Home / الرومانسية / حارة العاشقين / الليلة الخامسة

Share

الليلة الخامسة

last update publish date: 2026-10-12 16:06:03

تسمّرت أقدام فتية «صخر» الخمسة عند باب غرفة الطوارئ، وشخصت أبصارهم نحو الباب الموصد، وقد تملّكهم لغوب الانتظار الممزوج بآمالٍ واهية في أن ينقشع هذا الكابوس على لسان الطبيب بكلمة طمأنينة تخفّف مأساة تلك الليلة البهيمة. فلمّا انشقّ رداء العتمة وخرج الطبيب من الغرفة بخطىً متهالكة، انبرى له «سليم» مستوقفاً إياه بنبرةٍ ترتعش هلعاً:

«طمّني عليه.»

بيد أنّ الطبيب لم يلتفت إليه بكثير اهتمام، بل مضى واضعاً كفّيه في جيبي معطفه الأبيض، بنظراتٍ لاهية خالية من الاكتراث، إذ كانت أروقة المشفى تموج بحالاتٍ حرجة
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • حارة العاشقين    الليلة السابعة

    انتهزت "كارين" خلوّ الدار وانقلاب أحوالها رأساً على عقب، إثر هرولة عائلة زوجها الراحل "كريم الجبالي" نحو المشفى للاطمئنان على شقيقه "صخر" بعد أن باغتت الجلطةُ القلبية جسده المثقل بالهموم. التفتت إلى بناتها في عجلةٍ من أمرها، وقد تملكتها رغبةٌ عارمة في الانعتاق من أسر تلك الجدران التي شهدت خديعة عمرها، وضمّت طفلها الرضيع بين ذراعيها تحميه كمن يحوز غنيمةً متأخرة، ثم هتفت بنبرةٍ حادة مستعجلة تكسر سكون الردهة:"قاعدين مستنيين إيه؟!"شخصت نظرات "صافي" نحو عتبة غرفة نوم "سليم"، وتزاحمت الأسئلة في خلدها: أهكذا تُطوى الصفحات، وتغادر تلك البناية بهذه السهولة والسرعة دون وداع؟ فتمتمت بصوتٍ خافت:"يعني هنمشي؟"وفي تلك الأثناء انبرت شقيقتها "جيهان" تسأل في حيرةٍ من أمر الغد، وقد أقلقها شبح الفاقة المتربص بهن:"وهنصرف منين يا مامي؟"أجابتها كارين وهي تُحكم قبضة كفها الأيمن على مقبض حقيبة ثيابها، بينما يتوسد رضيعها ذراعها الأيسر، متمتمةً بصرامةٍ لا تلين:"أنا هتصرف.. خلينا نمشي قبل ما حد يرجع، مش حاجاتكم لسة في الشنط؟"فجاءها رد الابنتين كصوتٍ واحد:"أيوة لسة زي ما هي في الشنط."فأصدرت إليهما أمر ا

  • حارة العاشقين    الليلة السادسة

    وقف شقيق الطبيب في ركنٍ منزوٍ من صالة الوصول بالمطار، يجاوره الفتى «حمزة»، ابن شقيقهم المقتول «مصطفى» الذي قُطف زهر شبابه بغتةً وذهبت روحه هباءً على يد «كريم الجبالي». كانوا يرقبون بآمالٍ متعبة انشقاق رداء العتمة عن مسافرهم المنتظر. ولم يكن الانتظار هناك دعةً ولا راحة، بل احتقاناً ثقيلاً تدور تحت ظلاله الظنون، ولا سيّما أنّ العائد هو الطبيب النفسي الحاذق «بشر شوكت المصري»، الشهير بـ«باشا». فقد طار إليه في بلاد الغرب نعيُ أخيه وهو في صدارة مؤتمرٍ طبيّ حافل، يصول فيه ويجول بين أطباء الإفرنج، فقلبت الفاجعة المباغتة مجالس علمه مآتم، وعاد على عجلٍ يحمل بين جنبيه لوعةً كاوية وثأراً مبيّتاً.وما إن أطلّت قامته المديدة من بين بوّابات الخروج حتى شخصت إليه الأبصار مهابةً. فلم يكن «بشر» ممّن تفيض مآقيهم بالدمع عند الخطوب، بل كان ظهوره آيةً في السكينة الجافة الباردة. لم يبدُ منه في وهلة اللقاء سوى نظراتٍ ساكنة كبحرٍ لجّيّ، وأنفاسٍ كادت تتسارع من فرط الوجد المكبوت والمفاجأة القاسية لولا أنه لجمها بوقاره الطاغي، فابتلع حشرجة الأسى، وارتسمت على محيّاه ملامح جافية كأنها قُدّت من صخر. وكان تحوّلاً مبا

  • حارة العاشقين    الليلة الخامسة

    تسمّرت أقدام فتية «صخر» الخمسة عند باب غرفة الطوارئ، وشخصت أبصارهم نحو الباب الموصد، وقد تملّكهم لغوب الانتظار الممزوج بآمالٍ واهية في أن ينقشع هذا الكابوس على لسان الطبيب بكلمة طمأنينة تخفّف مأساة تلك الليلة البهيمة. فلمّا انشقّ رداء العتمة وخرج الطبيب من الغرفة بخطىً متهالكة، انبرى له «سليم» مستوقفاً إياه بنبرةٍ ترتعش هلعاً:«طمّني عليه.»بيد أنّ الطبيب لم يلتفت إليه بكثير اهتمام، بل مضى واضعاً كفّيه في جيبي معطفه الأبيض، بنظراتٍ لاهية خالية من الاكتراث، إذ كانت أروقة المشفى تموج بحالاتٍ حرجة أخرى تستدعي عجلته. فألقى إليهم بكلماتٍ جافة مقتضبة:«كان عنده جلطة قلبية وسيّحناها، وهننقله الإفاقة.»* * *وفي تلك الأثناء، داخل شقة آل «الجبالي» التي ران عليها بؤس الفجيعة، كانت «كارين» تجلس واجمةً قبالة بناتها، تكاد عيناها تطرفان بذهولٍ يلامس حافة الجنون. وقد تملّكتها لوعة الخديعة المريرة جرّاء ما اقترفته يدا زوجها الراحل في الخفاء، فتمتمت بنبرةٍ مخنوقة بالغِلّ:«متجوز وعنده تلات بنات في السرّ، وأنا المغفّلة اللي نايمة على وداني!»وعلى حين غرّة، انتبه وعيها الجريح إلى الكلمات الحاسمة التي أل

  • حارة العاشقين    الليلة الرابعة

    انفجر البيت الجباليّ في تلك الليلة انفجارَ صدرٍ كظيم احتبس في غياهبه دخانُ الأسرار الثقيلة عقوداً طوالاً حتى غصّت بها جنباته. فما إن تهاوى «صخر» بجسده الفارع على أرضية الشقة، وقد أصابه وقع الكلمات كعمودٍ رخاميّ تصدّع في قلب معبدٍ أثريّ عتيق، حتى تلاشت طمأنينة السكون الزائفة. وتحوّلت الجدران التي طالما استترت خلفها ضوضاء العائلة بأوهام التماسك الظاهري إلى مسرحٍ مشحون بذهول الفزع وعويل النساء ووجوم الترقّب المريب. اندفع الجميع نحوه في وهلةٍ واحدة، تحرّكهم غريزة الذعر البدائي التي تصيب البشر حين يعاينون القويَّ صريعاً لأول مرة، ويرون الجبل الأشمّ الذي استندوا إليه يتداعى مستسلماً أمام أعينهم. وكان «سليم» أول من اخترق جدار تردّده المعهود، فألقى بنفسه على ركبتيه إلى جوار أبيه المسجّى، وانحنى بقامته اليافعة فوقه، وعيناه متسعتان بذعرٍ حقيقيّ لم يذق قلبه المستهتر طعمه من قبل. دسّ ذراعه الغضّة تحت كتفي أبيه المنهك ورفعه بعجلةٍ شابها الارتباك، كمن يخشى أن تسبقه يدُ المنون المتسلّلة في العتمة، وأنفاسه المتقطّعة تضرب جدار صدره بوعيدٍ موجع. لم يعد في تلك الدقيقة الرهيبة خصماً عنيداً يبتغي التمرّد،

  • حارة العاشقين    الليلة الثالثة

    تسمّرت قدما «سليم» في مكانهما، وقد غشيته سحابةُ خيبةٍ مريرة حين أبصر «الحاجة فاطمة» تنفضّ من حوله وتتخلّى عن نصرته. وتمكّنت منه لوعةٌ على أمٍّ سيعتصر الحزنُ قلبها كمداً عليه، في الوقت الذي انطلقت فيه نظرات الزهو والانتصار من عيون زوجة عمّه الراحل وبناتها، يرمقنه بها ويُجهزن بها على ما بقي من كرامته. وفي تلك السكينة الموتورة، انسلّ كلبُ «سليم» من غياهب الغرفة واقتحم الردهة، فارتجّ المكان بصرخةٍ فزعت لها «صافي» وقفزت فوق المقعد بهلعٍ طفولي. انحنى «سليم» بجسده اليافع يربّت على رأس أليفه في هدوء، وحرّك حدقتيه في نظراتٍ ذات مغزى استقرّت عند عيني «صافي» الواجفتين. هتفت «الحاجة فاطمة» بنبرةٍ آمرة: «اربط الكلب يا سليم.» فلاعب «سليم» حاجبيه باستهانةٍ ومرح، وهتف مشاكساً: «هو ده اللي هيربّيها.» وعلى عتبة المستودع الغارق في عتمته، وقف «صخر» شامخاً بملامح وقورة، وقال بجديّةٍ قاطعة: «خلّينا نتكلم في المستودع أحسن.» وما إن دلف ودخلت خلفه «مياسين» وبناتها الثلاث بخطىً مثقلة بالريبة، حتى صدح صوته ينادي والده. فخرج الشيخ الكبير من جوف الشادر المنصوب للعزاء، وقد ارتسمت على وجهه علامات الاستفهام، و

  • حارة العاشقين    الليلة الثانية

    عادت النسوة إلى شقة عائلة «الجبالي»، تطاردهنّ في العتمة أسئلةٌ قلقة لم تجد لها جواباً شافياً. وكانت «ورد» تجاهد لتستوعب هذا التحوّل المباغت في مجرى الأحداث، فخرقت الصمت المتوجّس بسؤالٍ امتزجت فيه الدهشة بالاستنكار: «كريم بيعمل إيه هنا من غير أمه؟» شرع «الحاج صالح» يقصّ عليهنّ تفاصيل ذلك اللقاء الخاطف العاصف الذي جمعه بزوجة نجله الراحل. فلطمت «الحاجة فاطمة» صدرها بكفٍّ مرتجفة، وفي حركتها العفوية ثِقلُ أسىً موروث، وهتفت بنبرةٍ مثقلة بالتوجّس: «أمه مش هتسكت.» غير أنّ غريزة الأمومة والجدّة سرعان ما غلبت مخاوفها، فبسطت ذراعيها لذلك الصغير الذي صار ريشةً في مهبّ صراعات الكبار، وناحته بحنانٍ دافق يحاول أن يمحو خوفه: «تعالى يا كريم.» وفي أسفل البناية، كان شادر العزاء قد نُصبت أعمدته الخشبية وفُرشت جنباته بالأقمشة الداكنة، ليتلقّى آل الجبالي العزاء في فقيدهم «كريم». وكان الشارع يعجّ بالحركة والضجيج المعتادين في الحارة العتيقة، والجميع يترقّبون تشييع الجنازة ومراسم الدفن. نزل «الحاج صالح» درجات السلم بخطىً وئيدة يكسوها الوقار، يتبعه ابنه «صخر» وأحفاده، حتى وقف قبالة «كارين» التي كانت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status