LOGINالفصل السادس العقد
في الأسبوع التالي، كان ياسر في مكتبه. كان يفكر. كان يفكر في سيف. في سارة. في نورا. كان يفكر في أن حياته — التي بناها بعناية — تتداعى. وأنه لا يعرف كيف يمنع ذلك.
في تلك الليلة، دعا نورا إلى مكتبه. كان جالساً خلف مكتبه. كان يبدو رسمياً. أكثر رسمية من المعتاد.
"أريد أن أقترح شيئاً،" قال.
"ماذا؟"
"سارة... سارة قد تعود. قد تحاول أن تأخذ سيف. أنا بحاجة إلى حمايته. إلى حماية حقوقه. أنا بحاجة إلى..."
توقف. ثم قال:
"أنا بحاجة إلى أن تكوني هنا. رسمياً. بشكل قانوني."
"ماذا تقصد؟"
"أقصد... زواجاً."
صمت. صمت طويل. كانت نورا تنظر إليه. كانت تفكر في أنها قد تكون نائمة. في أنها قد تكون تحلم. في أن هذا — الزواج — هو الشيء الذي انتظرته طوال حياتها. لكنه — في هذه اللحظة — يبدو مختلفاً. يبدو... بارداً.
"زواجاً؟" قالت بهدوء.
"زواجاً صورياً. عقداً. أنتِ تكونين أمّاً لسيف رسمياً. لدي الحق في منع سارة من أخذه. وأنتِ..."
"وأنا ماذا؟"
"وأنتِ تحصلين على استقرار. على بيت. على..."
"على ماذا؟ على لقب؟ على أن أكون 'السيدة المنيف' بدلاً من 'المربية نورا'؟"
نظر إليها ياسر. كانت نظراته تحمل شيئاً يشبه الندم.
"أنا لا أقصد... أنا فقط أريد أن أحمي سيف. وأنتِ... أنتِ الشخص الوحيد الذي أثق به."
"أثق به؟" ضحكت نورا. ضحكة حزينة. "أنت تثق بي كمربية. كشخص يعتني بابنك. لكنك لا تثق بي كامرأة. كشخص له مشاعر. له أحلام. له..."
توقفت. لأنها كانت على وشك البكاء. ولم تكن تريد أن تبكي أمامه.
"نورا. أنا..."
"لا. دعني أكمل. أنت تريد زواجاً صورياً. عقداً. تريدني أن أكون 'أماً' لسيف دون أن أكون زوجةً لك. تريد أن تشتري حبي لسيف بالاستقرار المادي. كما تشتري كل شيء."
"هذا ليس صحيحاً."
"إذن ما هو الصحيح؟"
نظر إليها ياسر. طويلاً. كأنه يبحث عن كلمات. كأنه — للمرة الأولى — يواجه نفسه.
"الصحيح... الصحيح أنني لا أعرف ما أشعر به. أنني لا أعرف إذا كان ما بيننا... إذا كان ما بيننا مجرد تقدير، أو شيء أكبر. أنا لا أعرف. وأنا خائف. خائف من أن أخطئ. من أن أؤذيكِ. من أن أؤذي سيف."
شعرت نورا بشيء ينعم في داخلها. كان ياسر — للمرة الأولى — صادقاً. كان يعترف بضعفه. وكان هذا — كانت تعلم — أصعب شيء يمكن أن يفعله رجل.
"أنا أيضاً خائفة،" قالت بهدوء. "خائفة من أن أكون خياراً ثانوياً. خائفة من أن تستيقظ ذات يوم وتدرك أنني لست ما تريد. خائفة من أن..."
توقفت. ثم قالت:
"خائفة من أن أحبك. وأن لا تُحبني."
نظر إليها ياسر. كانت عيناه تحملان شيئاً يشبه الألم. ثم — ببطء — مد يده. وأخذ يدها.
"أنا لا أعرف إذا كنت أحبكِ. أنا أعرف أنني... أنني لا أستطيع أن أتخيل حياتي بدونكِ. أنني — عندما أعود إلى المنزل — أبحث عنكِ. أنني — عندما أراكِ مع سيف — أشعر بشيء لم أشعر به منذ سنوات. شيء يشبه... السلام."
شعرت نورا بحرارة يده. كانت يده كبيرة، خشنة، تحمل علامات العمل والتعب. كانت تبدو — للحظة — يد إنسان. ليس يد رجل أعمال. بل يد رجل.
"الزواج الصوري،" قالت بهدوء. "إذا قبلتُه. فليس لأنني أريد استقراراً مادياً. وليس لأنني أريد لقباً. بل لأنني أريد أن أحمي سيف. وأن أكون هنا. وأن..."
"وأن ماذا؟"
"وأن أعطي نفسي فرصة. فرصة أن أكون أكثر من مجرد مربية. أن أكون..."
لم تكمل. لأن ياسر — ببطء، بحذر — اقترب منها. وقبل جبينها.
كان قبلاً خفيفاً. قبلاً يحمل شيئاً يشبه الاحترام. والحاجة. والخوف. والأمل.
"شكراً،" قال. "على كل شيء."
---
## القرار
في تلك الليلة، نامت نورا بصعوبة. كانت تفكر في ما فعلته. في الزواج الصوري. في القبلة. في ياسر. كانت تفكر في أنها — رغم كل حذرها — قد دخلت في شيء لا تستطيع التحكم فيه.
في الصباح، ذهبت إلى مسجد قريب. صلّت. دعت. سألت الله أن يهديها. أن يُرِيَها الطريق الصواب.
عندما عادت، وجدت ياسر في الصالة. كان يبدو قلقاً.
"كنتِ قلقة عليكِ. أين كنتِ؟"
"في المسجد. أحتاج إلى أن أفكر."
"وهل فكرتِ؟"
نظرت إليه. كانت تفكر في كل شيء. في عمرها. في وضعها. في ما سيقوله الناس. في ما ستقوله أمها. في ما ستقوله أختها.
ثم فكرت في سيف. في الطفل الذي يحتاجها. في الطفل الذي — ربما — يحبها. وفكرت في ياسر. في الرجل الذي يحتاجها أيضاً. ليس كمربية. بل كإنسان.
"نعم،" قالت. "فكرت. وأنا أقبل."
نظر إليها ياسر. كانت هناك ابتسامة — ابتسامة صغيرة، خجولة — ترتسم على وجهه.
"شكراً."
"لكن بشرط."
"أي شرط؟"
"أن لا نخبر سيف أن هذا زواج صوري. أن نخبره — إذا سأل — أننا تزوجنا لأننا نحب بعضنا. حتى لو كان هذا غير صحيح. الآن."
نظر إليها ياسر. طويلاً. ثم قال:
"ربما... ربما لن يكون غير صحيح. إلى الأبد."
شعرت نورا بشيء ينمو في داخلها. شيء كان يشبه الأمل. أو ربما الحب. لكنها — كانت تعلم — كانت بحاجة إلى وقت. إلى وقت لكي تعرف إذا كان هذا حقيقياً، أو مجرد وهم.
الفصل السادس العقد في الأسبوع التالي، كان ياسر في مكتبه. كان يفكر. كان يفكر في سيف. في سارة. في نورا. كان يفكر في أن حياته — التي بناها بعناية — تتداعى. وأنه لا يعرف كيف يمنع ذلك.في تلك الليلة، دعا نورا إلى مكتبه. كان جالساً خلف مكتبه. كان يبدو رسمياً. أكثر رسمية من المعتاد."أريد أن أقترح شيئاً،" قال."ماذا؟""سارة... سارة قد تعود. قد تحاول أن تأخذ سيف. أنا بحاجة إلى حمايته. إلى حماية حقوقه. أنا بحاجة إلى..."توقف. ثم قال:"أنا بحاجة إلى أن تكوني هنا. رسمياً. بشكل قانوني.""ماذا تقصد؟""أقصد... زواجاً."صمت. صمت طويل. كانت نورا تنظر إليه. كانت تفكر في أنها قد تكون نائمة. في أنها قد تكون تحلم. في أن هذا — الزواج — هو الشيء الذي انتظرته طوال حياتها. لكنه — في هذه اللحظة — يبدو مختلفاً. يبدو... بارداً."زواجاً؟" قالت بهدوء."زواجاً صورياً. عقداً. أنتِ تكونين أمّاً لسيف رسمياً. لدي الحق في منع سارة من أخذه. وأنتِ...""وأنا ماذا؟""وأنتِ تحصلين على استقرار. على بيت. على...""على ماذا؟ على لقب؟ على أن أكون 'السيدة المنيف' بدلاً من 'المربية نورا'؟"نظر إليها ياسر. كانت نظراته تحمل شيئاً ي
الفصل الخامس الزوجة السابقةفي صباح أحد الأيام، جاءت زوجة ياسر السابقة.كانت نورا في المطبخ. كانت تعد الفطور. سمعت صوت باب ينفتح. ثم صوت امرأة. صوت عالٍ، واثق، يحمل لكنة أجنبية."أين سيف؟ أريد أن أراه."خرجت نورا. كانت هناك امرأة في الصالة. امرأة جميلة. شقراء. ترتدي بدلة أنيقة. تحمل حقيبة يد باهظة. كانت تبدو — كما قالت نورا فيما بعد — "كأنها نزلت من مجلة"."من أنتِ؟" سألت المرأة بنبرة تحقيق."أنا نورا. مربية سيف.""أها. المربية الجديدة."كانت هناك نظرة — شيء يشبه الازدراء. كأن "مربية" كلمة تدل على وضع اجتماعي منخفض."أنا سارة. أم سيف. أريد أن أراه.""سيف في غرفته. لكنه...""لكنه ماذا؟""لكنه قد لا يرد عليكِ. قد لا ينظر إليكِ. كما قال سيد ياسر."تغير وجه سارة. من الواثق إلى الغاضب."أنا أمه. أنا أعرف كيف أتعامل معه."ذهبت إلى غرفة سيف. نورا تبعتها. كانت سارة تدخل بثقة. كانت تتوقع أن يركض إليها. أن يحتضنها. أن يقول "أمي".لكن سيف لم يفعل شيئاً. كان جالساً في زاويته، يلعب بقطاره. لم ينظر إليها. لم يتحرك."سيف! حبيبي! أمي هنا!"لم يرد. استمر في لعبته."سيف! انظر إلي!"ذهبت إليه. أخذت القط
الفصل الرابع: الشقوق تظهر مرت أسابيع. كانت نورا قد اعتادت على المنزل. على سيف. على ياسر. كانت قد بدأت — دون أن تدري — في بناء حياة. حياة صغيرة، بسيطة، لكنها حياة.كان ياسر يعود مبكراً أكثر. كان يأكل معهم. كان يلعب مع سيف — بلهاء في البداية، ثم بجدية. كان يطلب من نورا أن تبقى بعد أن ينام سيف. كانا يتحدثان. عن سيف. عن العمل. عن الحياة.في ليلة من الليالي، كانا جالسين في الصالة. كان ياسر يشرب قهوة. كانت نورا تشرب شايها."لماذا لم تتزوجي؟" سأل ياسر فجأة.نظرت إليه نورا. كانت السؤال — الذي سمعته مئات المرات — يبدو مختلفاً هذه المرة. ليس كسؤال مجاملة. بل كسؤال حقيقي."لماذا تسأل؟""لأنكِ... لأنكِ امرأة جميلة. ذكية. حنونة. لماذا لا يوجد رجل في حياتكِ؟"شعرت نورا بحرارة تتصاعد إلى وجهها. لم تكن تتوقع هذا السؤال. لم تكن تتوقع أن يقول إنها "جميلة". لم تكن تسمع هذه الكلمة منذ سنوات."لم أجد الشخص المناسب. و... وربما لم يجدني أحد.""أنا أجدكِ."صمت. صمت طويل. كان ياسر ينظر إليها. كانت نورا تنظر إلى كوب الشاي. كانت تفكر في أنها يجب أن تقف. أن تذهب إلى غرفتها. أن تنهي هذه المحادثة قبل أن تذهب إلى
الفصل الثالث الأيام الأولىمرت الأيام الأولى ببطء. كانت نورا تستيقظ مع سيف. تُعد له الإفطار. تأخذه إلى المدرسة. تعود معه. تلعب معه. تضعه في فراشه. ثم تجلس في غرفتها، تقرأ، تصلي، تفكر.كان ياسر يغادر المنزل في الصباح الباكر. كان يعود متأخراً. كانا يلتقيان — إذا التقيا — في المطبخ. كان يتحدث عن سيف. عن عمله. عن سفره القادم. كان لا يسألها عن نفسها. كان لا يعرف — أو ربما لا يهتم — من هي نورا خارج كونها "مربية".في اليوم السابع، حدث شيء.كان سيف في المدرسة. كانت نورا في المنزل، تنظف غرفته. وجدت — تحت سريره — صندوقاً صغيراً. كانت غريزة المربية المحترفة تقول لها: لا تفتحي. لكن الفضول كان أقوى.فتحت الصندوق. كانت هناك صور. صور لامرأة جميلة. شقراء. تبتسم. كانت تحمل طفلاً صغيراً — سيفاً عندما كان رضيعاً. كانت هناك صور لياسر. كان يبدو أصغر. كان يبتسم. كان يبدو... سعيداً.في قاع الصندوق، كانت هناك رسالة. مكتوبة بخط يد:"ياسر، أنا آسفة. لا أستطيع. أنا بحاجة إلى حياة. حياة حقيقية. مع طفل عادي. مع عائلة عادية. أنا أحبك. لكنني لا أستطيع أن أحب هذا الطفل. هو ليس طفلي. هو طفل غريب. أنا أذهب. لا تبحث عن
# الفصل الثاني البداية الجديدةدخلت نورا منزل ياسر المنيف في صباح بارد من صباحات يناير. كانت تحمل حقيبة كبيرة — ملابسها، كتبها، ذكرياتها. كانت قد أخبرت أمها أنها ستنتقل للعيش في منزل "عائلة" تعمل معها. لم تقل "منزل رجل أعمال". لم تقل "منزل طفل ذي احتياجات خاصة". قالت "عائلة"، لأنها كانت تريد أن تصدق — ولو للحظة — أنها ذاهبة إلى عائلة.كان ياسر في المطار. كان قد سافر إلى دبي لاجتماعات عمل. كان قد ترك لها مفتاح المنزل، وتعليمات مكتوبة بخط يده — خط جميل، مائل، يحمل في طياته شيئاً من العجلة:"سيف يستيقظ في الساعة السادسة. لا يأكل البيض. يشرب الحليب دافئاً. يحب أن يلعب بالقطار قبل الذهاب إلى المدرسة. لا تلمسي القطار إلا إذا عرض عليك. لا تفرضي نفسك. انتظري."انتظري. كانت هذه الكلمة الوحيدة التي تكررت في التعليمات. "انتظري حتى يأكل. انتظري حتى يلبس. انتظري حتى يتكلم. انتظري."كانت نورا تعرف كيف تنتظر. كانت قد انتظرت طوال حياتها.استيقظت في الساعة الخامسة — قبل سيف بساعة. كانت قد نامت في غرفة صغيرة بجانب غرفة سيف. كانت الغرفة بسيطة: سرير، خزانة، مكتب، نافذة تطل على الشارع. كانت قد أحضرت معها
الفصل الأول الموعد الذي لم يأتِ كانت نورا تجلس على حافة النافذة، تنظر إلى الشارع من الطابق الثاني عشر، وترى الناس يمشون في الأسفل صغاراً كالنمل. لم تكن تنتظر أحداً، ولم تكن تنتظر شيئاً. كانت مجرد تتأمل — كما تفعل المرأة التي اعتادت أن تنتظر دون أن تنتظر، أن تأمل دون أن تأمل.كانت الساعة تقترب من المغرب، وضوء الشمس يميل نحو البرتقالي الباهت. في الشقة المجاورة، سمعت صراخ طفل صغير. ابتسمت ابتسامة حزينة. كانت تعرف هذا الصراخ جيداً. كانت قد سمعته آلاف المرات في بيوت الآخرين. كانت قد هدأت من روعه آلاف المرات. كانت قد نامت معه آلاف المرات.نورا عبد الرحمن. ثمان وثلاثون عاماً. لم تتزوج. لم تخطب. لم تحب — على الأقل، لم تحب بشكل يُذكر. كانت تعمل مربية أطفال منذ اثنتي عشرة سنة. كانت قد ربت أطفالاً كثيرين: أطفالاً بكوا في حضنها، وضحكوا على كتفها، وناموا بين ذراعيها. ثم كبروا. ونسوها. وذهب آباؤهم يبحثون عن مربية أخرى لأطفال آخرين.كانت تعرف أنها "العانس". كانت تسمع هذا اللفظ في صمت الناس، وفي نظراتهم، وفي تبريراتهم لها: "نورا حرة، نورا مستقلة، نورا ناجحة في عملها". كانت تعلم أن كل هذه الكلمات مج







