Home / الرومانسية / حارة العاشقين / الليلة الثانية

Share

الليلة الثانية

last update publish date: 2026-10-10 06:52:29

عادت النسوة إلى شقة عائلة «الجبالي»، تطاردهنّ في العتمة أسئلةٌ قلقة لم تجد لها جواباً شافياً. وكانت «ورد» تجاهد لتستوعب هذا التحوّل المباغت في مجرى الأحداث، فخرقت الصمت المتوجّس بسؤالٍ امتزجت فيه الدهشة بالاستنكار:

«كريم بيعمل إيه هنا من غير أمه؟»

شرع «الحاج صالح» يقصّ عليهنّ تفاصيل ذلك اللقاء الخاطف العاصف الذي جمعه بزوجة نجله الراحل. فلطمت «الحاجة فاطمة» صدرها بكفٍّ مرتجفة، وفي حركتها العفوية ثِقلُ أسىً موروث، وهتفت بنبرةٍ مثقلة بالتوجّس:

«أمه مش هتسكت.»

غير أنّ غريزة الأمومة والجدّة سرعان ما غلبت مخاوفها، فبسطت ذراعيها لذلك الصغير الذي صار ريشةً في مهبّ صراعات الكبار، وناحته بحنانٍ دافق يحاول أن يمحو خوفه:

«تعالى يا كريم.»

وفي أسفل البناية، كان شادر العزاء قد نُصبت أعمدته الخشبية وفُرشت جنباته بالأقمشة الداكنة، ليتلقّى آل الجبالي العزاء في فقيدهم «كريم». وكان الشارع يعجّ بالحركة والضجيج المعتادين في الحارة العتيقة، والجميع يترقّبون تشييع الجنازة ومراسم الدفن. نزل «الحاج صالح» درجات السلم بخطىً وئيدة يكسوها الوقار، يتبعه ابنه «صخر» وأحفاده، حتى وقف قبالة «كارين» التي كانت ترمقهم بنظراتٍ متوجّسة، فخاطبها بنبرةٍ تقطر سلطةً مطلقة لا تقبل المراجعة:

«ابنك محدش يقدر يحرمك منه طول ما إنتِ في بيت الجبالي.»

شخصت «كارين» ببصرها نحو الفراغ، وحرّكت عينيها بمرارةٍ لا تخفى، معلنةً رفضها لهذا الإذعان المتدثّر بثوب الضيافة:

«لكن مغصوبة، وإحنا ضيوف عندكم.»

تنهّد «صخر» تنهيدةً مكتومة حبسها بين ضلوعه، محاولاً أن يبسط هدوءاً مؤقتاً على الأجواء المشحونة بالترقّب والأسى، وقال باقتضاب:

«بعد ما العزا يخلص نتكلم.»

لكنّ «صافي» لم تقوَ على كبح لسانها السليط، فتمتمت بحدّةٍ كشفت عن النار المستعرة في صدرها الغضّ:

«إحنا بنكرهكم، مش عايزين نعيش معاكم بالعافية!»

همّ «الحاج صالح» أن يزجرها على جرأتها التي لا تليق بمقام الموقف، لكنّ يد «صخر» كانت أسبق، إذ امتدّت تمنعه بحسم. وفي لمح البصر هوت صفعةٌ عنيفة دوّت في أرجاء المدخل، واستقرّت على وجنة «صافي» فارتجف جسدها كله وكاد يهوي. ولم يكتفِ «صخر» بذلك، بل انتشلها بقسوةٍ من خصلات شعرها، فارتطم رأسها بخشب الباب ارتطاماً مروّعاً. اتسعت عينا «كارين» لهول هذا العنف المباغت، وصرخت بألمٍ يمزّق أحشاءها:

«إنت بتمدّ إيدك عليها بصفتك إيه؟»

رفع «صخر» سبّابته اليمنى في وجهها، كاشفاً عن منطق القبيلة والعائلة الذي لا يرحم من يخرج عن طوعه، وقال بنبرةٍ تحذيرية قاطعة:

«كريم مات، لكن عمّها وجدّها موجودين.»

وحين حاولت «صافي» أن تلملم شتات نفسها لتعترض من جديد، رمقها «صخر» بنظرةٍ صارمة زاجرة، وضغط على كتفها الأيمن بقوّةٍ ألجمت حركتها، وأمرها بلهجةٍ حازمة:

«اطلعوا فوق.»

في تلك اللحظة الحرجة، ورغم كبريائها الجريح، لم تجد «كارين» مفرّاً من الإذعان لحقيقةٍ جليّة: أنّ بناتها في هذا المصير الموحش بحاجةٍ ماسّة إلى ظهيرٍ يحميهنّ، ولو كان هذا الظهير ينضح بالقسوة.

* * *

توقّفت سيارة الأجرة العتيقة بهديرٍ خافت أشبه بأنفاس مُجهَدٍ ينازع البقاء، ورَبضت أمام بناية «الجبالي» الشاهقة التي بدت وكأنها تتحدّى السحاب برسوخها. ومن جوف السيارة ترجّلت «مياسين» بخطىً تكسوها الحيرة، وتبعتها بناتها الثلاث، فالتففن حول أمهنّ كفراخٍ صغيرة أفزعتها رياح المصير الغامض. رفعت «مياسين» بصرها المتعب إلى شموخ المبنى وجدرانه الطاعنة في القِدم، ثم أدارت رأسها يميناً فاصطدمت عيناها بشادر زوجها الراحل «كريم الجبالي» المنصوبة أعمدته في قلب الحارة، شاهداً صامتاً على غيابٍ أليم، ومفتتحاً لمستقبلٍ تلفّه غياهب المجهول.

تنفّست بعمقٍ يحمل لوعة الكتمان، ثم اقتربت بوجلٍ من رجلٍ كان يقف قرب الشادر، يلوّن صمت المكان بتمتماتٍ خافتة، وحاولت جاهدةً أن تسيطر على ارتجاف أوصالها، وسألته عن شقيق زوجها:

«لو سمحت... صخر الجبالي فين؟»

تسمّر الرجل في مكانه وحدّق فيها. فرغم أنّ «مياسين» كانت قد جاوزت الأربعين، ظلّت ملامحها تحتفظ ببريق جمالٍ وحيويةٍ أخّاذة تشدّ الأنظار، وتتحدّى سنوات الشقاء التي حفرت أخاديدها في روحها. فمسح الرجل وجهها بنظرةٍ خبيثة تقطر دناءة، وانفرجت شفتاه عن ابتسامةٍ صفراء مفعمة بالوقاحة والاستخفاف، وأجابها:

«مينفعش إسماعيل يا عسل؟»

وفي لمح البصر، اشتعل الغضب في عينيها المجهدتين. ولم يكن ذعرها خوفاً على نفسها بقدر ما كان ذَوداً عن بناتها اللواتي يراقبن المشهد بعيونٍ ملؤها الوجل. فرفعت سبّابتها اليمنى بحدّةٍ قاطعة، ورسمت بها في الهواء حاجزاً تحذيرياً صامتاً بينها وبين دناءته، وهتفت في أنفة:

«خلاص... مش عايزة حاجة!»

وفي تلك الأثناء، كان «صخر» في جوف الشادر، فاستثارت سمعَه أصواتُ المشادّة الحادّة التي انبعثت من الخارج، فضاقت عيناه الصقريتان وتملّكه ضجرٌ عارم، إذ لم يكن ليسمح بأدنى ضوضاء تعكّر وقار الموت أمام الشادر. فخرج مسرعاً بملامح صارمة كأنها قُدّت من صخرٍ يحمل اسمه، وحجب بجسده الضخم وقامته المديدة جانباً من ضوء النهار المنعكس على ممرّ الحارة، وصاح بنبرةٍ جهورية غاضبة تجسّد هيبة العائلة وسطوتها:

«إيه الدوشة دي!»

ارتعد «إسماعيل»، وانقلب كبرياؤه ذلّاً في لحظة، وأخذ يتلعثم محاولاً تبرير موقفه بكلماتٍ متقطّعة، بينما ارتعدت «مياسين» وبناتها من هالة «صخر» المخيفة ونبرته الكاسرة التي تفرض الصمت فرضاً:

«الـ... الأستاذة بتسأل عليك يا معلّم صخر.»

ولم يكن «صخر» ممّن ينتظرون اعتذاراً أو يُمهلون المخطئ حتى يُنهي جملته. فما إن انقطعت كلمات «إسماعيل» حتى نزلت على مؤخرة رأسه صفعةٌ قوية كالصاعقة، أطاحت بوقاحته وجعلته يتهاوى. ثم التفت «صخر» بعينين تتقدان غيظاً وترقّباً ليتأمّل «مياسين» وبناتها، وعاد ببصره المقتَ إلى «إسماعيل» المطروح أرضاً، وزأر بصوتٍ زلزلت قعقعته أركان المكان:

«وإنت بقى شيخ الحارة بروح أمك؟ غُور يا ولا من هنا!»

وحين انصاع «إسماعيل» للأمر وهرول مغادراً في خزي، بقي «صخر» واقفاً كالسنديان، يسبر بنظراته ملامح تلك المرأة التي لم يكد يعرفها من شدّة المفاجأة. وكانت هي ترنو إليه بثباتٍ غريب مهيب، كأنها تحمل في صدرها جبالاً من الأسرار تفوق طاقة البشر. اقترب منها خطوةً وئيدة، وقال بنبرةٍ متحفّظة يحوطها الغموض:

«حضرتِك قلتِ... عايزاني؟»

ارتبكت «مياسين» لثوانٍ تلاشت فيها الكلمات عن لسانها، ثم التفتت خلفها حيث وقفت بناتها الثلاث متلاصقات، كأنّ الخوف صهرهنّ في جسدٍ واحد، يختبئن خلف ظهر أمّهنّ من نظرات عمّهنّ الحادّة، تلك النظرات الصارمة التي لا يعرف «صخر» نفسه كيف يكبح قسوتها في مثل هذه اللحظات العصيبة.

ولمّا طال الصمت ولم يتلقَّ جواباً يشفي حيرته، أعاد «صخر» سؤاله بنبرةٍ أشدّ حدّةً وقسوة، كمن يريد اقتحام أسوار ذلك الصمت المريب:

«مين حضرتِك؟»

رفعت «مياسين» رأسها بكبرياءٍ جريح، وتنفّست بعمق، وجمعت فيه بقايا شجاعتها، ثم نطقت بالكلمة التي وقعت على مسامع «صخر» كسقوطٍ مدوٍّ من علوٍ شاهق لا يُرى له قاع:

«أنا... أنا مرات كريم الجبالي، وبناته من حقهم يحضروا جنازة أبوهم.»

تجمّد «صخر» في مكانه لحظةً ذهلت فيها حواسّه، وارتسمت على وجهه الصارم صدمةٌ جديدة زلزلت استقراره، لا تقلّ عتوّاً وضراوةً عن تلك التي تلقّاها مطلع الصباح حين أُخبر بأنّ أخاه قد سفك دماً. وشعر في الحال كأنّ أرض الحقيقة تُسحب بعنفٍ من تحت قدميه، وأنّ كلّ ما ظنّه راسخاً في عُرف عائلته ينهار دفعةً واحدة كقصورٍ من رمل. وفي تلك الأثناء كانت عينا «مياسين» تراقبان خلجات وجهه وحركات عينيه، تبحثان في قسوته عن أثرٍ لرحمةٍ منسيّة أو تفهّمٍ غائب، بينما تشبّثت الفتيات بثوب أمّهنّ يترقّبن مصيرهنّ. وردّد «صخر» في سرّه بذهولٍ قاتل:

«بنات كريم...»

* * *

وعلى الجانب الآخر، في شقة آل «الجبالي»، لم تكن الأجواء العلوية أقلّ اشتعالاً. فقد دلف «سليم» إلى الردهة بخطىً متهالكة من عناء الترتيبات، مستنداً بكفّه إلى جدار الممرّ، وتوجّه مباشرةً إلى الحمّام ليغسل عن نفسه غبار ذلك اليوم الطويل. ولم تكد «صافي» تلتقط أنفاسها وتجلس في ركن الغرفة حتى تناهى إلى مسامعها صوت «نجوى» وهي تقول بحنقٍ مكتوم، مشيرةً إلى ركن النسوة الوافدات:

«مرات عمك وبناتها مش طايقيننا.»

خرج «سليم» من الحمّام ملوّحاً بيده في حركةٍ تنمّ عن عدم اكتراث، مستخفّاً بتلك المشاعر الموتورة بعد أن بلغه تهكّمهنّ السابق:

«هنعملهم إيه؟ هنتحايل عليهم علشان يحبونا؟»

جاءه الردّ سريعاً كالنصل من «صافي» التي كانت تتابع الحوار بنظراتٍ متّقدة من خلف باب الغرفة، وهتفت مصحوبةً بإيماءةٍ حادّة من رأسها:

«لأ، نمشي، طالما مش طايقين بعض.»

التفت إليها وعيناه تنطقان بغضبٍ صريح من هذه الجرأة المتواصلة والتنصّت المستفزّ:

«ده إنتِ رامية ودانك من بدري!»

ولحسن حظّها في تلك اللحظة، تدخّلت «الحاجة فاطمة» لتلقي عباءة حمايتها على الفتاة، وبرّرت موقفها بنبرةٍ هادئة:

«كانت بتدوّر على الحمّام ودخلت الأوضة عندك.»

طأطأت «صافي» رأسها بحنقٍ، متوارية خلف عنادها، وعقدت ساعديها فوق صدرها في وضعٍ دفاعي، بينما غمغم «سليم» بنبرةٍ كقعقعة الرعد من فرط كظمه الغيظ وضغطه على أسنانه:

«دي عدوانية وبتكره كل عيلتها.»

لم تحتمل «صافي» هذا الهجوم، فأطلقت حقدها الدفين كلماتٍ زادت الموقف اشتعالاً:

«مين قالك إني معترفة بيكم عيلتي؟»

رفع «سليم» بصره إليها، وفي عينيه خليطٌ من التحدّي والاستنكار:

«مش بقولك عدوانية!»

ارتفع صوت «كارين» وهي تخرج من غرفة المعيشة، تتبعها «جيهان»، وقد جاءت تدافع عن ابنتها في وجه «نجوى» و«سليم»، وصاحت مستفسرةً عن هذا العراك الصاخب:

«في إيه يا صافي؟»

أجابت «صافي» بنبرةٍ مهتزّة يرتجف لها كيانها من التوتر:

«عايزة أمشي.»

عندها أطلق «سليم» نبرته الساخرة ليُحكم حصاره عليها:

«لمّا جدّك وعمّك يرجعوا من العزا.»

لكنّ سخريته لم تزدها إلا عناداً، فخرج صوتها جافّاً يقطر تحدّياً سافراً:

«مش إنتم اللي تقرّروا، أنا اللي أقرّر.»

تدخّلت «كارين» لتضع حدّاً لهذا الجدال العقيم، وقالت كمن يلقي بورقةٍ رابحة لتهديدهم:

«صافي كان كتب كتابها آخر الشهر، يعني هتريّحكم منها.»

انتهز «سليم» الفرصة ليوجّه إليها سهماً آخر من سهام تهكّمه اللاذع:

«أكيد اللي هيتجوزك أمه هتبقى داعية عليه من لسانك الطويل.»

لم تحتمل الفتيات والنساء هذا التهكّم، فاشتعل الشجار بين «جيهان» و«صافي» و«كارين» من جهة، و«نجوى» التي انبرت تذود عن ولدها بحميّة الأمومة من جهة أخرى، وتعالى الصراخ في أرجاء الشقة الطاعنة في القِدم. وفجأةً ضربت «الحاجة فاطمة» الأرض بعصا الحسم، وصدح صوتها بصرامةٍ أنهت اللغط المحتدم:

«هو مفيش احترام لوجودي؟ كل واحدة تشوف اللي وراها... ادخلي أوضتك يا صافي.»

امتعض وجه «صافي»، وردّت بمرارةٍ وعجرفة تليقان بنشأتها:

«أنا متعوّدة أنام في أوضة كبيرة... عايزة أرجع بيتنا!»

فأجابتها «الحاجة فاطمة» بنبرةٍ هادئة تحاول احتواءها:

«ما هو ده برضه بيتك.»

أشارت «صافي» بإصبعها، بكيدٍ وخبث، نحو غرفة «سليم» المجاورة، وقالت بصَلَف:

«أنا عايزة آخد الأوضة دي!»

سقطت الكلمات كالصاعقة على «سليم» الذي ذُهل من فرط خبثها ومحاولتها المتواصلة لاستفزازه واقتحام خصوصيته، بينما اتسعت عينا «نجوى» و«كارين» دهشةً من هذه الجرأة. ولم يقطع هذا الذهول سوى ضحكةٍ خفيفة انطلقت من صدر «الحاجة فاطمة»، التي وجدت في عناد الصغيرة تسليةً وسبيلاً إلى ربطها بالدار.

أدرك «سليم» أنّ البقاء تحت هذا السقف، مع وجود هؤلاء النسوة وعناد «صافي»، سيحيل حياته جحيماً لا يُطاق، فقرّر في حسمٍ وعزّة نفس أن ينسحب من المواجهة مؤقتاً. التفت إلى جدّته وأمّه، وجمع ثيابه وحاجياته المبعثرة، وتوجّه نحو باب الشقة وعيناه ترميان «صافي» بشرر الوعيد، معلناً رحيله ليقيم في شقته المستقلة التي كان قد اتخذها مكتباً للمحاماة، هرباً من هذا الضجيج العائلي المستعر، تاركاً خلفه نار الحرب مشتعلةً بين جدران آل الجبالي، وقال وهو يغادر:

«اشبعي بالشقة كلها.»

ـ نهاية الليلة الثانية

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حارة العاشقين    الليلة السابعة

    انتهزت "كارين" خلوّ الدار وانقلاب أحوالها رأساً على عقب، إثر هرولة عائلة زوجها الراحل "كريم الجبالي" نحو المشفى للاطمئنان على شقيقه "صخر" بعد أن باغتت الجلطةُ القلبية جسده المثقل بالهموم. التفتت إلى بناتها في عجلةٍ من أمرها، وقد تملكتها رغبةٌ عارمة في الانعتاق من أسر تلك الجدران التي شهدت خديعة عمرها، وضمّت طفلها الرضيع بين ذراعيها تحميه كمن يحوز غنيمةً متأخرة، ثم هتفت بنبرةٍ حادة مستعجلة تكسر سكون الردهة:"قاعدين مستنيين إيه؟!"شخصت نظرات "صافي" نحو عتبة غرفة نوم "سليم"، وتزاحمت الأسئلة في خلدها: أهكذا تُطوى الصفحات، وتغادر تلك البناية بهذه السهولة والسرعة دون وداع؟ فتمتمت بصوتٍ خافت:"يعني هنمشي؟"وفي تلك الأثناء انبرت شقيقتها "جيهان" تسأل في حيرةٍ من أمر الغد، وقد أقلقها شبح الفاقة المتربص بهن:"وهنصرف منين يا مامي؟"أجابتها كارين وهي تُحكم قبضة كفها الأيمن على مقبض حقيبة ثيابها، بينما يتوسد رضيعها ذراعها الأيسر، متمتمةً بصرامةٍ لا تلين:"أنا هتصرف.. خلينا نمشي قبل ما حد يرجع، مش حاجاتكم لسة في الشنط؟"فجاءها رد الابنتين كصوتٍ واحد:"أيوة لسة زي ما هي في الشنط."فأصدرت إليهما أمر ا

  • حارة العاشقين    الليلة السادسة

    وقف شقيق الطبيب في ركنٍ منزوٍ من صالة الوصول بالمطار، يجاوره الفتى «حمزة»، ابن شقيقهم المقتول «مصطفى» الذي قُطف زهر شبابه بغتةً وذهبت روحه هباءً على يد «كريم الجبالي». كانوا يرقبون بآمالٍ متعبة انشقاق رداء العتمة عن مسافرهم المنتظر. ولم يكن الانتظار هناك دعةً ولا راحة، بل احتقاناً ثقيلاً تدور تحت ظلاله الظنون، ولا سيّما أنّ العائد هو الطبيب النفسي الحاذق «بشر شوكت المصري»، الشهير بـ«باشا». فقد طار إليه في بلاد الغرب نعيُ أخيه وهو في صدارة مؤتمرٍ طبيّ حافل، يصول فيه ويجول بين أطباء الإفرنج، فقلبت الفاجعة المباغتة مجالس علمه مآتم، وعاد على عجلٍ يحمل بين جنبيه لوعةً كاوية وثأراً مبيّتاً.وما إن أطلّت قامته المديدة من بين بوّابات الخروج حتى شخصت إليه الأبصار مهابةً. فلم يكن «بشر» ممّن تفيض مآقيهم بالدمع عند الخطوب، بل كان ظهوره آيةً في السكينة الجافة الباردة. لم يبدُ منه في وهلة اللقاء سوى نظراتٍ ساكنة كبحرٍ لجّيّ، وأنفاسٍ كادت تتسارع من فرط الوجد المكبوت والمفاجأة القاسية لولا أنه لجمها بوقاره الطاغي، فابتلع حشرجة الأسى، وارتسمت على محيّاه ملامح جافية كأنها قُدّت من صخر. وكان تحوّلاً مبا

  • حارة العاشقين    الليلة الخامسة

    تسمّرت أقدام فتية «صخر» الخمسة عند باب غرفة الطوارئ، وشخصت أبصارهم نحو الباب الموصد، وقد تملّكهم لغوب الانتظار الممزوج بآمالٍ واهية في أن ينقشع هذا الكابوس على لسان الطبيب بكلمة طمأنينة تخفّف مأساة تلك الليلة البهيمة. فلمّا انشقّ رداء العتمة وخرج الطبيب من الغرفة بخطىً متهالكة، انبرى له «سليم» مستوقفاً إياه بنبرةٍ ترتعش هلعاً:«طمّني عليه.»بيد أنّ الطبيب لم يلتفت إليه بكثير اهتمام، بل مضى واضعاً كفّيه في جيبي معطفه الأبيض، بنظراتٍ لاهية خالية من الاكتراث، إذ كانت أروقة المشفى تموج بحالاتٍ حرجة أخرى تستدعي عجلته. فألقى إليهم بكلماتٍ جافة مقتضبة:«كان عنده جلطة قلبية وسيّحناها، وهننقله الإفاقة.»* * *وفي تلك الأثناء، داخل شقة آل «الجبالي» التي ران عليها بؤس الفجيعة، كانت «كارين» تجلس واجمةً قبالة بناتها، تكاد عيناها تطرفان بذهولٍ يلامس حافة الجنون. وقد تملّكتها لوعة الخديعة المريرة جرّاء ما اقترفته يدا زوجها الراحل في الخفاء، فتمتمت بنبرةٍ مخنوقة بالغِلّ:«متجوز وعنده تلات بنات في السرّ، وأنا المغفّلة اللي نايمة على وداني!»وعلى حين غرّة، انتبه وعيها الجريح إلى الكلمات الحاسمة التي أل

  • حارة العاشقين    الليلة الرابعة

    انفجر البيت الجباليّ في تلك الليلة انفجارَ صدرٍ كظيم احتبس في غياهبه دخانُ الأسرار الثقيلة عقوداً طوالاً حتى غصّت بها جنباته. فما إن تهاوى «صخر» بجسده الفارع على أرضية الشقة، وقد أصابه وقع الكلمات كعمودٍ رخاميّ تصدّع في قلب معبدٍ أثريّ عتيق، حتى تلاشت طمأنينة السكون الزائفة. وتحوّلت الجدران التي طالما استترت خلفها ضوضاء العائلة بأوهام التماسك الظاهري إلى مسرحٍ مشحون بذهول الفزع وعويل النساء ووجوم الترقّب المريب. اندفع الجميع نحوه في وهلةٍ واحدة، تحرّكهم غريزة الذعر البدائي التي تصيب البشر حين يعاينون القويَّ صريعاً لأول مرة، ويرون الجبل الأشمّ الذي استندوا إليه يتداعى مستسلماً أمام أعينهم. وكان «سليم» أول من اخترق جدار تردّده المعهود، فألقى بنفسه على ركبتيه إلى جوار أبيه المسجّى، وانحنى بقامته اليافعة فوقه، وعيناه متسعتان بذعرٍ حقيقيّ لم يذق قلبه المستهتر طعمه من قبل. دسّ ذراعه الغضّة تحت كتفي أبيه المنهك ورفعه بعجلةٍ شابها الارتباك، كمن يخشى أن تسبقه يدُ المنون المتسلّلة في العتمة، وأنفاسه المتقطّعة تضرب جدار صدره بوعيدٍ موجع. لم يعد في تلك الدقيقة الرهيبة خصماً عنيداً يبتغي التمرّد،

  • حارة العاشقين    الليلة الثالثة

    تسمّرت قدما «سليم» في مكانهما، وقد غشيته سحابةُ خيبةٍ مريرة حين أبصر «الحاجة فاطمة» تنفضّ من حوله وتتخلّى عن نصرته. وتمكّنت منه لوعةٌ على أمٍّ سيعتصر الحزنُ قلبها كمداً عليه، في الوقت الذي انطلقت فيه نظرات الزهو والانتصار من عيون زوجة عمّه الراحل وبناتها، يرمقنه بها ويُجهزن بها على ما بقي من كرامته. وفي تلك السكينة الموتورة، انسلّ كلبُ «سليم» من غياهب الغرفة واقتحم الردهة، فارتجّ المكان بصرخةٍ فزعت لها «صافي» وقفزت فوق المقعد بهلعٍ طفولي. انحنى «سليم» بجسده اليافع يربّت على رأس أليفه في هدوء، وحرّك حدقتيه في نظراتٍ ذات مغزى استقرّت عند عيني «صافي» الواجفتين. هتفت «الحاجة فاطمة» بنبرةٍ آمرة: «اربط الكلب يا سليم.» فلاعب «سليم» حاجبيه باستهانةٍ ومرح، وهتف مشاكساً: «هو ده اللي هيربّيها.» وعلى عتبة المستودع الغارق في عتمته، وقف «صخر» شامخاً بملامح وقورة، وقال بجديّةٍ قاطعة: «خلّينا نتكلم في المستودع أحسن.» وما إن دلف ودخلت خلفه «مياسين» وبناتها الثلاث بخطىً مثقلة بالريبة، حتى صدح صوته ينادي والده. فخرج الشيخ الكبير من جوف الشادر المنصوب للعزاء، وقد ارتسمت على وجهه علامات الاستفهام، و

  • حارة العاشقين    الليلة الثانية

    عادت النسوة إلى شقة عائلة «الجبالي»، تطاردهنّ في العتمة أسئلةٌ قلقة لم تجد لها جواباً شافياً. وكانت «ورد» تجاهد لتستوعب هذا التحوّل المباغت في مجرى الأحداث، فخرقت الصمت المتوجّس بسؤالٍ امتزجت فيه الدهشة بالاستنكار: «كريم بيعمل إيه هنا من غير أمه؟» شرع «الحاج صالح» يقصّ عليهنّ تفاصيل ذلك اللقاء الخاطف العاصف الذي جمعه بزوجة نجله الراحل. فلطمت «الحاجة فاطمة» صدرها بكفٍّ مرتجفة، وفي حركتها العفوية ثِقلُ أسىً موروث، وهتفت بنبرةٍ مثقلة بالتوجّس: «أمه مش هتسكت.» غير أنّ غريزة الأمومة والجدّة سرعان ما غلبت مخاوفها، فبسطت ذراعيها لذلك الصغير الذي صار ريشةً في مهبّ صراعات الكبار، وناحته بحنانٍ دافق يحاول أن يمحو خوفه: «تعالى يا كريم.» وفي أسفل البناية، كان شادر العزاء قد نُصبت أعمدته الخشبية وفُرشت جنباته بالأقمشة الداكنة، ليتلقّى آل الجبالي العزاء في فقيدهم «كريم». وكان الشارع يعجّ بالحركة والضجيج المعتادين في الحارة العتيقة، والجميع يترقّبون تشييع الجنازة ومراسم الدفن. نزل «الحاج صالح» درجات السلم بخطىً وئيدة يكسوها الوقار، يتبعه ابنه «صخر» وأحفاده، حتى وقف قبالة «كارين» التي كانت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status