهادات الميلاد وأعادتها بحرصٍ إلى جوف حقيبتها، حتى جالت بعينيها الحادّتين في أرجاء المكان تبحث عن أداةٍ حادّة. فالتقطت مقصّاً بيدٍ ترتجف أطرافها من أثر اللحظة، وعادت بخطىً وئيدة إلى كل بنتٍ من بناتها، فقصّت من شعورهنّ خصلةً صغيرة عيّنةً لإثبات النسب. وكان هذا المشهد الغريب المشحون يدور تحت أنظار «صخر» و«الحاج صالح»، اللذين تسمّرا في صمتٍ مذهول، وقد شُلّا عن أيّ ردّ فعل.

ولمّا اطمأنت «مياسين» إلى وضع العيّنات في مكانٍ آمن، استدارت وغادرت المستودع بخطىً حازمة، تاركةً خلفها علامات استفهامٍ ضخمة معلّقة في هواء الغرفة الراكد.

تنفّس «صخر» الصعداء بضيقٍ شديد، ثم التفت إلى والده وسأله بوجل:

«هنعمل إيه يا حاج؟»

فأجابه «الحاج صالح» بحسمٍ صارم شابته نبرة الحزن:

«هناخد العيّنة ونتأكد.»

أحسّ «صخر» بوطأة التعب على ملامح أبيه الشاحبة، فطلب منه الصعود إلى الدار، وقال برفق:

«إنت شكلك تعبان... اطلع ارتاح.»

بيد أنّ «الحاج صالح» أجابه بنبرةٍ مخنوقة بالمرارة:

«هتيجي منين الراحة؟ أخوك طلع متجوز وعنده تلات بنات... مش كفاية إنه عاش عمره كله شبه الغريب بينا.»

فبادره «صخر» بسؤالٍ يجسّ به نبض الندم القديم:

«يعني لو كان قالك إنه عايز يتجوز على كارين... كنت هتعترض ولا توافق؟»

شخص «الحاج صالح» ببصره المتعب إلى وجه «صخر»، ورمقه بنظرةٍ تحمل عتباً دفيناً:

«ما إنت اتجوزت تلاتة... كنت اعترضت؟ أخوك كان عايز يقلّدك.»

فرك «صخر» كفّيه ببعضهما، وسرت على شفتيه ابتسامةٌ ساخرة، وسأل بتهكّمٍ مبطّن:

«هيقلّدني في إيه؟ كل ظروفه كانت أحسن منّي... تعليم ونسب.»

وهنا خرج صوت «الحاج صالح» ضعيفاً حزيناً:

«عندك خمس رجالة... وهو عنده خمس بنات.»

اتسعت عينا «صخر»، وحملق في وجه أبيه مأخوذاً بالذهول، وهتف:

«إنت بتقول إيه؟! ما هو عنده كريم.»

فقال «الحاج صالح» بألمٍ يمازج الحسرة بالعتب على ضيق بصيرة ولده الراحل:

«كريم لسّه بيرضع، ما لحقش يفرح بيه... ولادك الخمسة كانوا...»

قاطعه «صخر» بنبرةٍ توسّلية تشي بنفاد طاقته على الاحتمال:

«كفاية... أنا اللي هطلع، لأني تعبان...»

أراد «الحاج صالح» أن يهوّن على قلب ولده ويسكب السكينة في روحه الموتورة، فقال بصوتٍ واهن:

«عايزك تسامحه.»

اغرورقت عينا «صخر» بالدموع حين تيقّن من الحقيقة المأساوية التي أفضى بها إليه والده، وتمتم بلوعة:

«يا ريتك ما قلت لي... هبصّ في وشّهم إزاي؟ هبصّ في وش ولادي إزاي وأنا حاسس إنهم سبب حسرة عمّهم؟»

ربّت «الحاج صالح» على كتفه بكفٍّ حانية، محاولاً إزاحة الذنب عن عاتقه:

«وإنت ذنبك إيه، وولادك ذنبهم إيه؟ هو اللي ما حمدش ربّنا... كان عنده المال والبنون وهو ناقم على عيشته، مش عاجبه خلفة البنات.»

ثم أردف موصياً إياه بلهجةٍ تحمل وصيّة الأيام الأخيرة:

«أنا عايزك تعوّض البنات... يعني عدّي لهم أي حاجة، هما لسّه مش واخدين علينا، وكريم محتاج أب.»

مسح «صخر» وجهه بكفّيه يطرد غشاوة الضياع، وهتف بتخبّطٍ مشحون بالمسؤولية:

«حاضر.»

اتّكأ «الحاج صالح» على ذراع ولده، وغادرا المستودع بخطىً ثقيلة. وحين توقّفا في منتصف الشادر، رفع الشيخ صوته شاكراً المعزّين:

«شكر الله سعيكم.»

فارتفعت أصوات الحاضرين بالردّ والدعاء:

«البقاء لله... ربنا يجعلها آخر الأحزان يا حاج.»

أشار «صخر» إلى أحد الموظفين القائمين على الخدمة، وأوصاه بصوتٍ خافت:

«راضي الرجالة وساعدهم.»

فردّ العمّال وهم يطوون السجاد ويفكّكون كشّافات الإنارة ويجمعون المقاعد:

«متشكرين يا معلّم صخر... البقاء لله.»

دلف «صخر» بوّابة بناية «الجبالي»، وشقّ طريقه صاعداً درج السلّم وهو يسند جسد والده المتهالك. وفجأةً تناهت إلى مسامعهما جلبةٌ وأصواتٌ متداخلة، فسأل «الحاج صالح»:

«إيه الصوت ده؟»

أجابه «صخر» بسخريةٍ مريرة لا تخلو من ضيق:

«صوت صافي وسليم بيتخانقوا.»

توقّف «الحاج صالح» مستنداً إلى سياج الدرج الخشبي، وقال بإنهاك:

«اطلع شوف في إيه.»

أومأ «صخر» موافقاً، وتابع الصعود بخطىً متسارعة، بينما رمقه «الحاج صالح» بنظرةٍ حزينة، وتمتم بمرارةٍ وتعب:

«كان لازم تعرف الحقيقة وتخفّف عنّي الهمّ.»

وما إن وطئت قدما «صخر» الطابق العلوي ووقف أمام الشقة، حتى حدّقت عيناه بذهولٍ واستنكار حين رأى الباب الخشبي مفتوحاً على مصراعيه، فهتف بحدّة:

«مين سايب باب الشقة مفتوح؟ إحنا قاعدين في الشارع!»

جاءه الردّ من «الحاجة فاطمة» التي كانت تقف كالسدّ المنيع أمام «صافي»، وهذه تحتمي بظهرها وترتجف ذعراً:

«صافي خايفة من الكلب... خلّي سليم يربطه.»

دارت عينا «صخر» في أرجاء المدخل، فوقعتا على حقيبة سفرٍ ضخمة ملقاةٍ بإهمالٍ على الأرض، فسأل بنبرةٍ متوجّسة:

«شنطة مين دي؟»

أجابه «سليم» وهو لا يزال يربّت على رأس كلبه ببرودٍ مستفز:

«شنطتي أنا... أصلي اتطردت من الأوضة وخدتها صافي.»

كان «سليم» يرقب وجه والده، ينتظر في أعماقه أن ينتصر له ويقف في صفّه. غير أنّ عقل «صخر» ومسامعه كانت مزدحمة بكلمات أبيه ووصاياه، فجاء ردّه حادّاً مباغتاً لم يتوقّعه أحد:

«أنا مش قلت الكلب ما يدخلش البيت علشان الصلاة؟!»

ساد وجومٌ تامّ، فلم يكن هذا الردّ العنيف ما يترقّبه الحاضرون. فانبرت «نجوى» تهتف بحنقٍ وعتاب:

«إنت مش هتقول حاجة؟! ابنك اتطرد من أوضته!»

شعر «صخر» بطنينٍ مدوٍّ يجتاح رأسه، وألقى بسلسلة مفاتيحه على الأرض بعنفٍ غامت معه الرؤية من أمامه، وأمسك برأسه الذي كاد ينفجر من فرط التفكير وتزاحم الهموم، وتمتم بنبرةٍ مخنوقة تحشرجت في حلقه:

«اللي عايز يمشي...»

ولم يمهله جسده المنهك أن يتمّ جملته، إذ خارت قواه تماماً وسقط على الأرض مغشياً عليه، فافترش جسده الطويل البلاط وسط صرخات الذعر التي انطلقت من حناجر الجميع تتوسّل نجاته.

ـ نهاية الليلة الثالثة ـ

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حارة العاشقين    الليلة السابعة

    انتهزت "كارين" خلوّ الدار وانقلاب أحوالها رأساً على عقب، إثر هرولة عائلة زوجها الراحل "كريم الجبالي" نحو المشفى للاطمئنان على شقيقه "صخر" بعد أن باغتت الجلطةُ القلبية جسده المثقل بالهموم. التفتت إلى بناتها في عجلةٍ من أمرها، وقد تملكتها رغبةٌ عارمة في الانعتاق من أسر تلك الجدران التي شهدت خديعة عمرها، وضمّت طفلها الرضيع بين ذراعيها تحميه كمن يحوز غنيمةً متأخرة، ثم هتفت بنبرةٍ حادة مستعجلة تكسر سكون الردهة:"قاعدين مستنيين إيه؟!"شخصت نظرات "صافي" نحو عتبة غرفة نوم "سليم"، وتزاحمت الأسئلة في خلدها: أهكذا تُطوى الصفحات، وتغادر تلك البناية بهذه السهولة والسرعة دون وداع؟ فتمتمت بصوتٍ خافت:"يعني هنمشي؟"وفي تلك الأثناء انبرت شقيقتها "جيهان" تسأل في حيرةٍ من أمر الغد، وقد أقلقها شبح الفاقة المتربص بهن:"وهنصرف منين يا مامي؟"أجابتها كارين وهي تُحكم قبضة كفها الأيمن على مقبض حقيبة ثيابها، بينما يتوسد رضيعها ذراعها الأيسر، متمتمةً بصرامةٍ لا تلين:"أنا هتصرف.. خلينا نمشي قبل ما حد يرجع، مش حاجاتكم لسة في الشنط؟"فجاءها رد الابنتين كصوتٍ واحد:"أيوة لسة زي ما هي في الشنط."فأصدرت إليهما أمر ا

  • حارة العاشقين    الليلة السادسة

    وقف شقيق الطبيب في ركنٍ منزوٍ من صالة الوصول بالمطار، يجاوره الفتى «حمزة»، ابن شقيقهم المقتول «مصطفى» الذي قُطف زهر شبابه بغتةً وذهبت روحه هباءً على يد «كريم الجبالي». كانوا يرقبون بآمالٍ متعبة انشقاق رداء العتمة عن مسافرهم المنتظر. ولم يكن الانتظار هناك دعةً ولا راحة، بل احتقاناً ثقيلاً تدور تحت ظلاله الظنون، ولا سيّما أنّ العائد هو الطبيب النفسي الحاذق «بشر شوكت المصري»، الشهير بـ«باشا». فقد طار إليه في بلاد الغرب نعيُ أخيه وهو في صدارة مؤتمرٍ طبيّ حافل، يصول فيه ويجول بين أطباء الإفرنج، فقلبت الفاجعة المباغتة مجالس علمه مآتم، وعاد على عجلٍ يحمل بين جنبيه لوعةً كاوية وثأراً مبيّتاً.وما إن أطلّت قامته المديدة من بين بوّابات الخروج حتى شخصت إليه الأبصار مهابةً. فلم يكن «بشر» ممّن تفيض مآقيهم بالدمع عند الخطوب، بل كان ظهوره آيةً في السكينة الجافة الباردة. لم يبدُ منه في وهلة اللقاء سوى نظراتٍ ساكنة كبحرٍ لجّيّ، وأنفاسٍ كادت تتسارع من فرط الوجد المكبوت والمفاجأة القاسية لولا أنه لجمها بوقاره الطاغي، فابتلع حشرجة الأسى، وارتسمت على محيّاه ملامح جافية كأنها قُدّت من صخر. وكان تحوّلاً مبا

  • حارة العاشقين    الليلة الخامسة

    تسمّرت أقدام فتية «صخر» الخمسة عند باب غرفة الطوارئ، وشخصت أبصارهم نحو الباب الموصد، وقد تملّكهم لغوب الانتظار الممزوج بآمالٍ واهية في أن ينقشع هذا الكابوس على لسان الطبيب بكلمة طمأنينة تخفّف مأساة تلك الليلة البهيمة. فلمّا انشقّ رداء العتمة وخرج الطبيب من الغرفة بخطىً متهالكة، انبرى له «سليم» مستوقفاً إياه بنبرةٍ ترتعش هلعاً:«طمّني عليه.»بيد أنّ الطبيب لم يلتفت إليه بكثير اهتمام، بل مضى واضعاً كفّيه في جيبي معطفه الأبيض، بنظراتٍ لاهية خالية من الاكتراث، إذ كانت أروقة المشفى تموج بحالاتٍ حرجة أخرى تستدعي عجلته. فألقى إليهم بكلماتٍ جافة مقتضبة:«كان عنده جلطة قلبية وسيّحناها، وهننقله الإفاقة.»* * *وفي تلك الأثناء، داخل شقة آل «الجبالي» التي ران عليها بؤس الفجيعة، كانت «كارين» تجلس واجمةً قبالة بناتها، تكاد عيناها تطرفان بذهولٍ يلامس حافة الجنون. وقد تملّكتها لوعة الخديعة المريرة جرّاء ما اقترفته يدا زوجها الراحل في الخفاء، فتمتمت بنبرةٍ مخنوقة بالغِلّ:«متجوز وعنده تلات بنات في السرّ، وأنا المغفّلة اللي نايمة على وداني!»وعلى حين غرّة، انتبه وعيها الجريح إلى الكلمات الحاسمة التي أل

  • حارة العاشقين    الليلة الرابعة

    انفجر البيت الجباليّ في تلك الليلة انفجارَ صدرٍ كظيم احتبس في غياهبه دخانُ الأسرار الثقيلة عقوداً طوالاً حتى غصّت بها جنباته. فما إن تهاوى «صخر» بجسده الفارع على أرضية الشقة، وقد أصابه وقع الكلمات كعمودٍ رخاميّ تصدّع في قلب معبدٍ أثريّ عتيق، حتى تلاشت طمأنينة السكون الزائفة. وتحوّلت الجدران التي طالما استترت خلفها ضوضاء العائلة بأوهام التماسك الظاهري إلى مسرحٍ مشحون بذهول الفزع وعويل النساء ووجوم الترقّب المريب. اندفع الجميع نحوه في وهلةٍ واحدة، تحرّكهم غريزة الذعر البدائي التي تصيب البشر حين يعاينون القويَّ صريعاً لأول مرة، ويرون الجبل الأشمّ الذي استندوا إليه يتداعى مستسلماً أمام أعينهم. وكان «سليم» أول من اخترق جدار تردّده المعهود، فألقى بنفسه على ركبتيه إلى جوار أبيه المسجّى، وانحنى بقامته اليافعة فوقه، وعيناه متسعتان بذعرٍ حقيقيّ لم يذق قلبه المستهتر طعمه من قبل. دسّ ذراعه الغضّة تحت كتفي أبيه المنهك ورفعه بعجلةٍ شابها الارتباك، كمن يخشى أن تسبقه يدُ المنون المتسلّلة في العتمة، وأنفاسه المتقطّعة تضرب جدار صدره بوعيدٍ موجع. لم يعد في تلك الدقيقة الرهيبة خصماً عنيداً يبتغي التمرّد،

  • حارة العاشقين    الليلة الثالثة

    تسمّرت قدما «سليم» في مكانهما، وقد غشيته سحابةُ خيبةٍ مريرة حين أبصر «الحاجة فاطمة» تنفضّ من حوله وتتخلّى عن نصرته. وتمكّنت منه لوعةٌ على أمٍّ سيعتصر الحزنُ قلبها كمداً عليه، في الوقت الذي انطلقت فيه نظرات الزهو والانتصار من عيون زوجة عمّه الراحل وبناتها، يرمقنه بها ويُجهزن بها على ما بقي من كرامته. وفي تلك السكينة الموتورة، انسلّ كلبُ «سليم» من غياهب الغرفة واقتحم الردهة، فارتجّ المكان بصرخةٍ فزعت لها «صافي» وقفزت فوق المقعد بهلعٍ طفولي. انحنى «سليم» بجسده اليافع يربّت على رأس أليفه في هدوء، وحرّك حدقتيه في نظراتٍ ذات مغزى استقرّت عند عيني «صافي» الواجفتين. هتفت «الحاجة فاطمة» بنبرةٍ آمرة: «اربط الكلب يا سليم.» فلاعب «سليم» حاجبيه باستهانةٍ ومرح، وهتف مشاكساً: «هو ده اللي هيربّيها.» وعلى عتبة المستودع الغارق في عتمته، وقف «صخر» شامخاً بملامح وقورة، وقال بجديّةٍ قاطعة: «خلّينا نتكلم في المستودع أحسن.» وما إن دلف ودخلت خلفه «مياسين» وبناتها الثلاث بخطىً مثقلة بالريبة، حتى صدح صوته ينادي والده. فخرج الشيخ الكبير من جوف الشادر المنصوب للعزاء، وقد ارتسمت على وجهه علامات الاستفهام، و

  • حارة العاشقين    الليلة الثانية

    عادت النسوة إلى شقة عائلة «الجبالي»، تطاردهنّ في العتمة أسئلةٌ قلقة لم تجد لها جواباً شافياً. وكانت «ورد» تجاهد لتستوعب هذا التحوّل المباغت في مجرى الأحداث، فخرقت الصمت المتوجّس بسؤالٍ امتزجت فيه الدهشة بالاستنكار: «كريم بيعمل إيه هنا من غير أمه؟» شرع «الحاج صالح» يقصّ عليهنّ تفاصيل ذلك اللقاء الخاطف العاصف الذي جمعه بزوجة نجله الراحل. فلطمت «الحاجة فاطمة» صدرها بكفٍّ مرتجفة، وفي حركتها العفوية ثِقلُ أسىً موروث، وهتفت بنبرةٍ مثقلة بالتوجّس: «أمه مش هتسكت.» غير أنّ غريزة الأمومة والجدّة سرعان ما غلبت مخاوفها، فبسطت ذراعيها لذلك الصغير الذي صار ريشةً في مهبّ صراعات الكبار، وناحته بحنانٍ دافق يحاول أن يمحو خوفه: «تعالى يا كريم.» وفي أسفل البناية، كان شادر العزاء قد نُصبت أعمدته الخشبية وفُرشت جنباته بالأقمشة الداكنة، ليتلقّى آل الجبالي العزاء في فقيدهم «كريم». وكان الشارع يعجّ بالحركة والضجيج المعتادين في الحارة العتيقة، والجميع يترقّبون تشييع الجنازة ومراسم الدفن. نزل «الحاج صالح» درجات السلم بخطىً وئيدة يكسوها الوقار، يتبعه ابنه «صخر» وأحفاده، حتى وقف قبالة «كارين» التي كانت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status